قال الحسن بن حمزة: سمعت موسى السرّاج يقول: لما أراد محمد بن علي توجيه أبي عكرمة، واسمه زياد بن درهم، أحد شيعته [١] إلى خراسان دعاه فقال له: اكتن [٢] بأبي [٣] محمّد، وقد رسم لك بكير رسما فاتبعه، وإن كانت نفسك تطيب بالموت فيما تتوجّه فيه فامض، وإن جزعت منه، وهو لا محالة آتيك، فأقم، فإنّي لست أضمن لك الحياة، ولكنّي أضمن لك ثواب الله الّذي هو خير لك من الدنيا وما فيها. قال زياد: رحمك الله، ما تجشّمت ركوب [٤] بعد المشقة بيني وبينك، ومفارقة الولد والأهل والوطن إلّا ونفسي طيبة لك بالموت، فأوصني بما أحببت. قال: فإنّي أوصيك بتقوى الله، والعمل ليوم مرجعك، واعلم أنّه لا تخطو خطوة فيما تذهب إليه إلّا كتب الله لك بها حسنة، وحطّ عنك بها سيئة، ولا تظهرنّ شيئا من أمرك، حتى تقدم جرجان وتلقى بها أبا عبيدة [٥] وتلقي إليه ما ألقي إليك ثم تأتي [٦] مرو فتلقى أهلها بتجارتك وتلابس العامّة بسنّتها وتلقى [٧] سليمان بن كثير والنفر [٩٥ ب] الذين استجابوا لأبي هاشم. ولا تظهرنّ جدّا ولا دعاء إلى سلّة سيف،
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٥٢ أ «أحد شيعته من الكوفة» .
(٢) في الأصل: «أكتني» .
(٣) انظر الطبري س ٢ ص ١٣٥٨.
(٤) في كتاب التاريخ «ما تجشمت ركوب هذا الأمر إلا ونفسي طيبة بالموت»، ص ٢٥٢ أ.
(٥) في ن. م. «والق أبا عبيدة وما رسم لك فاتبعه» . ص ٢٥٢ أ.
(٦) في ن. م. «ثم تأتي مرو بعلة التجارة» . ص ٢٥٢ أ.
(٧) في ن. م. «وتلقى سليمان بن كثير ومن معه بحجتك التي لا يعقلها إلا أولو الألباب» . ص ٢٥٢ أ- ب.
[ ٢٠٣ ]
وأقلل مكاتبتي ومراسلتي، وأنفذ كتبك إلى أبي الفضل وإلى أبي هاشم إن رجع إلى العراق، وإن دعوت أحدا من العامّة فلتكن دعوتك إلى الرضا من آل محمد، فإذا وثقت بالرجل في عقله وبصيرته فاشرح له أمركم، وقل بحجّتك التي لا يعقلها إلّا أولو الألباب، وليكن اسمي مستورا عن كل أحد إلّا عن رجل عدلك في نفسك في ثقتك به وقد وكّدت عليه وتوثقت منه وأخذت بيعته، وتقدّم بمثل ذلك إلى من توجّه من رسلك، فإن سئلتم عن اسمي فقولوا: نحن في تقيّة، وقد أمرنا بكتمان اسم إمامنا. وإذا قدمت مرو فاحلل في أهل اليمن، وتألّف ربيعة، وتوقّ مضر، وخذ بنصيبك من ثقاتهم [١]، واستكثر من الأعاجم، فإنّهم أهل دعوتنا، وبهم يؤيّدها الله، واحذر غالبا [٢] ورهيطا قد ظاهروه على رأيه من أهل الكوفة، منهم عيّاش ابن أبي عيّاش وزياد بن نذير، وهم نفير في بني تميم، وأبو خالد الجوالقي، فإنّهم قوم قد سعوا في الفتنة وقد برئنا منهم فابرءوا منهم، وكانوا، غالب وأصحابه، فاطميين دانوا [٣] بإمامة محمد بن علي بن الحسين. وذكروا أن محمد بن علي أمر أبا [٩٦ أ] عكرمة ألّا يدعو إلى دعوته زائد الخلقة ولا ناقصها، ولا مقطوع العذار- وهو الأثطّ [٤]- ولا الطويل الفاحش الطول، ولا القصير الفاحش القصر. وكان ممّا أمر به محمد بن علي أبا عكرمة إغماد السيف وقال: إنّه محرّم عليكم أن تشهروا سيفا على عدوّكم، كفّوا أيديكم حتى يؤذن لكم، وبهذا سمّيت: الكفيّة [٥]،
_________________
(١) انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٤٧٦.
