رجل من بني مخزوم عن أبيه عن جدّه، أنّه خرج من مكّة إلى يزيد بن عبد الملك بالشام في خلافته، فلمّا انصرف من عنده نزل بالشراة على علي بن عبد الله، فصادفه في مسجده وبنوه حوله ومواليه، وفبهج عليّ برؤيته وجذل [٢] بقربة وسأله عن حاله وما صنع في مسيره. قال: ثم سألني عمّن رأيت من بني أميّة بالشام [٣] ومن خلفته منهم بالحجاز، فلمّا فرغ من مسألته عنهم شكاهم إليّ، ثم أقبل على بنيه فقال: يا فلان! اقرأ، يا فلان! حدّثنا عن رسول الله ﷺ، يا فلان! أفرض، يا فلان! اخطب، يا فلان! أنشد. فانتهى كل واحد إلى ما أمره به ثم قال لهم: تذاكروا الحلال والحرام، وليسأل بعضكم بعضا عنه، ويحتج بعضكم على بعض فيه، ويروي بعضكم فيه الحديث لبعض، ففعلوا ذلك. وأقبل عليّ بوجهه فقال:
يا أخا مخزوم! كيف ترى فتيان بني [٤] هاشم؟ قلت: يا أبا محمد! أراهم
_________________
(١) زيادة يقتضيها المعنى.
(٢) في الأصل: جدل.
(٣) في الأصل: «ثم سألني عمن رأيت من بني رأيته من بني أمية بالشام» فحذفنا: «من بني رأيته» لأنها مقحمة.
(٤) في الأصل أضيفت كلمة «بني» فوق السطر بين «فتيان» و«هاشم» .
[ ١٥٠ ]
ملء عين الصديق ورغم العدوّ. فضرب بيده على فخذي ثم قال: يا أخا مخزوم! أما وربّ الكعبة لا ينامون عن طلب ثأرهم حتى يدركوه.
[٦٧ ب] حدّث بعض مشايخنا أن زرينا مولى عبد الله بن عباس قال: كان عليّ بن عبد الله جالسا في زمزم فأقبل إليه شيخ من كنانة فقبّل رأسه وأطرافه وتنشّقه بالقبل وترشّفه، وجعل يفدّيه بأبيه وأمّه، ويسأله عن حاله وولده وأهل بيته، ثمّ جلس يحادثه، وسمعته يقول: ابشر أبا محمد بالغنى من الله فقد أظلّك النصر وأتتك الدولة، لقد شهدت مقدم معاوية المدينة حاجّا بعد هلاك عليّ بن أبي طالب، فسمعت عمرو بن عثمان بن عفّان يقول لمعاوية: يا أمير المؤمنين! لو صعدت المنبر فنلت من عليّ، فقال معاوية: لست بفاعل، إني أقبل على الأمر إذا أقبل عليّ وأدبر عنه إذا أدبر عنّي، والله لقد لقيني عليّ فما فارقني حتى خفت أن يقتلني، والله لو قتلني ما أفلحتم بعدي، واعلموا يا بني أميّة أنّ لكم من بني هاشم يوما مرّا فاستعجلوا الإعاذة باللَّه من شرّه. فقال عليّ بن عبد الله: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قيل لعليّ بن عبد الله بن عبّاس ﵃: بم صحّت سلامتك على الناس؟ قال: لأنّه صحّت سلامتهم عليّ. قال: ما رأيت أحدا قطّ أكبر منّي سنّا إلّا قلت: عبد الله قبلي، ولا أحدث منّي سنّا إلّا قلت:
عصيت الله قبله، ولا في مثل سنّي إلّا قلت: أعرف [٦٨ أ] من نفسي ما لا أعرف منه.
عليّ بن عبد الله القرشيّ- مولى لهم- قال: خرج الوليد [١] ليلة إضحيانة
_________________
(١) انظر الأغاني ج ١٦ ص ١٨٣- ١٨٤ حيث يروي عمر بن شبة الخبر ويجعله مع عبد الملك بن مروان، ويورد رواية أخرى عن علي بن محمد بن النوفلي عن عمه تجعله مع الأمير سليمان بن عبد الملك أيام الوليد بن عبد الملك.
(٢) في الأصل: «اصحيانة» .
