قال: فمضى إلى خراسان وأبو مسلم معه خادما له، فعدل إلى جرجان، ونزل بأبي عامر، ولقيته الشيعة بها، فأمرهم بالاستعداد، وقال لهم:
قد حضر أمركم فأعدّوا واستعدّوا، فإذا دخلت سنة ثلاثين ومائة فأظهروا دعوتكم وسوّدوا ثيابكم واشحذوا أسلحتكم ولا تنقلبوا إلى ظهور قبل ذلك إلّا أن يضطركم أمر فتذبوا [٣] له عن أنفسكم، ودفع إليهم كتابا [١٢٩ أ] من إبراهيم يبشّرهم فيه بعلوّ كلمتهم ونصر الله إيّاهم، ويأمرهم فيه بالاجتماع والاستعداد إلى الوقت الّذي وقّته لهم. ثم شخص إلى مرو، ومرّ
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦١ ب- ٢٦٢ أ.
(٢) زيادة من ن. م. ص ٢٦٢ أ.
(٣) في الأصل: «فتذبون» .
[ ٢٦٧ ]
على نسا [١] فلقي من بها من الشيعة فأمرهم بالاستعداد، ثم أتى أبيورد فأمر من بها من الشيعة بمثل ذلك، ثم نفذ إلى مرو، وأهلها على ما كانوا عليه في خنادقهم على العصبية، فلقيته الشيعة وقد كثروا وأظهروا بعض كلامهم، ورغب كثير من الناس في دعوتهم، ورهبهم من [٢] كان يخالف عليهم فأمرهم بالجدّ ثم قال لهم: تأهبوا وتهيّئوا إلى رأس الثلاثين ومائة، ولا تظهروا شيئا إلّا أن تضطروا، فإن اضطررتم فائتلفوا واجتمعوا، وادفعوا عن أنفسكم إلى الوقت الّذي وقّت لكم إن شاء الله. وانصرف، ووكل بالشيعة سليمان بن كثير، وبعث أبا مسلم إلى بلخ فلقي زياد بن صالح ومن بها من دعاته ثم انصرف إليه، فشخص أبو سلمة منصرفا إلى العراق، فقدم الكوفة وقد غلب عليها الضحاك بن قيس الحروري، ولم يلبث أن قدم عليه إبراهيم ابن سلمة رسولا لإبراهيم الإمام يأمره بالشخوص إليه فتهيّأ لذلك، ثم شخص ومعه أبو مسلم، وقد حمل مالا من خراسان فدفعه إلى إبراهيم.
وجعل أبو مسلم يتردد في إيصال المال، فازداد إبراهيم به إعجابا فقال:
يا أبا سلمة فتاك [١٢٩ ب] هذا قد أعجبني، فتجاف لنا عنه. فقال: نحن وما نملك لك، فشأنك به، ولقلّ من علم بعتقي له، وهو يصلح لما تريد في نيّته في مودتكم، وهو يعقل، فلقلّ شيء كنت أوجّهه فيه إلا رأيت منه ما أحب، وقد عرفته الشيعة وعرفهم [٣] . قال: فقبله إبراهيم وأكرمه وألزمه خدمته أيام أبو سلمة مقيم عنده، وقال له: تغيّر اسمك، قال:
كنت أسمّى بعبد الرحمن وأكنى بأبي مسلم، قال: فذاك اسمك وكنيتك.
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٢٨٢، الإصطخري ص ١٥٤، اليعقوبي ص ٢٧٨.
(٢) في الأصل: «ممن» .
(٣) في الأصل: «وعرفتهم» .
[ ٢٦٨ ]
فذكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عبّاس قال: شهدت إبراهيم حيث أعتق أبا مسلم.
