قالوا: توفّي سنة أربع وعشرين ومائة.
محمد بن عبد الله الجرجاني الورّاق قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات محمد بن علي في إمرة هشام في سنة أربع وعشرين ومائة [٣] . ويقال: إنّه مات سنة اثنتين وعشرين ومائة [١١٤ ب] وفيها ولد المهدي، ويقال: إنّه مات سنة خمس وعشرين ومائة [٤] بالشراة من أرض الشام وهو ابن ستين سنة.
_________________
(١) في ن. م. «ستتبع ذلك» ص ٢٥٦ أ.
(٢) انظر ن. م. ص ٢٥٦ ب.
(٣) في ن. م. «سنة عشرين ومائة» ص ٢٥٦ ب.
(٤) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٥٢.
[ ٢٣٩ ]
أخبار إبراهيم بن محمد بن علي الإمام
ولما مات محمد بن علي أقام أبو هاشم مع إبراهيم أيّاما، ثم شخص إلى خراسان، وقدم الكوفة، فقال عمرو بن شبيب: فقدم علينا وأقام أياما وكأنّه على الرّضف، ثم شخص إلى خراسان وقد كتب معه إبراهيم كتابا إلى الشيعة نعى إليهم فيه أباه، ووعظهم وأمرهم ونهاهم، وقرّب لهم أمرهم، وأمرهم بطاعة أبي هاشم والقبول عنه [١] . فبدأ بجرجان فلقيه الشيعة: أبو عون وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل وخالد بن برمك، فنعى إليهم محمد ابن علي وأخبرهم أن الإمام بعده إبراهيم وأنّه جعل وصيّته إليه فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بالأمر بعده، فسلّموا لأمره [٢] ورضوا به، ودفع إليهم كتاب إبراهيم فأعظموه وازدادوا لأبي هاشم تعظيما، وأقام بين أظهرهم نحوا من شهرين، ثم عزم على الانصراف وقال للشيعة: ليتوجّه عدّة [٣] منكم إلى إبراهيم ليلقوه، وتعرّفوه أنفسكم وتخبروه بطاعتكم. فشخص معه في تلك الدفعة قحطبة بن شبيب ومالك بن الهيثم وأبو سيف وأبو حميد والأزهر بن شعيب، فأقبل بهم حتى قدم جرجان فشخص معه [٤] [١١٥ أ] شيعة أهل جرجان:
أبو عون وأبو بصير، فأقبلوا حتى قدموا الكوفة، فبلغهم بها موت هشام ابن عبد الملك واستخلاف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك في سنة خمس
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٥٦ ب: «منه» .
(٢) في الأصل: «الإمرة» .
(٣) في كتاب التاريخ ص ٢٥٦ ب «من شاء» .
(٤) في ن. م. ص ٢٥٧ أ «معهم» .
[ ٢٤٠ ]
وعشرين ومائة، فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى مضوا إلى مكّة، وشخص معهم [١] أبو سلمة فلقوا إبراهيم ودفعوا إليه مالا كثيرا كانوا قدموا به. فبلغنا أنّ يحيى بن محمد وهو معه يومئذ فإن لإبراهيم فقال لإبراهيم: والله لئن لم تعنّي على مئونتي وتقضي ديني لأرفعنّ عليك، فقيل: إنّه أمر له بخمسة آلاف درهم، وقال للشيعة: احذروه فإنّ فيه ضعفا شديدا.
وقال بعض من قدم مع بكير في تلك الدفعة لإبراهيم: حتى متى تأكل الطير لحوم أهل بيتك وتسفك دماؤهم! تركنا زيدا مصلوبا بالكناسة وابنه مطرّدا [٢] في البلاد، وقد شملكم الخوف وطالت عليكم مدة أهل بيت السوء.
فقال لهم: لسنا نعدو ما جرى به القضاء علينا في الذكر الحكيم وقد أظلتكم رحمة الله فابشروا بنصره [٣]، فأمّا ما سامتنا به بنو أميّة وركبونا فسيدال عليهم مثلا بمثل، والله لتقتلن بنو أميّة قتلا ذريعا، وليصلبنّ صلبا فظيعا وليسلبنّهم الله ملكهم سلبا وحيّا [٤]، إنّما بقيت من مدتهم سنيّات كنوم الحاكم، يقتل فاسقهم هذا، ولا يمتّع قاتله بالأمر بعده إلّا يسيرا حتى [١١٥ ب] يموت، ثم يثب على أمرهم الفظّ منهم فيبتزّهم أمرهم فعند ذلك يقع الاختلاف بينهم وتنتقض البلاد عليهم. فقال له أبو هاشم: كنّا نقول:
إنّ وقت ظهور الدعوة في سنة ثلاثين ومائة. قال إبراهيم: هو ذاك، ولن تتركوا [٥] حتى تخرجوا قبلها، وكل ما هو آت قريب، وأمر [٦] القوم بالانصراف فانصرفوا، وصدر معهم بأبي هاشم بكير بن ماهان وبأبي سلمة إلى منزله من الشراة، ومضى أهل خراسان، فلمّا قدموها لقوا إخوانهم فخبّروهم
_________________
(١) في الأصل «معه»، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٥٧ أ.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٥٧ م: «مطرودا» .
(٣) انظر ن. م. ص ٢٥٧ أ.
(٤) الوحي: السريع العجل.
(٥) في الأصل: «يتركوا»، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٥٧ ب.
(٦) انظر ن. م. ص ٢٥٧ ب.
[ ٢٤١ ]
عن إبراهيم وفضله وفقهه فسرّوا بذلك ودعوا له.
قال أبو سلمة: انصرفنا مع إبراهيم من مكة، فلما صار إلى منزله بالشراة أتاه مقتل يحيى وما صنع بزيد حيث أحرق، فأكبر ذلك وقال: بؤسا لبني أميّة، كأني انظر إلى مصارعهم. فقال له أبو هاشم: حفظك الله أليس الوليد سطيح بني أمية؟ قال: بلى ومن بعده سطيحهم اللعين الّذي لا بقيّة لهم بعده.
