وبلغ قحطبة إقبال ابن ضبارة، فأمر أبا الجهم بعرض الجند، وإحصاء من كان قدم معه من أهل نسا وأبيورد وجرجان ومروالروذ، فبلغوا نحوا من ثلاثين ألف فارس [٨] سوى من قدم على قحطبة بالري من القواد الذين
_________________
(١) زيادة.
(٢) في الأصل: «تسترا» .
(٣) يذكر الطبري س ٣ ص ٤ المخارق بن عقال بين قادة قحطبة.
(٤) في الأصل «الجنيد» . انظر الاشتقاق لابن دريد ص ٨٢.
(٥) «هو» في الأصل مكرر.
(٦) انظر ابن خرداذبه ص ٢٢.
(٧) في كتاب التاريخ ص ٢٧٦ ب «آيه» . ويذكر ياقوت «آية» من أعمال الري، معجم البلدان ج ١ ص ٢٩٧.
(٨) في كتاب التاريخ ص ٢٧٦ ب «رجل» .
[ ٣٣٩ ]
ذكرناهم، فلما فرغ من [١٦٦ ب] العرض أمر بأرزاقهم، وتهيأ للتقدم إلى أصبهان. وأقبلت خيل من ابن ضبارة مع رجل من بني مرّة يقال له عجرة، في نحو من سبعة آلاف رجل يريدون عامر بن إسماعيل، وهو أدنى جند الهاشمية اليهم، فأمر عامر المخارق أن يخرج في أصحابه، فيقف على شرف بينه وبين العسكر قدر ميل، فخرج المخارق، فأتاه رجل من أهل القرية وهو مرعوب فقال: رأيت خيل أهل الشام من وراء هذا الشرف نزولا يسقون دوابّهم فارتفعت عنهم، وجئت إليكم أعلمكم، فأمر بالتهيؤ، وركب وعبّأ أصحابه. فلم ينته المخارق إلى ذلك الشرف حتى رأى رهج القوم، فأرسل إلى عامر يخبره بذلك، ثم وقف حتى تبيّنهم وتبيّن راياتهم فانصرف إلى عامر فأخبره، فبرز من القرية، وعبّأ أصحابه، ووضع الميمنة والميسرة والكمين. قال: فلما كان بين العسكرين [١] نحو من غلوة وقفوا، وأقبل رجل منهم حتى إذا كان حيث يسمع كلامه قال: يا معشر المسلمين! اتّقوا الله وراجعوا جماعتكم، ولكم الأمان على ما أحدثتم في هذه الفتنة، ولكم العطاء والرزق الواسع. فقال عامر: يا قتيبة! كلّمه، وقتيبة كاتبه يومئذ، وادعهم [٢] إلى كتاب الله وسنّة نبيه، وإلى الرضا من آل رسوله.
فكلمه قتيبة، وكان متكلما، فقال: إنّا والله [١٦٧ أ] ما ننازعكم دنياكم، وما عليها نقاتلكم، ولكنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى الرضا من أهل بيته، فإن قبلتم كنّا وأنتم متعاونين على.. [٣] فقال المتكلم من أهل الشام: هذا كلام، ثم حمل القوم علينا حملة رجل واحد، فتضعضعنا، ولم ننهزم، فصاح بنا عامر، وكان صيّتا في الحرب: يا معشر المؤمنين!
_________________
(١) في الأصل: «الجبلين» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٧٦ ب.
(٢) في ن. م. ص ٢٧٦ ب «وادعه» .
(٣) في الأصل بياض لعله: على ذلك.
[ ٣٤٠ ]
أنتم أولى مؤمنين [١] لقوا الكافرين، اصدقوهم الحملة، فقد هزمهم الله. قال:
فشددنا عليهم، وحمل [٢] صاحب الكمين، فلمّا عاينوا الكمين، وقد صدقناهم الحملة، ولّوا منهزمين، وقتلنا منهم نحوا من سبع مائة رجل، وكانوا على خيول مطهّمة فنجوا عليها، وحوينا أثقالهم. وكتب إلى أبي عون والعكي، بما صنع الله بهم، وكتب إلى قحطبة يخبره بما صنع الله لهم، فلمّا ورد الكتاب على قحطبة وقرأه قال: الله أكبر، وكبّر الناس حتى ارتج العسكر [٣] بالتكبير، ثم انفتل فسجد طويلا، وكتب بذلك إلى أبي مسلم.
وورد عليه كتاب الحسن بن قحطبة يخبره أنّ ابن ضبارة يريد أن يجتمع هو وأهل نهاوند على محاربته ويسأله أن يمده بالرجال، فلمّا بلغ الخبر ابن ضبارة، وجّه خيلا عظيمة مع أبي بكر بن كعب العقيلي، وكان لحق به حيث خرج إلى الري، فأقبل حتى نزل التيمرة الكبرى، وخندق على نفسه ولحق أصحابه، فكتب عامر بذلك إلى أبي عون [١٦٧ ب] وإلى العكّي، فوافاه أبو عون ومن معه، وزحفوا جميعا إلى خيل ابن ضبارة، فالتقوا بالتيمرة فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وانصرفت الهاشمية إلى عسكرهم، وانصرفت خيل ابن ضبارة فتركوا خندقهم ولحقوا بابن ضبارة. وأصبحت الهاشمية، فبلغهم جلاء عدوهم عن خندقهم فتحولوا إليه ونزلوه، وكتبوا بذلك إلى قحطبة، ولم يبرح العكيّ من موضعه بقمّ، وذلك أنّه بلغه أن خيل الشام قد توجّهت إلى قم، فأقام لذلك.
