فلمّا ارتضوا بأبي مسلم قال سليمان: انظروا في الموضع الّذي تبتدئون بإظهار أمركم فيه. فقال أبو النجم وعدّة وافقوه على رأيه: نرى أن يكون أول ظهور أمرنا بخوارزم، فإنّها بلاد منقطعة عن نصر، فإلى أن يرسل إلينا عسكره يكون قد تسامع بنا إخواننا فيأتونا ويكثر جمعنا فنقوى على من يأتينا. قال موسى بن كعب ولاهز: مروالروذ فإنّها متوسطة بين مرو وبلخ، وقال مالك بن الهيثم والعلاء بن حريث وطلحة بن زريق: فإنّ بها خلقا كثيرا من إخواننا، وبها السلطان قد وهن أمره، وبمن نقاتله يقوينا عليه ويقوى بنا عليه، ومتى يقو بها أمرنا يقو في غيرها. فبلغنا أنّ أبا مسلم قال لسليمان ابن كثير: ما تقول يا أبا محمد؟ قال: ما أرى إلّا كما قال، فإن قوتنا بها أعظم وعدوّنا أضعف، وكامل ساكت، قال أبو مسلم: ما تقول يا أبا صالح؟ قال: إذا اجتثّ الأصل فلا بقاء للفرع، إذا [١] ظهرتم بغير مرو
_________________
(١) في الأصل: «إذ» والمعنى يقتضي ما أثبتنا.
[ ٢٧٣ ]
تفرّغ لكم سلطانكم وساعده عدوّه عليكم. فقال أبو مسلم: قلت الحق يا أبا صالح والرأي أن نظهر بمرو، فأطبقوا [١٣٢ ب] على ذلك ورضوا به [١] .
وأمرهم أبو مسلم بلقاء إخوانهم والبعثة إليهم ليجتمعوا ويقيموا بموضعهم إلى دخول المحرّم. وكان الّذي دعا أبا مسلم ودعا سليمان إلى الاجتماع أنّه بلغهم أنّ نصرا قد أجمع على البعثة إليهم والتقاطهم قبل خروجهم، وكان الّذي أشار عليه بذلك سلم بن أحوز فقال له: بادر القوم وهم متفرقون تقو عليهم بجماعتك قبل أن يتألفوا فترومهم فيمتنعوا عليك. فتفرقت الدعاة الذين حضروا رأي أبي مسلم، فلقيت الشيعة، وبعثت الرسل إليهم ليجتمعوا، فأقبل الناس إليهم وأبو مسلم بشنفير [٢]، قرية سليمان بن كثير، وقد تأشب إليه طوائف من قصور اليقازم [٣]، منهم علقمة بن حكيم والعلاء بن سالم [٤] في زهاء سبع مائة رجل، وهم متفرقون في قصور خزاعة، وعظمهم بشنفير. وكان أول من وافى أبا مسلم رجال خزاعة لقربهم منه، فانضم إليه منهم خمسة وعشرون رجلا، ومن طي ستة رجال ومن تميم اثنا عشر رجلا ومن النقباء والشيعة أحد وثلاثون رجلا، وتسامعت الشيعة بالخبر فأقبلت إليه من كل وجه من رساتيق مرو، وتحدّث الناس باجتماعهم فكثر سوادهم عند أبي مسلم. وكان أول
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٣ ب.
(٢) في الأصل: بستقير، ثم سنفير، انظر ص ٢٧٦. وقرية سليمان بن كثير هي «سفيذنج» كما في الطبري س ٢ ص ١٩٥٣، وسيفذنج كما في العيون والحدائق ج ٣ ص ١٨٦. ويذكر ياقوت أن سيفذنج قرية تبعد عن مرو بأربعة فراسخ، معجم البلدان ج ٣ ص ٢٩٨. وقد أبقينا «شنفير» رغم عدم ورود الاسم في ياقوت، ولعل اللفظة محلية.
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٦٣ ب: «النقادم» وقد أخذ محقق الطبري ب «السقادم» مع ورود صيغ أخرى مثل التقادم. انظر الطبري س ٢ ص ١٨٦٢ وص ١٩٥٥ وص ١٩٦٨.
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٦٣ «سامع» .
