قال عبد الله بن عمير: سمعت سالما يحدّث قال: قال محمد بن علي، ودخلت عليه في بيت من بيوته، توفي أبو هاشم في هذا البيت، وقال لي وقد أدنف، ولم [٨٥ ب] أكن أفارقه في مرضه: فإنّما عند الله أحسبني لما بي، فأخرج عني من في البيت فإنّي أريد أن أعهد إليك. قال، ومعي داود وسليمان ابنا علي وعروة [٢] مولانا، فأمرتهم بالخروج، فلمّا خرجوا قال:
يا أخي! أوصيك بتقوى الله فإنّها خير ما تواصى به العباد، ومن بعد ذلك، فإن هذا الأمر الّذي نطلبه ونسعى [٣] فيه و[٤] طلبه آخرون [٤] وسعوا فيه، وفيك وفي ولدك. حدّثني أبي أنّ عليّا قال له: يا بني! لا تسفكوا دماءكم فيما لم يقدر لكم بعدي، فإن هذا الأمر كائن بعدكم [في] [٥] بني عمكم من ولد عبد الله بن عبّاس. وحدّثني أنّه سمع عليّا ﵇ يقول: دخل العبّاس على رسول الله ﷺ ذات يوم، وأنا
_________________
(١) في أنساب الأشراف: «قالوا فلما سم أبو هاشم في طريقه وهو يريد الحجاز عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالحميمة، فأوصى إليه وأعطاه كتبه وجمع بينه وبين قوم من الشيعة فقال: إنا كنا نظن أن الإمامة والأمر فينا، فقد زالت الشبهة وصرح اليقين بأنك الإمام والخلافة في ولدك. فمال إليه الناس وثبتوا إمامته وإمامة ولده» . ق ١ ص ٥٦٥.
(٢) في الأصل: «عمرو» ويرد ثانية (في ص ١٨٨) «عروة» وكذا في كتاب التاريخ ص ٢٤٨ ب
(٣) في الأصل: «تطلبه وتسعى فيه طلبه وسعوا فيه..» .
(٤) زيادة يقتضيها السياق. والعبارة في الأصل مضطربة. وفي كتاب التاريخ: «فإن هذا الأمر الّذي طلبوا وسعوا فيه» ليست أوضح دلالة من الأصل. وانظر الطبري: المنتخب من ذيل المذيل س ٤ ص ٢٥٠٠.
(٥) زيادة من كتاب التاريخ.
[ ١٨٦ ]
عنده في منزل أمّ سلمة، وهو متوسّد وسادة أدم محشوّة ليفا فألقاها إلى العبّاس وقال له: اجلس عليها، قال، وأقبل عليه يناجيه دوني بشيء لم أسمعه، ثم نهض، فخرج، فلما توارى، قال: يا عليّ! هوّن على نفسك، فليس لك في الأمر نصيب بعدي إلّا نصيب خسيس، وإنّ هذا الأمر في هذا وفي ولده، يأتيهم الأمر عفوا عن غير جهد طلب، حتى تدركوا بثأركم وتنتقموا ممّن أساء إليكم [١] .
وأخبرني أنّ عليّا ﵇ رأى على عهد رسول الله ﷺ كأن في المسجد مائدة عظيمة وعليها رءوس [٨٦ أ] غنم، فأقبل أبو بكر فجلس عليها فتناول شيئا يسيرا ثم نهض، ثم جاء عمر فجلس فأكل منها طويلا ثم نهض، ثم جاء عثمان فجلس عليها، فأكل منها طويلا ثم نهض، ثم جاءت بنو أمية فأكلوا منها طويلا كثيرا، ثم جاء عبد الله بن عبّاس وولده وولد ولده فأقاموهم، وجلسوا فأكلوا جميع ما كان على المائدة ولم آكل معهم، فقصّها على النبي ﷺ فقال: الحمد للَّه الّذي فتح الإسلام بنا ويختمه بنا، هؤلاء القوم يلون ثم يختم الإسلام بولد عبد الله بن عبّاس. قال: ثم تلا رسول الله ﷺ: وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرْضِ ٢٤: ٥٥ إلى آخر الآية [٢]، وإليك هذا الأمر، وفي ولدك يصير، وقد استودعتك من الأمر ما استودعت فاتّق الله، وانظر فيما أنت فيه ليوم مرجعك، وأوص من بعدك
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٤٩ أ: «وإن الأمر في هذا وفي ولده يأتيهم عفوا من غير جهد ويدركون ثأركم وينتقمون ممن أساء إليكم» .
