ثم إنّ قحطبة عبّأ الناس وجعل على ميمنته العكّي، وعلى ميسرته أبا غانم عبد الحميد بن ربعي [١٠]، وجعل عامر ابن إسماعيل خلفه مع أبي شراحيل
_________________
(١) مصعب بن قيس الحنفي من قواد أبي مسلم. الطبري س ٢ ص ١٩٥٧ وص ١٩٦٨.
(٢) في الأصل: قارض. انظر ابن خرداذبه- المسالك ص ٥٩، وابن رسته- الأعلاق النفيسة ص ١٩١.
(٣) في الأصل: «ابن العكي» .
(٤) في كتاب التاريخ ص ٢٧٧ أ «رجله» .
(٥) انظر الطبري س ٢ ص ١٩٦٨.
(٦) في الأصل «أراد مرديه» وفي كتاب التاريخ «الأزادمردية» .
(٧) في الأصل «عب» .
(٨) في كتاب التاريخ ص ٢٧٧ ب «بينك» .
(٩) رستاق بأصبهان. انظر معجم البلدان ج ٢ ص ٩١.
(١٠) انظر الطبري س ٣ ص ٥، وأنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٧ وهو يذكر أن قحطبة كان في اثني عشر ألفا.
[ ٣٤٣ ]
ليكون ردءا لهم، ووقف قحطبة في أصحابه على تعبئة. وأقبل ابن ضبارة، فلما نظر إلى قحطبة نزل وألقى أثقاله، وخرج فصفّ أصحابه، وجعل على ميمنته محمد بن نباتة وعلى ميسرته عطيف بن بشر، ونصب علما أصفر، ونادى مناديه: من أتى هذا العلم فهو آمن. وأمر قحطبة شجرة الكندي فنادى: ندعوكم إلى العطاء والرزق. قال قحطبة: يا معشر المسلمين! شدّوا كشدّاتكم الكريمة [١] يجمع الله لكم بها خير الدنيا والآخرة، فبلغنا أن العكيّ، وهو في الميمنة كان أول من حمل على ميسرتهم، وفيها داود [ابن هبيرة] [٢] فثبتوا قليلا، ثم كشفهم، ودخل العسكر، وحمل قحطبة وهو في القلب فأزال من يليه ودخل العسكر. وكان ابن ضبارة [١٦٩ أ] جالسا في فسطاطه قد وضعت بين يديه البدور [٣] ونادى [٤] مناديه: من جاء برأس فله مائة [٥] درهم، فقتل ابن ضبارة وما تحلحل عن موضعه، وحمل محمد بن نباتة على أبي غانم وهو في الميسرة حملة شديدة، وجعل ينادي: يا أبناء الأحرار! إنّما هم الأغتام، وسقّاط العرب، فهزم الميسرة هزيمة شديدة، وخلّوا لهم موقفهم. فزعم القاسم بن الوليد قال: صاح عامر يومئذ: يا فتيان! أعينوا إخوانكم، فشددنا عليهم فثبت لنا محمد بن نباتة، وقاتلنا قتالا شديدا، وجعلت تثوب إليه العدّة بعد العدّة من أهل الشام، ثم إنّ سالما صاحب لواء عامر شدّ على رجل منهم يقال له عجرة، وكان على مقدمة ابن ضبارة، فلما هزم القلب مال إلى محمد بن نباتة وكان فارس القوم، فطعنه في فخذه
_________________
(١) انظر كتاب التاريخ ص ٢٧٧ ب.
(٢) زيادة من ن. م. ص ٢٧٧ ب.
(٣) في ن. م. ص ٢٧٧ ب «البدر» .
(٤) في ن. م. ص ٢٧٧ ب «وهو ينادي» .
(٥) في ن. م. ص ٢٧٧ ب «ألف» .
[ ٣٤٤ ]
فولّى هاربا وسقطت راية كانت في يده فتناولها أبو الأسد الأعمش فكان مع شراحيل فرفعها منكوسة. قال القاسم، كاتب عامر: اعتور عجرة أسد [١] بن المرزبان وسالم صاحب لواء عامر فطعناه جميعا وجعل الهزبر يرتجز ويقول:
لتجدني بالأمير برّا وبالقناة مدعسا مكرّا
إذا عطيف الأسديّ فرّا جاءوا يجرّون البنود جرّا
صهب السبال يبتغون الشرا
[١٦٩ ب] قال: وبينا هم كذلك إذ صاح صائح، وقد رفعت راية عجرة منكوسة: قتل ابن ضبارة، فارفضّ القوم ووقفوا غير بعيد. وصاح صائح: القوا [٢] الفسطاط، فلما ألقي استحقت الهزيمة [٣]، فولّى القوم جميعا منهزمين إلى جيّ [٤]، وانتهب من قدر على الانتهاب [٥] من أهل الشام العسكر، وأصابوا مالا كان مع ابن ضبارة لجنده فتمزقوه. وأتي قحطبة برأس ابن ضبارة فقال العكي: للَّه بلادك أيّ مسعر حرب وكريم كنت، وإن كنت على ضلال، مثلك فلتلد النساء لا [٦] كنصر بن سيّار منتقلا من جحر إلى جحر حتى قتله الله غمّا.
