وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يأتي طوس من أعلاها، وإلى القاسم بن مجاشع بسرخس أن يأتيها من أسفلها [١]، وكان بها النابي بن سويد العجليّ، فلمّا بلغه خبر سرخس كتب إلى نصر بن سيّار أن يعاونه على الهاشمية ويذكّره ما [١٥٨ ب] كان فارقه عليه عند ممرّه به إلى نيسابور من أنهما يكونان يدا واحدة على الهاشمية، فوجّه إليه نصر ابنه تميما في فرسان مضر ومن أجابه من أهل نيسابور، وكتب إليه أنّه شاخص بنفسه ومن كان معه.
وكان نباتة بن حنظلة [٢] قد وافى الري في جمع كثيف وقوة، وأرادوا المصير إلى جرجان ليلجأ إليه فلول [٣] نصر المنهزمين من أبي مسلم وفلول [٣] سرخس ونسا وأبيورد، وقد بلغه أنّ قحطبة قد صمد لطوس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة بحاله، وأنّه لم يبق لهم جمع يعتمدون عليه، وسأله أن يكتب إلى نباتة بطاعته وقبول رأيه في الحرب، فلمّا ورد كتابه على ابن هبيرة قال:
ما كنت لأولي مثل نصر على نباتة، وإنّما نحن في إصلاح ما أفسد نصر، فلم يجبه إلى ذلك. وبرز تميم بن نصر والنابي، ونزل قحطبة بإزائهما، وعنّوا خيولهم، وتزاحم القوم، فلما تدانى الصفّان بعث إليهم قحطبة يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإلى الرضا من آل رسوله، فشتموا رسوله ولم يسمعوا منه وقد أعجبتهم كثرتهم، وجعلوا يقولون للهاشمية: يا عبدة
_________________
(١) انظر الطبري س ٢ ص ٢٠٠٠،
(٢) في الأصل: تكرار ل «ابن حنظلة» . انظر الطبري س ٢ ص ١٩٧٧- ٨، وص ٢٠٠٤، وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٥.
(٣) في الأصل: «ملوك» .
[ ٣٢٣ ]
الرءوس، يا مجوس، يا علوج، وأفرطوا في شتمهم، وقال لهم قحطبة، لا تجيبوهم ولا تشاتموهم فإن الله ناصركم عليهم لبغيهم وعتوهم. ثم أمر قحطبة الناس أن يحملوا [١] عليهم فشدوا عليهم [١٥٩ أ] شدّة رجل واحد، وصبر القوم لهم مليّا، وقاتلوهم قتالا شديدا. ثم إنّ قحطبة صاح:
يا أعوان الحقّ شدّوا على الفجّار فقد شتت الله أمرهم، وتحاضّ الناس على القتال، فهزموا تميما والنابي ومن معهما، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل تميم في المعركة، وهرب عاصم بن عمير في عدّة إلى نصر، وانحاز النابي في جماعة كثيرة إلى القرية، وتحصنوا في حصنها، وأحاط بهم الجند، ونادى منادي قحطبة: من خرج إلينا فهو آمن ما خلا النابي. ولمّا خاف [٢] القوم من يدخل [٣] عليهم عرقبوا دوابّهم وألقوها على الباب، وثلموا في الحائط ثلمة تشرف بهم على جرف غائر [٤] في الأرض، وخرجوا منه متتابعين لا يعلم الآخر ما لقي الأول، وجعل كلّ من خرج يهوي في ذلك الغور، فيقال إنّه هلك في تلك الوهدة نحو من ألفي رجل لم يمسسهم سلاح قتلوا به. وباتت الهاشمية يحرسونهم إلى الصباح [٥]، فلما أصبحوا نقبوا عليهم نقبا ودخلوا عليهم منه، وقتلوا النابي ومن كان بقي معه، وأتي قحطبة برأسه ورأس تميم.
وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث إليه برأس تميم والنابي.
وكان نصر خرج من نيسابور فعسكر في قرية يقال لها موروشك [٦] في نحو من
_________________
(١) زيادة.
(٢) في الأصل: «خافوا» .
(٣) لعله: من أن يدخل.
(٤) في الأصل: «غابر»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٧٢ أ.
(٥) في الأصل: «الصلاح» .