خبر يحيى بن زيد
لما رجع بكير إلى خراسان قال لهم: إنّ يحيى بن زيد كامن بين أظهركم وكأنّكم به قد خرج على هؤلاء القوم فلا يخرجنّ معه أحد منكم، ولا يسعى في شيء من أمره فإنّه مقتول، وقد نعاه الإمام إلى أهل بيته. وكان [١١٦ أ] يحيى مختفيا عند الحريش [١] ببلخ، إذ ورد على نصر بن سيّار كتاب من يوسف بن عمر يخبره فيه بمسير يحيى بن زيد إلى خراسان ويصف له منازله التي نزلها حين [٢] نزل ببلخ عند الحريش ويأمره في كتابه أن يبعث إليه فيأخذه به أشدّ الأخذ. فكتب نصر بن سيّار إلى عقيل بن معقل الليثي، وهو عامله على بلخ يأمره أن يأخذ الحريش بيحيى بن زيد، وإن لم يدفعه إليه بسط عليه العذاب حتى يقتله، فلمّا أتى عقيل بن معقل كتاب نصر بذلك بعث إلى الحريش فسأله عن يحيى بن زيد قال: لا علم لي به، فضربه خمسمائة سوط.
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٥٧ ب: «الحريش بن معقل»، وفي الطبري س ٢ ص ١٧٧٠: «الحريش بن عمرو بن داود» .
(٢) لعله: حتى.
[ ٢٤٢ ]
فبلغنا أنّ الحريش قال له: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، فلما رأى ذلك فريس بن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلّك على يحيى، فأرسل معه من دلّه عليه، فاستخرج من بيت في جوف بيت ومعه يزيد بن عمر ومولى يزيد بن عمر ومولى لعبد القيس ورجلان آخران، فأخذهم وبعث بهم إلى نصر فحبسهم نصر قبله وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك.
وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمّنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمّنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، فدعا [١] نصر يحيى فوعظه وحذره الفتنة وأمر له بألفي درهم وبغلين وأشخصه [١١٦ ب] فخرج حتى أتى سرخس فأقام بها. وبلغ ذلك نصرا فكتب في إشخاصه عنها إلى طوس، وكتب إلى صاحب طوس يأمره بإشخاصه عنها إلى نيسابور، وكتب إلى عامل نيسابور يأمره بمثل ذلك، فأشخصوه تسير به المسالح، حتى ورد نيسابور [٢] وعليها عمرو بن زرارة القشيري، فلمّا قدمها أمر له عمرو بألف درهم وأشخصه إلى قومس، فلمّا انتهى إلى بيهق [٣] ومعه عدة من أصحابه خاف اغتيال يوسف بن عمر إيّاه فانصرف من بيهق في سبعين رجلا من أصحابه، فمرّ بهم تجار معهم دوابّ لهم فأخذها منهم وقال لهم: علينا أثمانها، وبلغ ذلك عمرو بن زرارة فكتب إلى نصر بن سيّار يخبره خبره، فكتب إلى الحسن بن يزيد التميمي وإلى عبد الله بن قيس البكري وهما يليان مسالح ما بين طوس [٤] ونيسابور وسرخس أن يمضيا فيمن معهما
_________________
(١) في الأصل: «فدعاه» .
(٢) انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٣٣١، اليعقوبي- البلدان ص ٢٧٨- ٢٧٩، الاصطخري ص ١٤٥، ابن رسته ص ٢٧١- ٢٧٢.
(٣) انظر معجم البلدان ج ١ ص ٥٣٧، ابن خرداذبه ص ٢٤.
(٤) انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٤٩، اليعقوبي- البلدان ص ٢٧٧- ٢٧٨، ابن خرداذبه ص ٢٤، ص ٣٥، وهي على خط طول ١٥ ٣٦ شمال، وخط عرض ٣٣ ٥٩ شرق.
[ ٢٤٣ ]
حتى يلحقا بعمرو بن زرارة ويسمعا له ويطيعا، وأمر بمحاربة يحيى بن زيد. فخرج عمرو ولحقه الحسن بن يزيد وعبد الله بن قيس في أصحابهما، فبلغنا أنّه كان في نحو من عشرة آلاف رجل فلحقوا يحيى بن زيد وهو في سبعين رجلا فقاتلوه، وقد نصب لهم عمرو بن زرارة راية أمان صفراء [١] ونادى: من أتى هذه الراية فهو آمن. فخبّرنا من حضر ذلك قال: فشدّ عليهم يحيى فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة واحتوى على عسكره [١١٧ أ] ومضى نحو هراة [٢] وعليها يومئذ مغلّس بن زياد فلم يعرض له، وبلغ خبره نصرا فوجّه سلم بن أحوز المازني وهو يومئذ على شرطه [٣] في جماعة، فخرج سلم في طلب يحيى فانتهى إلى هراة حين فصل منها فاتبعه فلحقه بالجوزجان في قرية يقال لها رعوى [٤] وعلى الجوزجان يومئذ حمّاد بن عمرو السعدي، فبعث سلم على ميمنته سوادة بن محمد بن عزيز الهندي وعلى ميسرته حمّاد بن عمرو السعدي، وقد شهده محمد بن المثنى فأمره سلم بأن يعبّئ الناس، فتمارض ولم يشهد القتال واقتتلوا قتالا شديدا.
_________________
(١) في الأصل: «راية صفراء أمان» .
(٢) انظر معجم البلدان ج ٥ ص ٣٩٦، الاصطخري ص ١٤٩، ابن خرداذبه ص ٣٦. وهي على خط طول ٢٠ ٣٤ شمال وخط عرض ١٠ ٦٠ شرق.
(٣) في الأصل «صرطه» وهو تحريف. انظر الطبري س ٢ ص ١٩١٨.
(٤) في الطبري س ٣ ص ١٤٢٨ «رعوين»، وانظر معجم البلدان ج ٢ ص ١٨٢.
[ ٢٤٤ ]
ذكر السواد
قال: ثم قال أبو هاشم: إنّ أبا عبد الله كان يقول في وقتكم في ظهور راياتكم السود قولا قد اقترب. قال: فقال إبراهيم: إذا شارفتم الثلاثين والمائة نجم حقّكم ثم لا يزال في نماء، وظهور دعوتكم في البلاد كلّها، والسواد يا أبا هاشم لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزّنا، وهو جند أيّدنا الله به، وسأخبرك عن ذلك. كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، وكانت راية علي بن أبي طالب سوداء، فعليكم بالسواد فليكن لباسكم، وليكن شعاركم: يا محمد يا منصور. قال: وأمر أبا هاشم بالانصراف [١١٧ ب] والمضيّ إلى خراسان وأمره أن يأمر الشيعة بتسويد الثياب والرايات السود، ويعدّوها إلى وقت خروجهم. فانصرف أبو هاشم ومعه أبو سلمة إلى الكوفة، فلما قدمها تعلّق به [١] غرماء له [٢] فحبسوه في دين كان لهم عليه، وبعث أبا سلمة إلى خراسان، ودفع له ثلاث رايات سود، وأمره أن يدفع واحدة إلى من بمرو من الشيعة، ويدفع واحدة إلى من بجرجان من الشيعة، ويبعث بواحدة إلى ما وراء النهر. فشخص أبو سلمة إلى خراسان فكان أوّل من قدمها بالرايات السود. وكان ممّا قوّى راية الأئمة في السواد أمور منها: ما جاء فيه من ظهور الرايات السود، ومنها أنّ راية النبيّ ﷺ كانت سوداء، ومنها أنّ راية علي بن أبي طالب ﵁ كانت سوداء وفيها يقول القائل يوم صفّين:
_________________
(١) في الأصل: «بهم» .
