كانت مرو نصفها في يدي نصر وعامله فيها، وشبل بن طهمان من قبل أبي مسلم، وكلا الفريقين يدخلونها مستوقين، فبينما هم على ذلك إذ مرّ فتية من المضريين عليهم السلاح في السوق فعرض لهم [٢] فتى من بكر بن وائل وأعانه قوم من أصحابه فقاتلوهم فأمدّ نصر أصحابه المضريين وأمدّ علي بن الكرماني أصحابه البكريين. وخرج شبل إلى أبي مسلم فخبّره بذلك، فتهيّأ أبو مسلم وعبّأ خيله من الغد يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر [٣] سنة ثلاثين ومائة، وسار نحو مرو، فلما انتهى إلى قرية تسمى طوسان تلقاه رسول علي بن الكرماني يعلمه أن الحرب قد وقعت فالعجل، فسار أبو مسلم جوادا [٤]، فلما كان من المدينة على فرسخ [١٥٥ أ] لقيه وفد مضر بطاعتهم، فمال أبو مسلم إلى مسجد [٥]، وطرحت له طنفسة فجلس عليها وبايعوه وأعلموه أنّ نصر بن سيّار ومن خلفه على مثل ذلك. فدعا أبو مسلم أبا الحكم عيسى ابن أعين وأمره أن يتقدّم ويحبس مقدّمة أصحابه على القنطرة، فسار أبو الحكم جوادا حتى انتهى إلى قنطرة ابن عقيل فكفّ الناس، فلمّا وقف أبو الحكم على القنطرة أحسّت كتيبة نصر بالبوار، وظنوا أن أبا الحكم سيأخذ عليهم الطرق [٦] ويحاربهم فدنا عقيل بن معقل فنادى: يا أبا الحكم! آمن
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) في الأصل: «له» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٧٠ ب «ربيع الأول» والأصل أدق.
(٤) أي سريعا.
(٥) في كتاب التاريخ ٢٧٠ ب «المسجد» .
(٦) في الأصل: «بالطرق» .
[ ٣١٥ ]
أنا حتى آتيك؟ فقال: نعم أنت آمن، فأتاه فصافحه وقال: سرّح معي من يبلّغني أبا مسلم، ففعل. وانصرفت كتيبة نصر إلى معسكره لم يعرض لهم عارض، فمرّ أبو الحكم حتى صرف الناس من كلّ وجه، فانتهى إلى موضع، فإذا هو بقتيلين من أصحاب أبي مسلم مسلوبين وسواد قد خرّق، وكان بإزائهما [١] عاصم بن عمير السمرقندي فانصرف قبل أن يلقاه أبو الحكم، فهمّ [٢] بقتله [٣]، فقيل له سرّحه إلى أبي مسلم ليرى فيه رأيه، ففعل، فخلّى أبو مسلم سبيله. ودخل أبو مسلم مرو من باب قنوشير فتلا هذه الآية: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِها ٢٨: ١٥ [٤] إلى آخر الآية، وتلقاه علي بن الكرماني قريبا من دار الامارة فقال له: قد ذلّ لك لأمر وملكت مرو فامض إلى دار الامارة بهيبة القوم لك، [١٥٥ ب] ورعبهم منك، فمضى أبو مسلم إلى دار الإمارة فنزلها، وعلي بن الكرماني معه، ثم دعوا الناس إلى البيعة فلم يتخلّف عنها أحد من أهل مرو. وبلغ نصر الخبر فقال لمن حضره، وقد اجتمعت إليه أشراف مضر: هذا يوم قد نعيت إليكم فيه أنفسكم، كونوا مع الناس [٥] .
وخرج علي بن الكرماني وأبو مسلم إلى المسجد، فصعد عليّ المنبر، وجعل أبو مسلم يبايع الناس، فإذا استوثق منهم أصعدهم إلى عليّ فمسحوا أيديهم على يده.
فأقام أبو مسلم ثلاثة أيام يأخذ البيعة على أهل مرو، ثم بعث إلى نصر
_________________
(١) في الأصل: «بإزائهم» .
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل «بقتله» .
(٤) سورة القصص، الآية ١٥.
(٥) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٠.