[ ١٥١ ]
فنادى: أين الراجز العذريّ؟ فجاء فأخذ بخطام راحلته، وأقبل يرتجز ويقول:
يا أيّها البكر الّذي أراكا عليك سهل الأرض في ممشاكا
ويحك [١] هل تعلم من علاكا أكرم شخص ضمّه سرجاكا
إنّ ابن مروان على ذراكا خليفة الله الّذي امتطاكا
لم يجب بكرا مثلما حباكا [٢]
قال فأخذ الفضل بن عباس بن عتبة [٣] بن أبي لهب بخطام راحلة علي بن عبد الله بن عبّاس وأنشأ يقول [٤]:
يا أيّها السائل عن عليّ تسأل [٥] عن بدر لنا بدريّ
من [٦] نسّك في العيص [٧] أبطحيّ سائلة غرّته مضيّ
أغلب في العلياء غالبيّ مردّد في المجد هاشميّ [٨]
- أبوه عمّ المصطفى النبيّ- وليّن الشّيمة شمّري
ليس بفحّاش ولا بذيّ عفّ نجيب مجتبى [٩] تقيّ
مهذّب مطهّر بهيّ أعدّ للمسكين والغنيّ
_________________
(١) في رواية عمر بن شبة «ويلك» كما أنها لا تورد الشطر الثاني.
(٢) في رواية عمر بن شبة «لم يعل بكرا مثل من علاكا» .
(٣) في الأصل: «عيينة» والتصويب من ابن الكلبي، جمهرة النسب ق ١ ص ١٨، وجمهرة أنساب العرب ص ٧٢، والأغاني ج ١٦ ص ١٧٥.
(٤) أورد عمر بن شبة خمسة أشطر فقط، وابن النوفلي ستة أشطر مع اختلافات سنشير إليها.
(٥) في الأغاني «سألت» .
(٦) زيادة وفي رواية ابن النوفلي «مقدم في الخير أبطحي» .
(٧) العيص: الأصل والمنبت الكريم.
(٨) في الأغاني «ولين الشيمة هاشمي» .
(٩) في هامش الأصل كتبت كلمة «مخبت» وأشير إلى أنها بدل «مجتبى» .
[ ١٥٢ ]
[٦٨ ب]
خلطين من شحم ومن نقيّ شابهما بالأزرق المشويّ
مصلصل طينته مكّيّ حلّ محل البيت زمزميّ
زمزم يا بوركت من طويّ [١] بوركت للساقيّ والمسقيّ
يسقيهم بالمشرب الرويّ إن تلقه بالأنس الحرميّ
تلق امرأ ليس بأجنبيّ وليس عند العزم بالمكنيّ
جاء على مهذّب مهريّ [٢] بصلويه أثر النفيّ
نفيّه الحوليّ والعاميّ في الحرب حتف البطل الكميّ
بكلّ عضب الحدّ مشرفيّ وأسمر في الكفّ سمهريّ
فلما أصبحوا كلّم عليّ بن عبد الله الوليد فيه فقال: لا أعطيه درهما، أليس الّذي قال البارحة ما قال! فأجازه عليّ بن عبد الله وكساه، فقال في ذلك:
فإن يغضبك قولي في عليّ وتمنع ما لديك من النوال
فإنّ محمدا منّا وإنّا ذوو المجد المقدّم والفعال
وإنّ لدى ابن عبّاس نوالا وما طالبت من صفد ومال
بنا دار [٣] العباد لكم فأمسوا يسوسهم الركيك من الرجال
[٦٩ أ] كفاني ما نحلت به عليّا [٤] فأقناني [٥] ولم يك ذا اعتلال
_________________
(١) في رواية النوفلي في الأغاني ج ١٦ ص ١٨٣: «زمزم يا بوركت من ركي» .
(٢) في الأصل: «مهدي» والتصويب من الأغاني- رواية عمر بن شبة، وقد جاء الشطر فيه: «جاء على بكر له مهري»، وقد روى مع هذا الشطر الشطرين الأول والثاني والخامس والسادس من القصيدة.
(٣) لعلها: دان.
(٤) في الأصل: «علي» .
(٥) في الأصل: «فامناني» .
[ ١٥٣ ]