(٢) في الأصل: «لهم» .
[ ٢٤٥ ]
لمن راية سوداء يخفق ظلّها إذا قيل قدّمها يزيد [١] تقدّما
ومنها أنّه كان لباس داود- حيث لقي جالوت فظفر به- السواد.
حكى من نظر في صور الأمم الخالية أنّه رأى صورة أصحاب داود ﵇، عليهم السواد، قلانسهم شاشية، قد علّقوا سيوفهم من مناطقهم، والخناجر في أوساطهم. ومنها أنّ بني عبد المطلب لم يزالوا يتيمّنون [٢] بالسواد، وذلك أنّ عبد المطّلب [١١٨ أ] لما عالج بئر زمزم استخرج منها غزالين مصنوعين من ذهب مكللين بالجوهر [٣]، فاجتمعت لذلك قريش وناقشته فيهما، ولم يكن له يومئذ ولد مدرك غير الحارث، فقالت قريش:
الغزالان بيننا، وإنّما استخرجتهما من بئرنا، فقال عبد المطلب: أنا غنمتهما وبعملي استخرجتهما. فترامى الأمر بينهم إلى أن حكّموا بينهم عزّى سلمة، وكانت كاهنة تتقاضى العرب إليها، فقالت لهم: أرى أن تستهموا [٤]، فمن خرج سهمه فالغزالان له، اجعلوا سهما لعبد المطلب وسهما للكعبة، فإنّ البئر لها، وسهما لقريش، وأعلموا على سهامكم، ففعلوا، وجعل عبد المطلب سهمه أسود وجعلت قريش سهمها أبيض وجعلوا سهم الكعبة أصفر، ثم أجالوا السهام فخرج سهم عبد المطلب فصيّر [٥] الغزالين للكعبة فلم
_________________
(١) في الأصل: «يا يزيد» ويرد البيت في كتاب «صفين» لنصر بن مزاحم المنقري (تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة ١٩٦٢) ص ٢٨٩. «لمن راية حمراء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حصين تقدما وفي الطبري س ١ ص ٣٣١٦، وفيه «حضين» بدل «حصين» .
(٢) في الأصل: «ينتمنون» .
(٣) انظر نهاية الأرب للنويري ج ١٦ ص ٤٦- ٤٨.
(٤) أي أن تقرعوا بالسهام.
(٥) في الأصل: «قصد» .
[ ٢٤٦ ]
تزل بنو عبد المطلب يتيمّنون [١] بالسواد مذ ذاك.
فأخبرنا عمرو بن شبيب، قال: لما قدم أبو هاشم تلك القدمة قدم ومعه راية سوداء فأخرجها إلينا فاستوحشنا منها فقلنا له: ما أردت إلى السواد؟
قال: إنّ عزّ هذه الدولة فيه، ولا تزال دعوة بني هاشم عزيزة ما لبس السواد أهلها، وقد كانت الأنصار لمّا أصابت قريش ومن كان معها [٢] ما [٣] أصابت من النبيّ ﷺ وأصحابه يوم أحد، سوّدوا الثياب كما تصنع العرب [١١٨ ب] في ثيابها عند المصائب، فأتاه جبريل ﵇ فقال: ليس هذا أوان هذا وسيأتي على أمّتك زمان يلبسونه ويكون عزّهم فيه. وسئل عن الرايات السود فقال للإيمان [٤] أثبت في قلوب أهلها من زبر الحديد. قال عمرو: فقال أبو هاشم: قد تتابعت على آل رسول الله ﷺ مصائب لا ينكر معها لأشياعهم لباس السواد حتى يدركوا بثأرهم [٥] .
رجع الحديث إلى ذكر أبي سلمة
وقدم أبو سلمة خراسان فقال بعضهم: وأبو مسلم يومئذ معه خادم له، فبدأ بجرجان فدفع راية [سوداء] [٦] إلى أبي عون، وهو يومئذ
_________________
(١) في الأصل: «ينتميون» .
(٢) في الأصل: «معهما» .
(٣) زيادة. ويبدو أن الناسخ جمع بين «معها» و«ما» .
(٤) في الأصل: «لا الإيمان» .
(٥) هكذا والصواب: «يدركوا ثأرهم» .
(٦) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٥٧ ب.
[ ٢٤٧ ]
رئيس القوم، وقد لقي الإمامين جميعا [١]، وعظم قدره في الدعوة، ثم نفذ إلى مرو فدفع إلى سليمان بن كثير راية سوداء، وبعث براية إلى ما وراء النهر مع مجاشع بن حريث الأنصاري، وقيل مع عمرو بن سنان المرادي.
وأقام أبو سلمة بمرو، ونصر بن سيّار يومئذ الوالي، فاضطرب أمر العرب بخراسان، وتعصّبوا وتحزّبوا واقتتلوا وهم متحيرون، وقد قتل الوليد بن يزيد، ولم يأتهم الخبر باجتماع الأمر لغيره، فتمكن أبو سلمة في تلك الأيام ممّا أراد واستثارت [٢] الدعوة وقوي أهلها، وبث [٣] دعاته ورسله وانصرف، وسليمان بن كثير صاحب أمر الشيعة بخراسان وكامل [١١٩ أ] بن مظفّر يدبّر لهم أمورهم. فطالت الفتنة بين نصر بن سيّار وعلي بن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى أضجر ذلك كثيرا من أصحابهما، وجعلت نفوسهم تطّلع [٤] إلى غير ما هم فيه وإلى أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة: يدعو اليمانيّ من الشيعة اليمانيّ، والربعيّ الربعيّ، والمضريّ المضريّ حتى كثر من استجاب لهم، وكفّوا بذلك عن القتال في العصبية.