[ ٣١٦ ]
ابن سيّار، وهو في منزله بباب سرخس، على طريق العراق، بالدخول إليه. فبعث نصر إليه قيس بن يزيد الحنظليّ، ونافذة بن عمير السمرقندي:
إنّي لست آمن سفهاء ربيعة واليمن أن يكمنوا لي في الأزقّة ويهيج القتال، فأبى أبو مسلم إلّا أن يلقاه فلمّا ألحّ عليه قال نصر: إن كان لا بدّ من لقائك فتحول الى قصري [١] الّذي على ماشان [٢]، ففعل. فلمّا أبطأ عليه أرسل أبو مسلم إليه سليمان بن كثير في جماعة من أصحابه في أول النهار الّذي هرب نصر في آخره، فلما أشرف على عسكر نصر أرسل إلى عدة من وجوه أصحابه، فقال: اخرجوا إليّ أعرض عليكم ما عندي وأنتم آمنون حتى تسمعوا كلامي وترجعوا إلى صاحبكم، قال: فأعلموا نصرا ذلك فقال:
[١٥٦ أ] ايتوه واسمعوا منه. فخرج القوم إليه، فلمّا رآهم سليمان نزل في رهيط من أصحابه وقال لعظم أصحابه: تنحوا. فلمّا دنا منهم رحّب بهم ودعاهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ، وأن يبايعوا للقائم من أهل بيته. قالوا: قد أجبناك، فناظر صاحبنا. قال سليمان: ما دعوناكم إليه على صاحبكم، وقولوا له: بادر الإجابة طوعا قبل أن تجيب إليها كرها فلا يقبل منك. فأبلغوا نصرا ذلك فقال لهم: قولوا: لست أجيب إلى هذا، وإذا اجتمع الناس على رجل كنت منهم، فأتوه بذلك. قال سليمان:
فقولوا له: فما يريد أن يجيب أبا مسلم ويلقاه به؟ فقال: لست ألقاه إلّا في كتيبة خشناء. قال سليمان: اللَّهمّ قد أعذرنا وانصرف إلى أبي مسلم فخبّره،
_________________
(١) في الأصل: «قصر» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٧٠ ب.
(٢) في الأصل «ماسان» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٧٠ ب. وماشان نهر يجري في وسط مرو، انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٤٢. وفي الاصطخري ص ١٤٨، وابن خرداذبه ص ١٧١ «الماجان» .
[ ٣١٧ ]
فلمّا صلّى الظهر من يومه بعث إليه لاهز بن قريظ [١] في جماعة، فدخلوا عليه فقال لاهز: أجب أبا مسلم. فقال: أفعل، وبعث إلى أبي مسلم من يتوثّق له في أخذ الأمان، ونودي بالعصر، فقال نصر: لست على وضوء، أتوضأ [٢] وأصلّي وأخرج إليكم. ثم دخل يتوضأ، فأمر من نقب له في ظهر داره نقبا فخرج منه، وذلك يوم الجمعة لعشر من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، وحمل مالا كان معه، ولاهز ينتظر خروجه، فلمّا أبطأ عليه استراب [٣]، فقال لبعض من معه: ادخل فانظر، فإذا [١٥٦ ب] الدار منه بلاقع. فأتى آت إلى أبي مسلم فقال: هرب نصر. وركب أبو مسلم وابن الكرماني في الطلب، ففاتهما ومضى. وأمر أبو مسلم بالاحتفاظ بعسكره ألّا ينتهب، وهرب منهم من هرب، ودخل في الدعوة من دخل، وقتل منهم عدّة [٤] . وكتب أبو مسلم بما كان من أمره واستيلاءه على مرو ومناصحة علي بن الكرماني واليمن إيّاه وبما أتاه عن الكور التي ظهرت فيها الدعوة، وبقوّة الهاشمية إلى إبراهيم الإمام، وكتب إلى أبي سلمة بما كتب به إلى إبراهيم.
فحكي عن صالح بن الهيثم بن بسر مولى علي وأخي [٥] أبي [٦] العباس من الرضاعة قال: لمّا وصل كتاب أبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام بدخوله مرو وهرب نصر، حمد الله ومجّده وأثنى عليه، ثم تمثل قول
_________________
(١) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٣- ٤.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٧١ أ «ادخل وأتوضأ» .
