قال، لما جعل أبو موسى وعمرو بن العاص حكمين، وأرادوا المسير إلى دومة [٢] الجندل، لقي عبد الله بن عباس أبا موسى، فقال: يا أبا موسى إن الناس [٣] لم يرضوا بك [٤] لفضل لا تشارك فيه، ما أكثر أشباهك المقدمين قبلك من المهاجرين والأنصار غير أن أهل الكوفة [١٠ أ] أبوا أن يرضوا [٥]، وايم الله إني لأخاله [٦] شرا لنا ولهم [٧]، إنك قد رميت [٨] بداهية العرب ومن حارب الله ورسوله، وليست في عليّ خصلة تحرم عليه الخلافة، وليست
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، وتؤيدها رواية الأغاني لهذا الخبر، انظر ج ١ ص ٧١- ٧٣.
(٢) دومة الجندل هي (الجوف) الحالية. وانظر معجم البلدان ج ٢ ص ٤٨٧.
(٣) انظر مروج الذهب: ج ٤ ص ٣٩١.
(٤) في شرح نهج البلاغة: ج ٢ ص ٢٤٦ «لم يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك» .
(٥) في ن. م.: «ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيا، ورأوا أن معظم أهل الشام يمان» .
(٦) في الأصل: «آل» .
(٧) في شرح نهج البلاغة: «وايم الله أني لأظن ذلك شرا لك ولنا» .
(٨) في ن. م.: «فإنه قد ضم إليك داهية العرب» .
[ ٣٦ ]
في معاوية خصلة تحلّ بها له الخلافة [١] . فإن تقذف بحقّك على باطلة تدرك حاجتك فيه [٢]، وإن تطمع [٣] باطله في حقّك يدرك حاجته فيك [٤] . إذا أنت لقيت عمرا فأعلمه أنّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه لعين رسول الله ﷺ، وأنّه ادّعى الخلافة على غير مشورة [٥]، فإن صدقك، فعجّل خلعه، وإن كذبك فقد حرّم عليك كلامه، فإن زعم أنّ عمر وعثمان استعملاه فقد صدق. استعمله عمر، وعمر [٦] الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض يحميه ما يشتهي، ويوجره [٧] ما يكره، واستعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا لم يدّعوا [٨] ما ادّعى معاوية، واعلم أن كل شيء يسرّك من عمرو فينا فلما [٩] يسوءك أكثر، ومهما نسيت من شيء فلا تنسينّ [١٠] أنّ الذين بايعوا عليّا هم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه [١١] .
وقال: قال ابن عباس لعلي رحمة الله عليهما ورضي عنهما: اجعلني السفير بينك وبين معاوية في الحكمين، فو الله لأفتلنّ حبلا لا ينقطع وسطه، ولا ينبتّ طرفاه. قال علي: لست من كيدك وكيد [١٠ ب] معاوية في شيء، والله لا أعطيه إلّا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس:
_________________
(١) في شرح نهج البلاغة: ج ٢ ص ٢٤٦: «وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة» .
(٢) في ن. م. «منه» .
(٣) في ن. م.: «وإن يطمع باطله» .
(٤) في ن. م.: «منك» .
(٥) في ن. م.: «وإنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة» .
(٦) في ن. م.: «وهو» .
(٧) في الأصل: «يؤخره» والتصويب من شرح نهج البلاغة ج ٢ ص ٢٤٦.
(٨) في ن. م.: «ممن لم يدع الخلافة» .
(٩) في الأصل: «قلما» . وفي شرح النهج «واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبيثا يسوءك» .
(١٠) انظر مروج الذهب ج ٤ ص ٣٩١.
(١١) انظر رواية أخرى للخبر في شرح نهج البلاغة ج ٢ ص ٢٤٦.
[ ٣٧ ]
هو والله لا يعطيك إلّا السيف حتى يغلب بباطله حقّك. قال علي: وكيف ذلك؟ قال: لأنك اليوم تطاع وتعصى غدا، وإنّه يطاع فلا يعصى. فلما انتشر على [١] عليّ أصحابه، وابن عباس بالبصرة، قال: للَّه درّ ابن عبّاس إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق. الجهنيّ قال، شهدت الحكمين بدومة الجندل، وقد اعتزلت الفتنة في ناس من القرّاء، فقال لي أصحابي: لو أتيت هذين الرجلين، فخبرت ما قبلهما، ولمن يبايعان، وعلى من يجتمعان [٢]، وذلك بعد ما طال مقامهما، لا يعلم أحد ما يريدان [٣]، وإلى من يدعوان [٤] . فأتيت أبا موسى فوجدته على بغلة بسرج، ووجدته شيخا خلقا عليه ثياب خلقان، فقلت له: صحبت رسول الله ﷺ، وكنت من صالحي أصحابه، وقد قاربت الآخرة فما بينك وبين الجنة إلّا كلمة محقة أو مبطلة، فانظر أين أنت غدا من الله. قال: أمّا إني سأدعو إلى رجل لا يختلف فيه اثنان. فقلت:
أمّا هذا فقد أبان عمّا في نفسه، فلقيت عمرا، فقلت له مثل ذلك، فقال:
إليك عنّي، فلست من أهل المشاورة، والله ما ينفعك الحقّ ولا يضرّك الباطل، فإن الظلف لا يجري [٥] مع الخفّ. فانصرفت وأنا أقول: يا لهذا الحيّ من قريش، والله لكأنّما [١١ أ] أقفل على قلوبهم بأقفال حديد.
_________________
(١) انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٣٤٦.
(٢) في الأصل: يجتمعا.
(٣) في الأصل: يريد.
(٤) في الأصل: يدعوا.
(٥) في الأصل: يرى.
[ ٣٨ ]