وكان مروان بعث عثمان بن سفيان في نخبة خيله على طريق شهرزور [٥]، فانتهى الخبر إلى قحطبة نزوله شهرزور فوجّه أبا عون [٦]، حتى نزل
_________________
(١) في الأصل: «ببرازالروذ» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٧٩ أ «فسار إليه موسى بن سري مقدمة قحطبة» .
(٣) في الأصل: كررت «إليه» .
(٤) في الأصل: وضع هذا العنوان بعد «فوجه أبا عون» .
(٥) في الأصل: «شهزور» . انظر معجم البلدان ج ٣ ص ٣٧٥، والاصطخري ص ١١٨، وابن رستة ص ١٦٤.
(٦) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٨ «ووجه قحطبة عبد الله بن يزيد الأزدي، أبا عون، ومالك بن الطواف في أربعة آلاف إلى شهرزور» .
[ ٣٥٧ ]
قلعة النسير [١]، ثم كتب إليه قحطبة أن يقيم حتى يوافيه عامر بن إسماعيل، وكتب إلى عامر [٢]، وهو بناحية الدينور، وكان وجّهه لمحاربة عبد الصمد الحروري صاحب مسافر القصّار، يأمره بالانضمام فيمن معه، وهم ثلاثة آلاف رجل، إلى أبي عون، فسار عامر فوافى أبا عون بسن سميرة [٣] . ومضى أبو عون إلى شهرزور في طريق وعر صعب، ومضى حتى نزل البحيرة التي [١٧٦ ب] لقيته فيها خيل مروان. وبلغ قحطبة أنّ مروان قد جمع لمن توجّه في ذلك الوجه، فكتب إلى أبي عون يأمره بالانصراف إليه، وورد عليه كتابه، وقد دنا منه عثمان بن سفيان، فلما قرأ أبو عون كتاب قحطبة شاور أصحابه، فأشاروا عليه بالانصراف، وقد انضاف إلى عامر بن إسماعيل رجل من بني الحارث يقال له: عفّاق [٤] بن سعيد في نحو من مائة رجل من قومه، فقال لهم [٥] عامر: ما الّذي رأى صاحبكم من الانصراف؟ والله لئن فعلتم ليقتلنّكم الذرّ فضلا عن الناس، إنّي أعلم بالقوم منكم، أنهم قد [٦] ملئوا منكم رعبا. فأرسل عامر إلى أبي عون بمقالة الرجل، فجاء أبو عون إلى عامر، واجتمع بالرجل فسمع منه. قال: وصبّحنا عثمان بن سفيان في أربعة آلاف وكنّا نحزرهم عشرة آلاف، وأتت أبا عون [٧] طلائعه فخبّرته بدنوّه منه، فخرج، وقد تخلّف عامر لمرضه في العسكر [٨] .
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٢٨٥.
(٢) في الأصل: «أبي عامر»، وهو عامر بن إسماعيل.
(٣) انظر معجم البلدان ج ٣ ص ٢٦٨، وسن سميرة على خمسة فراسخ من الدينور. وانظر ابن خرداذبه ص ١١٩.
(٤) في الأصل: «غفات» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٨٠ أ.
(٥) انظر ن. م. ص ٢٨٠ أ.
(٦) في ن. م. «انهم فل ملئوا رعبا منكم» .
(٧) في الأصل: «أبو» والتصويب من المصدر السابق.
(٨) يضيف ن. م. «وكان به حمى شديدة» ص ٢٨٠ أ.
[ ٣٥٨ ]
قال: فأقبلنا نحوهم، وبيننا وبينهم جبل صغير، وعبأ أبو عون [١] من معه.