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٥٠١.
(٣) الأصل: «كانوا» .
(٤) الثط والأثط من خف شعر لحيته أو حاجبيه. وجاء في حاشية الأصل «لعله الكوسج» .
(٥) في الأصل: «الكوفية» .
[ ٢٠٤ ]
لأنهم كفّوا أيديهم فلم يشهروا سيفا، حتى كتب إبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم يأمره بإظهار الدعوة ومجاهرة عدوه، فكلّ من أجاب الدعوة قبل ظهور أبي مسلم فهو كفيّ، ومن دخل في الدعوة بعد ظهور أبي مسلم فليس من الكفيّة.
ولمّا أجمع محمد بن علي على توجيه أبي عكرمة إلى خراسان قال له سالم:
ليس لنا أن نستبدّ بأمر دونك ولا نسبقك ونحن نأتمّ بك، وقد أحببت أن أستأذنك في شيء قد كنّا رأيناه فخالفنا فيه بكير إذ نحن بالكوفة. قال:
فهاته وما أحب أن تخالفوا بكيرا فإنّه يحبّ [١] آل محمد، وهو ذو رأي.
قال: كنا نظرنا في أمرنا هذا فرأيناك قد حللت بين أهل الشام، ورأينا لأهل الشام دولة وجماعة ونجدة فيهم ظاهرة، فرأينا [٢] أن نبثّ دعوتك فيهم وندعو منهم من طمعنا في إجابته فكره ذلك بكير وخالفنا [٩٦ ب] فيه. قال محمد: أصاب بكير وأخطأتم، أبى الله أن يأتي بالشمس من المغرب، وأحبّ أن يأتي بها من المشرق، وانّ أهل الشام أعوان الظالمين، وآفة هذا الدين، وشيعة الملاعين، وقد ابتعثوا بنصرة بني أميّة، وأغري أكثر أهل العراق بمشايعة بني أبي طالب، وقد خصّنا الله بأهل خراسان، فهم أنصارنا وأعواننا وذخائرنا، وقد حلّت عليهم من الله رحمة قد غشيتهم، ويوشك أن تتبعهم [٣] ريح الحياة فتعزّ ذليلهم، وتقوّي ضعيفهم، وتقتل من قاتلهم حتى يعزّ دين الله ويظهر الحق وأهله، يقول الله ﷿: أَنْزَلَ من السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ١٣: ١٧ [٤] فكأنّكم بالأودية قد سالت برجال خراسان أشدّ في
_________________
(١) في الأصل: «يحبب» .
(٢) كتب في الأصل فوق كلمة «فرأينا»: «فأردنا» .
(٣) في الأصل: «أن تتبعنهم» .
(٤) سورة الرعد، الآية ١٧.
[ ٢٠٥ ]
طاعتنا من زبر الحديد، أسماؤهم الكنى، وأنسابهم القرى، يقدمهم النصر، ويحوطهم العزّ، فاله عن غير أهل خراسان، فإنّه ليس لكم بغيرها دعوة ولا من غير أهلها مجيب. ومن كلامه في هذا الجنس أنّه قال [١] لرجال الدعوة حين أراد توجيههم: أمّا الكوفة وسوادها فهناك شيعة [٢] علي وولده، وأمّا البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، وأمّا الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون [٣] في أخلاق [٩٧ أ] النصارى، وأمّا أهل الشام فليس يعرفون إلّا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان، وعداوة لنا راسخة، وجهلا متراكبا [٤]، وأمّا أهل مكّة والمدينة فقد غلب عليهم [٥] أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان [٦] فإنّ هناك العدد الكثير والجلد الظاهر، وهناك صدور سالمة [٧]، وقلوب فارغة لم تتقسّمها الأهواء ولم تتوزّعها النحل [٨]، ولم تشغلها ديانة، ولم يقدح فيها
_________________
(١) ترد هذه الوصية بصيغة مماثلة في مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه الهمدانيّ (ط. دي خويه، ليدن ١٨٨٥ م) ص ٣١٥ وترد مع بعض الاختلاف في شرح نهج البلاغة (ط. البابي) ج ٣ ص ٤٨٩.
