وأمّر أبو مسلم شبل بن طهمان على مرو [٢]، وأمر المتكلمين من أصحابه أن يدخلوا مرو فينشروا أمرهم ويدعوا الناس إلى رأيهم ويصفوا ما هم عليه من اتّباع السنّة والعمل بالحق. فجعلوا يدخلون ويتكلمون فأجابهم [٣] الناس إلى ذلك، وجعلوا يخرجون إلى أبي مسلم، وبلغ ذلك نصرا، فوهن أمره واستخفّ به وبعامله فيها. فكتب نصر إلى ابن هبيرة: قد أخرجت من بيتي إلى مقصورتي فاستغثت بكم، فلما أبطأ غياثكم وتأخّرت مادّتكم أخرجت من مقصورتي إلى ساحة داري، وانكم إن تقاعدتم عني أخرجت من داري كلها، وإذا أخرجت منها دخل عليك دارك، ولو دخلت جحرا لدخل عليك فيه حتى يؤتى عليك وعلى غيرك. وكتب إلى مروان: [١٥٣ أ] كتبت إلى أمير المؤمنين ولم يبق مني شيء [أستعين به] [٤] على عدو أمير
_________________
(١) كتاب التاريخ ص ٢٦٩ ب.
(٢) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٩٢.
(٣) في الأصل: «فأجابوهم» .
(٤) زيادة من كتاب التاريخ انظر ص ٢٦٩ ب.
[ ٣١٠ ]
المؤمنين لا في رجالي ولا في مالي ولا في مكيدتي، ولو كنت أمددتني بألف فارس [١] من أهل الشام لاكتفيت بهم، ولقطعت دابر القوم الظالمين. إنّي حين كتبت إلى أمير المؤمنين قد أخرجت من جميع سلطاني، فأنا واقف على باب داري، وإن لم تأتني موادّ أمير المؤمنين ووكلنا [٢] إلى ابن هبيرة طردت عن باب داري، ثم لا رجوع إليها إلى ملتقى الحشر، فلا يكون مثل أمير المؤمنين ومثل ابن هبيرة كما قال الأول:
ولو أنّي أطيعك [٣] في أمور تناجيني إذن لقرعت سنّي
ثمّ إنّ نصرا جمع وجوه أصحابه وأهل الرأي منهم والتجارب، فأجالوا الرأي، فلم يأت واحد منهم برأي إلّا نقضه الآخر ولم يجتمعوا على شيء.
وكتب أيضا نصر إلى مروان:
أمّا بعد، فإنّي ومن معي من عشيرة أمير المؤمنين في موضع من مرو على مجمع الطريق، ومحجّة الناس العظمى من مختلف القوافل والرسل والجنود من العراق، في حائط قد خندقت فيه على نفسي ومن معي، وعن يميني وشمالي قرى بني تميم وسائر أحياء مضر ليس يشوبهم غيرهم إلّا قرى على حدّهم خاملة الذكر فيها خزاعة، وفيها حلّ طاغيتهم أبو مسلم، فنحن حين كتبت إلى أمير المؤمنين في أمر هائل يتكفّأ بنا تكفؤ السفينة [١٥٣ ب]
_________________
(١) في ن. م. «رجل» .
(٢) في ن. م. «وكلت» ص ٢٦٩ ب.
(٣) في ن. م. ص ٢٦٩ ب «أطعتك» والبيت للنابغة الذبيانيّ. انظر ترجمة النابغة في طبقات ابن سلام ص ٤٦، والأغاني (ط. دار الكتب) ج ١١ ص ٣- ٤١ ويرد في ديوانه: «ولو إني أطعتك في أمور قرعت ندامة من ذاك سني» .
[ ٣١١ ]
عند هبوب العواصف، ونحن من إخواننا اليمانية وأغتامهم ورعاعهم، فيما نتوقع من سفههم ولما قد شملهم من ورائهم الخبيث، على مثل لجّة البحر، وأنا معتصم بطاعة أمير المؤمنين ومن معي على مثل ذلك لا نؤثر عليها شيئا، وقد أملنا غياث أمير المؤمنين وموادّه وورود خيله وفرسانه ليقمع الله بهم كلّ مصرّ على غشّه وساع في خلافه، فلا يكوننّ مثلنا [١] يا أمير المؤمنين قول الأول [٢]:
لا أعرفنّك [٣] بعد اليوم تندبني وفي حياتي ما زوّدتني زادي
إنّه قد بلغ الحزام الطبيين [٤]، وكادت القلوب تبلغ [٥] الحناجر، فلا يتهمني أمير المؤمنين على ما أكتب به وأغلظ له فيه، وإنّي لكما قال الأول: أحلب حلبا لك شطره [٦]، ولئن أزالنا عدوّنا من موضعنا الّذي نحن به، انها زلزلة سرير أمير المؤمنين، فلا يضعنّ أمير المؤمنين كتابي هذا إليه على الجزع وعلى الجرأة عليه، فإنّه لا مخبأ لعطر بعد عروس [٧]، ومثلنا فيما قد أشرفنا عليه
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٧٠ أ «فلا يكونن مثل أمير المؤمنين كما قال الأول» .
(٢) هو عبيد بن الأبرص بن عون الأسدي، جاهلي. انظر خزانة الأدب للبغدادي ج ١ ص ٣٢٢ والشعر والشعراء لابن قتيبة (دار الثقافة بيروت ١٩٦٤) ج ١ ص ١٨٧، والأغاني (الساسي) ج ١٩ ص ٨٤ والبيت في ديوانه (القاهرة ١٩٥٧) ص ٤٨.
