ودخل الهاشمية نهاوند، وكان أهلها خرجوا عنها، فأخذوا من وجدوا فيها من أهل خراسان وأهل الشام فاستوثقوا منهم، فكان إذا أتي بالشامي إلى قحطبة خلّى سبيله، وإذا أتي بالخراساني أمر بحبسه، ودفعهم إلى قوّاده بقيّة يومهم وليلتهم، فلما كان السحر نادى منادي قحطبة: كل من كان في يده أسير فليأت برأسه، فقتلوا جميعا [٢]، فذكروا أنّ عدتهم بلغت ثلاثة
_________________
(١) في الأصل «ابن» .
(٢) انظر الطبري س ٣ ص ٦- ٨.
[ ٣٥٣ ]
آلاف رجل قتلوا صبرا، وفيهم أبو كامل الغادر، ولم يعط بيده بل قاتل حتى قتل، وفيهم ولد نصر بن سيّار [١] . وكان فتح نهاوند يوم الاثنين لخمس ليال خلون من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة.
وكتب قحطبة إلى أبي مسلم بفتح نهاوند، وبعث إليه بالرءوس، فلما أتاه ذلك أقدم على ابني الكرماني فقتلهما، فلما أتى قحطبة الخبر بذلك تمثل:
[١٧٤ ب] لنا يوم وللكروان يوم تطير اليائسات [٢] وما نطير
وقد كان ابن هبيرة وجّه عبيد الله بن العبّاس الكندي في عشرين ألف رجل من أهل الشام وأهل العراق على مقدمته، فسار حتى نزل حلوان [٣] .
ثم كتب إليه ابن هبيرة يأمره بالمسير فيمن معه إلى نهاوند ليغيث من بها، فسار حتى انتهى إلى الطريق [فلما بلغ إلى طزر] [٤] بلغه قتل ابن ضبارة ونزول قحطبة نهاوند، فأقام، وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بذلك، فكتب إليه يأمره بالانصراف إلى حلوان، فانصرف إليها كالفلّ [٥]، وأقام بها حتى أتاه فتح نهاوند. فكتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى خانقين، فانصرف وخلف خليفته بها، ثم كتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى برازالروز [٦]، فانصرف
_________________
(١) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٨ «وقال قوم كان بنو نصر بن سيار بها (أي بنهاوند) فقتلهم، والثبت أنهم قتلوا بأصبهان» . وفي كتاب التاريخ ٢٧٩ أ «وفيهم ولد نصر بن سيار فقتل» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٧٩ أ «البائسات» .
(٣) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٢٩٠، الاصطخري- المسالك والممالك ص ٦١، اليعقوبي ص ٢٧١.
(٤) في الأصل بياض، والزيادة من كتاب التاريخ ص ٢٧٩ أ.
(٥) في الأصل: «العل»، والفل المنهزم.
(٦) في الأصل: «براذ الروذ» . انظر تاريخ خليفة بن خياط ص ٤٢١، معجم البلدان ج ٤ ص ٣١٤، ابن خرداذبه ص ٤١، قدامه- الخراج ص ٢٣٥ وتسمى الآن بلدزور (العراق) . وهي على خط طول ٤٣ ٣٢ شمال وخط عرض ٠٤ ٤٥ شرق.
[ ٣٥٤ ]
إليها، وأقام بها. فقدم مالك بن أدهم وأصحابه على ابن هبيرة وهو بالكوفة فشخص ابن هبيرة يريد لقاء قحطبة، فنزل المدائن وعسكر، وتوافت إليه بها فلول الشام ممن كان مع ابن ضبارة.
ولما رأى أبو سلمة اختلاط الأمور على ابن هبيرة، بعث رسله ودعاته إلى البوادي المطلّة على أهل الكوفة والبصرة من الأعراب، وبعث إلى الموصل فدبّوا فيهم ودعوهم إلى النهوض، فألفوهم سراعا إلى ذلك طمعا في النهب والغنائم. فخرج موسى بن السري الأحول الهمدانيّ بحلوان، فأخذها ونفى عاملها وسوّد ودعا إلى [١٧٥ أ] آل الرسول ﷺ، ووضع مسالحه بخانقين [١]، وكتب إلى قحطبة بطاعته. وخرج في سواد الكوفة وسواد البصرة عدة من ربيعة: أبو الخفاف [٢]، والفرافصة، والحجاج بن علاط العجليّ، فأخذوا أسافل الفرات كله، وهم متنابذون، كلّ واحد على حياله على غير نيّات صحيحة، وسوّدوا وشهروا ذلك، وكاتبوا قحطبة، وأتته رسلهم بخروجهم، وكتبوا أنّه لم تبق في يد ابن هبيرة إلّا الأمصار، فقرأ قحطبة كتبهم على أصحابه بنهاوند فكبّروا، واشتدّ سرورهم بذلك.
وخرج أبو أميّة التغلبي بتكريت وما والاها، وتجمعت إليه جماعة من قومه، وكتب إلى قحطبة يخبره بذلك، فقرأ كتابه على من قبله، فكبّروا وحسن موقع ذلك منهم. وكاتب قحطبة الناس يدعوهم فكتب إلى إسحاق بن مسلم العقيلي، وكتب إلى سفيان بن معاوية وروح بن حاتم المهلبيين بالبصرة.
وبعث بكتابه إلى إسحاق بن مسلم مع رجل من الأكراد، فأقبل الكردي حتى إذا كان بهيت ظفرت به مسالح مروان ففتشوه فأصابوا الكتاب في طي
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٣٤٠، ابن خرداذبه ص ١٩ وهي على خط طول ٢٢ ٣٤ شمال وخط عرض ٢٢ ٤٥ شرق.
(٢) في الأصل: «أبو المكان»، والصواب ما أثبتنا كما سيرد في هذا الكتاب.
[ ٣٥٥ ]
عمامته فبعث به صاحبهم إلى مروان، فكتب مروان إلى إسحاق بن مسلم انّ صاحب هيت أصاب مع رجل من الأكراد كتابا من رأس الخطيئة وعمود الضلالة قحطبة يدعوك إلى دعوته ويزين لك ضلالته، ومثلك في خطرك وقدر النعمة عندك [١٧٥ ب] لم تستدرجه خدع السفهاء، فانظر لنفسك ومنصبك وعشيرتك، فإنّ الأمر الّذي يريده القوم قتلك وقتل نظرائك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فاقبضها من العامل قبلك، وأقدم لتؤازر خليفتك على ما نابه، وتشركه في جهاد عدوه والسلام.
وبعث قحطبة بكتابه إلى سفيان وروح مع رجل من أصحاب يزيد بن حاتم، فسوّدا وخرجا بالبصرة، ومتولّي البصرة يومئذ سلم بن قتيبة، فبذل لهما مالا كثيرا ألّا يخالفا، فأبيا فخرج إليهما سلم، وقد اجتمع إليهما جمع، وسلم في قوة، فهزم سفيان وروح، وقتل معاوية [١]، وخرج روح إلى دست ميسان [٢] مظهرا للسواد، ولم يزل هنالك حتى قدم مالك بن الهيثم، فأتاه هو وسفيان فأكرمهما وعظمهما.