(٢) في البلدان «فشيعة» بدل «فهناك شيعة» .
(٣) في الأصل: «مسلمين» .
(٤) في البلدان «وعداوة راسخة وجهل متراكم» .
(٥) في ن. م. «عليهما» .
(٦) في ن. م. «بأهل خراسان» .
(٧) ن. م. «سليمة» .
(٨) في ن. م. «لم يتوزعها الدغل» . كما أن العبارات التالية «ولم تشغلها (إلى) يتمنون الفرج ويؤملون» لا ترد فيه، وهذا يشير إلى إضافات مبكرة إلى ما يسمى بوصية محمد بن علي. انظر أيضا المقدسي- البدء والتاريخ ج ٤ ص ٥٨، والبلاذري- أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢٣٦- ٧، والجاحظ- مناقب الترك، في رسائل الجاحظ (تحقيق عبد السلام هارون) ج ١ ص ١٦- ١٧.
[ ٢٠٦ ]
فساد، وليست لهم اليوم همم العرب، ولا فيهم كتحارب الأتباع للسادات وكتحالف القبائل وعصبيّة العشائر، وما يزالون [١] يدالون ويمتهنون ويظلمون ويكظمون ويتمنّون الفرج ويؤمّلون، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحي وشوارب وأصوات هائلة ولغات [٢] تخرج من أجواف منكرة، وبعد فكأنّي [٣] أتفأل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح هذا الخلق. وقال: إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان لا يمرّ أهلها بحصن إلّا فتحوه، ولا يرفع لهم عدوّهم راية إلّا قصموها، ولا يلقاهم جيش إلّا هزموه، يلقى أوّلهم العدو لقاء، وتطوى لهم الأرض طيّا، ويسير الرعب بين أيديهم حتى يردوا أرض القبط ويقتلوا بها فرعون بني [٩٧ ب] أميّة، فعند ذلك يقصم الله الجبارين من بني أميّة ويصير الأمر إلى آل رسول الله ﷺ. يا سالم! يفتتح الأمر منهم بابن الحارثية من ولدي ثم يتوارثونه فأقلّ من يملك [٤] منهم سنة وأكثر من يملك منهم أربعون [٥] سنة، منهم المهدي الّذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ولا خير في الدنيا بعدهم، وأخبرني أبي ﵀ عن جدّي قال: قال رسول الله ﷺ، وعنده ملأ من أصحابه: إنّ بينكم وبين الفتنة بابا مغلقا سيكسر، ثم لا تزال الفتنة مطلقة عليكم يتناحر فيها سفهاء قريش حتى يظهر قوم بالمشرق لباسهم السواد وراياتهم سود ولا تردّ لهم راية، يطفئ الله بهم الفتنة ويزفّون الأمر إلى رجل من عترتي يأتونه به هنيئا مريئا. فاجعلوا خراسان
_________________
(١) في الأصل: «وما يزالوا» .
(٢) في البلدان: «لغات فخمة» .
(٣) في ن. م. «فإنّي» .
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) في الأصل: «أربعين» .
[ ٢٠٧ ]
دار هجرتكم، ومستراح دعاتكم وأقلّوا لقائي إلّا في أيام المواسم، أو يحلّ بكم أمر تحتاجون إلى رأي فيه، فتبعثون إليّ به مع ثقة من أصحابكم، أو ممّن يقدم عليكم من خواصّ شيعتنا من أهل خراسان بعد أن تكونوا قد خبرتم وفاءه وصحة نيّته [١]، وتوقّوا علينا هذه الجبابرة من بني أميّة فإنّهم مطلّون علينا بسلطانهم وأشياعهم وقد أعطوا مدة لا بدّ بالغوها وما أقرب [٩٨ أ] زوالها، إذا ابتزّ الأمر فيهم الفظّ القاسي سمّي أبيهم فعند ذلك يحلّ بهم البلاء [٢] وتقع بهم المثلات، وقبل ذلك علامات مخبرات عمّا هو كائن فيهم إذا التقى فتقا [٣] المغرب والمشرق، فعند ذلك تنتهك دولتهم. فلم تزل الشيعة تتوقع ذلك حتى هاج أهل المغرب مع ميسرة البربري وقتلوا كلثوم ابن عياض، وهاج الحارث بن سريج [٤] بخراسان فردّ إليها أسد [٥] وقد أجلب الحارث عليه بأصحابه وجموع الترك فلقيهم أسد فهزمهم [٦] .