_________________
(١) في الأصل: «وأسد»، والواو زائدة.
(٢) في الأصل: «ألفوا» و«ألفى»، والتصويب من كتاب التاريخ ص ٢٧٧ ب.
(٣) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٤٠٧.
(٤) جي: اسم مدينة أصبهان القديم، فتوح البلدان (ط. دي خويه) ص ٣٨٤. ويقول اليعقوبي- البلدان (ط. دي خويه ص ٢٠٧)» ولأصبهان مدينتان يقال لأحدهما جي والمدينة الأخرى يقال لها اليهودية» . ويذكر ابن رسته رستاق جي بين رساتيق أصبهان ويقول عنه «وهو القصبة وبه مدينتها وأسواقها ومجمع أهلها»، ص ١٥٢.
(٥) في كتاب التاريخ ص ٢٧٧ ب «على انتهابه» .
(٦) في الأصل: «الا» والتصويب من المصدر السابق ص ٢٧٨ أ.
[ ٣٤٥ ]
وكانت الوقعة بجابلق [١] من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة. واحتوى قحطبة على عسكر ابن ضبارة وما فيه، فبلغنا أنّه أحصي ما أصابوا فيه من النساء فبلغن بضعة عشر ألف امرأة، حرائر قد سباهن أهل [٢] الشام من القرى والمدائن التي كانوا يمرون بها، فلم يعرضوا لحرة أصابوها، وخلّاهن قحطبة وصرفهنّ إلى أوطانهن.
وتصدّع أهل الشام عن أصبهان وقفرت بهم الطرق حتى انتهوا إلى ابن هبيرة، وهو معسكر بالمدائن، وفي ذلك يقول الشاعر:
سما عامر المريّ في يوم جابق [٣] بزحف بني مروان يطلب بالذحل [٤]
[١٧٠ أ] إلى فئة جادت لآل محمد بأنفسها يوم الكريهة والمحل
هنالك عبّا قحطب الخير جمعه وجرّد سيف الحقّ فيهم على رسل
وشدّ عليهم شدّة صيلميّة تبدّد منها جمعهم خيفة القتل
وكان [٥] له العكيّ خير مؤازر يحوط جناح القلب بالخيل والرّجل
فما لبث العكيّ أن هدّ ركنهم ببيض رقاق الحدّ محدثة الصقل
وما خار فيها عامر حين عرّدت [٦] كتائبنا خوف الأسنّة والنبل
حمى ميسرتنا [٧] أن تضام وإنّما تكشّف أخيار الكماة لدى الفعل
بفتيان صدق ليس فيهم مواكل ولا نأكل في الجدّ منهم وفي الهزل
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٧٨ أ «بجاپلق» .
(٢) في ن. م. ص ٢٧٨ أ «أهل الشام وجنودهم» .
(٣) ن. م. ص ٢٧٨ أ «جالق» .
(٤) ن. م.: «من ذحل» ص ٢٧٨ ب.
(٥) في ن. م.: «فكان» . انظر ص ٢٧٨ ب.
(٦) في الأصل: «غرّدت»، وعردت أي هربت.
(٧) هكذا.