[ ٢٧٤ ]
من أتى أبا مسلم في السواد حية بن عبد الله المرئي [١]، فقال له أبو مسلم: أنت أول من أتانا في السواد [١٣٣ أ] فلك أول صافية نستصفيها [٢]، فكان أول ما [٣] استصفى قصر نصر بن سيار الّذي على باب دروازق سرخس فأقطعه حيّة، فهو اليوم يعرف بقصر حيّة.
وبلغ نصر بن سيّار اجتماع الشيعة وهو مشتغل بمحاربة علي بن الكرماني، فجمع ثقاته فشاورهم فيما بلغه عن أهل الدعوة، فأجمع رأيهم على أن يبعث إلى قرى خزاعة ومن لجأ إليها من أهل الدعوة فيبيّتهم ويأخذ رجالهم ورؤساءهم قبل أن يتفاقم أمرهم، فقال لهم سلم بن أحوز: كان هذا الرأي يوم أشرت عليكم أقوى، ولم يفتكم بعد. فلمّا اتّسقوا على ذلك قال لهم عقيل بن معقل: إن فعلتم ذلك خالفتكم أحياء اليمن ورأوا أنكم تريدون هضمهم وإذلالهم بدخولكم عليهم في منازلهم، ولا آمن أن يدعوهم ذلك إلى أن يدخلوا فيما دخل فيه القوم، ويسوّدوا كما سوّدوا، ولكني أرى أن تناظرهم وتبعث إليهم، فإن سهّلوا لكم الإقدام عليهم أقدمتم عليهم، وإن منعوكم عملتم على قدر ذلك، وما أهون شوكة هؤلاء إن كفّت عنهم اليمن وربيعة.
فبلغنا أنّ عاصم بن عمير السمرقندي قال لهم: لا يجيبكم والله ابن الكرماني إلى إسلامهم، والحيلة بينكم وبينهم أبدا، فانقضى المجلس على ذلك ولم يبرموا فيه رأيا. وبلغ ما كان من ناحيتهم فيما [١٣٣ ب] أرادوا به أبا مسلم ومن معه، فلقي سليمان بن كثير فشاوره في ذلك، فقال: أرى أن تبادر القوم قبل أن يبادروك، وتكاثرهم قبل أن يكاثروك، فإنّ أيسر مالك عند ابني
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ج ١١ ص ٤٨٧ وجمهرة أنساب العرب ص ٢١٤. وانظر ص ٢١٧ من هذا الكتاب.
(٢) في الأصل: «تستصيغها» والتصويب في كتاب التاريخ ٢٦٤ أ.
(٣) في الأصل: «من» .
[ ٢٧٥ ]
الكرماني أن يكفّا عنك ولا يعينا عليك، ولعلهما سيميلان إليك أن لطّفت لهما، واجمع إخواننا فإنّه لا يستقيم الإقدام على منافرة القوم إلّا بعد مناظرتهم في ذلك، فبعث إليهم فاجتمعوا فخبّرهم بما انتهى إليه عن نصر، وما رأى من المبادرة بالظهور قبل استحكام مكيدة عليهم، فوافقه القوم على ذلك، ونشطوا له، واتّعدوا لإظهار أمرهم يوم الفطر من سنة تسع وعشرين ومائة، فاستعدّ القوم لذلك. وإنّهم كذلك إذ خرج الحسن بن يزيد العنبري رأس بني تميم إلى جوسق له بقرية خرق [١] ومعه يعقوب الأعسر في خيل بني تميم، فجلس على دكّان له حتى أظلم الليل، وأمر بنار فأجّجت فسطع شهابها وأصحابه جلوس معه، فرأى ذلك أهل شنفير فظنّوا أنها نار رفعها الحسن لموعد بينه وبين بني تميم يجتمعون لها، فأمر أبو مسلم فرفعت من الموضع الّذي كان فيه بشنفير نار، فاجتمع إليهم من كان في قرى خزاعة وغيرها ممن عرف أمرهم ومن لم يعرفه، فأمّا من عرفه فلدعوتهم، وأمّا من لم يعرفه فاجتمعوا لمنع أبي مسلم [١٣٤ أ] إذ حلّ بينهم وفي جوارهم، والدفع عن حرمتهم. وبعث سليمان من تعرّف لهم قصّة النار وسبب رفعها، فانصرف رسوله فخبّره أنّها نار أجّجت ليصطلوا بها ويستضيئوا بها، وليست لشيء ممّا ظنّوا. وأصبحوا على ذلك، فلمّا تيقّنوا الخبر أرادوا التفرّق والكفّ لما كانوا وقّتوا وواعدوا عليه إخوانهم من الظهور في يوم الفطر، فقال لهم كامل بن المظفّر: إنّ ما كان مستترا من أمرهم قد انكشف بما كان منكم في هذه الليلة، ولا ينتصف النهار حتى يشيع ذلك، ويبلغ نصرا وغير نصر وتسير به الركبان، فأنتم الآن من أهمّ الأمور إلى نصر وأعظمها بليّة عليه في نفسه ولم يأل [٢] عن قمعكم فإن تفرّقتم انتهز ذلك منكم
_________________
(١) خرق، قرية كبيرة بمرو. معجم البلدان ج ٢ ص ١٦٠.