وقدم أبو هاشم بكير بن ماهان وألفى أمر الشيعة قد قوي وغلظ، ولقيه سليمان بن كثير فعظّمه وعظّمته الشيعة ودفع إليهم كتاب محمد بن علي وكانت نسخته:
سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو، وأشهد أنّ السنن والأمثال فيما بقي على أشباه ما مضى، وأشهد أن الله يبدئ الخلق ثم يعيده
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٢ ب.
(٢) في كتاب التاريخ «وتقع المثلات بهم، وإياكم وسل السيف حتى يأتيكم الإذن، فإن لها إمارات نحن أعرف بها» ص ٢٥٢ ب.
(٣) في الأصل: «فتقي» .
(٤) في الأصل: «شريح» . انظر الطبري س ٢ ص ١٥٦٥ وما بعدها.
(٥) هو أسد بن عبد الله القسري، انظر الطبري س ٢ ص ١٥٧٣ وما بعدها.
(٦) الأصل: «فهزموهم» .
[ ٢٠٨ ]
وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، فتبارك ذو الفضل العظيم. أمّا بعد فإنّي أوصيكم بتقوى الله الّذي لا يزيد في ملكه من أطاعه، ولا ينقص من ملكه من عصاه، بيده الملك ويبقى ملكه، وهو عزيز ذو انتقام. فأعملوا أنفسكم لما خلقكم الله له فإنّ الله لم يخلقكم إلّا لعبادته، فناصحوا الله ما استطعتم بولاية [٩٨ ب] أوليائه، وراقبوه في سرّ أمركم وعلانيتكم، واخشوا الله من كلّ قلوبكم، وتقرّبوا إليه بحسن أعمالكم فإنّكم لذلك خلقتم، وبذلك أمرتم، وعليه خصصتم، وله ابتغيتم، فإنّكم متى تواظبوا على ذلك تجدوا معه راحة من نصب الدنيا، وتراضوا بما قسم لكم منها، وتصبّروا على كلّ [١] ما منعتم من زينتها، فلا تغتروا [٢] بشيء من أمر الدنيا عما ينفعكم الله به في الآخرة، فإنّ العباد لو أعطوا الدنيا وما فيها من ملك ومال ثم لم يعرفوا الله فيما أعطاهم فيها حقّه الّذي اشترط لنفسه وأوجبه لأوليائه لم تزدد منهم إلّا بعدا، فاتقوا الله ما استطعتم، وقدّموا خيرا لأنفسكم، فإنّ الله ﵎ يقسم الرزق يوما بيوم، وعلى قدر ما قسم يطلب حقّ بعضهم من بعض لبعض. فاعرفوا حقّ الله واصبروا عليه، ولا تجعلوا دينكم وما عرّفكم الله من حقّه تبعا للدنيا فإنّما خلقت بلاء وفتنة، وضرب لها أجل إذا انتهى إليه ينفد [٣]، فعليكم بالتوكل على الله فيما أوجب عليكم من حقّه فإنّه لم يخب من اعتصم باللَّه واتّقى وصبر على ما أصابه فإن ذلك من عزم الأمور، فإنّكم قد علمتم من العلم ما قد عظم به النعم وأبلغ إليكم في الحجّة، فإنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنّما يتذكر [٩٩ أ] أولو الألباب، فكذلك لا يستوي
_________________
(١) كررت «كل» في الأصل.
(٢) في الأصل: «فلا تغتدوا» .
(٣) في الأصل: «ينبذ» .
