وبلغ ذلك أبا مسلم، فكبر عليه اجتماع أهل الدين والعوام على حربه مع نصر، ولم يلق شيئا [٥] من المكايد أعظم في نفسه منه، فاغتمّ بذلك،
_________________
(١) في الأصل: «الروش»، وفي «عبدة الرءوس»، إشارة للمانوية.
(٢) في الأصل: «إغشام» .
(٣) في الأصل: «تايرتهم» .
(٤) تلافي به: أدرك به ثأره.
(٥) في الأصل: «شيء» .
[ ٢٩٠ ]
واهتمت الشيعة، وتلاقوا فيه، واجتمعوا له عند أبي مسلم فتناظروا فيه.
فزعم مزيد [١] بن شقيق قال: اجتمعنا لذلك عند أبي مسلم، فقال سليمان بن كثير: إنّما ينبغي لك أن تجمع إخوانك بعد إبرامك الرأي، فإذا أردت أن تصدره عرضته عليهم فإن رأوا إنفاذه أنفذته. فقال أبو مسلم: الحقّ فيما قلت، ثم نهض وأخذ بيد سليمان وخالد بن عثمان، ثم دعوا القاسم ابن مجاشع ثم دعوا أسلم بن أبي سلّام فتذاكروا عظيم ما رموا به من القرّاء وإجابتهم نصرا. قال أبو منصور غالب بن سعد [٢]: فلما شاورهم في ذلك قال له أسلم بن أبي سلّام: عندي في هذا شيء ليس يفسده عندي [٣] إلّا أني منفرد [٤] بالرأي، وإن وافقتموني عليه فهو الحزم وفيه القوة والخروج [١٤٢ ب] من غمّ ما أتانا من قبل هذا الفاجر إن شاء الله. قال أبو مسلم: هات، فربّ هنة فرّجتها برأيك. قال: أرى أن تبكر بالغداة فتجمع أهل خندقك، ثم تخبرهم أنك أمرت بدعاء الناس كافة إلى كتاب الله ﷿ وسنّة نبيّه ﷺ وإلى الرضا من آل رسول الله ﷺ، والعمل بالحق والعدل [٥]، وإنّ من تابعك على ذلك فله ما لك وعليه ما عليك، ومن أنكر ذلك جاهدته في الله حقّ جهاده، ثم تبدأ بنفسك وتبايع على ذلك، ثم تدعو بوجوه إخوانك فتأخذ عليهم البيعة بمثله، ثم تدعو جماعة الناس فتبايعهم حتى لا يبقى أحد من أهل الخندق إلّا بايع. فبلغنا أنّ خالد بن عثمان قال: هذا والله الرأي، وقال له سليمان: الثقة فيما رأيت، وقال أبو صالح والقاسم بن مجاشع: نعم الرأي هذا. قال أبو مسلم: المؤمن موفّق،
_________________
(١) في الأصل: «مرثد» . انظر ص ٢١٧.
(٢) في الطبري س ٢ ص ١٩٦٣: غالب بن سعيد.
(٣) في الأصل: «عنده» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٦٦ ب.
(٤) في ن. م. ص ٢٦٦ ب «متفرد به» .
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٦٧ أ «والعمل بالعدل والحق والأخذ للضعيف من القوي» .
[ ٢٩١ ]
الرأي ما رأيتم. ورجع أبو مسلم ومن معه إلى مجلسه وقد نودي بالعصر، فقال لمن حضر: بكّروا بالغداة جميعا ولا يتخلفنّ أحد، فانصرفوا على ذلك. ولم يبت نصر حتى أتاه الخبر بأنّ أبا مسلم أمر أصحابه بالاجتماع إليه لأمر يدبّره، فقال لعقيل بن معقل: انظر ما يأتينا به هذا الساحر الآن [١]، وبعث عيونا له فدخلوا عسكر أبي مسلم من الغد، وصاروا إلى بابه، وأصبح أهل الخندق قد اجتمعوا بباب أبي مسلم، فخرج إليهم فقال: يا معشر المسلمين بلغنا أنّ [١٤٣ أ] نصر بن سيّار جمع قوما فخبّرهم بأنكم على غير دين الإسلام، وأنّكم تستحلون المحارم، ولا تعملون بكتاب الله ولا سنّة نبيّه ﷺ، يريد بذلك ليطفئ نوركم، ويؤلّب عليكم الناس، وقد كان الإمام أمرنا وتوالت كتبه إلينا بأن ندعو الناس إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والعمل بذلك، وإظهار العدل، وإنكار الجور [٢]، وأن أبايع الناس على ذلك، وأنا أول من بايع على كتاب الله تعالى وسنّة نبيّ الله والعمل بالحق والعدل ودفع الظلم عن الضعفاء وأخذ الحق من الأقوياء، خذ بيعتي يا أبا محمد، يقول ذلك لسليمان بن كثير. فأخذ بيعته سليمان وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتفينّ بما أعطيت من نفسك، قال: نعم.