(٣) في ن. م. «استراب به» ص ٢٧١ أ.
(٤) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٥.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) في الأصل «أبو» .
[ ٣١٨ ]
خداش بن زهير العامري [١] في قوم عكاظ:
فما برحت بكر تثوب وتدّعي ويلحق منها أوّلون وآخر
لدن غدوة حتى أتى الليل وانجلت عماية يوم شرّه متطاير [٢]
فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت هوازن وارفضّت [٣] سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر حدّها إذا أوهن الناس الجدود العواثر
ومرّ نصر حتى أتى نيسابور، وانضم إليه من هرب من أبي مسلم واجتمعت إليه قيس قاطبة وأعطوه من أنفسهم القيام بأمره [٤]، واستقبل خراسان ورأى أنّ [١٥٧ أ] ما خلفه [٥] فيما بينه وبين ابن هبيرة ومروان ظهريّ له وقوة يتأيد بها هو ومن معه على الهاشمية، وأنشأ يقول:
و[٦] نصبت نفسي للرماح دريئة [٧] إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول
وقال يحرّض قيسا ويمدحهم:
سأذكر من وفاء كرام قيس وأعرض عن ذنوب ذوي الوصوم
وعظم غنائهم في كلّ يوم كأن نجومه قطع الغيوم
_________________
(١) هو خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر صعصعة، جاهلي. انظر الشعر والشعراء ج ٢ ص ٥٤٠، وخزانة الأدب ج ٣ ص ٢٣٠.
(٢) في الأصل: «متظاهر» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٧١ أ.
(٣) في الأصل: «ارقصت» والتصويب من المصدر السابق ص ٢٧١ أ.
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٧١ أ «بأمرهم» .
(٥) في الأصل: «ما خلقه» .
(٦) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٧١ أ.
(٧) في الأصل: «ذرية» .
[ ٣١٩ ]
وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بموضعه من مرو ويصف له سوء حاله وخروجه من سلطانه، وأنشأ يقول:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن [١] تنادي
ولمّا بلغ أبا مسلم إقامة نصر بنيسابور ومن اجتمع إليه وتسلل أصحابه نحوه وإجماع قيس على معاونته، وضع المراصد لئلا يخرج أحد منهم ولا يدخل إلّا بعلمه، وأمر بقتل من كان من أصحاب نصر محبوسا في القهندز.
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٧١ ب «بمن» .
[ ٣٢٠ ]
مسير قحطبة بن شبيب بالجنود إلى العراق
وأمر أبو مسلم بجمع الناس في داره، فامتلأت الدار منهم فقال: إنّ الإمام كتب إليّ أنّه قد ولى [١] قحطبة المسير بالجنود إلى العراق لما رجا من كفايته، [١٥٧ ب] وعلى علم منه بأن الله كاسر قرنا من قرون الشيطان على يده فمن أحب أن ينتدب معه فلينتدب.
وكان قحطبة قد توجّه بكتاب أبي مسلم إلى الإمام فقام فقال: إنّ الإمام يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إنّ الله قد قادكم إلى خير ما قاد إليه أمّة من نصرة آل نبيّكم والقيام بحقكم والانتقام بكم من أعوان الظالمين، والفوز بالخير الكثير في الدنيا والآخرة، فكبّروا لذلك وعظم سرورهم به، ودعوا لقحطبة بالبركة، واستبشروا بما خبّرهم عن الإمام.
وخرج قحطبة، وأقام بخندق الواتحان من أبيورد حتى حسر عنه الشتاء، وأمكنت الطرق، وسرّب أبو مسلم إليه الجنود وبعث إليه بالسلاح [٢]، حتى إذا كان النصف من شعبان سنة ثلاثين ومائة كتب إليه أبو مسلم يأمره أن يشخص بسّام بن إبراهيم فيمن معه إلى سرخس ومعه خازم [٣] بن خزيمة.
_________________
(١) في كتاب التاريخ «أن ولي» ص ٢٧١ ب.
(٢) في ن. م. ص ٢٧١ ب «وأبو مسلم يسرّب اليه الجيوش ويبعث اليه السلاح» .
(٣) في الأصل «حازم» .
[ ٣٢١ ]