قال نصر: عودا إليه وامض معهما يا حيّة، وكان حيّة رجلا يتأله، وربما ذكّر ووعظ، وقال لهم نصر: حاجّوه واذكروا أمر العبيد وما صنع بمواليهم، وما صنع أصحابه بنسا وغيرها، وما يقول في اختصاصه أهل اليمن. فعادوا إليه، فبدأ حيّة فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكّره وعظّم عليه ما صنع في العبيد، وما كان من إيقاع إخوانه بنسا وغيرها والطالقان ومروالروذ وآمل، فلما فرغ من كلامه حمد الله أبو مسلم [١] وكان نزر الكلام، وقال: أمّا العبيد فلسنا نكره أحدا منهم، فمن أراد مولاه فشأنه، وإن أنفذتم أحكامنا حكمنا بينهم وبين مواليهم بالحق [٢]، وأمّا أهل نسا وطالقان وآمل فإن الّذي كان منهم لم يكن عن رأينا ولا بأمرنا ولكنّهم أمّة أريد ظلمهم وسفك دمائهم فامتنعوا فلا حجّة عليهم. وقد كان حيّة أجاب الدعوة ثم رجع، فقال [١٣٨ ب] له أبو مسلم: أليست بيعتنا في عنقك؟ قال: كنت قد بايعتكم على كتاب الله وسنّة نبيّه. قال: فما أنكرت؟ قال: في كتاب الله وسنّة نبيّه وسنّة علي بن أبي طالب أن تأخذ عبيد أهل القبلة فتغضبهم من مواليهم؟ فقال أبو مسلم: قد خبّرتكم بحجّتي في العبيد، أو لم أردد على رجل منكم ثلاثة [٣] من عبيده؟ فاتقوا الله فإنّما ندعوكم إلى كتاب الله، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات. فقالوا له: قد بلغنا أنك تقول: إنّ صاحبك أمرك أن تنزل في أهل اليمن وتتألف ربيعة وتحذر
_________________
(١) في الأصل: «أبا مسلم» .
(٢) في الأصل: «وإن أنفذتم أحكام ما حكمنا بينهم وبين مواليهم بالحق» .
(٣) في الأصل: «ملته» .
[ ٢٨٤ ]
مضر، ففي كتاب الله هذا؟ أما تعلم أنّ نبيّ الله ﷺ كان رجلا من مضر؟ فقال لاهز: لكم في هذا قول، فنظر إليه أبو مسلم نظرا شديدا. فقال سليمان بن كثير: لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ٣٣: ٢١ [١]، اختص رسول الله ﷺ أهل اليمن لطاعتهم وإيمانهم، وجانب قومه وأقربيه لكفرهم ومعصيتهم.
فقال أبو مسلم: نعم أمرني الإمام أن أنزل في أهل اليمن وأتألّف ربيعة، ولا أدع نصيبي من صالحي مضر وأحذر أكثرهم من أتباع بني أميّة، وأجمع إليّ العجم واختصّهم، وإنّما الأعمال بخواتيمها، قال الله ﷿:
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ٢٨: ٥ [٢]، ومن أتانا من مضر [١٣٩ أ] ودخل في أمرنا وصحح لنا قبلناه وحملناه على رءوسنا، ومن عاندنا استعنّا الله عليه وكان الله حكما بيننا وبينه. فرضي قوله من حضر من الشيعة، وانصرف رسل نصر إليه بما ثقل عليه، وانتشر قول أبي مسلم وتحدث به، فسارعت الأعاجم وكثير من أهل اليمن وربيعة إلى الدعوة من بين متديّن بذلك أو طالب بذحل [٣] أو موتور يرجو أن يدرك بها ثأره، وأتاه عدّة من ذوي البصائر من مضر.