[ ٣٤٦ ]
فما لبث المريّ أن فضّ جمعه وأصبح مسلوب الإمارة والشمل
فكم تركوا في عسكر الشام من فتى ومكتهل بادي السفاهة ذي جهل
وغودر في قاع من الأرض صفصف بمصرع ذلّ لا كبير ولا سهل
تعاوره عوج الضباع وتارة تظلّ إليه الطير تسرع في الحجل
وكم راح نحو الشام يبغي حميمه وباكية تبكي أخاها على ثكل
سقى الله قوما من خراسان أدركوا تبولهم [١] عند الغواة أولى الخبل
فقد قرّت العينان إذ قيل قوّضت كتائب أهل الشام تهوي إلى الأصل
[١٧٠ ب] وقال في ابن ضبارة المريّ، ويقال قيلت في الحكم بن يزيد الأسدي حين قتل بكرمان، وهو عامل لابن هبيرة عليها، قتله تميم بن عمر التميمي حين وجّهه إليه أبو مسلم:
لحي الله قوما أسلموك وجرّدوا غناجيج [٢] أعطتها يمينك ضمّرا
أما كان فيهم من أخ ذي حفيظة يرى الموت في بعض المواطن أعذرا
يكرّ كما كرّ الشجاع بمهرة وما كرّ إلّا خشية أن يعيّرا
ألا لا فتى بعد الركين لدى [٣] الوغى ولا خير إلّا قد تولى وأدبرا
فلم أر يوما كان أقبح منظرا وشلو أبي الهيدام دام معفرا
تعاوره عكّ وطيّ ومذحج ببيض تقدّ البيض قدّا مشهّرا
وقال العكيّ في قحطبة:
للَّه قحطبة المأمون من رجل ماذا به كان للأعداء يدّخر
_________________
(١) تبول جمع تبل وهو الثأر.
(٢) في الأصل: «عناحيح» .
(٣) في الأصل: «لذا» .
[ ٣٤٧ ]
لمّا تورّده المريّ مقتدرا أعطى المفازة قودا وهو مقتسر [١]
فكم لقحطب [٢] في قيس وإخوتها من المآثر إذ حازوا [٣] وإذ كثروا
أبادهم بسيوف غير ناقصة عن العدوّ وإن قلّوا وإن كثروا
وقال رجل من بني فزارة:
[١٧١ أ] لحي الله طيّا في الرجال فإنّها إلى الكفر تعشو كالليوث الهواصر
تريد زوال الملك عن مستقرّه وتوقد نيران الحروب المساعر
فما ولدت طيّا ومذحج حرّة ولا حاولت بالرشد إحدى المفاخر
فأجابه عبد الله بن عمير المسلي:
أتسمو إلى طيّ ولولا ضرابها لمالت قناة الدين بل لم تهاجر
إذا غضبوا شقّوا السماء تكاثرا وأظلم أفقاها على كلّ ناظر
وهدّوا الجبال الشمّ هدّا ونهنهوا كواكب إلّا [٤] يمسكوها تناثر
قال: ويقال هي لابن المقفّع:
أجدّك يا نفس هل تعلمين جديدا على الدهر يبقى جديدا
وهل كان للناس قبلي بقاء فأرجو البقاء وأبغي المزيدا
وهل ذقت من طعم طول الحياة إلّا مرارا وعيشا زهيدا
وإلّا حلاوة وعد الغرور رجاء كذوبا ونفسا كنودا
وبعد الكرامة تلقى الهوان وبعد الأحبّة تبقى فريدا
_________________
(١) في الأصل: «مقستر» .
(٢) في الأصل «لقحطبة» وما أثبتنا يقتضيه الوزن.
(٣) في الأصل: «إذ حاروا» .
(٤) في الأصل: «لا» .
[ ٣٤٨ ]
وكنّا أناسا رزقنا زمانا قلوبا جميعا وبأسا شديدا
فلمّا ركبنا عظام الأمور نضيع الحقوق ونعدو الحدودا
[١٧١ ب] لقينا عبيدا وكنّا هجانا فآبوا هجانا وأبنا عبيدا
مررنا سراعا على عامر تدبّ الأساود دبّا عنيدا
مررنا بقوم على نيّة فابنا خزايا وأوبا حميدا
فكم قد تركنا غداة الهياج كعابا تبكّي وطفلا وليدا
وخودا أضيعت خلال الديار تصكّ الجبين وتدمي الخدودا
وتدعو الحليل بإعوالها وبالويل تدعو دعاء وحيدا
وما كان فيها ولا قبلها كداود صبرا وفي الناس جودا
يكرّ صبورا لوقع السيوف ويأبى لدى الموت إلّا نهودا
فلا يبعدنّ أخو نجدة فقد رام بالقول أمرا سديدا
تعرّض للموت لا ينثني لو انّ المنايا تريد المريدا
تأخّر عنه مقاديره ليحدث للقوم شرّا جديدا
فأقام قحطبة في عسكره بعد قتل ابن ضبارة، وأحصى ما غنموا فيه، وقسّمه في أصحابه، وكان المتولّي لذلك خالد بن برمك، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث برأس ابن ضبارة. وقد قلق أبو مسلم والأعيان [١] من الهاشمية، وتوقعوا ما يأتيهم من خبر قحطبة وابن ضبارة، وكانت هي الفيصل [١٧٢ أ] فيما بينهم وبين أهل الشام، وقد استشرف أهل العراق الأخبار [٢]، وجعلوا يقولون: إن ظفر ابن ضبارة ثبت الملك [٣] وإن ظفر قحطبة تم الأمر
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٧٨ أ «ورءوس الهاشمية» .