ثم تتابع الناس على ذلك: بدئ فيه بذوي القدم من النقباء وغيرهم، ثم الوجوه، ثم العامة، حتى لم يبق أحد إلّا بايع، واضطرب الصوت به، وخرجت [به] [٣] الأخبار، وتحدّثت به العامّة، وانصرف إلى نصر جواسيسه فأخبروه بالذي كان، فأسقط في يديه، وأمسك عن أبي مسلم من كان قبل قول نصر وقالوا هؤلاء أولى بالإجابة إذ دعوا إلى كتاب الله وسنّة
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٦٧ أ «غدا» .
(٢) في ن. م. ص ٢٦٧ أ «وإنكار الجور على أهل الجور» .
(٣) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٦٧ ب.
[ ٢٩٢ ]
رسوله ﷺ من نصر. فانتقض على نصر ما كان أبرمه لأهل الدعوة، ودخل الوهن عليه فيما كادهم به، وزاد في بصائر القوم، وحرّك [١٤٣ ب] ذلك من كان ممسكا عنهم بالنزوع إليهم، والاستبصار في أمورهم. وورد على أبي مسلم كتاب من جرجان أنّه قد اجتمع خلق كثير ليلحقوا بإخوانهم بمرو، فسرّ بذلك أبو مسلم وأصحابه، وبلغ الخبر نصرا فقال: قد أطبقت علينا الطالقان ومروالروذ وبلخ وما على شطّ النهر وأبيورد، وهذه مرو قد بلغ فيها ما بلغ ثم يأتيهم أهل جرجان، كأنّكم بالحبال قد وضعت في أعناقنا، ومن بجرجان من أصحابهم فصل [١] فيهم رجال قد رسخوا في هذا الأمر وقاموا به، وصاحبهم الّذي أنغل البلاد، وأفسد جرجان، وسيّر في كور خراسان، وهو صاحب طاغيتهم [٢] بكير ابن ماهان أبو عون. فكتب عند ذلك إلى مروان فيه كتابا أصيبت نسخته في عدة كتب من أسرار مروان يوم قتله عامر ببوصير [٣]:
أمّا بعد فإنّ بجرجان حيّة منطوية بين أحجار قد أنغلت على أمير المؤمنين ما بين الري إلى السّغد وكثير من العراق، وهو أبو عون، وبكنيته يعرف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلى صاحب جرجان من رأيه فيه ما يقطع فيه دائرة السوء ويستأصل شأفته فعل.
وكتب نصر بن سيّار إلى صاحب جرجان وإلى من بها من وجوه مضر، يخبرهم [٤] بمكان من قبلهم من الشيعة، ويسألهم حبسهم والشدة عليهم، فلما انتهى ذلك إلى من بها من وجوه مضر مشوا إلى العامل [١٤٤ أ] فقالوا له:
_________________
(١) فصل: أي خرج.
(٢) في الأصل: «طاعتهم» .
(٣) في الأصل: «بأبوصير» . انظر ابن خرداذبه ص ٨١.
(٤) في الأصل: «فخبرهم» .
[ ٢٩٣ ]
ابعث إلى هؤلاء القوم فاحبسهم، فبعث إليهم فحبس منهم عدة فيهم أبو عون وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل محمد بن سعد وسنان بن عبد الله وأبو نصيب.