ولمّا رأى سليمان وأبو مسلم إقبال الأمر عليهم جمعوا [٤] وجوه الشيعة من الدعاة والنقباء فتناظروا في أمرهم، فرأوا أن يبعثوا إلى الفريقين فيعرضوا عليهم أمرهم، واتسقوا على ذلك، فقال أبو مسلم: قد أمرنا الإمام باختصاص اليمن، فقال سليمان: إنّ عرضك أمرك على نصر لا يفسد عليك رأيك
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية ٢١.
(٢) سورة القصص، الآية ٥.
(٣) في الأصل: «بدحل» والذحل: الثار.
(٤) هكذا، والصواب: جمعا.
[ ٢٨٥ ]
وما أمرت به في اليمن، وإرسالك إليه حجّة لك عليه وفيه رضا من معك من مضر. قال: فقبل أبو مسلم بذلك، وبعث إلى نصر يعرض عليه أمره عرض ترغيب فيه، وأراه الميل إليه. وكان رسوله إليه لاهز بن قريظ [١] فلقي نصرا فكلّمه وأرغبه وأرهبه، فامتنع نصر ونفر من ذلك وقال للاهز:
بئس وافد العشيرة أنت! يدعوني صاحبك إلى أن يعزلني ويتقدمني والسلطان في يدي والنعمة عليّ، لا ولا كرامة. فقال له لاهز: يقدّمك، ويسمع ويطيع لك، ويصلي [١٣٩ ب] خلفك وينفذ حكمك. فقال البحتري بن مجاهد- مولى شيبان- كاتب نصر: خدع كخدع الصبيان. قال نصر: ما أفلح من غررتموه [٢]، فانصرف لاهز إلى أبي مسلم فأخبره بما لقي منه [٣] .
وذكروا أنّ أبا مسلم بعث إلى نصر وفدا، فيهم أبو الحكم عيسى بن أعين والهيثم بن زياد الخزاعي وأبو البحتري عمر بن معبد الخزاعي، وكتب معهم إلى نصر كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه أهل الدعوة، ويعلمه أنّ هذه الرايات السود التي أظهرها هي التي لم يزل يسمع بها، ويحذره من أن يكون من [٤] صرعاها، وأنّه قد وجّه إليه فلانا وفلانا وفلانا، وليسمع منهم. فأتى الوفد نصرا، فدفعوا إليه كتاب أبي مسلم، وعنده سلم بن أحوز المازني ومنصور بن عمر بن أبي الخرقاء [٥] السلمي وعقيل بن معقل الليثي ويحيى ابن حصين الرقاشيّ وعبد الله بن حبيب الهجريّ والبحتري بن مجاهد، فقرأ نصر الكتاب، ثم قال: ليتكلم متكلمكم. فقام أبو الحكم عيسى بن أعين،
_________________
(١) في الأصل: «قرط» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٦٦ أ «عززتموه» .
(٣) في الأصل: «به» .
(٤) زيادة.
(٥) في الأصل: «أبي الحرفا» . انظر الطبري س ٢ ص ١٥٦٦، ١٦٦٢.
[ ٢٨٦ ]
فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ، ثم قال: أمّا بعد فإنّا قوم الله ربنا ومحمد ﷺ نبيّنا، والكعبة البيت الحرام قبلتنا، والرضا من آل محمد إمامنا، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وإحياء ما أحيا القرآن وإماتة ما أمات القرآن، [١٤٠ أ] والرضا من آل محمد، يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَآمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمن لا يُجِبْ داعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ من دُونِهِ أَوْلِياءُ ٤٦: ٣١- ٣٢ [١]، فإن فعلتم فحظّكم أصبتم، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم وغلب عليكم الشقاء فنحن ندعوكم إلى الموادعة، فلا نبدؤكم بحرب حتى نؤذنكم ولا تبدءونا بحرب حتّى تؤذنوننا، ثم جلس. فقام سلم بن أحوز فقال: أصلح الله الأمير ائذن لي في جوابه، فقال نصر: اجلس. ثم قام ثانية فقال: ائذن لي في جوابه، فقال نصر: أجبه، ولا أراك تجيبه بما ينفع. فقال سلم: أمّا ما دعوتنا إليه من أمركم هذا فلا حاجة لنا فيه، وأمّا ما ذكرتم من سنّة رسول الله ﷺ فما أنتم وذاك؟ نحن أولى به منكم، نحن العرب وأبناء العرب، وأنتم علوج سفلة عبدة السنانير، وأمّا الموادعة فإن شئتم وادعناكم على أن تكونوا معنا على هذا المزدي، وإلّا فلا شيء لكم عندنا إلّا السيف.