(٢) في الأصل: «ولم يألوا» .
[ ٢٧٦ ]
وركبكم على تفرقكم، وكنتم له نهزة الخاطف، وإن ثبتّم على اجتماعكم هاب القوم الإقدام عليكم ونزع إليكم أهل رأيكم وغيرهم ممن يسعى على نصر بما يكره، وإنّي لأرجو أن يكون ما قضى الله من اجتماعكم شيئا قويّا لعزّكم وقوّتكم. وقال سليمان بن كثير: صدق والله أبو صالح، والله ما تفرّق قوم بعد اجتماعهم إلّا ذلّوا وأكلوا، وقد رأيتم عند هذه الفزعة ما سرّكم من الكثرة والقوّة، فقال أبو مسلم: الرأي والله يا أبا محمد ما رأيتما، واتّفق القوم على [١٣٤ ب] ذلك، فلمّا أصبحوا، وذلك يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة عسكر بهم أبو مسلم في حائط حصين لسليمان، وفشا خبرهم فأقبلت الشيعة من كلّ وجه. وقدمت الدعاة بمن [١] أجابهم من إخوانهم فلم يمسوا يومهم ذلك حتى صاروا نحوا من الفين، وصبّحهم من الغد مثلهم، وتتابع الناس إليهم، فأتاهم عيسى بن شبل [٢] وأبو الوضاح وأبو قرّة في نحو من ألف رجل، فأفطروا وقد كثر جمعهم، وسوّدوا ثيابهم، ونصبوا أعلامهم، ونشروا راياتهم، فصلّى بهم سليمان بن كثير يوم العيد، وهي أول جماعة كانت لأهل الدعوة.
فبينما هم على ذلك إذ قدم على أبي مسلم كتاب من أبي سلمة: متى ظهرت فلا تعدلن بأن تخندق على نفسك ومن معك فإنّ ذلك رأي الإمام، وفيه عزّك، وسينزع إليك أعداء نصر ومن حاربه ليتعززوا بك، ودافع الحرب ما استطعت، وقدّم وأخّر، ولا توحش نصرا منك إلى دخول المحرّم. فأقام أبو مسلم بمعسكره اثنين وأربعين يوما، وبعث عمرو بن أعين وأبا داود إلى طخارستان [٣] لما أمر من بها من الشيعة بالاستعداد إلى أن
_________________
(١) في الأصل: «من» .
(٢) انظر ص ٢١٧ و٢٢٢ من هذا الكتاب.
(٣) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٥٣. وعن طخارستان، انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٢٣.
[ ٢٧٧ ]
يأتيهم رأيه فإن بسط أحد إليهم يده بمكروه امتنعوا وقاتلوا. وأتاه على بقية ذلك كتاب أسيد يخبره بما سار إليه [١٣٥ أ] من محاربة عاصم بن قيس بنسا، فوجّه إليهم موسى بن كعب ليقوم بمحاربة من بنسا وأعدائهم، ويذبّ عن الشيعة، ووجّه النضر بن صبح إلى مروالروذ في مثل ذلك. وقد توجّه العلاء بن حريث قبل ذلك، حيث أجمع رأيهم على أن يعسكر بشنفير ويوجّه إلى نواحيه التي كان يدعو فيها من خوارزم وآمل [١] ومن بخارى [٢] والسّغد، وكتب إليه أبو مسلم بالعمل فيما يليه بما يرى، ويتوقّى أن يناجز عدوّه إلى دخول المحرّم. وأتاه ظهور أهل الطالقان قبل قدوم أبي داود وعمرو بن أعين عليهم، فزاد ذلك في قوته، وكان ظهور أهل نسا والطالقان ومروالروذ وآمل ونواحيها قريبا [٣] بعضه من بعض.