(٢) ن. م. ص ٢٧٨ أ «ووقفوا لانتظار ما يأتيهم عنهما» .
(٣) يضيف ن. م. ص ٢٧٨ أ «في بني أمية» .
[ ٣٤٩ ]
لبني هاشم. وقال [١] أبو مسلم:
أطعنا ربّنا وعصاه قوم فذقنا غبّ طاعته وذاقوا
وكتب إلى قحطبة يعظّمه ويجلّ قدره، وكتب إليه يكاتب [٢] أبا سلمة وينفذ ما يأتيه عنه. وقد كان الحسن بن قحطبة ومن معه ساء ظنونهم للذي بلغهم من جموع ابن ضبارة، وجعل أهل نهاوند يرجفون بقحطبة فيشرفون عليهم ويقولون: قد اصطلم أصحابكم، قد بعث برأس قحطبة إلى ابن هبيرة، فلم يزل كذلك حتى وافاه رسول قحطبة بما صنع الله لهم، وبقتل ابن ضبارة، ومعه خاتم ابن ضبارة. فلما شارف الرسول نهاوند لقي طليعة للحسن في عدة فرسان، وكان معه دليلان من أهل أصبهان، وقد سقطا من الكلال، وأرجفت دابّته، فما تخطو إلّا خطوا ضعيفا، فلما نظر إليه صاحب الحسن عرفه فحمله على دابّة، وأقبل يركض حتى أتى الحسن، فدفع إليه كتاب أبيه وخاتم ابن ضبارة، فقرأ الكتاب، وكبّروا [٣] تكبيرا متتابعا، فأشرف من في المدينة من جنود بني أمية، فقالوا لهم: قد والله قتل ابن ضبارة وفضّت جموعه واستولي على عسكره وهذا خاتمه، فاتقوا الله في أنفسكم. قال لهم مالك بن أدهم: أرونا خاتمه، فما أعرفني به.
فأخرجوا خاتمه فإذا حلقة فضة ونقش [١٧٢ ب] خاتم [٤] ابن ضبارة، فعرفوه وعرف ذلك مالك بن أدهم ورأوا له انكسارا شديدا.
وأقام قحطبة في عسكره نحوا من عشرين ليلة حتى قدم عليه أهل أصبهان
_________________
(١) في ن. م. ص ٢٧٨ أ «ويقال أنشد أبو مسلم لما قرأ كتاب الفتح» .
(٢) هكذا، ولعله: أن يكاتب.
(٣) انظر الطبري س ٣ ص ٦.
(٤) في الأصل: «خاتمة» .
[ ٣٥٠ ]
فبايعوه، وصحّت طاعة أهلها، وكتب إلى أسيد وهو بالري يستحثّه بالقدوم عليه، ثم شخص إليها في آخر شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقد حاصر أهلها الحسن قبل قدوم أبيه بنحو من خمسين ليلة، فلما قدمها قحطبة، وجّه الحسن فيمن معه إلى قرماسين، وأمره أن يقيم بها، ويفرق مسالحه ويحتفظ بالطريق ويبذرق القوافل. وسرّب أبو مسلم الجنود إلى قحطبة، وندب الناس من قبله لذلك، فسارع الناس إلى الخروج إلى العراق، وانتدبوا له، ورغبوا فيه، وكتب أبو مسلم إلى عمّاله بكور خراسان، بردهم [١] إليه و[٢] تسليم الأعمال إلى رجال سمّاهم [٣] لهم، وسرّب القوّاد بالجنود إلى قحطبة ثمانية عشر قائدا في نحو من خمسة عشر ألفا، فيهم حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف رجل، فلمّا قدم على أبيه ولّاه المقدمة على الحسن، فاستعفى حميد لمكان الحسن فأعفاه، وولّاه الساقة. ووجّه بسّام بن إبراهيم في أصحابه إلى الحسن بقرماسين.
وأقام قحطبة محاصرا لأهل نهاوند، وألح عليهم إلحاحا، فكتب إليه أبو سلمة: إنّ إقامتك على نهاوند قد قوّت من جند مروان ونسوا ما دخلهم من روع إيقاعك بهم مع ابن ضبارة، فإن تعذّر [١٧٣ أ] عليك الظفر بهم فأعطهم الأمان وف لهم به وخلّهم والتفرّق عنك، ليخلو لك وجهك لابن هبيرة، ومن قد وجّه مروان إليكم من ناحية الموصل.