[ ٢٠٩ ]
عاملان، أحدهما يعمل للدنيا ويكدح لها ويجهد نفسه فيها رجاء ثواب فان زائل، وعامل يعمل لآخرته رجاء ثوابها مخافة عواقب الأمور فيها، فبذل نفسه للَّه وماله وولده ومناصحته لأوليائه، فهذا ما أصبح عليه سعاة الناس وأولياؤهم، البرّ منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر. فاعقلوا عن الله أمره، واتّعظوا بمواعظه، وأوفوا بعهده وعقده، وتمسّكوا بصالح الّذي عاهدتم الله عليه، وأدّوا الأمانة فيما عهد إليكم من أوليائه، وخافوا الله أن تعصوه في شيء ممّا أمركم به واعتصموا بحبل الله جميعا، وخذوا بحظكم منه، واشكروا بلاءه الّذي أصبح بكم من سوابغ نعمه، واعتبروا ما بقي بما سلف، وإنّما ضرب الله لكم أمثال ما مضى من الأمم لتعقلوا عن الله أمره فإنّكم قد رأيتم من الدنيا وتصرّفها بأهلها إلى ما صار من مضى منهم، وخير ما يصيب الناس فيما بقي من الدنيا ما أصاب الصالحون منها، ومن يقس شأن الدنيا بشأن الآخرة يجد بينهما فوتا بعيدا. ثم اعلموا علما يقينا أنّ لأهل ولاية الله منازل معروفة كأنّما ينظرون فيما أعطاهم الله من اليقين إلى عواقب الأمور ومستقرّها، فعليكم بمحابّ الله وصدق الحديث ووفاء [١] بالعهد [٩٩ ب] وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وبذل السلام، وطيب الكلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، وترك الحرام، وأخذ الحلال، وعرفان الحقّ، وإنكار الباطل، ولزوم الإيمان، والتفقّه [٢] في القرآن واتّباع التقوى وفراق الهوى، واجتناب قرناء السوء، وحذار الدنيا، وحبّ الآخرة، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والفرار من العذاب ومن سوء الحساب، وكظم الغيظ، ولين الجانب، وفعل المعروف، وذكر النعم، واجتناب السيئات، والرغبة في الحسنات، فإنّ من محابّ الله وطاعته
_________________
(١) لعلها: والوفاء بالعهد.
(٢) في الأصل: «التفقد» .
[ ٢١٠ ]
وطاعة رسوله أن تعفوا عند الغضب، وتحمدوا عند الرضا، وتكونوا صادقين أبرارا، مسدّدين أخيارا، مرشدين. لا تصدّقوا كذبا، ولا تجمعوا خبيثا لتكثّروا به طيّبا، ولا تركبوا ظلما، ولا تنتهروا سائلا، ولا تقهروا يتيما، ولا تخيفوا [١] تقيّا، ولا تحقروا يتيما صغيرا، ولا تنتهكوا ذمّة، ولا تفسدوا أرضا، ولا تشتموا مؤمنا، ولا تقطعوا رحما ماسّة محقّة، ولا ترموا بريئا، ولا تعصوا إماما، ولا تركبوا زيغا، ولا تطيعوا إثما، ولا تفتحوا مغلقا، ولا تقفلوا مفتوحا، ولا تختانوا ولاة أموركم، وأحسنوا مؤازرتهم وصيانة أمرهم، أعينوهم إذا شهدتم، [١٠٠ أ] وانصحوا لهم إذا غبتم، وأقسطوا إذا حكمتم، واعدلوا إذا قلتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واصبروا إذا ابتليتم، واشكروا إذا أعطيتم، واحفظوا جواركم، وارحموا من خوّلتم، وليّنوا جانبكم، واخفضوا أكنافكم، وأكرموا كريمكم، وصونوا أنفسكم، وأحرزوا أعراضكم فإنّ الله يعلم سرّكم وعلانيتكم. واشكروا الله على ما هداكم لطاعته، واعترفوا بما اشترط عليكم لنفسه، واعلموا أنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق التقوى لزوم حقّه، وخير الملل ملّة إبراهيم، وأفضل السنن سنّة محمّد ﷺ، وأعظم الضلالة ضلالة بعد هدى، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص كتاب الله، وخير الأمور عواقب أعمّها نفعا، وخير الهدى هدى محمد ﷺ، وأصدق الحديث ما جاء به أحمد ﷺ، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، ونفس تناجيها بتقوى خير من نفس أمّارة بالسوء. فاتقوا الله ولا تكونوا أشباها للجفاة الذين لم يتفقّهوا في الدين، ولم يعطوا باللَّه اليقين، وإنّ الله أنزل عليكم كتابا واضحا ناطقا محفوظا، قد فصّل فيه آياته، وأحكم فيه تبيانه، وبيّن لكم
_________________
(١) في الأصل «تخافوا» .