وكانت إقامة أبي سلمة هناك أربعة أشهر، ولمّا انصرف ألفى أبا هاشم محبوسا [٥] على ما خلّفه عليه، وكانت حمامة بنت بكير أبي هاشم تحت أبي سلمة، فصالح أبو سلمة عنه غرماءه، وكان ما لزمه من الدين في إنفاقه على أهل الدعوة وفي أسفاره وفي أموره، وقد أنفق في ذلك مالا كثيرا لنفسه كان أفاده من السند. وخرج من الحبس وأبو سلمة يومئذ موسر حسن الحال وكان يعالج
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٥٧ ب «وقد لقي الإمامين محمدا وإبراهيم» .
(٢) في ن. م. ص ٢٥٧ ب «وظهرت» .
(٣) في الأصل: «وثبت» وما أثبتناه من المصدر السابق ص ٢٥٨ أ.
(٤) في الأصل «تطلّع» .
(٥) انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٨ أ.
[ ٢٤٨ ]
الصرف، وكانت له حوانيت يباع له فيها الخلّ، وإنّما سمّي الخلّال عند قتله بذلك. وفي أيّام حبس أبي هاشم عرف أبو مسلم وانقطع إلى أبي هاشم، وعرف الدعوة واختلط بأهلها. فلم يلبث أبو هاشم إلّا نحوا من شهرين حتى مرض واشتدّ وجعه، فقال عبد الله بن عمير: دخلت على أبي هاشم في مرضه وعنده أبو سلمة وحمامة ابنته، وهي امرأة أبي سلمة، وجعل أبو سلمة يبري قلما ليكتب به فأصاب حدّ السكين يده [١١٩ ب] فقطع منها فسال الدم فتغيّر لذلك لون حمامة امرأته، فقال لها أبو هاشم: تجزعين له من هذا الدم فكيف لو قد أتيت به يشخب، فيوضع رأسه في حجرك حتى يموت.
موت أبي هاشم
قال عمرو بن شبيب وأسيد بن دغيم: بينا أبا [١] هاشم عائدين له في مرضه، وقد أتانا قتل الوليد، وقدم منصور بن جمهور واليا على العراق وهرب يوسف بن عمر، فأنا لعنده، إذ دخل عليه جار له من بني الحارث يقال له مدرك ورجلان من همدان يسألون به [٢] وعنده امرأة يومئذ كان قد تزوجها ولم يدخل بها، فأدخلت عليه مبادرة لتحرز ميراثها، وإن عليها لمصقّلات، وهي مستترة جالسة خلف ظهره، فقالوا له: يا أبا هاشم قتل الوليد، وهو مغلوب لشدة مرضه، فكرّروا ذلك عليه حتى فهم قولهم، فقال: أوقتل الوليد؟ قالوا: نعم. قال: قد كنت أتوقّع ذلك فالحمد للَّه
_________________
(١) هكذا، ولعله: بينا نزور.
(٢) في الأصل: «يسلون به» .
[ ٢٤٩ ]
على قضائه، أما لو كانت بي [١] حياة لقرّت عيني وعظم سروري، يا أبا سلمة، وهو حاضر يومئذ: شمّر في أمرك فقد فتح الله البلاء على بني أميّة، وفتح الفرج على آل رسول الله ﷺ، إنّا كنّا نقول: إنّ قتل الوليد أحد أوقاتهم [٢] [١٢٠ أ] ثم العصبيّة، وقد بدت بالمشرق [٣] الحرورية [٤] ثم الطاعون الجارف ثم الرجفة. قال: وجعل يتكلّم فلا يفهم حتى غلب، فو الله ما برحنا حتى مات وصار إلى أبي سلمة أمر الدعاة.
رجع الخبر إلى أمر خراسان والدعاة
ولما قتل الوليد استخلف يزيد بن الوليد فلم يلبث إلّا يسيرا حتى هلك، ووثب على أمرهم مروان بن محمد بن [مروان بن] [٥] الحكم، فابتزّهم غصبا واقتسارا، فوهن أمر بني أميّة، وانتقضت البلاد عليهم، وتشتت أمرهم، وبغى بعضهم على بعض لما أراد الله من إذلالهم واستئصالهم. وبلغ من بخراسان أمر مروان واختلاف بني أميّة فقوّى ذلك ما كان من خلاف اليمانية والربعية [٦] على نصر بن سيّار. وولّى مروان ابن هبيرة على العراق، فكتب إلى نصر بن سيّار بولايته على خراسان، ذكروا أن مروان أمره بذلك، فلمّا أتاه ذلك تزيّد حنق اليمانية والربعية [٦] عليه، وقد ضامّهم
_________________
(١) في الأصل: «به»، وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٥٨ أ.
(٢) في ن. م. «أوقاته» .
(٣) في ن. م. ص ٢٥٨ أ «ثم العصبية في خراسان وقد بدت في المشرق» .
(٤) في الأصل: «بالحرورية» .
(٥) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٥٨ أ.
(٦) في الأصل: «الربيعية»، وانظر كتاب التاريخ ص ٢٥٨ أ- ب.
[ ٢٥٠ ]
شيبان في الخوارج، وقاتلوا نصرا وصاروا إلى الخنادق فأقاموا فيها يقتتلون نحوا من عشرين شهرا حتى ظهرت الدعوة. وذكروا أنّ ابن هبيرة كتب إلى مروان: إن كنت تريد خراسان فعاجلها برجل عام الرأي يجمع أهلها فإن نصرا ليست [١٢٠ ب] همّته فيما هو فيه إلّا شعرا يمدح قومه ويهجو به غيرهم، فقد أوقع ذلك في صدور الناس قبله ما إن ثبت كان داعية البلاء من الاستئصال، وقد نجم بين أظهرهم قوم يدعون إلى بني هاشم. فبعث عند ذلك إلى أهل خراسان وفدا [١] فيهم الحكم بن الأبيض الطائي، وعقال بن شبة التميمي، والجودي بن أكمه الشيبانيّ، فشخصوا وقد تفاقهم الأمر بين نصر واليمانية فكلموهم ووعظوهم فقالوا: نحن على الطاعة إن عزل عنّا نصر [٢] . فانصرفوا إلى مروان، وهو مشغول بحروبه التي كان فيها، ولم تنقض الحروب بينه وبين الخوارج حتى كان في شوّال سنة تسع وعشرين ومائة، ففرغ من أمر الخوارج، وانصرف إلى منزله من حرّان، وقد ظهرت الدعوة، ثم زاد ذلك اشتغال مروان بمحاربة أهل حمص وأهل فلسطين والخوارج والضحاك بن قيس وشيبان بن عبد العزيز، فتفرغ لهم وقد قوي أمرهم وكثرت جماعاتهم، ووجّه الجنود إلى العراق وهي منتقضة عليه، وقد خالف سليمان بن حبيب بن المهلّب بالأهواز وغلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على فارس وأصبهان والري، وغلب منصور بن جمهور الكلبي على الجبل [٣] . وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن
_________________
(١) في الأصل: «وقد» وفي كتاب التاريخ ص ٢٥٨ ب «جيشا» .