(٣) هكذا في الأصل وفي ديوان عبيد وفي التمثيل والمحاضرة للثعالبي (القاهرة ١٩٦١) ص ٥٠، وجاء في الشعر والشعراء ج ١ ص ١٨٩: «لأعرفنك» .
(٤) انظر نهاية الأرب للنويري ج ٣ ص ٦٦، وشرح ديوان الحماسة (المرزوقي- القاهرة ١٩٥١) ج ١ ص ٣٣٣.
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٧٠ أ «وبلغت القلوب الحناجر» .
(٦) مجمع الأمثال للميداني (مطبعة السعادة بمصر ١٩٥٩) ج ١ ص ١٩٥.
(٧) انظر ن. م. ج ٢ ص ٢١٢، ونهاية الأرب ج ٣ ص ٥٧- ٥٨.
[ ٣١٢ ]
كمثل شجرة على ضفّة البحر، قد بلي أصلها، فالأمواج تضربها من كل وجه، فما بقاؤها بعد فساد أصلها، وإلحاح الأمواج عليها. وقال نصر شعرا يحرّض فيه العرب على الهاشمية: [١٥٤ أ] .
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم [١] ليغضبوا [٢] قبل ألّا ينفع الغضب
ما بالكم تنصبون [٣] الحرب بينكم كأنّ أهل الحجى عن رأيكم [٤] غيب
وتتركون عدوا قد أطاف بكم فأين غاب الحجى والرأي والأدب [٥]
ذروا التفرّق والأحقاد واجتمعوا ليوصل الحبل والأصهار والنسب
_________________
(١) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٢ وص ٢٣٧ (الرباط): «وذا يمن» . وفي الدينَوَريّ- الأخبار الطوال (تحقيق عبد المنعم عامر، القاهرة ١٩٦٠) ص ٣٦١- ٢: «واخوتها» .
(٢) في أنساب الأشراف: «أن اغضبوا» وفي الدينَوَريّ «أن يغضبوا» .
(٣) في الدينَوَريّ: «تلقحون» .
(٤) في ن. م.: «عن فعلكم» .
(٥) في أنساب الأشراف: وتتركون عدوا قد أحاط بكم ممن تأشب لا دين ولا حسب ومثله في الدينَوَريّ عدا «قد أظلكم» بدل «أحاط بكم» . ولا ترد الأبيات التالية في أنساب الأشراف أو الدينَوَريّ بل يرد محلها في الدينَوَريّ: ليسوا إلى عرب منا فنعرفهم ولا صميم الموالي إن هم نسبوا وفي الأنساب: لا عرب منكم (لعله: مثلكم) في الناس نعرفهم ولا صريح موال إن هم نسبوا ثم يليه في الأنساب: من كان يسألني عن أصل دينهم فإن دينهم ان تهلك العرب قوم يقولون قولا ما سمعت به عن النبي ولا جاءت به الكتب وفي الدينَوَريّ: قوما يدينون دينا ما سمعت به عن الرسول ولا جاءت به الكتب فمن يكن سائلي عن أصل دينهم فإن دينهم أن تقتل العرب
[ ٣١٣ ]
إن تبعدوا الأزد منا لا نقرّبها أو تدن نحمدهم يوما إذا اقتربوا
أتخذلون إذا احتجنا وننصرهم لبئس والله ما ظنّوا وما حسبوا
فأجابه العكّيّ يقول:
لسنا نحابي على الرحمن من أحد فيما نطالب من مولى ومن عرب
وديننا ضربكم حتى نقيمكم على الطريق ولو جثوا على الركب
هلّا صبرت ابن سيّار لوقعتنا إن كنت ذا حسب في القوم أو نسب
ولم يفرّ على جرداء سلهبة يرجو [١] النجاة ولا منجاة في الهرب
من الإمام وقد أمست حبائله يدنين منك طراد الصقر للخرب
فلمّا قرأ مروان الكتاب أطرق طويلا ثم رفع رأسه ورمى بالكتاب إلى عبد الحميد. فقال له عبد الحميد: يا أمير المؤمنين! انظر إلى موق هذا الرجل وسوء تدبيره، وإذا كان يكتب إلى أمير المؤمنين بمثل هذا التصريح من ذكر العشائر والقبائل فما [١٥٤ ب] يلقى به العوامّ في ذلك أوحش وأشنع.
إنّ خراسان قد أنغلها هذا بحمقه وخرقه وسوء سياسته وقد انخرق عليك أمرها انخراقا لست آمن أن يدعو إلى البوار، وأنا أرى لك يا أمير المؤمنين، وفي رأيك البركة، أن تبادر خراسان برجل شامي الرأي عامّ الهوى، متألف رفيق مجرّب. قال: فمن ترى لذلك؟ قال: قد رميتها برجلين كلاهما يصلح لولايتها [عامر بن ضبارة أو] [٢] نباتة بن حنظلة. فكتب مروان إلى ابن هبيرة في تولية نباتة خراسان وإمضائه إليها [من طريق قومس وتوجيه عامر بن ضبارة إليها من طريق سجستان] [٣] .
_________________
(١) لعل البيت: «ولم تفر.. ترجو»
(٢) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٧٠ أ.
(٣) زيادة من ن. م.
[ ٣١٤ ]