ثم إنّ سليمان بن كثير وعدة ممن كان يغزو مغازي خراسان وصحّت تجاربه في الحرب تناظروا فيما بينهم فرأوا أن يخندقوا على أنفسهم، ولقوا أبا مسلم فأشاروا عليه بذلك، فقال لهم: هو الرأي وقد أمرنا به. فركب سليمان بن كثير وأبو مسلم فارتادا موضع خندق بشنفير، فلم يجدا [٤] موضعا أوفق لهما من الماخوان [٥]- قرية خالد بن عثمان بن مسعود- فخندق أبو مسلم بها خندقا حصينا وتحوّل إليه يوم الخميس لثماني ليال خلون من ذي
_________________
(١) معجم البلدان ج ١ ص ٥٧، ابن خرداذبه ص ٣٣، الإصطخري ١٥٧ وهي على خط طول ٢٦ ٣٦ شمال وخط عرض ٢٤ ٥٢ شرق.
(٢) معجم البلدان ج ١ ص ٣٥٣، ابن خرداذبه ص ٣٨، اليعقوبي ص ٣٩٢، الإصطخري ١٧١ وهي على خط طول ٤٧ ٤٧ ٣٩ شمال وخط عرض ٢٦ ٦٤ شرق.
(٣) في الأصل: «قريب» .
(٤) في الأصل: «يجدوا» .
(٥) الماخوان: قرية كبيرة من قرى مرو. معجم البلدان ج ٥ ص ٣٣.
[ ٢٧٨ ]
القعدة. وأمر محرز بن إبراهيم- وكان عظيم القدر في الدعوة، شديد الاجتهاد في [١٣٥ ب] الدعاء إليها، مشهورا بذلك- أن يعسكر بقرية يقال لها جيرنج [١] بأعلى مرو وفيما يلي طريق مروالروذ وتلك الكور ليأمن بمكانه من يأتيه من أهل تلك الناحية ويكون ممن بمرو رسله عليه، فلم يزل محرز هناك مقيما في نحو من ألف رجل حتى دخل أبو مسلم الحائط بمرو، وغلب عليها وعسكر بباب سرخس، فانضم إليه محرز عند ذلك. ولمّا تحوّل إلى خندق الماخوان تحوّل وقد كثر جمعهم، وأبو صالح يدبّر الأمور ويلي أمر مكائدهم ويكتب كتبهم، وإليه تجتمع الأموال والغنائم وقسمتها، وإليه إعطاء الجند، وهو صاحب سرّهم. وقد ذكروا أنّ أسلم بن صبيح كان على الرسائل، فاجتمعوا يوما لينظروا في شيء من أمورهم فأرادوا أن يرسلوا في شيء اتّفقوا عليه فلم يجدوا بحضرتهم أحدا، فقال سليمان بن كثير: هذا وهن، أرى أن ننتخب عدة رجال يكونون حرسا أو أشباه حرس، يحفظون أبا مسلم، فإن احتجنا إلى من نرسله أو نوجّهه في بعض أمورنا تناولنا ذلك منهم، وكانوا حفظة لما يرد علينا من الأموال والغنائم، وننتخب رجلا يقوم بأمر عسكرنا يذبّ عنه ويحكم بين أهله وينفي أهل الريب منه. فقبلوا ذلك منه [٢] واتّفقوا عليه، فرأوا أن ولّوا [٣] أبا نصر مالك بن الهيثم أمر العسكر [١٣٦ أ] كهيئة صاحب الشرط، وجعلوا نصر بن مالك خليفته يسير بين يدي أبي مسلم إذا
_________________
(١) في الأصل: «حيرنج» . انظر الطبري س ٢ ص ١٩٥٦، ومعجم البلدان ج ٢ ص ١٩٩، والإصطخري ص ١٤٩.
(٢) انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٤ ب.
(٣) في الأصل، وفي كتاب التاريخ ص ٢٦٤ ب «ان وهرا» .