(٢) انظر كتاب التاريخ ص ٢٥٨ ب.
(٣) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٩٩. وانظر كتاب التاريخ ص ٢٥٩ أ، والاصطخري ص ١١٥ وما بعدها، واليعقوبي- البلدان ص ٢٦٩، وابن خرداذبه ص ٢٠.
[ ٢٥١ ]
تسير الجنود إلى خراسان إذا صلحت العراق، فشغل ابن هبيرة بإصلاح العراق عن إمضائهم [١٢١ أ] إلى خراسان، وكلّ ذلك من قوة أسباب الدعوة وإقامة الدولة، ثم قيّض الله أبا مسلم حتى انتهت به الغاية، وحصد من كان يرمقها ويطمع فيها.
[ ٢٥٢ ]
خبر ابى مسلم وابتداء أمره
قال أبو الخطاب: كان أبو مسلم من أهل أصبهان، ولد في منزل عيسى بن معقل العجليّ [١] ونشأ مع ولده، فقطع الطريق على قوم من التجار في ضياع عيسى بن معقل، وذلك في إمارة خالد بن عبد الله القسري على العراق، فسأل خالد عن عيسى فأخبر أنّه يشتمل على اللصوص وأنّه لهم معقل يأوون إليه، فوجّه إليه خالد من أتى به، فتناوله بقضيب كان في يده وأمر بضربه وحبسه في السجن بالكوفة، وأبو مسلم معه يومئذ غلام يخدمه. وكان خالد قد حبس قوما من شيعة بني العبّاس من أهل الكوفة وقوما من شيعتهم من أهل خراسان بعث بهم إليه [٢] أسد بن عبد الله فيهم رجل يقال له حفص الأسير، وكان أبو مسلم يسمع الشيعة الذين في الحبس يتذاكرون الدعوة فيصغي لقولهم حتى وعى بعضه فأعجبه وأخذ بقلبه، وكان يكثر لزوم أبي موسى عيسى بن إبراهيم السرّاج من أهل الكوفة، وكان من علماء الشيعة، فلذلك قيل إن أبا مسلم كان سرّاجا [٣] . وكان من في السجن بالكوفة يرسلون أبا مسلم في
_________________
(١) يضيف كتاب التاريخ ص ٢٥٩ أ «وهو جد أبي دلف العجليّ» . وانظر العيون والحدائق ج ٣ ص ١٨٢- ١٨٣ وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٨٢.
(٢) في الأصل: «إلى» والتصويب في كتاب التاريخ ص ٢٥٩ ب.
(٣) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٨٣: «وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة مع قوم حبسهم يوسف بن عمر من أهل الجبل بسبب الخراج، فكان أبو مسلم يخدمهما ويقضي
[ ٢٥٣ ]
حوائجهم ويبلّغ شيعة [١٢١ ب] أهل الكوفة رسائلهم حتى وثقوا به واستأمنوا إليه، وعظم قدره عندهم، فوجّهوه إلى إبراهيم الإمام رسولا، فلما قدم عليه أعجبه ما رأى من فهمه وحسن عقله، فسأله عن اسمه ونسبه وكان أبو مسلم يسمى إبراهيم ويكنى أبا إسحاق فأخبره باسمه وقال: أمّا نسبي فإنّي مولاك، وذاك أني رجل من الله عليّ بالإسلام، ولم تجر لأحد عليّ نعمة، فأنا مولى رسول الله ﷺ، وإذا كنت مولى رسول الله ﷺ فأنا مولاك، إذ كنت وارثه. فسمّاه إبراهيم الإمام: عبد الرحمن، وكنّاه: أبا مسلم، وكتب إلى شيعته بالكوفة يعلمهم أنّه قد سمّاه وكنّاه وقبل ولاءه، ويأمرهم أن يجعلوه رسولهم إليه فإنّه قد أفهمه وفهم عنه ولا يرسلوا غيره.
وقال بعضهم: كان غلاما لعيسى بن إبراهيم أبي موسى السرّاج يتعلّم منه السراجة ويخدمه، وكان عيسى من أهل الكوفة ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان موسرا يأتي بالسروج وآلتها [١] نحو أصبهان والجبال والرقّة ونصيبين وآمد ويجوب البلاد فيبيعها بها. وكان [أبو مسلم] [٢] مع أبي موسى بالشام ودخل معه إلى محمد بن علي [٣] . ثم إنّ أبا موسى رجع إلى الكوفة وأبو
_________________
(١) [()] حوائجهما، وهو في ذلك مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز الأعنة ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم» . وانظر الطبري س ٢ ص ١٧٢٧.
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٦٠ أ: «وآلاتها» .
(٣) زيادة من ن. م. ص ٢٦٠ أ.
(٤) يضيف ن. م. ص ٢٦٠ أ «فلما رآه محمد قال لأبي موسى: من هذا الفتى الّذي يدخل معك؟ فقال: بعض موالينا. فقال ما اسمه؟ قال: عبد الرحمن. فقال له سرا: إني أرى أمارات تدلني على أنه الّذي يقوم بأمرنا فيجب أن تحترمه..» .
[ ٢٥٤ ]
مسلم [١] معه وهو يومئذ ابن عشرين سنة وكان يسمّى إبراهيم بن ختكان فتسمّى بعبد الرحمن بن مسلم ويقال بل سمّاه [١٢٢ أ] الإمام إبراهيم بهذا الاسم.