(٢) سورة النور، الآية ٥٥.
(٣) انظر العقد الفريد ج ٤ ص ٤٧٦.
[ ١٨٧ ]
بذلك، وقد أحببت أن يدخل عليّ أصحابي الذين رأيت. فقلت لعروة: أدخل من أحبّ، قال: فلان وفلان، حتى سمّى من كان معه ممّن ذكرنا اسمه، فلما أدخلوا عليه قال لهم: جزاكم الله خيرا، وصلتمونا وقد قطعنا الناس، وأحببتمونا وقد أبغضنا الناس، وهجرتم أوطانكم وتركتم معايشكم، ولزمتمونا على الكره والضرّاء، أسأل الله أن يجمع بيني وبينكم في [٨٦ ب] جنّة الخلد، إنّي كما ترون، والمريض أعلم بنفسه، وهذا صاحبكم- يعني محمد بن علي- فائتمّوا به وأطيعوه ترشدوا، فقد تناهت الوصايا إليه، وقد ألقيت ما ألقيت إليكم إلى أخي وأخيكم سلمة بن بجير، استودعتكم الله الّذي لا تخيب الودائع عنده، ولا يضيع من فوّض أمره إليه والسلام عليكم. فبكى القوم، وارتفعت أصواتهم بالبكاء فقال:
رحمكم الله أمسكوا عن الجزع، فكلّ حيّ هالك. قال سالم: قال أبو رباح: فظننّا أنّه حيث قال: قد ألقيت إليكم، أنّه قد القى إليه، حيث شخص من دمشق وودّعه وهو يناجيه بأمر أخفاه. فلمّا خرجوا قال أبو هاشم لمحمد بن علي: إنّه قد تخلّف عني رجل جبله الله على حبّنا وهو لك ثقة في المشهد والمغيب، فألق إليه أمرك، وثق فيه فيما لا تثق فيه إلّا بنفسك، فإنّي لم أكن أعدل به أحدا ممّن رأيت، وإن كانوا أخيارا منتخبين، وهو سلمة بن بجير، الرجل الّذي رأيتني أكرمه، ورأيته يقوم بأكثر أمري، وإنّما تخلف في حاجتي، وهو يأتيك، فإذا أتاك فاقرأ عليه منّي السلام، وقل له: جزاك الله الحيّ الّذي لا يموت عني خيرا، ولم يلبث أبو هاشم أن هلك ﵀.
وقد زعم بعض الناس أنّ سبب موت أبي هاشم كان أن الوليد دسّ إليه، حين شخص عن دمشق، من سقاه شربة [٨٧ أ] لبن مسموم فكان
[ ١٨٨ ]
موته بذلك [١] ولم يذكر ذلك إسحاق بن الفضل ولا غيره ممن كان يخبر أمره.