قال: فلما تقاربنا منهم، إذا أصوات وتكبير من خلفنا، فنظرنا فإذا هو عامر قد أقبل فانضمّ إلينا، وقد أشرفنا على القوم، فصار في الميمنة، وكان أول من حمل يومئذ الموصلية الذين كانوا مع عامر، وحمل الناس عليهم فصبروا قليلا ثم ولّوا فقتلوا عن آخرهم [٢] . قال: وأشار عفاق [٣] بن سعيد الحارثي على [٤] أبي عون أن يتقدم إلى الموصل، فإن [١٧٧ أ] مروان وترهم [٥] وأساء إليهم، وما هو إلّا أن يسمعوا [٦] بخبر الدعوة ومن يقرب منهم من أهلها حتى يسوّدوا ويجيبوا، فقبل ذلك منه ومضى [إلى الموصل] [٧]، وعرض لهم في طريقهم من الشراة نحو من مائتي رجل فقتلوهم وغنموا ما معهم. وانحاز أهل الموصل وأهل التخومات إلى عسكر أبي عون، فصار في سبعة آلاف رجل، ونزل قرية يقال لها قرية الملح [٨]، فهاب التقدم، وقد بلغه تحرك مروان، وأنّه استنهض ابن هبيرة أهل الكوفة فأخرج منها جماعة، وقدم عليه الحوثرة بن سهل [٩] في جمع عظيم من أهل الشام، فقدم عليه الحوثرة وقد استعدّ للحصار، وجمع الأطعمة والأعلاف بواسط، فبلغ ذلك مروان فقال:
_________________
(١) في الأصل «أبا» . والتصويب من ن. م. ص ٢٨٠ أ.
(٢) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٨، والطبري س ٣ ص ٩.
(٣) في الأصل: «عفان» .
(٤) في الأصل: «إلى» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٨٠ أ.
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٨٠ أ «قد وترهم» .
(٦) في الأصل: «تسمعوا» والتصويب من المصدر السابق ص ٢٨٠ أ.
(٧) زيادة من ن. م. ص ٢٨٠ أ.
(٨) في الأصل «المجلح» وهو تحريف.
(٩) في الطبري س ٣ ص ١٠ وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٨ حوثرة بن سهيل الباهلي. وانظر النجوم الزاهرة ج ١ ص ٣٠٥.
[ ٣٥٩ ]
إذا قلت خفّ الروع، أو قال قائل أمنت فباب الأمن بالخوف يقرع
وكتب إلى ابن هبيرة:
أمّا بعد: فإنّ أمير المؤمنين ولّاك العراق لما أمل من كفايتك، فأخلفت ظنه في أمور منها إبطاؤك عمن استصرخك من أهل طاعته بخراسان، حتى وهنت قوتهم، وقوي عدوهم عليهم، ومنها أخذك أهبة الحصار قبل أوان ذلك حتى أرعبت قلوب من معك، وسهّلت عليهم سبل الهزائم، وإنّما يكون الحصار بعد طول المنازلة والمحاربة، ومنها [١٧٧ ب] إغمادك السيف عن آل المهلب المربضين للفتن ألّا تكون سفكت دماءهم، وأبحت حريمهم، ومنها إهمالك أمر جنودك بلا شدة على أهل الريب منهم، وإقامة الحدود فيهم، ومنها تقصيرك في قطع ألسنة من ينطق فيما يكرهه أمير المؤمنين من أهل الشام، وقد رأيت آثار أمير المؤمنين وتنكيله بهم، ومنها اشتمالك على فيء المسلمين يبعثه مزاحم بن زفر يدسّسه لك إلى أحبائك بقنّسرين، وهذا أعظم قوّتك على عدوك. لعمري يا يزيد! لقد تجافى أمير المؤمنين اليوم وقبل اليوم عن أمور أخلفت فيها ظنّه، وتبلت بها [١] نبله، أنّه وإن [٢] تنفّس لنا ولك في البقاء فسيعرّفك ما ظننت دونه ستورا مرخاة، ثم يكلك إلى نفسك في ذلك، ثم لا تجد [٣] أمير المؤمنين يشهد الله عليك وكفى باللَّه شهيدا.
فإن كانت فلول ابن ضبارة وداود قد تجمعت إليك، وقدم عليك الحوثرة ابن سهيل فيمن معه، فانهض بنفسك للقاء هذا العدو الجاهد عليك، الباسط سيفه إليك وإلى إخوانك، ولا تستبق شيئا من جدّك ولا تكن كما قال الأول:
_________________
(١) في الأصل «به» .
(٢) هكذا، ولعله: «ان»، بدل «وإن» .
(٣) هكذا، ولعله: «لتجدن»، بدل «لا تجد» .