وكان [٢] من ضياع بني معقل العجليين، وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة في حبس يوسف بن عمر الثقفي بالخراج، وكان عاصم ابن يونس العجليّ محبوسا معهما بسبب من أسباب الفساد، فقدم سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ [٣] وقحطبة بن شبيب- وهم من النقباء الذين لقيهم محمد بن علي وعدة منهم من الشيعة من أهل خراسان- الكوفة يريدون الحج، فدخلوا على العجليين [٤] مسلمين، وكان أبو مسلم يدخل إليهم ويسعى في حوائجهم ويخدمهم، وهو مع ذلك مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز له الأعنّة ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم، فلما رآه النقباء الثلاثة أعجبهم ما رأوا من خفّته وعقله وأدبه، ورآهم فمال إليهم [٥] وجعل يذمّ بني أمية، ولم يلبث أن عرف أمرهم، فقال: أنا أصحبكم وأكون معكم. فسألوا أبا موسى أن يعينهم به ففعل، وكتب معه إلى إبراهيم الإمام، وكان قد علم أنّه يحجّ في عامه وأنّ القوم واعدوه [٦] الالتقاء بمكة، فشخص أبو مسلم [معهم] [٧]، ووجدوا إبراهيم
_________________
(١) في الأصل: «أبو موسى»، وهو سهو.
(٢) هنا بداية خبر جديد، ولكنه جاء في الأصل مع الخبر السابق وكأنهما خبر واحد. انظر كتاب التاريخ ص ٢٦٠ أ.
(٣) في الأصل: «قرط» .
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٦٠ أ «فدخلوا على إدريس وعيسى ابني معقل العجليين» .
(٥) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٨٣ «فأعجبهم عقله وظرفه وأدبه وشدة نفسه وذهابه إليها، ومال إليهم وعرف أمرهم» .
(٦) في الأصل: «وأعدوا» . وفي أنساب الأشراف «وإن القوم واعدوه الالتقاء بمكة» ج ٣ ص ٣٨٣ وص ٢٣٦ (الرباط) .
(٧) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٦٠ ب.
[ ٢٥٥ ]
بمكة، فأعطوه عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وأوصلوا إليه كسى حملوها إليه. ورأى الإمام أبا مسلم فعرفه وأثبته لأنّه كان يراه أيام اختلافه إلى أبيه في مجلسه، وتأمل أمره، وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وعقله [١]، فقال:
هذا [١٢٢ ب] عضلة من العضل، ومضى به معه فكان يخدمه. ثم إنّ هؤلاء النقباء قدموا على الإمام فسألوه أن يوجّه رجلا يقوم بأمر خراسان، فعرض الأمر [٢] على سليمان بن كثير وعرضه على قحطبة فأبيا ولم يفعلا، وذكر أبا مسلم فأطرياه ووصفا له جزالته وعلمه بما يأتي وما يذر [٣]، فاستخار الله ووجّهه إلى خراسان. وقد قيل إنّ أصله من خراسان، وقد قيل إنّه من العرب، وإنّه ادّعى أنّه ابن سليط بن عبد الله بن عبّاس، ونسبه أبو دلامة [٤] إلى الأكراد فقال:
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة على عبده حتى يغيّرها العبد
أفي دولة المهديّ حاولت غدرة ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوّفتني القتل فانتحى عليك بما خوّفتني الأسد [٥] الورد
_________________
(١) في أنساب الأشراف «وجزالته» ج ٣ ص ٣٨٣ وص ٢٣٤ (الرباط) . انظر الطبري س ٢ ص ١٧٢٧، وص ١٧٦٩.
(٢) زيادة. وفي كتاب التاريخ «فعرض على سليمان بن كثير وعلى قحطبة..» ص ٢٦٠ ب.
(٣) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٨٣ وص ٢٣٤- ٢٣٥ (الرباط) «فعرض على سليمان بن كثير أن يكون ذلك الرجل فأبى وعرض مثل ذلك على قحطبة فأبى، فأراد توجيه رجل من أهل بيته فكره ذلك، وذكر أبا مسلم فأطراه ووصف عقله وعلمه بما يأتي ويذر» . وانظر كتاب التاريخ ص ٢٦٠ ب، والطبري س ٢ ص ١٩٣٧، والأزدي، تاريخ الموصل ص ٥٢.
(٤) هو زند بن الجون مولى بني أسد. انظر الأغاني ج ١٠ ص ٢٣٥ وما بعدها، والشعر والشعراء (ط. دار الثقافة) ج ٢ ص ٢٦٠- ٢٦١.
(٥) في الأصل: «الأسود» والتصويب من الأغاني ج ١٠ ص ٢٣٥.
[ ٢٥٦ ]
محمد بن الحسن الشامي قال: حدّثني محمد بن أبي صفوان الثقفي قال:
قال أبو مسلم: شهدت خطبة يزيد الناقص بمسجد دمشق وأنا مع الإمام إبراهيم فقال لي: يا عبد الرحمن هذا آخر ملك بني أميّة، قد جاءهم ما كانوا يوعدون، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٦: ٤٥ [١] .
شمّر يا عبد الرحمن، شمّر، الوحي الوحي [٢] والنجا النجا، الحق بشيعتي وأنصاري بعقوة خراسان. قال أبو مسلم: فأوصاني بوصاياه وأمرني بأمره فخرجت [١٢٣ أ] من فوري ذلك، فأزال الله ملك بني أميّة، وقطع دابرهم، وأظهر حقّ بني العبّاس، فما انصرفت إلى العراق إلّا وأبو العبّاس خليفة قد استوسقت له البلاد، واجتمعت عليه الأمّة، وظهر أمر الله وهم كارهون، وللَّه عاقبة الأمور.
النّحيت بن مجاهد ابن أخي رزمة قاضي أبو شهر [٣]- وكان صديقا لآل معقل بن عمير العجليين، وكان يكثر القدوم عليهم في تجارة له، ويقيم عندهم السنة والسنتين- قال: حدّثني سابق مولى معقل، وكان شيخا كبيرا قد أدرك وعلم من أمر أبي مسلم وخبره ما قد كتبناه، قال: كان برستاق فريدين من أصبهان مولى لبني عجل يقال له عثمان بن يسار فأتعب في الخراج بفريدين، فحمل جارية له أعجمية إلى عيسى بن معقل العجليّ بماوشان
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية ٤٥.
(٢) أي البدار البدار.
(٣) في الأصل «ابرسهر» وابرشهر هي نيسابور، انظر معجم البلدان ج ١ ص ٦٥، والإصطخري ص ١٤٥- ١٤٦، قدامة- الخراج ص ٢٤٣، وهي على خط طول ١٢ ٦٣ شمال وخط عرض ٤٩ ٥٨ شرق.
(٤) في الأصل: «بماشان»، وماشان نهر يجري في وسط مرو، معجم البلدان ج ٥ ص ٤٢. أما ماوشان فناحية وقرى في واد في سفح جبل أروند من همدان، معجم البلدان ج ٥ ص ٤٧، وهذه في نطاق الحديث.