ولما تضايق الأمر بنصر عاود عليّا فبعث إليه: أحب أن ترسل إليّ رجلين من ثقات أصحابك أحمّلهم إليك رسالة لا مئونة عليك في استماعها، فبعث إليه المنتجع بن الزبير الأزدي ويعقوب بن يحيى بن الحصين الرقاشيّ، فلمّا لقياه قال لهما: مكانكما! أبلغا عني صاحبكما وقولا له: إنّ الأمر قد جل عن الّذي كنّا نقتتل عليه وعاقبة هذا التباين فيها البوار، فإذا أبيت أن تساعدني على حرب هؤلاء المسوّدة فوادعني أشهرا فقد شغلتني عن إطفاء جمرتهم، وضع الحرب بيني وبينك حتى أتفرّغ لهم وأحاكمهم فإن ظفرت بهم فأنت على رأس أمرك، وإن ظفروا بي فأنت أعلم بشأنك بعد، وأيقن أنهم إن ظفروا بي تفرغوا لك. فرجعا إلى علي فخبراه بمقالته. قال لهما:
ارجعا إليه فقولا: لست من خدعك في شيء، وقد عاقدت القوم، ولن أرجع عمّا أعطيتهم من نفسي، فأتيا نصرا فأبلغاه ذلك. فلمّا رأى نصر نفور علي منه، جمع أهل الرأي من أصحابه فقال لهم: ما ترون؟ أمّا هذا الفتى فقد لجّ في طغيانه وأبي أن يجيبنا إلى الكفّ عنّا. فقال له عقيل بن معقل: إنّه لن يجيبك، ولن يكفّ عنك، ونرى أن تراسل شيبان، ولعله [١٤٤ ب] أن يكونوا ألين عقدة وأقرب مأخذا، وإن أجابك أجابك علي، وإن لم يجبك علي وقد خذله شيبان تعلمه عظيم ما صاروا إليه من أمر أبي مسلم وأصحابه، وأخبره أنّه ليس قوم بأبعد من موافقته منهم، وأنّهم قد تشاغلوا بالذي بينهم عن إطفاء ثائرتهم، واسألهم [١] أن توادعهم لتتفرغ لهم، فإذا انقضى أمرهم تناظروا فيما نقموا، وتعاطوا إلى الحق فيما أنكروا،
_________________
(١) الأصل مضطرب وهو «سألهم أن يوادعهم ليتفرغ لهم» . ويلاحظ أن السؤال والموادعة للكرماني وأصحابه، والتفرغ لقتال أبي مسلم.
[ ٢٩٤ ]
وكان في ذلك صلاحهم وتفرغهم لمن قد أطلّ عليك من أمم الشرك. فأبى شيبان أن يجيبه إلى ذلك للذي كان يرى في جهاد نصر، ولما سبق منه إلى الكرماني. وكان سلم بن أحوز المازني في عسكره بإزاء علي بن معقل الحنفي في عسكره من أصحاب شيبان، فلما رأى نصر امتناع شيبان من الموادعة قال لسلم: إنّا إن قدرنا على استمالة علي بن معقل إلى الموادعة سهل ذلك علينا من قبل شيبان، فقد أرى أن تقاربه وتلقاه، فتعظم عليه ما صرنا إليه، وتدعو إلى الموادعة، وتخبره بما له في ذلك من الأجر، وما يكون له في ذلك عندنا وعند الخليفة من الثواب والمكافأة. فراسل سلم عليّ بن معقل، وتلاقيا فكلمه في ذلك وأخبره بالذي له فيه فأجابه وقال: نعم الرأي هذا أنا أعمل فيه، فإن أجابني شيبان وإلّا قوّضت عسكري فلحقت بكم أو تنحيت إلى بلادي فقد نهكتنا [١٤٥ أ] الحرب وأكلتنا. وعلي بن معقل يومئذ في نحو من خمسة وعشرين ألف رجل، فلقي شيبان فقال: إنّي والله ما رأيت أمرا أضلّ من أمر نحن فيه: قتال على غير دين وعلى العصبيّة، وقد خرج من أيدينا بعض ما كان فيها من هذه الكور، وقتل إخواننا، ونحن مع ذلك في غير دارنا وتوشك هذه المسوّدة بما نحن فيه من الاشتغال أن يحوزوا البلاد ويغلبوا عليها، ثم يقبلوا علينا وقد عزّوا ووهنّا فيبرونا عن كديد [١] الأرض، إنّك إن لم تجبني إلى ما أعرضه عليك انصرفت بمن معي عنك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن توادع نصرا وننصرف [٢] إلى سرخس، وتضم إليك أهل رأيك وتجبي الكور التي في يديك، أو تقيم على ذلك وتخلّي بين نصر وبين هذه المسوّدة. فقال شيبان: قد أعطينا عليّا [٣] ما أعطيناه
_________________
(١) في الأصل: «حديد» .
(٢) ولعلها «وتنصرف» .
(٣) في الأصل: «علي» .
[ ٢٩٥ ]
فنعرض عليه ما ذكرت ونخبره بما اجتمعت عليه وترى رأيك، قال: فشأنك.
فذكر شيبان ذلك لعلي وقال له: عليّ بن معقل أقوى أيدينا، وإن خذلنا فتنحّى عنّا وصار مع نصر اشتدت شوكته. قال: فروّ في هذا يوميك هذين ثم تعزم فلن نخالفك.