[ ٢١١ ]
حلاله وحرامه، وأمركم [١٠٠ ب] أن تتبعوا ما فيه، فاتخذوه إماما، وليكن لكم قائدا ودليلا، فعليكم به فعوه، ولا تؤثروا عليه غيره، فإنّه [١] أصدق الحديث، وأحسن القصص، وأبلغ الموعظة، به هدى الله من مضى من الأوّلين والآخرين. واذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبّحوه بكرة وأصيلا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ٣٣: ٤٣- ٤٤ [٢]، واجتنبوا قول الزور، حنفاء للَّه غير مشركين به، فإنّ الله قد بيّن لكم ما تأتون وما تتّقون، فقال لنبيّ الرحمة: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ٧: ٣٣ [٣] الآية، وقال لنبيّه: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ٧: ٢٩ [٤] الآية، أسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم مهتدين غير مرتابين والسلام على المرسلين والحمد للَّه ربّ العالمين.
ولمّا قرءوا كتابه دعوا له وعظّموا [٥] أمر كتابه. ثمّ دفع إليهم كتابا آخر صغيرا نسخته [٦]: أمّا بعد، عصمنا الله وإيّاكم بطاعته وهدانا وإيّاكم سبيل الراشدين [٧] . قد كنت أعلمت إخوانكم رأيي في خداش [٨] وأمرتهم أن يبلغوكم قولي فيه، وإنّي أشهد الله الّذي يحفظ ما تلفظ به العباد من زكيّ القول [١٠١ أ] وخبيثة، وإنّي بريء من خداش وممن كان على
_________________
(١) في الأصل: «فإن» .
(٢) سورة الأحزاب، الآيتان ٤٣ و٤٤.
(٣) سورة الأعراف، الآية ٣٣.
(٤) سورة الأعراف، الآية ٢٩.
(٥) في الأصل: «وعظموه» .
(٦) انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٢ ب.
(٧) في ن. م.: «الرشاد» ص ٢٥٣ أ.
(٨) عن خداش، انظر الطبري س ٢ ص ١٥٨٨ وص ١٥٠١- ١٥٠٣، الأنساب ج ٣ ص ٢٤٣، المقدسي، البدء والتاريخ ج ٤ ص ٦١، ابن الأثير (ط. صادر) ج ٥ ص ١٩٦- ٧.
[ ٢١٢ ]
رأيه ودان بدينه. وآمركم ألّا تقبلوا من أحد ممن أتاكم عنّي قولا ولا رسالة خالفت [١] فيها كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ والسّلام.
قالوا: قد أتانا هذا عنه ونحن له سامعون مطيعون. وقد كان محمد بن علي كتب مع قحطبة كتابا صغيرا، فلمّا [٢] تخلف عن أصحابه لمرض احتبسه فكان معه حتى أخرجه يومئذ فدفعه إليهم، فقرأه أبو صالح كامل بن المظفّر عليهم وكانت نسخته:
وفّقنا الله وإياكم لطاعته، قد وجّهت إليكم شقّة منّي بكير بن ماهان، فاسمعوا منه وأطيعوا وافهموا عنه فإنّه من نجباء الله، وهو لساني إليكم وأميني فيكم فلا تخالفوه ولا تقضوا الأمور إلّا برأيه، وقد آثرتكم به على نفسي لثقتي به في النصيحة لكم واجتهاده في إظهار نور الله فيكم والسلام.
فلما قرئ عليهم ازدادوا لأبي هاشم تعظيما، وقلّدوه أمرهم، فأقام بين أظهرهم يتناول كور خراسان برسله ودعاته وقد تحدّث بأمره.