قال: سمعت أبا هاشم يقول: قال لي محمد بن علي: قد أظلكم خروج رجل من أهل بيتي بالكوفة، يغرّ في خروجه كما غرّ غيره فيقتل ضيعة ويصلب، فحذر الشيعة قبلكم أمره.
وقال عبد الله بن عمير: قدم علينا أبو هاشم منصرفه من الشراة في أول سنة اثنتين وعشرين ومائة، فأتيناه وسلّمنا عليه، وقد تحرّك زيد بن علي وتحدّث بخروجه، فقال لي: يا أبا عمير: ما تحدّثتم به؟ فقلت تحدّثنا
[ ٢٣٠ ]
بأن زيد بن علي خارج من أيامنا هذه، [١١٠ أ] وقد أطبق أهل الكوفة على الخروج معه، وقد شمّر في أمره جارك أبو كدام، وكان أبو كدام رجلا [١] من همدان جارا لبني مسلية. فقال: بؤسا لأبي كدام كأنّي [٢] به قتيلا أو طريدا، وكأنّي بزيد [٣] مصلوبا بالكناسة. قال: فغاظني قوله لرأيي في زيد وآل زيد فقلت: ما تزال تأتينا بترّهات تغمّنا بها، والله إني لأرجو أن يزيل الله أمر بني أمية بزيد، ولا تكون لك معه سابقة، فقال بكير: إنّي أعلم ما لا تعلمون، الزموا بيوتكم، وتجنبوا أصحاب زيد ومخالطتهم، فو الله ليقتلنّ وليصلبنّ بمجمع أصحابكم، وأمّا ما ذكرت من زوال أمر بني أميّة فما أوشكه [٤] . قال: ثم بعث إلى إخوانه من الشيعة فجمعهم إليه فحذرهم أمر زيد وأخبرهم بقول إمامهم فيه وأمرهم أن يلبدوا في بيوتهم إلى أوان وقتهم الّذي ترفع فيه رايتهم.
قال يقطين بن موسى: وأنا يومئذ منقطع إلى أبي سلمة، فإنّا لعند أبي هاشم إذ أتاه آت فقال له: قد خرج زيد وأمر الناس بحضور المسجد، قال:
فقال: تنحوا بنا عن هؤلاء وعن شرورهم، فخرج وخرجنا معه أنا وأبو مسرور عيسى بن حمزة فأتينا الحيرة فأقمنا بها حتى قتل زيد وصلب، ثم انصرفنا إلى الكوفة وقد هدأ الناس.
قال عبد الله بن عمير: فلقيت أبا هاشم فقلت له: تاللَّه ما [١١٠ ب] رأيت شيئا أعجب من حديثك، والله لكأنّك تنظر إلى أمر زيد وما حدث به، هو والله الآن مصلوب بالكناسة.
_________________
(١) كتاب التاريخ ص ٢٥٥ أ.
(٢) في الأصل: «أم كأني» . انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٥ أ.
(٣) في الأصل: «به»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٥٥ أ.
(٤) انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٥ أ.
[ ٢٣١ ]
وكان من حديث زيد أنّه كان اتّهم هو ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن عبّاس في عدّة من قريش أنّ يزيد بن خالد كان استودعهم مالا، وكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام، فبعث إلى يوسف بن عمر بهم، فجمع بينهم وبين يزيد بن خالد، فقال: ما لي قبلهم مال، ولا استودعتهم شيئا قط، فبسط عليه يوسف فعذّبه يومئذ عذابا أراد به قتله. ثم كتب إلى هشام فكتب إليه هشام يأمره أن يحلّفهم بعد صلاة العصر في المسجد الجامع أنّه لم يستودعهم مالا، فإن حلفوا خلّ سبيلهم.
وغشيت الشيعة زيدا، فلم يزالوا به يزيّنون له الخروج حتى خرج، وقد أحصي من بايعه فبلغوا بالكوفة وحدها، سوى من بالسواد وواسط، خمسة.
عشر ألف رجل، ولم يوافه عند خروجه إلّا نحو من مائتي رجل، يزيدون قليلا. فأصيب زيد وأصحابه، وصلب بالكناسة ووضع عليه حرس يحرسونه لئلا يسرق جسده، ومضى يحيى ابنه هاربا إلى خراسان فأتى سرخس [١] ونزل بيزيد بن عمر، أخي تميم بن عمر، فأقام عنده نحوا من ستة أشهر ثم شخص [١١١ أ] إلى بلخ فنزل بالحريش بن أبي الحريش البكري فكان عنده.
ومضى أبو هاشم إلى خراسان فبدأ بجرجان فأقام بها نحوا من شهر [٢] ثم شخص إلى مرو، فلمّا قدمها نزل بكامل بن المظفّر، واختلفت الشيعة إليه وأطافت به وانتشر بعض حديثه، فأتى آت نصر بن سيّار [٣] .
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٣ ص ٢٠٨، الاصطخري ص ١٥٤، ابن خرداذبه ص ٢٤ وص ٣٦، وهي على خط طول ٣٢ ٣٦ شمال وعلى خط عرض ٠٧ ٦١ شرق.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٥٥ أ- ب «ثم إن بكير بن ماهان قصد جرجان وأقام بها شهرا وجدد لهم البيعة والعهد» .
(٣) ن. م. ص ٢٥٥ ب «وانتشر بعض حديثه حتى بلغ إلى نصر بن سيار وهو إذ ذاك وال لخراسان من قبل بني أمية» .
[ ٢٣٢ ]