[ ٢٥٧ ]
وكان من عشيرته فشكا إليه حاله في الخراج وباع منه تلك الجارية بثماني مائة درهم، وهي يومئذ حامل بأبي مسلم وهو لا يعلم بحملها. فانطلق عثمان بن يسار من وجهه ذلك فمات، وعلم عيسى بن معقل بحمل الجارية بعد ما فارقه عثمان بن يسار فحصّنها، فولدت أبا مسلم وماتت في نفاسها، فسمي سلما، ولعثمان بن يسار ولد من غير أم أبي مسلم يقال له يسار بن عثمان، وأخوات له. فلمّا تحرك أبو مسلم اختلف مع ولد عيسى بن معقل [١٢٣ ب] بقرية فريدين [١] إلى معلم يقال له عبد الرحمن بن مسلم، فلما خرج من الكتّاب، كان يخدم عيسى بن معقل، واسمه سلم، فاتخذه عيسى زنبورا يركب معه حيث ركب ويحمل صاجره في حقوه ويوضّيه، وكان كيّسا ظريفا.
وكان رجل [٢] يقال له هاشم بن العلاء ينزل رستاق التيمرة [٣] من أرض أصبهان، واتّخذ قرية فيها وسمّاها الحجاز وكانت عنده نعم بنت معقل بن عيسى، فبينا هاشم بن العلاء عند عيسى بن معقل على نبيذ لهم وأبو مسلم يخدمهم ويسقيهم إذ سقى هاشما فرأى في القدح بعض القذى، فضرب به وجه أبي مسلم فأدماه، فقال له عيسى: بئس ما صنعت. فقال هاشم: وما هذا ابن الفاعلة؟ قال عيسى: لقد رأيت لهذا رؤيا لو رأيتها لمعقل ابني كان أحب إليّ من كل مفروح به عظيم. قال هاشم: وما رأيت في منامك؟
قال: رأيت كأنّ آتيا أتاني فقال: من هذا؟ فقلت: سلم غلامي، فقال: إنّ هذا لمن المصطفين الأخيار، على وجهه هلاك الجبّارين ونصرة آل محمد. فلمّا ظهر أبو مسلم كتب إلى عامليه على أصبهان: ابن زريق بن شوذب الشيبانيّ وزياد بن سلمان الخزاعي، أنّ قبلكما رجلا يقال له هاشم بن
_________________
(١) في الأصل: «فر» .
(٢) في الأصل: «رجلا» .
(٣) انظر معجم البلدان ج ١ ص ٦٧ وابن خرداذبه ص ٢١.
[ ٢٥٨ ]
العلاء اتّخذ قرية فسمّاها الحجاز استخفافا بحرم الله وحرم رسوله [١٢٤ أ] فابعثا [١] إليه من يضرب عنقه ويستصفي ضياعه، فهرب هاشم فلحق بالكوفة، فاختفى بها حتى قتل أبو مسلم.
ثم إنّ عمّال أصبهان وهمدان [٢] والماهين [٣] كتبوا إلى يوسف بن عمر الثقفي، وهو على العراق، يشكون عيسى بن معقل أنّه يكسر عليهم الخراج وأنّه نازل في التخوم [٤]، فكتب يوسف بن عمر إلى صاحب قرماسين [٥] يأمره أن يسير إلى عيسى بن معقل فيأخذه فيقدم به عليه. فسار صاحب قرماسين إلى عيسى بن معقل فأخذه وحمله إلى يوسف فأمر بحبسه في السجن بالكوفة، وكان في السجن يومئذ نفر من وجوه الشيعة منهم أبو سلمة الخلّال- كان يبيع الخل في زرارة [٦]- وحفص الأسير، وكانوا اثني [٧] عشر رجلا، وكان عاصم بن يونس مولى بني عجل قد حبس بدم، فنزل معهم في بيتهم الّذي كانوا فيه، ولم يكن له يومئذ رأي ولا معرفة بما كانوا فيه، فدعاه حفص الأسير إلى الدخول في الدعوة فاستجاب له، فلما قدم بعيسى بن معقل فأدخل
_________________
(١) في الأصل: «فابعث» .
(٢) معجم البلدان ج ٥ ص ٤١٠ وما بعدها، الإصطخري ص ١١٧، اليعقوبي ص ٢٧٢، ابن خرداذبه ص ٢ وهي على خط طول ٦٤ ٣٤ شمال وخط عرض ٣٥ ٤٨ شرق.
(٣) الماهان: ماه الكوفة «وهي الدينور» وماه البصرة «وهي نهاوند وهمدان وقم» . انظر ابن خرداذبه ص ٢٠، وابن رسته- الاعلاق النفيسة ص ١٦٦، واليعقوبي- البلدان ص ٢٧٢، ومعجم البلدان ج ٥ ص ٤٨.
(٤) في الأصل: «النجوم» .
(٥) انظر ابن خرداذبه ص ١٩ وابن رسته ص ١٦٦ وقرماسين هي كرمنشاه الحالية على خط طول ١٩ ٣٤ شمال وخط عرض ٤٠ ٤٧ شرق.
(٦) محلة بالكوفة. معجم البلدان ج ٣ ص ١٣٥.
(٧) في الأصل: «اثنا» .
[ ٢٥٩ ]
السجن كان ذا هيئة، فرغب فيه أولئك النفر المحبوسون من الشيعة، فأنزلوه معهم في البيت الّذي هم فيه. وكان عيسى بن معقل قبل أن يشخص إلى يوسف بن عمر قد جعل أبا مسلم وكيلا على قرية من قراه، فلمّا فرغ أبو مسلم من رفع غلاله حمل أذكاره وما اجتمع [١٢٤ ب] عنده من المال، ولحق بعيسى بن معقل، فسرّ بقدومه، ونزل دار عيسى في بني عجل [١]، وكان أبو مسلم ومولى لعيسى، كان وكيله في داره في بني عجل، يحملان طعام عيسى وشرابه من داره في كل يوم إلى السجن، ثم يخرج أبو مسلم فيقعد في السرّاجين عند دار الوليد بن عقبة التي فيها القصّارون، وكان جليسه منهم موسى بن يزيد وعثمان بن عيسى. وكان أبو مسلم يختلف إلى عيسى بن معقل وهو في السجن، يسمع كلام الشيعة الذين في السجن، فأحبه وهويه ووقع في خلده، فكان يخاتل عيسى بن معقل فإذا رآه جالسا في جانب السجن يتحدث عند قوم آخرين دخل أبو مسلم إلى أولئك الشيعة فتحدث معهم، فلمّا رأوا حبّه لأمرهم وحرصه على كلامهم أطلعوه على رأيهم ودعوه إليه، فقبله ورسخ فيه بصيرته حتى أفضوا إليه أسرارهم ووثقوا به لما رأوا من عقله وظرفه وأدبه. فكان عيسى بن معقل رجلا سخيّا صاحب طعام، فبلغ يوسف بن عمر حاله وما يتكلف من السخاء، فبعث إليه فضربه بالسياط حتى قتله. فادّعى أبو مسلم أنّ عيسى كان قد دبّره [٢] فصار مع رجل من السرّاجين يكنى أبا إسحاق فنفذ في مدة يسيرة في [٣] عمله فكان يكون بالليل عند الشيعة في السجن وبالنهار عند أبي إسحاق، ورأى منه أبو إسحاق أمانة وغناء [١٢٥ أ] فائتمنه على بيع متاعه، ووجّهه إلى البلدان بتجارته. ثم
_________________
(١) في الأصل: «بني العجل»، انظر الاشتقاق لابن دريد ص ٢٠٨.