ونظر منصور بن عمر إلى أبي الحكم فقال: من أيّ علوجنا أنت؟ فقال نصر:
أف لكم! ما أخوفني أن يصرعكم هذا القول والبغي. فقام أبو الحكم وصاحباه وهم يقولون: لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فلما خرجوا قال نصر ليحيى بن الحصين: ما تقول أيها الشيخ؟
قال: ما أرى بالموادعة بأسا. [١٤٠ ب] قال نصر: أجل والله ما أرى بها بأسا
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآيتان ٣١ و٣٢.
[ ٢٨٧ ]
إن تركنا هذا السفيه. ثم أطرق نصر مليّا ثم قال: هذا والله رأي من تركه ندم، والله ما زلنا نسمع بالرايات السود حتى رأيناها وابتلينا بها، وباللَّه لو أنّي أعلم أنّي آمن [١] فيهم لأسرعت إليهم وكنت رجلا منهم، ولكن كيف لي بذلك وأنا عندهم قاتل يحيى بن زيد وهم يبكون عليه ويندبون صباحا ومساء.
وبعث أبو مسلم أسلم بن أبي [٢] سلام البجلي إلى عليّ بن الكرماني يعرض عليه أمره ودعوته، ويعلمه أنّه مؤمّره على نفسه ومجاهد معه من خالفه، وأنّ الإمام قد أمره بذلك.
وذكروا أنّ سليمان بن كثير لقي علي بن الكرماني يومئذ مع أسلم، فقال له: قد سمعت أباك يوم وقع بينه وبين نصر ما وقع من التباعد يقول:
لهفي [٣] على قائم يقوم من آل محمد، ولو أنّ راية ترفع، أين دعاة آل محمد، فكان يتمنّى ما أتاك الله به عفوا، وأقبلا عليه يحرضانه ويرغّبانه ويقولان له: تدرك ثأرك من نصر، فلم يزالا به حتى أجابهما إلى قبول الدعوة، فأخذا بيعته وانصرفا. وبعث علي بن الكرماني أخاه عثمان إلى أبي مسلم يستوثق منه ويؤكّد عليه أن تكون يده مع يده حتى يستأصلا نصرا ومن معه.
وبلغ أبا مسلم إقبال عثمان بن الكرماني إليه فخرج من عسكره [١٤١ أ] متلقيا له [٤]، فالتقيا فيما بين العسكرين في منزل رجل من طي يقال له ابن حكيم، وقالوا في منزل حميد بن الخطاب المهري، وأخذ أبو مسلم بيعة عثمان ومن كان معه من قومه، واستوثق لنفسه ولعلي على أبي مسلم. وبلغنا أنّ أبا مسلم قال لعثمان: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتجاهدون من خالفنا
_________________
(١) في الأصل: «امرئ» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٦٦ أ.
(٢) في الطبري «أسلم بن سلام أبو سلام» س ٢ ص ١٩٨٨.
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٦٦ أ «لهفي على ما فاتنا من آل محمد» .
(٤) في الأصل: «إليه» والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٦٦ ب.