[ ٢٧٩ ]
ركب، وولّوا الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وولّوا القاسم [١] بن مجاشع القضاء، فكان يصلّي بأبي مسلم ومن معه طول مقامه بالخندق ويقصّ [٢] بعد العصر ويذكر جور بني أميّة ومعايبهم وفضل بني هاشم وحقهم، وانتخبوا سبعين رجلا، فكانوا في ذلك حتى قدم على أبي مسلم عمرو بن أعين في أهل الطالقان فكثرت جماعته فزاد في حرسه وصيّر منهم أهل النجدة والقوة وأهل البصائر، فلم يزالوا على ذلك حتى كان من أمره ما كان. وركب أبو مسلم ذات يوم ومعه سليمان بن كثير وكامل وأبو إسحاق ولاهز والقاسم ابن مجاشع، فخرج من الخندق، فسار قليلا ثم وقف، فبينا هو واقف إذ أقبل رجل بيده عصا يريد الخندق، فسار قليلا ثم وقف، فلما نظر إليه أبو مسلم دعاه، فقال: من أنت؟ وما تريد؟ قال: أنا غلام لعاصم بن عمرو السمرقندي، جئتكم راغبا في دعوتكم. فقال له أبو مسلم: أمسلم أنت؟
قال: نعم. قال: اتبعنا إلى الخندق. ورجع إلى الخندق فجمع رؤساء الشيعة ووجوههم يومئذ، فقال: إنّ الله جعل دعوتكم [٣] أمنا وعزّا لمن لجأ إليها، فمن دخلها من حرّ أو عبد فقد وجب حقّه عليكم إذ صارت يده مع أيديكم وصحت حرمته [١٣٦ ب] وإنّ هذا الرجل ذكر أنّه عبد لعاصم، أقبل إليكم ناصرا لكم، راغبا في دعوتكم، فقد وجب حقّه بذلك عليكم، وقد أعتقه الله الّذي هو أولى به من عاصم، وأيّما عبد أتانا راغبا في أمرنا قبلناه، وكان له ما لنا وعليه ما علينا، فصوّب من حضره رأيه في ذلك.
_________________
(١) انظر ص ٢١٧ من هذا الكتاب.
(٢) في الأصل «ويقضي»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٦٤ ب، وانظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٨.
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٦٤ ب «دولتكم» .
[ ٢٨٠ ]
ووافقهم نزوع [١] العبيد من عسكر عدوّهم، وانتشر ذلك وتحدّث به بمرو في عسكر نصر وعلي بن الكرماني. وكان مصعب بن قيس داعية العبيد، لم يكن يدعو غيرهم، وأقبلت العبيد تأتي أبا مسلم وتنزع إليه، فلمّا كثروا صيّر لهم موضعا في خندقه على حدة، وولّى عليهم داود بن كرّاز [٢] . وجعل الرجل بعد الرجل يأتي أبا مسلم فيقول: غلامي هرب إليك، فلمّا رأى كثرة من يأتيه منهم وشكواهم من مواليهم أمر فنودي أنّ الأمير يأمركم أن ترجعوا إلى مواليكم، فأتاه قائدهم أبو سعيد، وقالوا أبو شراحيل، فقال:
إنّ المنادي نادى بأن ترجع العبيد إلى مواليهم، وكيف يرجعون إليهم وقد خالفوهم وأسخطوهم في حبّ آل محمد، قال الله ﷿: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ ٣٣: ٦ [٣]، فرجعوا إلى خندقهم، ولما كثر عليه في أمرهم وجّههم إلى موسى بن كعب [٤]، فكانوا أول جند أمدّ به أهل أبيورد ونسا.
فما زال عسكره يزداد بكل وجه ويقوى وتجيئه الناس وقد كفّ [١٣٧ أ] عن القتال وفتح الله عليه كثيرا من البلاد بالصبر والدعاء والمداراة خمسة أشهر، لم يقاتل فيها. فلما أهلّ بهلال المحرّم من سنة ثلاثين ومائة وهو في نحو من عشر آلاف رجل، كان [٥] ما ظهر من أمر الدعوة أثقل على نصر بن سيّار من حرب علي وشيبان. فبلغنا أنّه بعث إلى أبي مسلم رجلا من بني ليث ورجلا من باهلة يسألانه عن حاله ودعوته وسبب خروجه، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير ووجوه من معه، فلمّا حضروه قال لهم: إنّ هذين
_________________
(١) في الأصل: «نزوغ» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٦٥ أ.
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٨- ١٩٦٩.
(٣) سورة الأحزاب، الآية ٦.
(٤) انظر ص ٢١٦.
(٥) في الأصل: «وكان» .
[ ٢٨١ ]
أتياني برسالة نصر، فكرهت أن أسمع منهما أو أجيبهما بشيء حتى تحضروا ذلك. وقد حضرهم وقت الصلاة، فأذّن المؤذن، فقام أسلم [١] بن أبي سلام فقال له أبو مسلم: أين؟ قال: أتوضأ وأعود، فقال لرسولي [٢] نصر: ونحن نريد ذلك، فإن شئتما فأقيما حتى نفرغ من أمر صلاتنا، وإن كانت بكما حاجة إلى الوضوء فامضيا مع أسلم حتى تقضيا حاجتكما ثم تنصرفا [٣] معه، ونتفرغ فيما جئتما له. فنهضا مع أسلم إلى منزله، فقال أحدهما: والله ما كنّا نحسبكم تصلّون، فقال أسلم: ومن يقيم الصلاة لحقها غيرنا؟
ألستما تعرفانني قبل اليوم؟ قالا: بلى. قال: أفتريانني كنت خارجا من الإيمان داخلا في الكفر؟ لا تغترّا بأقاويل من يشنّع علينا فو الله إن أصبح الحق في شيء من المواطن يدار به إلّا في موضعنا هذا الّذي نحن فيه [١٣٧ ب] فلا تغبنا حظكما منه. فتوضّأ ودعا لهما بوضوء فتوضّيا وصلّيا، ثم دعوا بهما إلى أبي مسلم فدخلا عليه وهو يصلي، فكبّرا وجلسا، ونظر أحدهما إلى سنّور يتردد في البيت فكبّر. فلما فرغ أبو مسلم من صلاته قال لهما:
لم كبّرتما؟ قال أحدهما: كان يقال لنا إنّكم لا تصلّون وإنّكم تعبدون السنانير، فلمّا رأيناك تصلي ورأينا السنّور [مهينا لديكم] [٤] علمنا أنّ ما قيل فيكم باطل. فلمّا تتامّ إلى أبي مسلم وجوه أصحابه قال لرسولي نصر:
قولا ما أحببتما. قالا: ونحن آمنان؟ قال: نعم. فقالا له: من أنت؟ فهو أوّل ما أمرنا به أن نسألك عنه. فقال: أنا عبد الرحمن بن مسلم. فقالا له:
فما دعوتك؟ فقال: إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وإلى
_________________
(١) في الأصل: «سلم» .
(٢) في الأصل: «لرسول» .
(٣) في الأصل: «تنصرفان» .
(٤) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٦٥ ب.
[ ٢٨٢ ]
الرضا من آل رسوله [١] . قالا له: فمن بعثك بهذا؟ قال: إمام قد افترضت طاعته. قالا: فمن يعلم بذلك؟ قال جميع من بحضرته [٢]: نحن نعلم ذلك.
فقالا: ومن أين علمتموه؟ قالوا: أتاه أكثر من يرى [٣] ولقوة. قالا: فدلّونا عليه حتى نلقاه فإذا صحّ ما ذكرتم من أمره دخلنا [٤] في مثل ما دخلتم فيه، وكنّا وأنتم يدا على من خالفنا. فقال أبو مسلم: إن أجبتمانا ووثقتما له وأعطيتمانا ما نطمئنّ إليه منكما جمعنا بينكما وبينه [٥]، فأمّا أن ندلّكما على صاحبنا وأنتما مقيمان على باطلكما فلا.
وزعم أسلم بن صبيح قال: قالا له يومئذ ممن أنت؟ [١٣٨ أ] قال: أنا امرؤ [٦] من المسلمين لا أعتزي إلى قبيل دون قبيل، ولقد هلك أبي في غير بلده، وجرت عليّ نعم لغير واحد، قد قال فيها قائلون، غير أنّ نسبي الإسلام، ونصري لآل محمد، وإنّي لصحيح المركب فيمن [٧] أنا فيه.
فانصرف رسولا نصر بذلك وقالا له: نظنّك والله قد رميت بالداهية الكبرى، فانظر لنفسك أو دع.
_________________
(١) في ن. م. «من آل محمد» .
(٢) في ن. م. ص ٢٦٥ ب: «من حضر» .
(٣) في ن. م. ص ٢٦٥ ب «ترى» .
(٤) في الأصل «ودخلنا» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٦٥ ب.
(٥) انظر ن. م. ص ٢٦٥ ب.
(٦) في الأصل: «امرئ» .
(٧) هكذا، ولعلها «فيما» .
[ ٢٨٣ ]