وذكر أنّه مات كمدا لما رأى من استخفاف الوليد بأمره، فاللَّه أعلم أي ذلك كان. فاشتدّ وجد محمد بن علي عليه وظهر ذلك في وجهه وشهر به، فقال له داود بن علي: لقد ظهر من جزعك على أبي هاشم شيء ما رأيته ظهر منك عند وفاة أبيك ﵀! فقال له: يا أخي إنّ أبا هاشم كان رجلا من ولد علي، وكان يتقدّم أهلي جميعا في شدّة ودّه لي وتعظيمه إياي وما أصبت بأحد كان أعزّ عليّ منه. وأمر أهله فبكوه وأقاموا عليه مأتما، وجمع ما كان ترك فبعث به إلى ورثته بالحجاز مع عروة مولاه. ثم دعا من كان معه من شيعته فعزّاهم به وقال لهم: لئن كنتم أصبتم بموته لقد خصصت بذلك منه، وقد جمعني وإياكم القيام بهذا الأمر وعلمت منه كثيرا ممّا لم تعلموا فاتّقوا الله ربّكم وحافظوا على هذا الحق الّذي سعيتم في إقامته واحفظوا ألسنتكم فلا تطلقوها إلّا في مواضع النفع والغناء وتصبّروا للمكروه فقد قرن بكم، فإن حفظتم ذلك فأنتم شيعتي وخاصّتي وأولى الناس بي في محياي ومماتي. قال إبراهيم بن سلمة: فتكلم ميسرة، وكان من ذوي البصائر، فقال: قد أوصى إليك صاحبنا الّذي كنّا [٨٧ ب] نأتمّ به وذكر أنّ هذا الأمر فيك وفي ولدك، وقد قبلنا ذاك فمرنا بأمرك نقف عليه ولا نتعده. فقال لهم:
أقيموا قليلا حتى يقدم ابن بجير صاحبكم، فأقام القوم على ذلك لا يرى من هناك إلّا أنهم حامّة [٢] أبي هاشم يريدون الانصراف إلى أوطانهم. وأقبل ابن [٣] بجير من دمشق يقصّ أثر أبي هاشم حتى ورد الشراة، فألفى أبا
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٢٥- ٣٢٦، ق ١ ص ٥٦٥، والعقد الفريد ج ٤ ص ٤٧٥- ٤٧٦.
(٢) حامة الإنسان خاصته وما يقرب منه.
(٣) زيادة.
[ ١٨٩ ]
هاشم قد توفي، فلقي محمد بن علي فعزّاه بأبي هاشم وخبّره بما ألقى إليه من أمره، فقال له ابن بجير: قد ألقى إليّ هذا الأمر وعهد إليّ فيه فابعث إلى أصحابه الذين كانوا معنا [١] لننظر في أمرنا. ولم يكن ابن بجير لقيهم فأرسل إليهم محمد ابن علي فلما دخلوا عليه ونظروا إلى ابن بجير بكوا وعزّاهم وعزّوه، فكان إبراهيم بن سلمة يقول: لم أر من خلق الله أحدا كان أقوى بصيرة من ابن بجير، فقال لأصحابه: قد مضى أبو هاشم ونحن نرى طاعته واجبة علينا وطاعته [٢] في مماته كطاعته في حياته لا ندين إلّا بذلك وكلّ من عليها فان، فطوبى لمن مات على حقّ داعيا إلى حقّ، شمّروا في أمركم فإنّكم أيّتها العصابة قد وجبت عليكم الحجة بما عرّفكم الله من حقّه، فنافسوا في إقامته تفوزوا غدا بحسن ثوابه. ثم أقبل على محمد بن علي فقال: إنا والله ما أحببناكم [٣] إلّا لما رجونا من درك ثواب الله في الآجل فانهض في أمرك، [٨٨ أ] فقد تقارب ما كنّا ننتظره، وما آتاك الله من العلم بذلك أكثر [٤] . فقال له محمد بن علي: رحمك الله، أنت أخي دون الإخوة، ولست أقطع أمرا دونك، ولا أعمل إلّا برأيك، وهذا الأمر لا تنال حقيقته إلّا بالتعاون عليه، فقوموا به يجمع لكم به خير الدنيا [وخير الآخرة] [٥]، فدعا له القوم وطابت نفوسهم، وقووا بما كلّمهم به للَّه. ثم قال له ابن بجير: إنّي قد كنت غرست لكم غرسا لا تخلف ثمرته، استجاب لي عدة من رهطي وجيرتي وخلطائي ليسوا
_________________
(١) في الأصل: «فيه» وما أثبتنا من كتاب التاريخ ص ٢٤٩ أ.
(٢) في كتاب التاريخ «فطاعته» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٤٩ أ «ما أجبناكم» .
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٤٩ أ- ب: «وما آتاك الله بذلك من العلم أكبر» .
(٥) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٩ ب، وعبارته: «يجمع الله لكم خير الدنيا وخير الآخرة» .
[ ١٩٠ ]
بدون من ترى [١] في محبتكم، والمناصحة لكم، ونحن نشخص في أمرك، وقد رأيت أن تثبت أسماءهم لتعرفهم وتستظهر بهم على أمرك.