محمد بن الهيثم بن عديّ قال: حدّثنا إبراهيم بن عديّ عن عيسى بن موسى الهاشمي قال: أخبرنا أبو جعفر أمير المؤمنين عن محمد بن علي قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة بن حارثة بن حليف بن مشجعة الطائية، وهي يومئذ في بادية له في خيام ومعه عدة [٧٠ ب] من أصحابه، فأرسل إليه عمر بن محمد:
إنّ أمير المؤمنين قد كتب إلينا أن اخطب عليه الشقراء بنت شبيب فاحضر، فأرسل إليه: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين حاجة فليأت
_________________
(١) في الأصل: «فأوقع بها» والتصويب من الكامل.
(٢) في الكامل: «النسب» .
(٣) في الكامل: «إن يذهب أحدهما أن يبقى الآخر» .
(٤) في الكامل: «وولد صالح» .
(٥) في الأصل: «شفرا» .
[ ١٥٦ ]
أو ليرسل رسولا. فقال عمر لعلي بن عبد الله: ما أرى الأعرابي يأتي فسيروا بنا إليه، فسار عمر وعلي في جماعة من وجوه أهل البلقاء، قال:
فدفعنا إلى الأعرابي وهو محتب بفناء خيمته فسلّمنا فرد السلام، فتكلّم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإنّا قد زوّجناه على صدقات نسائها، وتدري ما هو، مائة من الإبل وما يتبعه من الثياب والخدم. ثم جاء بثلاث جفان من كسر خبز ولبن فأكلنا، ولا والله ما حلّ حبوته، ثم انصرفنا. وكتب عمر إلى عبد الملك، فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف [١] من الورق وما يتبعه من الثياب والطيب والخدم، فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلّا البعير الّذي اقتعدته، ومعها نسوة من بنات عمّها، فلمّا وافت عبد الملك أمر فأدخلت دارا وأقامت أياما. ثم إنّ عبد الملك بنى بها، فكان كثيرا ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفا وخلقا [٢] ومنطقا. قال: فاشتدّ ذلك على عاتكة بنت يزيد ابن معاوية فأرسلت إلى روح [٧١ أ] بن زنباع، وكان من أخصّ الناس بعبد [٣] الملك، فقالت: أبا زرعة! قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك، ورأي يزيد أبي، ورأي أمير المؤمنين، وقد أعجبته هذه الأعرابية فتتأمل في إفساد ذلك عنده، قال: نعم ونعمة عين. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما جمع نساء أهل الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين! إنك من الأعرابية كما قال الأول:
وإذا يسرّك من تميم خلّة فلما يسوءك من تميم أكثر
_________________
(١) في الأصل: «ألف» .
(٢) في الأصل: «خلعا» .
(٣) الأصل: «لعبد» .
[ ١٥٧ ]
قال: لا تقل ذلك. قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي، فكثر ذلك منه. ثم إنّ عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء! أعلمت ما قال روح [١] فيك؟ إنّه قال كذا وكذا. قالت: ولم ذلك! إنّي لأنكر ذاك، والله ما سمع منّي أمرا يكرهه، وحال عشيرتي وعشيرته ما تعلم. قال:
هو ما قلت لك، وإن أحببت أسمعتك ذاك منه، قالت: قد أحببت.
فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة! والله لقد وقع كلامك منّي موقعا، أترى ذاك؟ قال: نعم إن الأعرابية يا أمير المؤمنين تنتكث [٢] كانتكاث الحبل، ثم لا تدري على ما أنت عليه منها. فعجلت [٧١ ب] فرفعت [٣] الستر وقالت: أنت فلا حيّاك الله ولا وصل رحمك، وقد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدّق.
فوثب روح فقال: يا هذه إن هذا أبقاه الله أرسل إليّ فأعلمني أنّك خلف الستر فعزم عليّ أن أتكلم بهذا فلم أجد بدّا [٤] من أن أبرّ عزيمته، وأمّا أنت فلا يسؤك الله. قالت: صدق والله ابن عمّي. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء لا تقبلي منه. قالت: هو عندي أصدق منك، وجعل روح يقول:
وهو مولّ، هو والله الحق كما أقول لك، فخرج ووقع الكلام بينهما.
عبيد الله بن محمد بن عائشة القرشي ثم التيمي قال: أخبرني أبي قال:
أوصى علي بن عبد الله إلى ابنه سليمان فقيل له: توصي إلى سليمان وتدع محمدا! فقال: أكره أن أدنّسه بالوصايا [٥] .
_________________
(١) في الأصل: «روحا» .
(٢) في الأصل: «تنتكت كانتكات»، وانتكث الحبل: انتقض. وطلب فلان حاجة ثم انتكث عنها لأخرى: أي انصرف عنها لأخرى.
(٣) في الأصل: «فدفعت» .
(٤) في الأصل: «بد» .
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٤٥ أ «بالوصاية» .
[ ١٥٨ ]
وهلك عليّ بن عبد الله بن العباس في أيام الوليد، وقد عهد إلى محمد ابنه، وألقى إليه أسراره.
وأمّ عليّ زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة.
محمد بن عمر قال: كان عليّ بن عبد الله قليل الحديث [١]، وقد روى عن أبيه، وروى عنه عبد الله بن طاووس.
وتوفّي عليّ بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة.
[٧٢ أ] وقال أبو معشر وغيره: توفّي بالشام سنة سبع عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك [٢] .
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٤٥ أ «وكان علي قليل الحديث، وكان مع ذلك كثيرا ما يرى وهو يسار محمدا ابنه، فإذا رآهما غيرهما شعث وجه الحديث وأخذ في حديث الضياع والعمارات وما يشاكل ذلك» .
(٢) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٢٤، ق ١ ص ٥٦٥.
[ ١٥٩ ]
أخبار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
كان [١] عليّ بن عبد الله يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصيّة. فأوصى إلى سليمان، فلمّا دفن، جاء محمد إلى سعدى ليلا فقال: أخرجي إليّ وصيّة أبي. فقالت [٢]: إنّ أباك أجلّ من أن تخرج [٣] وصيّته ليلا، ولكنّها تأتيك غدا، فلمّا أصبح غدا بها عليه سليمان فقال: يا أبي ويا أخي هذه وصيّة أبيك. فقال محمد:
جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثرّب على أبي بعد موته كما لم أثرّب عليه في حياته.
يزيد بن محمد قال: قال هارون بن محمد: حدّثني إبراهيم بن المهدي قال: حدّثني الرشيد قال: أراد عليّ بن عبد الله بن عبّاس أن يوصي إلى محمد، فأبي محمد ذلك وقال: يا أبة عليّ الأثقلان [٤]، دينك وعيالك، فأمّا ما جعلت لمواليك من وقف وغير ذلك فلا أدخل فيه. قال: فمن ترى؟
قال: في ولدك شابّ أرجو أن يكون كما تحب. قال من هو؟ قال سليمان ابنك، فأوصى عليّ بن عبد الله إليه.
_________________
(١) انظر الكامل للمبرد ج ٢ ص ٢٢٠- ٢٢١، والعقد الفريد ج ٥ ص ١٠٥.
(٢) في الأصل: «فقال»، والتصويب من الكامل. وفي العقد الفريد: «قالت» .
(٣) في الأصل: «إن يخرج»، والتصويب من الكامل والعقد الفريد.
(٤) في الأصل: «الاتقلات» .
[ ١٦٠ ]