(٢) التدبير- أن يعتق الرجل عبده بعد موته فيقول له أنت حر بعد موتي، اللسان مادة (دبر) .
(٣) في الأصل «من» .
[ ٢٦٠ ]
قدم قوم من شيعة أهل خراسان يريدون إبراهيم الإمام فأحبّ شيعة الكوفة أن يكون معهم رجل من قبله فبعثوا أبا مسلم معهم وكتبوا معه إلى إبراهيم:
أمّا بعد فقد بعثنا إليك غلاما أمينا لبيبا أديبا كتوما حافظا لما استرعي، مؤديا لما أعطي، اتخذناه لأنفسنا وائتمنّاه على سرّنا، فهو على ما تحب، فضع عنده ما أحببت أن تضع فإنّه على ما تحب في جميع خصاله. فقرأ إبراهيم الكتاب، وفتّش أبا مسلم وساءله وناطقه فوجده كما وصفوا وأفضل، فأجابهم إبراهيم في حوائجهم وكتب جواب كتبهم: أمّا بعد، فقد قدم عليّ رسولكم، وقرأت كتابكم، وعلمت الّذي ذكرتم، وقد تخيّلت في رسولكم الخير، وتأمّلت فيه شمائل الّذي يقوم بهذا الأمر فاحتفظوا به، وارغبوا فيه فإنّه صاحبكم الّذي يقوم بهذا الأمر. فقدم [١] أبو مسلم بالكتاب على الشيعة بالكوفة، وأخرجوا من السجن، فكانوا ينظرون في هذا الأمر، ويأتيهم وفود أهل خراسان إذا حجّوا، ويأتونهم بالزكاة فيبعثون بها مع أبي مسلم، فخرج أبو مسلم إلى إبراهيم عدة مرار. ثم إنّ إبراهيم أحبّ أن يكون أبو مسلم عنده وأن يتّخذه لنفسه، فكتب إلى الشيعة بالكوفة: إني أحب [١٢٥ ب] أن تبعثوا إليّ رجلا من ثقاتكم، وأن تحبوني بأبي مسلم يكون عندي في خدمتي لأبعثه في حوائجي وأستعين [٢] به في أمري، فأمر الشيعة أبا مسلم أن يقيم عنده، وكان ذلك موافقا لأبي مسلم، فأقام عند إبراهيم سنين لا يحسبه [٣] من رآه إلا عبدا لإبراهيم. ثم قدم قوم من الشيعة على إبراهيم فسألوه أن
_________________
(١) الخبر من: «فقدم أبو مسلم بالكتاب على الشيعة بالكوفة (إلى) وهو صاحبكم الّذي يقوم بهذا الأمر» مكرر فحذفنا المكرر الزائد.
(٢) في النص المكرر «فاستعين» .
(٣) في الأصل: «ويحسبنه»، وفي المكرر «لا يحسبه» وهو ما أثبتناه. وهذا النص المكرر يعطي فكرة عن أثر النسخ في نص الكتاب.
[ ٢٦١ ]
يبعث معهم رجلا يدعو الناس إلى هذا الأمر، فقال لهم إبراهيم: هذا الغلام يخرج معكم، ويدعو الناس، وهو صاحبكم الّذي يقوم بهذا الأمر، [١٢٦ أ] فبعثه إبراهيم إلى خراسان فتوجّه إليها غير مرّة حتى شاع ذكره.
فبلغ ابن هبيرة، وهو يومئذ والي العراق: أنّ رجلا يختلف إلى خراسان يفسد أهلها، فبعث إلى أصحاب المسالح: أنّ رجلا من حاله كذا وكذا يمرّ بكم فتفقّدوه، وكتب إلى نصر بن سيّار يعلمه حاله ويأمره بالجدّ في طلبه. فتفقّد [١] أصحاب المسالح كلّ من مرّ [٢] بهم، وفتشوا الناس، ومرّ أبو مسلم على حمار أسود أبتر الذنب، فلمّا انتهى إلى المسلحة التي في دسكرة [٣] الملك حبس صاحب المسلحة الناس وفتّشهم وسأل عن أسمائهم، وأبو مسلم فيهم، فشغل الرجل الّذي كان يسألهم ويفتّشهم عن أبي مسلم، فانسلّ على حماره ولم يتفقّدوه، ومضى حتى أتى الري [٤] . وكان أبو مسلم إذا قدم الري نزل على رجل من الشيعة يقال له عمر بن المختار الثقفي، وكان يكتم أمره بالري ولا يطلع أحدا على رأيه وكان بزازا [٥] لصاحب حانوت، وكان صاحب حانوت سريا يجتمع إليه الناس من أهل الري وغيرها فيتحدثون عنده، فنزل به أبو مسلم وعنده ناس من المرجئة من أهل العراق وأهل الري فذكروا علي بن أبي طالب بقتل الناس وسفك الدماء، فلما سمع أبو
_________________
(١) في الأصل: «فتفقده» .
(٢) كررت «مر» في الأصل.
(٣) انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٤٥٥، اليعقوبي- البلدان ص ٢٧٠، ابن خرداذبه ص ٦ وص ١٣.
(٤) انظر ياقوت ج ٣ ص ١١٦، ابن خرداذبه ص ٢٢، الإصطخري ص ١٢٢ وما بعدها، واليعقوبي ص ٢٧٥.
(٥) في الأصل: «ترارا» .
[ ٢٦٢ ]