قال عمارة بن حمزة: لمّا حضرت عبد الله بن عباس الوفاة أوصى عليّا ابنه فقال: يا بنيّ! إن أفضل ما أوصيك به تقوى الله الّذي هو دعامة الأمر وبه يقوم الدين والدنيا، ومن بعد ذلك فاعلم يا بنيّ أنّ الناس قد أصبحوا إلّا قليلا في عمى من أمرهم يضرب بعضهم بعضا على دنيا فانية قد نعاها الله إليهم، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول لجدّك: هذا الأمر كائن في ولدك عند زواله [١] عن بني أمية، فمن ولي منهم أمر الأمّة فليتّق الله، وليعمل بالحق، وليقتد برسول الله ﷺ فإنّ أحقّ الناس باتباع أثره أمسّهم به رحما، وليست الحجاز لكم بدار بعدي فإذا أنت واريتني فالمم شعث أهلك والحق بالشام فإنّ لبني أمية أكلا لا بدّ أن يستوفوه، وهم وإن كانوا على ضلالتهم وعتوّهم أرأف بك وبأهلك من آل الزبير للرحم التي بينك وبينهم، وتوقّ حركات [٢] بني عمّك من بني عليّ بن أبي طالب وأوص بذلك ولدك فإنّ لهم حركات [٢] يقتل الشاخص فيها.
وهلك عبد الله بن عبّاس ﵄ وصلى عليه محمد بن الحنفية فلما دفن قال: مات [٥٩ أ] ربّانيّ هذه الأمة [٣] .
_________________
(١) في الأصل: «عند زوال هذا الأمر» وما أثبتنا من كتاب التاريخ ص ٢٤٢ ب.
(٢) في كتاب التاريخ «خرجات» ص ٢٤٣ أ.
(٣) انظر كتاب التاريخ ص ٢٤٢ ب- ٢٤٣ أ.
[ ١٣٠ ]
محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال: حدّثني عبد الله بن عبد الرحمن ابن عيسى قال: حدثني سليمان بن عيسى بن موسى عن عيسى بن موسى بن محمد بن علي عن أبي عبد الله محمد بن علي قال: لمّا حضرت عبد الله بن العبّاس الوفاة قال له أبو محمد عليّ بن عبد الله: بأيّ الرجلين تأمرني أن ألحق؟ - يعني عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير-. قال: يا بنيّ الحق بابن عمّك عبد الملك فإنّه أقرب وأخلق للإمارة [١]، ودع ابن الزبير فإيّاك وإيّاه، فإنّي رأيته لا يعرف صديقه من عدوّه، ومن يكن كذلك لم يتمّ أمره ولم يصف له، إنّ عبد الملك مشى القدميّة [٢] وإن ابن الزبير مشى القهقرى، وتمثل:
بنونا: بنو أبنائنا، وبناتنا: بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد
وقال:
يا بنيّ إذا أتيت الشام فخيّرك عبد الملك المنازل، فانزل الجبال بالشراة، فإن الملك إذا تحوّل عن بني أميّة تحوّل إلى رجل من أهل الشراة من أكبر أهل بيت في الناس، من أكثر حيّ في الناس- يعني أكثر في الشرف- وأنتم أولئك. فلما توفّي عبد الله افترق عليّ والعبّاس ابنا عبد الله فلحق العبّاس بمصعب بن الزبير، وانتهى عليّ في عبد الملك إلى قول أبيه [٥٩ ب]، فلما قدم عليه خيّره المنازل، فاختار الشراة، وأكرمه، وعرف له حقّه، وسأله عن أخيه العبّاس فقال: أتى العباس [العراق] [٣] لحاجة له، فقال: لا بل اختار مصعبا، أما إني إن ظفرت به عرفت حقّه
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٤٣ أ: «بالامارة» .
(٢) في الأصل: «التقدمية» .
(٣) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٣ ب.
[ ١٣١ ]
ووصلت قرابته ولم اعتد عليه بذلك. وسأل مصعب العباس عن عليّ فقال: أتى الشام لحاجة، فقال: بل اختار عبد الملك أما إني إن ظفرت به عرفت حقّه ووصلت قرابته ولم أنسها له [١] .