وانصرف أبو سلمة، وتابع بالكتب إلى سليمان بن كثير وأصحابه بخراسان في الاستعداد والإكماش [١]، واختلف أبو مسلم في ذلك مرة بعد أخرى، ثم إنّ إبراهيم وجّهه إلى خراسان، فكتب معه إلى شيعته كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم صدق وعد الله لأوليائه، وحقّت كلمة الله على أعدائه، ولا تبديل لكلمات الله، ولن يخلف الله الميعاد. إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للَّه رب العالمين [٢] . أمّا بعد، فأعدوا لأعداء الله النيّات فإنّها سيوف لا تفلّ، وأعدّوا لأعداء الله البصائر فإنّها جنن يقيكم الله بها بأسهم، واستشعروا [١٣٠ أ] الطاعة فإنّها سهام لا تطيش، واعلموا أنّ بحسب السلامة في النيات تكون السلامة في الأبدان من نكبات الظالمين، وعلى قدر الزيادة في البصائر يزيد الله أهلها في الأيد والبطش، فاستبصروا اليقين، وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين. أمّا بعد، فقد وجّهت إليكم مجد الدهر عبد الرحمن بن مسلم مولاي، فألقوا إليه أزمّة أموركم، وحمّلوه أعباء الورد لها والصدر في محاربة عدوّكم، وعاهدوا الله على الطاعة، وكونوا بحبله معتصمين، وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ من بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي ٢٤: ٥٥
_________________
(١) أي الإسراع.
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٣٧.
[ ٢٦٩ ]
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ٢٤: ٥٥ [١] .
وأمر إبراهيم أبا مسلم بمكاتبة أبي سلمة، وأمر أبا سلمة بالمقام بالكوفة، وجعل إبراهيم إلى أبي مسلم إن هو ظهر ولاية خراسان وسجستان وكرمان وجرجان وقومس والري وأصبهان وهمدان، وجعل ولاية أبي سلمة ما دون عقبة همدان من أرض العراق فالجزيرة فالشام. فشخص أبو مسلم حتى دخل مرو في سنة تسع وعشرين ومائة، فنزل على أبي النجم واجتمع النقباء ورجال الشيعة في منزل سليمان [١٣٠ ب] بن كثير، فأتاهم أبو مسلم فوضع كتاب إبراهيم نصب أعينهم وقال: هذا كتاب إمامكم ومولاكم. فقال سليمان ابن كثير: أحسبك والله قد جئت بها دويهية [٢] صمّاء، يا أبا منصور [٣] ! افضض الخاتم واقرأ علينا كتاب إمامنا، وكان أبو منصور طلحة [٤] بن زريق هو الّذي يتولى قراءة كتب الإمام على الشيعة ويكتب الجواب بخطّه. فقرأ أبو منصور الكتاب، فقال سليمان: صلينا بمكروه هذا الأمر، واستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر حتى قطعت فيه الأيدي والأرجل، وبريت فيه الألسن حزّا بالشفار، وسملت الأعين [٥]، وابتلينا بأنواع المثلات، وكان الضرب والحبس في السجون من أيسر ما نزل بنا، فلمّا تنسّمنا روح الحياة، وانفسحت [٦] أبصارنا، وأينعت ثمار غراسنا طرأ علينا هذا المجهول الّذي لا
_________________
(١) سورة النور، الآية ٥٥.
(٢) في الأصل «ذو بهية»، و«دويهية» تصغير داهية.
(٣) في الأصل، وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٢ ب «يا منصور»، و«أبو منصور» كنية طلحة بن زريق. الطبري س ٢ ص ١٩٦٩، والجاحظ- مناقب الترك، رسائل الجاحظ، ج ١ ص ٢٢، والأزدي ص ٢٦، وانظر ص ٢١٦ من هذا الكتاب.
(٤) في الأصل: «أبو منصور وطلحة بن زريق» .
(٥) يضيف كتاب التاريخ ص ٢٦٢ ب «وقطعت الألسن» .
(٦) في ن. م. ص ٢٦٢ ب: «وانفتحت» .
[ ٢٧٠ ]
يدرى [١] أيّة [٢] بيضة تفلّقت عن رأسه ولا من أي عشّ درج، والله لقد عرفت الدعوة من قبل أن يخلق هذا في بطن أمّه. اكتب يا أبا منصور بما تسمع [٣] إلى الإمام، فقال أبو منصور: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، أنا والله أول من سلّم لأمر الإمام وسمع وأطاع. وتكلّم أبو داود خالد بن إبراهيم وغيره ممن حضر فقالوا لسليمان: يا أبا محمد! إن كنت مؤتما بطاعة إمامك فقلّده شرائع الدين، [١٣١ أ] واسمع له وأطع فيما وافقك أو خالف هواك. ومدّ أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه.