قال: كان يقال لعبد الله بن العباس حبر هذه الأمّة لسعة علمه، وقد كان [٣] في صغره لزم عليا، وكان [٤] يزقّه العلم زقّا. وقيل من أراد العلم والجود والجمال فليأت دار العباس بن عبد المطلب يجد ذلك كله [٥] .
_________________
(١) كتب في الأصل «الكلم» والتصويب من هامش المخطوط.
(٢) في مخطوط أنساب الأشراف ص ٢١٦/ ق ١ ص ٥٤٠- ١: «حدثني الحسن بن عرفة عن عمار بن محمد عن خشيش بن فرقد عن الحسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: يا غلام أو يا غليم، ألا أعلمك شيئا ينفعك الله به: احفظ الله يحفظك، اذكر الله يذكرك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فسل الله، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أن النصر مع اليقين، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، وأنه لو اجتمع الخلائق على أن يعطوك شيئا لم يقضه الله لك لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قضاه الله لك لم يستطيعوا» .
(٣) كتبت عبارة «لزم عليا» في هامش المخطوط، وأشير إلى مكانها في المتن بعد «صغره» .
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٤٠ أ: «فكان» .
(٥) انظر ن. م. ص ٢٤٠ أ، وفيه: «يريدون أن العلم فيه والجود في عبيد الله والجمال في قثم» .
[ ٢٨ ]
أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أنّه كان يسمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة، قال ما أحمقكم! إن بعد [٦ ب] الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهديّ يسلّمها إلى الدجال [١] . قال أبو أسامة: وتأويل هذا عندي ولد المهدي يسلّمونها إلى الدجال.
أبو حامد المستملي قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعيّ قال:
حدثنا يحيى ابن آدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما رأيت أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر، من ابن عباس ﵄، إن كان عمر ابن الخطاب ليقول: قد طرأت علينا عضل [٢] أقضية أنت لها ولأمثالها.
العنزي قال: حدثني علي بن إسماعيل قال: أخبرنا عمّي إبراهيم ابن محمد قال: حدّثني شدّاد الحارثي قال: حدثني عبيد الله بن الحر العنبري عن أبي عرابة [٣] الهجيمي قال: كان ابن عبّاس يفطر الناس في شهر رمضان بالبصرة، فكان [٤] لا ينقلبون في كلّ ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا، فكانوا إذا فرغوا من العشاء تكلّم فأقلّ وأوجز، فقال لهم ليلة: ملاك
_________________
(١) وفي ن. م. ص ٢٤٠ أ: «أنه كان إذا سمعهم يقولون يقول ما أحمقكم..»، وانظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢٧٨ (القاهرة) .
(٢) ترد الرواية في أنساب الأشراف ص ٢١٦، ق ١ ص ٥٤١ بإسناد آخر مع بعض الاختلاف في آخرها، كما يلي: «وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: انه قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها، فإذا قال فيها رضي قوله، وعمر ما عمر في نظره للمسلمين وجدّه في ذات الله» .
(٣) في الأغاني (ط. دار الكتب) ج ١٦ ص ٣٧٦: عبيد الله بن الحر العنزي القاضي عن أبي عرادة. انظر الخبر في ج ١٦ ص ٣٧٦- ٧، وفيه اختلاف عن هذا النص، كما أنه عن الإمام علي لا ابن عباس.
(٤) لعله: فكانوا.
[ ٢٩ ]
أمركم الدين، وزينكم العلم، وحصون [١] أعراضكم الأدب، وعزّكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يسرا. فقال رجل من القوم: يا أبا العبّاس من أشعر الناس؟ فإنّا قد [٧ أ] تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان [٢] كل قوم يقول: شاعرنا، وأقبل عبد الله على أبي الأسود [٣]، فقال: يا أبا الأسود من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود: الّذي يقول:
ولقد أغتدي يدافع ركني أجوليّ [٤] ذو ميعة إضريج
مخلط مزيل معن مفنّ [٥] منفح مطرح سبوح خروج [٦]
سلهب شرجب كأنّ رماحا حملته وفي السراة دموج
تتعادى به قوائم لأم وحوام صمّ الحوافر عوج
مقبلات في الجري أو مدبرات بهوى طائع بهنّ يهيج
هذا الشعر لأبي داود الإيادي، وكان أبو الأسود يفضله. فقال ابن عبّاس:
إن شعراءكم قد قالوا فبلغ كل رجل منهم بعض ما أراد، ولو كانت لهم غاية يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك
_________________
(١) في الأصل: حصور.
(٢) في الأصل: فقال.
(٣) أبو الأسود الدؤلي هو ظالم بن عمرو، توفي بالبصرة سنة ٦٩ هـ، وطبع ديوانه في مطبعة المعارف- بغداد ١٩٦٤.
(٤) في الاغاني: «أحوذي» .
(٥) في الأصل: «سفن» والتصويب من الترجمة العربية لدراسات في الأدب العربيّ تأليف فون غرونباوم تعريب إحسان عباس (بيروت ١٩٥٩) ص ٢٩٩.
(٦) في دراسات في الأدب العربيّ (ص ٢٩٩): مطرح مضرح جموح خروج. والأصل يتفق في هذا الشطر مع رواية الأغاني ج ١٦ ص ٣٧٦.
[ ٣٠ ]
الغاية، فإن يك قال، ولم [١] يقل عن رغبة ولا رهبة، فامرؤ القيس بن حجر.
العنزي قال: حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ختن الفضل بن يسار أبي جعفر الأعرج القارئ قال:
حدثني أبو حسنة عن الحكم الأعرج وهو [٧ ب] عمّه قال: رأيت ابن عباس مدليا رجليه في حوض زمزم فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني رجل أصيب الصيد فأصمي وأنمي، قال: كل ما أصميت ودع ما أنميت، يعني كل ما أقعصته وأنت تراه، وإذا تحامل عنك برميته فمات وقد غاب عن عينيك فلا تأكل وهو الإنماء. وأنشد ابن عباس:
ورأت معدّ حولها أسدا غير ان قد يصمي ولا ينمي [٢]
قال: ثم أتاه رجل آخر فقال: يا بن عبّاس خبّرنا عن يوم عاشوراء، قال: هو اليوم التاسع من قبل إظماء الإبل يسمّون يوم التاسع العشر.
العنزي قال: حدثنا الرياشي قال: دخل عبد الله بن صفوان الجمحيّ على عبد الله بن الزبير فقال، أنت والله كما قال الشاعر [٣]:
فإن تصبك من الأيّام جائحة لا نبك منك على دنيا ولا دين
_________________
(١) في الأصل: «ومن» .
(٢) انظر كشاجم- المصايد والمطارد (ط. دار المعرفة، بغداد ١٩٥٤) ص ١٦٩ وانظر كتاب التاريخ ص ٢٤٠ أ.
(٣) البيت لذي الإصبع العدوانيّ. وهو شاعر فارس جاهلي. والبيت من قصيدة يذكر صاحب الأغاني أنه قالها في جرير بن جابر ومطلعها: يا من لقلب شديد الهم محزون أمسى تذكر ريا أم هارون انظر أخباره في الأغاني (ط. دار الكتب) ج ٣ ص ٨٩- ١٠٩.
[ ٣١ ]
فقال: وما ذاك ويحك؟
قال: هذان ابنا عبّاس: أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الناس، فماذا بقيا لك. فأرسل إليهما ابن الزبير فقال: إنكما [١] تريدان أن ترفعا راية قد وضعها الله، ففرّقا عنكما مرّاق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عبّاس فقال: ويلك أيّ الرجلين [٨ أ] نطرد عنا:
أطالب علم أم طالب دنيا؟ فبلغ الخبر أبا الطفيل [٢] فقال أبياته [٣] .
أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي عن أبيه عن الزبيري بإسناد له يرفعه قال: بينا عمر جالس في جماعة من أصحابه، فتذاكروا الشعر، فقال: من أشعر الناس؟ فاختلفوا، فدخل عبد الله بن عباس، فقال عمر:
قد جاءكم ابن بجدتها، وأعلم الناس. من أشعر الناس يا ابن عباس؟ قال:
زهير بن أبي سلمى المزني. قال: أنشدني من شعره، فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين ينسبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا [٤]
فقال عمر: قاتله الله يا بن عباس، لقد قال كلاما حسنا ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلّا في أهل هذا البيت لقرابتهم من رسول الله ﷺ. فقال له ابن عبّاس: وفّقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفّقا.
_________________
(١) في الأصل: «أيكما يريد أن يرفعا دابة» والتصويب من ص ٩٨.
(٢) هو عامر بن واثلة بن عبد الله. انظر الأغاني ج ١٥ ص ١٤٧.
(٣) في الأصل: «أتيانه» . انظر أبيات أبي الطفيل مع نص الخبر في الأغاني ج ١٥ ص ١٥١- ٢.
(٤) في شرح ديوان زهير بن أبي سلمى لثعلب (ط. دار الكتب ١٩٤٤) ص ٢٨٢: أو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا وانظر رواية ثعلب للخبر ص ٢٧٨- ٢٨٣، وانظر العقد الفريد ج ٤ ص ٢٨٠.
[ ٣٢ ]
فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: ما أدري، قال:
كرهت قريش أن يولوكم هذا الأمر فتجخفون [١] على الناس جحفا، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت فوفّقت فأصابت إن شاء الله.
فقال: يميط أمير المؤمنين عني الغضب ويسمع كلامي، فقال هات.
قال: أمّا قولك إنّ قريشا [٨ ب] كرهت، فإنّ الله يقول: كَرِهُوا ما أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ٤٧: ٩ [٢]، وأمّا قولك: إنّها نظرت فاختارت، فإنّ الله نظر فاختار من خير خلقه، فإن كانت قريش نظرت من حيث نظر الله فقد أصابت. قال: فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم [٣] لنا إلّا غشا لا يزول، وحقدا لا يحول. قال: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ، فإنّ قلوب بني هاشم من قلب رسول الله ﷺ، قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وأمّا قولك: حقدا لا يحول، فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ورآه في يد غيره. قال: فقال: يا بن عباس اخرج عني، فلما خرج ناداه فقال له:
أمّا إنّي على ما كان منك لحقّك لراع، فقال له: إنّ [٤] لي عليك وعلى كلّ مؤمن حقا، فمن عرفه فقد أصاب ومن لم يعرفه فحظّه أخطأ. فقال عمر: للَّه درّ ابن عبّاس، والله ما رأيته لاحى رجلا قطّ إلّا خصمه [٥] .
_________________
(١) في الأصل «تجحفون جحفا» . وجحف افتخر بأكثر مما عنده (اللسان) . وفي شرح نهج البلاغة ج ١٢ ص ٥٣ «تجخفون» .
(٢) سورة محمد الآية ٩ «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» ٤٧: ٩.
(٣) عبارة: «قال فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم» مكررة.
(٤) في الأصل «أني» .
(٥) روى ابن أبي الحديد هذا الخبر مع بعض الاختلاف في اللفظ والتفصيل، عن عبد الله بن عمر. انظر شرح نهج البلاغة (تحقيق أبي الفضل إبراهيم ١٩٦١)، ج ١٢ ص ٥٢- ٥٥.
[ ٣٣ ]
قال: قال مجاهد: كان عبد الله بن عباس أمدّ الناس قامة وأعظمهم جفنة وأوسعهم علما.
مفضل بن غسّان عن أبيه عن رجل من بني تميم عن عبيد الله بن الحسن عن المؤمّل عن أبيه [١] قال: كان ابن عباس مثجا يتحدر غربا [٢]، وكان [٩ أ] أمير البصرة يعشّي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقّههم، وكان إذا كانت [٣] آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يردعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف، إن الله كلّفكم الوسع فاتقوا [٤] الله ما استطعتم. قال: فقام أعرابي، فقال من أشعر الناس [٥] أيها الأمير؟ قال: أفي أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود. قال: فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الّذي يقول:
فإنّك كالليل الّذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قال: نابغة بني ذبيان.
قال: كان عبد الله بن عباس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا
_________________
(١) رسمت هذه الكلمة في الأصل من كلمتي عمه وأبيه.
(٢) في الأصل «كان ابن عباس مثجه يحد غزبا»، والصواب ما أثبتنا مستنيرين بما جاء في البيان والتبيين ج ٢ ص ١٧٠ من أن ابن عباس كان «مثجا يسيل غربا»، وما جاء في اللسان مادة (ثج): «وقول الحسن في ابن عباس أنه كان مثجا، أي كان يصب الكلام صبا، شبه فصاحة وغزارة منطقه بالماء الثجوج» .
(٣) في الأصل: (كان)، والتصحيح من أنساب الأشراف ص ٢٢١ (الرباط) .
(٤) في الأصل: «اتقوا»، وما أثبتنا من أنساب الأشراف ص ٢٢١ (الرباط)، وقد أورد الخبر هكذا «وذكر لي أن ابن عباس كان يعشي الناس بالبصرة في شهر رمضان ويحدثهم ويفقههم، فإذا كانت آخر ليلة من الشهر ودعهم ثم قال: ملاك أمركم الدين ووصلتكم الوفاء وزينتكم العلم وسلامتكم في الحلم وطولكم المعروف. إن الله كلفكم الوسع فاتقوه ما استطعتم» .
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣٤ ]
تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [١] .
قال أبو عبيدة: أتى [٢] عمر بن أبي ربيعة لعبد الله بن عباس وهو في المسجد فقال [٣]: أمتع الله بك، إني قلت شعرا، فأحببت أن تعرفه لتشير عليّ فيه، قال: أنشدني، فأنشده:
تشطّ غدا دار جيراننا
فقال ابن عباس:
وللدّار بعد غد أبعد
فقال عمر: أسمعت أصلحك الله هذا الشعر من أحد؟ قال: لا ولكن كذا ينبغي أن يكون [٤] . قال: فإنّي كذا قلت، قال: فأنشدني، فأنشده حتى مرّ في الكلمة [٥] [٩ ب] كلّها، قال: أنت شاعر إذا شئت فقل.
وقال ابن عباس يوما: هل أحدث المغيريّ [٦] شيئا؟ فجاءه حتى أنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
حتى بلغ قوله:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأمّا بالعشي فيخصر
فقال له: أحسنت! أحسنت! فلما انصرف عمر، قال رجل من جلساء
_________________
(١) انظر البلاذري أنساب الأشراف ص ٢١٦ (الرباط) .
(٢) في الأصل: (أبى) .
(٣) زيادة.
(٤) انظر الأغاني ج ١ ص ٧٣.
(٥) أي القصيدة.
(٦) أي عمر بن أبي ربيعة.
[ ٣٥ ]
ابن عباس: أي إحسان هاهنا:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخسر
فقال ابن عباس: أو هكذا قال؟ إنما قال فيخصر، فقد أحسن الوصف، ثم مر ابن عباس في الكلمة إلى آخرها، وهي سبعون بيتا، ويقال:
مرّ من أولها إلى آخرها ثم [١] قلبها، حفظا لها في مجلس واحد.