وأقبل ابن ضبارة، وداود بن يزيد [٤] بن عمر بن هبيرة في جمع
_________________
(١) في الأصل: «المؤمنين» والتصويب من كتاب التاريخ وعبارته «أنتم أول مؤمنين» ص ٢٧٧ أولم نأخذ ب «أول» لأن هذه معركة بين معارك عدة.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٧٧ أ: «وصاح» .
(٣) ن. م. ص ٢٧٧ «المعسكر» .
(٤) زيادة.
[ ٣٤١ ]
عظيم من أهل الشام وأهل الجزيرة [١]، وبلغ ذلك قحطبة، فكتب إلى أبي مسلم يخبره بجدّ ابن ضبارة في لقائه، وأنّه شاخص نحوه، وسأله أن يضع بقومس رجلا يضبط ما بينه وبين الري وطبرستان ودنباوند [٢]، ويضع بالري رجلا جليدا في جند كثيف يأخذ بطرق ما بينها وبين أذربيجان ونهاوند ويقوّي بذلك من معه من جنده، ويقوّي به الحسن في موضعه، وإنّ الّذي منعه من إحكام ذلك ببعض من معه حاجته إلى الجند لما أتاه من كثرة من مع ابن ضبارة. فوجّه أبو مسلم أبا الربيع إبراهيم بن الحسن البخاري في مائتي رجل إلى قومس وأمره أن يحتفظ بالطرق، ويضع المسالح فيما بينه وبين طبرستان ودنباوند لتأمن بها الرسل ويبذرق القوافل، ووجّه [١٦٨ أ] موسى بن كعب إلى الري في ألف وثلاث مائة رجل، وأمره أن يضع المسالح فيما بينه وبين أذربيجان على طريق المحجة، وقد كانت بين موسى وبين صاحب دنباوند وقعة هزم فيها وأصيب أصحابه، ووجّه أبا الحكم عيسى ابن أعين في ألفي رجل إلى همدان وأمره أن يوجّه إلى من بأذربيجان من الخوارج وغيرهم ويضع المسالح فيما بينه وبين عسكر قحطبة، وعلى المحجة، لتأمن الرسل والقوافل. وقدم ابن ضبارة وداود أصبهان فيمن معهما من أهل الشام، وقد كان بينهما تنازع في المقام والمسير وكان ذلك ممّا أوهن أمرهما.
وقيل لابن ضبارة: إن القوم غير تاركيك وإن تركتهم، فدخولك عليهم في سلطانهم أهيب في صدورهم، فلحقه داود فسارا جميعا. وبلغ قحطبة ورودهما أصبهان، وقد كان قدم عليه أسيد، وولّى أبو مسلم مكانه على
_________________
(١) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٧ وص ٢٣٧- ٢٣٨ (الرباط)، أن ابن هبيرة كتب إلى عامر بن ضبارة المري «يأمره بالمسير إلى قحطبة ووجه معه ابنه داود بن يزيد بن هبيرة فسارا في خمسين ألفا حتى نزلا أصبهان وانضم إليهم بها ولد نصر بن سيار وجماعة من المروانية من أهل خراسان» . وانظر الطبري س ٣ ص ٥- ٦.
(٢) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٤٧٠، الاصطخري ص ١١٩، قدامة- الخراج ص ٢٤٤.
[ ٣٤٢ ]
جرجان مصعب بن قيس [١]، فاستخلف قحطبة أسيدا على الري وشخص في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة فيمن كان معه، وأخذ في طريق وعر اختصره، وقطع مفازة قارص [٢] مبادرا لابن ضبارة، وسلك عقبة بينه وبين أصبهان فقطعها وصار الّذي بينه وبين العكّي [٣] ثلاثة فراسخ، وأرسل إلى أبي عون وهو منه غير بعيد فأقبل إليه أبو عون ومعه عامر بن إسماعيل. وبلغ ابن ضبارة دنوّ قحطبة منه، فأقبل وداود معه [١٦٨ ب] يريدان قحطبة، فانتهيا إليه، فلمّا كان بينهما فرسخ، نهض إليهما قحطبة على رقة من الجند وكثرة من الوجل، وخلف على أثقاله [٤] أبا شراحيل [٥] في الآزادمردية [٦]، وقال له: عبئ [٧] أصحابك، وكن معدّا، فإذا رجعنا وكان بيننا وبينكم [٨] قدر غلوتين فازحف في أصحابك وكن وراء ظهورنا لتكون ردءا لنا.