ولمّا مدّ أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه حذفه سليمان بن كثير بالدواة فشجّه [٤]، فسال الدم على وجهه، وقذفه بشير بن كثير أخو سليمان.
فقام أبو مسلم عن المجلس وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من إمامكم [٥]؟ ونهض مع أبي مسلم من المجلس ناجية ابن أثيلة الباهلي ومحمد بن علوان المروزي فجعلا يغسلان الدم عن وجهه وهو
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٦٣ أ: «لا ندري» .
(٢) في الأصل «إنّه» وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٣ أ «أي» .
(٣) في الأصل: «نسمع» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ٢٦٣ أ.
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٦٣ أ «فشج جبينه» .
(٥) نص الآية الكريمة التي اقتبس منها أبو مسلم قوله «وَقال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ من آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ من رَبِّكُمْ» ٤٠: ٢٨. الآية، سورة غافر الآية ٢٨.
[ ٢٧١ ]
يقول: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٦: ٦٧ [١]، وشقّ محمد بن علوان من أسفل ثيابه عصابة فعصّب بها رأس أبي مسلم. وافترق القوم عن مجلسهم مختلفين، فكانت النقباء تحب أن تضع من أبّهة سليمان بن كثير، وكان أن يترأس عليهم أجنبي ليس منهم أروح عليهم وأوفق لهم، فاجتمعت الكلمة من الشيعة على ترئيس أبي مسلم، وخذلوا سليمان بن كثير، وأفردوه.
ومضى أبو مسلم من مجلسه ذلك حتى نزل منزل أبي داود في قريته من ربع خرقان [٢]، واجتمعت إليه النقباء والشيعة فبايعوه [٣] ورأسوه، واضطر سليمان إلى اتّباع إخوانه [١٣١ ب] وأصحابه فسمع وأطاع لأبي مسلم على الكره منه، واستقامت لأبي مسلم طاعة الشيعة بخراسان وانقادوا له. ثمّ إنّ أبا مسلم راجع سليمان بن كثير وأعلمه بما أتاه وأقرأه ما كتب به إليه، وكان فيما كتب به إليه: إن قبل سليمان بن كثير القيام بأمر الدعوة ونصب نفسه لذلك فسلم له، وإن كره قبول القيام فلا [٤] تعصينّ لسليمان أمرا، وقدّمه في جميع ما تدبّرون. فلمّا قرأ سليمان ذلك قال: إنّي والله ما كرهت القيام ألّا أكون أضعف الناس فيه نيّة، ولكني أخاف اختلاف أصحابي ونحن نداري ما نداري، وأنا يدك وصاحبك الّذي لا يخذلك ولا يغشّك ما لم تخالفنا وتعمل ما يوهن أمرنا، قال أبو مسلم: أحسن بي الظن فلأنا أطوع لك من يمينك.
قال: فشأنك، ابعث إلى الدعاة بخراسان فيما حولك فيأتيك من قدر على ذلك، واكتب إلى من في الكور فليتأهبوا ويستعدوا. فبثّ أبو مسلم الرسل
_________________
(١) سورة الانعام، الآية ٦٧.
(٢) في الأصل «ربع خرقأر» وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٣ ب «خرفان» . انظر الطبري س ٢ ص ١٩٥٣.
(٣) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٣٧ وص ١٩٥٢ وما بعدها.
(٤) في الأصل «ولا» .
[ ٢٧٢ ]
فيما يلي مرو، وكتب إلى من في الكور يأمرهم بالاستعداد للمحرم سنة ثلاثين ومائة، فإن نازعهم أحد أظهروا أمرهم وحاربوا من حاربهم. وبعث سليمان إلى رؤساء الشيعة، وسليمان يومئذ صاحبهم والمنظور إليه منهم، فخبّرهم بما كتب إلى أبي مسلم، وإنّ الرأي ما أمروا به من نصبه لأمرهم وقال لهم ننصبه وندبّر [١٣٢ أ] الأمر له، فذاك أرهب عند عدونا وأشدّ لهيبتهم له وإعظامهم أمره، فاتّسقوا واتفقوا على ذلك.