[ ٣٦٠ ]
ألم تعلم بأنّ الحرب غول تقلّب في تصرّفها القلوب
وأنتم معشر [١] في [٢] السلم حرب وسلم حين تستعر الحروب
فبلغنا أن ابن هبيرة كتب إليه:
[١٧٨ أ] قد فهمت كتاب أمير المؤمنين، وما جهلت بلاءه، ولا قصرت في نصيحته، ولا حدت عن جهة الحقّ وحزم الرأي، فإن أتت الأقدار بخلاف ما تهوى فإنّ تقدير الله فوق تقدير العباد. أمّا ما ذكر أمير المؤمنين من إبطائي عمن استصرخني بخراسان، فقد علم أمير المؤمنين أني صرت إلى العراق وهي حرب كلها، فكان أقوى ما يحضرني علاج ما قرب منّي، وكنت في ذلك قد شغلت جنود أهل الشام جميعا بالخوارج تارة، وبابن معاوية أخرى، وبسليمان بن حبيب أخرى، ولم أكن لأستعين بأهل العراق، وقد علم أمير المؤمنين ما هم عليه من غشّه وغشّ دولته فيما استصرخني فيه أهل خراسان، ولم آمن، إن فعلت، أن يظاهروا عدوّ أمير المؤمنين فيلزمني لائمته [٣] في ذلك وتقصيره. وأمّا تأهبي للحصار فإنّي فعلت ذلك حين رأيت ما قدمت من القوة وقد وهنت، ورأيت من قاتل العدو وقد فشلوا وضعفت نيّاتهم في جهاد عدوّهم، فجعلت ذلك عدّة حزم إن اضطررت إليها حمدتها وإن استغنيت عنها لم أذمّها. وأمّا إغمادي السيف عن آل المهلّب فإنّي رأيتهم من اليمن بمكان فكرهت لذلك هيجهم، ولم آمن إن فعلت، أن ينابذني أهل العراق منهم ومن معي من أهل الشام، فتألّفتهم وتربّصت بهم. وأمّا إمساكي عن تأديب أهل الشام، وتركي
_________________
(١) في الأصل «يا معشر» ولا يستقم معها الوزن والمعنى.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل: «لائمه» .
[ ٣٦١ ]
الشدّة عليهم في سوء سيرتهم فإنّي رأيت سوء السيرة قد [١٧٨ ب] شملتهم، فكرهت أن أعنف على جماعتهم، وهم يدي على عدوي، فيفسد ذلك بصائرهم ويقبلوا عليّ بعداوتهم دون عداوة عدوّهم، ولعلّ إفراط أمير المؤمنين في عقوبته وتنكيله قد أفسد عليه قلوب أهل دولته، وحملهم على التقصير في نصرته. وأمّا ما ذكر أمير المؤمنين من اشتمالي على فيء المسلمين ولعمري أنّ في عمالتي وأرزاقي لما يغنيني عن ذلك، ومنزلي من قنّسرين بحيث قد علمه أمير المؤمنين، وهو في إطلاله عليه وقربه منه بحيث لا مئونة عليه في تفتيشه والتنقيب عما ذكر له فيه، فليبعث أمير المؤمنين من يثق بدينه وصحته فيبحث عن ذلك ويبالغ في التفتيش عنه، وليس ما استقصر أمير المؤمنين من عملي وأساء ظنّا بي بمزيلي عن طاعته ولا مكدّر عندي صنيعته. وأمّا ما ذكر من تبكيتي بخطئي، فليس الخطأ بمأمون على بشر، وما أنا بغنيّ عن إيقاظ أمير المؤمنين إياي في عظيم ما حمّلني من ولايته، ولا بمكتف بما عندي دون إرشاده وتأديبه، وليت الله قد أظهر أمير المؤمنين على عدوّه، وأعطاه سؤله وبسط له يده وقوله وفعله، وخمدت نيران الفتن عنه، فيعرف نصيحتي له وقيامي بأمره، وينفذ عليّ فيما سرّني وساءني حكمه. وقد رأيت أمير المؤمنين قد حمل أكثر أموره على سوء الظن فيما يعامل به من ائتمنه عليها حتى لقد ظننت أنّه لم يبق أحد من أعوانه [١٧٩ أ] وعوامّ رعيته ألّا أوحشه ذلك منه، وخاف بادرته وسطوته، من مقارف ذنب وسليم قلب والسلام.
[ ٣٦٢ ]