(٦) في كتاب التاريخ ص ٢٧٢ ب: «ووصل خبر القوم إلى نصر وهو بظاهر نيسابور» .
[ ٣٢٤ ]
عشرة آلاف رجل من قيس ومن ضوى إليه من أعوان بني أميّة، وخلّف إبراهيم بن عبد الرحمن القشيري في حشر الناس [١٥٩ ب] فبينا هو مقيم هناك إذ أتاه خبر هزيمة القوم، وقيل له إنّ تميما والنابي محصوران، فانصرف إلى نيسابور ونزل في حائط لمعقل بن عروة، ثم أتاه الخبر في آخر النهار بقتل تميم والنابي، فارتحل ساعة أتاه الخبر بنوح نساء أهل نيسابور وبكائهن على من قتل من رجالهن، ومضى إلى قومس [١] وخلت نيسابور من جند بني أمية وأعوانهم.
وكتب نصر إلى مروان يخبره بمصاب تميم والنابي، وارفضاض الناس عنه، وخروجه عن خراسان إلى قومس. فكتب إليه مروان بإشراف نباتة عليه وإتباعه بأبي بكر بن كعب العقيلي وعطيف بن بشر في جمع كثير من أهل الشام، فلينضمّ إليه وتكون أيديهم واحدة حتى يرد عليهم ابن ضبارة في فرسان أهل الشام، وكتب إلى ابن هبيرة:
أمّا بعد، فإن نصر بن سيّار كتب إلى أمير المؤمنين بمن [٢] تجمّع من أعداء الله من شرار العجم وسقّاط العرب، ويشكو سوء إجابتك إيّاه، وتثاقلك عن إمداده، فما أكثر استزادة أمير المؤمنين لك في كل ما يأمرك وينهاك عنه، فإذا نظرت في كتاب أمير المؤمنين فسرّب إلى نصر الجموع بعد الجموع، ثم اتبعهم القوة بعد القوة، وسرّح من ولدك أحمدهم عندك عقلا وأصحّهم نية في جهاد عدوّ أمير المؤمنين، وولّه أمر ذلك الجند ومره [١٦٠ أ] بحسن [٣] سياستهم والرّفق بهم، حتى يكون لهم كالوالد الشفيق
_________________
(١) انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٤١٤، اليعقوبي- البلدان ص ٢٧٦، الاصطخري ص ١٢٤، ابن خرداذبه ص ٢٣.
(٢) في الأصل: «من» .
(٣) في الأصل: «يحسن» .
[ ٣٢٥ ]
أو المؤدب الرفيق حتى لا يدخله سأمة فيما يحاول من مصلحتهم. ثم آثرهم بما يجتمع عندك من الفيء، فإنّهم أحقّ به ممّن أقام ولم يصل بالحرب، فإنّ أمر خراسان قد تفاقم، واشتدت شوكة من تجمّع هناك، واستولت السفلة على الأخيار وعلى أهل الدين والحسب للذي كان الله ابتلاهم به من الفرقة والتباين، فأبدلهم الله بذلك مذلّة الأرباب وربوبية العبيد، وفي تعجيلك الجنود عزّ لأهل الطاعة، وذلّ لأهل المعصية. فاستدرك ما قد تفاوت من تفريطك، فإن العراق لك مدد، والأموال لديك كثيرة غير مقبوضة يدك عنها، ولا يحال بينك وبينها، فاجعل ما تمدّهم به من مال وسلاح من قبل فارس، فإنّهم إليه أسرع وعليهم أوسع. وقال نصر بن سيّار يرثي ابنه تميما:
نفى عني العزاء وكنت جلدا نكوب فجائع الحدث العظيم
وهمّ أورث الأحشاء وجدا لإجلاء الفوارس عن تميم
ومصرعه على قضب الأعادي يذبّ عن الجماعة والحريم
وفاء للخليفة وابتذالا لنفس من أخي ثقة كريم
فإن يك دهرنا أودى مداه بفارسنا المقاتل في الصميم
[١٦٠ ب] وإن يشمت بنكبتنا عدوّ فما أنا بالضعيف، ولا السئوم
_________________
(١) انظر رواية أخرى لأبيات نصر بن سيار في الدينَوَريّ- الأخبار الطوال ص ٣٥٥.
[ ٣٢٦ ]