ولمّا رأى قحطبة مصابرة أهل نهاوند إياه، وأتاه كتاب أبي سلمة بأن يؤمنهم، راسل من بها من أهل خراسان وقال لهم: أنتم آمنون، فمن أحبّ أن يخرج إلينا ويكون معنا فرضنا له وواسيناه، ومن أحبّ أن ينصرف إلى خراسان توثّقت له في أمانه من أبي مسلم، ومن أحبّ أن يمضي إلى غيرها فموسّع
_________________
(١) في الأصل: «مرذهم» .
(٢) زيادة.
(٣) في الأصل: «سموهم» .
[ ٣٥١ ]
عليه، فلم يجيبوه. ثم عاودهم فقال: وَمن أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى الله وَعَمِلَ صالِحًا وَقال إِنَّنِي من الْمُسْلِمِينَ ٤١: ٣٣ [١] . قال: فأغلظوا له وشتموه وقالوا: يا ساحر. فأقام يدعوهم إلى قبول الأمان نحوا من أربعين ليلة، وكان حريصا على استبقائهم، فأرسل إليهم: انكم من أهل مدرتنا، وأحقّ من أدركته عافيتنا، وقد ترون بلاء الله عندنا، فمن الآن فأجيبونا، وليكن أمرنا واحدا، فإنّ مروان ليس بأهل أن تقوه بأنفسكم. قال: فأبوا أن يجيبوه، فأرسل إليهم: إنّي إن دعوت أهل الشام إلى مثل ما دعوتكم إليه أجابوني، وصارت الحسرة بكم، فأبوا أن يجيبوه، فلما آيس منهم راسل أهل الشام. قال قحطبة ليزيد بن حاتم المهلبي: يا أبا خالد! هؤلاء الذين يأتونك [٢] على سور المدينة أهل فلسطين وصاحبهم فيما ذكر لي النضر بن حميد اللخمي، فأته وكلمه وادعه [١٧٣ ب] إلى قبول الأمان فلعله يأنس بك للعشريّة [٣] .
قال: فأتاه يزيد فذكر آثار مروان في قومه واستهانته بهم وإيثار غيرهم عليهم، ودعاه إلى الدخول في أمره وأعلمه ما له من الحظ في إجابته إلى دعوة آل رسول الله ﷺ، فقال النضر بن حميد: والله إنّي لأعلم أنّ الأمر كما ذكرت، ولكني إذا نظرت فلم أر عليّ نعمة إلّا من بني مروان تذمّمت من الغدر بهم، وقد تضايقت الأمور عليهم. قال يزيد: نفسك أوجب عليك حقا، فاتق الله وانظر لها، فإنّك قد أعذرت في وفائك لبني مروان، فقال: أمّا الدخول معكم فلا يكون ومن بني مروان خليفة، وأمّا الخروج عن مدينتكم هذه فإنّا نجيبكم إليه على أن تؤمنونا وتوثّقوا لنا، فرجع يزيد إلى قحطبة، فأعلمه ذلك، فأعطى قحطبة من بنهاوند من أهل الشام
_________________
(١) سورة فصلت، الآية ٣٣.
(٢) في الأصل: «تأتونك» .
(٣) في الأصل: «للعشرته» .
[ ٣٥٢ ]
خاصة ما وثقوا به. فلما استوثق للنضر بن حميد في ذلك لقي مالك بن أدهم، وقد كانوا جهدوا في حصارهم حتى صاروا إلى أكل لحوم الدواب والميتة، فقال له: علام نقتل أنفسنا بالجوع ونعرّضها للقتل، وقد قتل ابن ضبارة، وانقطعت الأمداد عنّا وقد بذلوا لنا الأمان؟ اقبل أيّها الرجل أمانهم قبل أن تلتقي حلقتا البطان عليك فتسأل ذلك فلا تجاب إليه. قال مالك: وكيف لنا بذلك؟ قال النضر: أنا لك به، هذا يزيد بن حاتم [١٧٤ أ] رسول قحطبة بذلك، أفتريد أوثق منه؟ قال مالك: حسبي إن كان ابنا [١] ليزيد بن حاتم.
فدنا منه يزيد فكلمه ومالك يسمع كلامهما، قال: فأوثقوا لنا، فتراسلوا في ذلك، وهم يسرونه، حتى صاروا منه إلى ما أرادوا. ثم زحف إليهم قحطبة، وقد تواطأ أهل الشام معه، فنظر من معهم من أهل خراسان إلى ما صنعوا فقالوا: ما هذا؟ قالوا: قد استأمنّا لنا ولكم، ومضى أهل الشام لوجوههم.