[ ٢٨٨ ]
في دعوتنا وتناصحونا في قتال نصر وأشياع مروان، فقال عثمان: نعم قد كنّا على سبيل ضلال نناصح في قتال نصر وأعوانه، فكيف لا يكون ذلك منا على سبيل خير وهدى وحق. وافترقا على ذلك، ولم يكشفا أمرهما، وتحدّث بذلك، وانصرف أبو مسلم إلى عسكره وعثمان إلى عسكر أخيه.
وبلغ نصر بن سيّار إجابة عليّ أبا مسلم، ورأى تسارع الناس إليه ولحوق كثير ممن في عسكره به، فأرسل إلى عليّ بن الكرماني: إن الحرب كانت بيننا على الحميّة، وقد كانت لبعضنا على بعض فيها بقية ترجع إلى ألفة العرب، وقد نجم بين أظهرنا من همّته استئصالنا جميعا، قد بلغك ما أوقع هؤلاء القوم بنسا وطالقان [١] ومروالروذ وآمل وزمّ [٢]، وقلة إبقائهم على حرمة العرب، فهلمّ فلتجتمع أيدينا عليهم فإذا حصدناهم عاودنا ما كنّا فيه، أو حكّمناك فأنفذنا حكمك، ورضينا بذلك. وأرسل بذلك إليه جهم ابن مسعود والبحتري بن مجاهد، فقال علي: عودا [١٤١ ب] إليه فقولا له:
والله ما وفيت لي قبل اليوم، فكيف أثق بك اليوم، وإنّما تدعوني إلى نفسك وفلّ حدي عنك، والله لو قدرت أن أقاتلك بحرشان [٣] الأرض فضلا عن إنسها فعلت، وقد سنح لي من أمر هؤلاء شيء قد رجوت به صلاح أجلي ودرك قتلي قبلك، فاله عمّا أخذت فيه، فليس لك عندي إلّا السيف حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين.
فأتياه بذلك، فبعث نصر إلى جبلة بن أبي دؤاد فقال له: إنّما قد وقعنا في أمر سيأتي على الأنفس والحريم، وقد لج فتاك هذا فأخبره أنّه خدع،
_________________
(١) انظر اليعقوبي ص ٢٨٦: الاصطخري ص ١٥٢، ابن خرداذبه ص ٣٢ وص ٣٦.
(٢) معجم البلدان ج ٢ ص ١٥١، الاصطخري ص ١٥٧.
(٣) في اللسان «حريش» دويبة أكبر من الدود على قدر الإصبع. وفي كتاب التاريخ «حشرات»، ص ٢٦٦ ب.
[ ٢٨٩ ]
وأنّه سيندم على إجابة هذا الرجل ويطلب أن يستقبل من خطأه فلا يقدر على ذلك. فأتى جبلة عليّا فخبّره بقول نصر، وخوّفه وحذّره، فأبى إلّا مضيّا على إجابة أبي مسلم والجد معه في إظهار الدعوة، فانصرف إلى نصر فخبّره بذلك. فلمّا رأى نصر ذلك بعث إلى المتفقّهين والمتنسّكين ومن أقام على الدخول في شيء من فتنتهم، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه وقال، إنّكم كرهتم مشاهدتنا في حربنا هذه وزعمتم أنها فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، فلم نردد عليكم رأيكم في ذلك، وهذا حدث قد ظهر بحضرتكم:
هذه المسوّدة وهي تدعو إلى غير ملّتنا وقد أظهروا غير سنتنا، وليسوا من أهل قبلتنا يعبدون السنانير ويعبدون [١٤٢ أ] الرءوس [١]، علوج وأغتام [٢] وعبيد وسقّاط العرب والموالي. فهلمّوا فلنتعاون على إطفاء نائرتهم [٣] وقمع ضلالتهم، ولكم أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيّه وسنة العمرين بعده.
قالوا: فأجابوه إلى مظاهرته على حرب أبي مسلم والجد معه في ذلك، وتلافي [٤] الناس به، وتداعى إليه كثير منهم، وبلغ ذلك أبا مسلم.