وأقبل قحطبة يؤم الكوفة، وابن هبيرة يسايره ويرفع له الشمع إذا سار بالليل حتى لا يخفى على قحطبة في مسيره وإقامته، ونظر قحطبة إلى أهل الشام فقال: لو أصبنا مجازا إليهم لرجوت أن يقطع الله منهم في عشيتنا هذه طرفا.
ومضى قحطبة فأتى في مسيره على أعرابي [٢] يسوق حمارا له فقال له: ممن الرجل؟ فقال: رجل من طي. قال قحطبة: مرحبا بك، أنت ابن عمي، أتعرف فيما يليك مخاضة نقطع منها إلى هؤلاء الكفار؟ فقال: نعم، هذه المخاضة بين يديك، والماء قليل. وخرج الأعرابي يسعى بين يديه حتى وقف
_________________
(١) شاهي على خمسة فراسخ من الكوفة. انظر معجم البلدان ج ٣ ص ٣١٦ وابن خرداذبه ص ١٢٥.
(٢) انظر الطبري س ٣ ص ١٣- ١٤.
[ ٣٦٩ ]
على المخاضة، فأمر قحطبة الناس بالنزول، فنزلوا قرب العصر [١]، ونظر قحطبة إلى أصحاب ابن هبيرة قد انتشروا في مسيرهم وقد تقدّمهم ابن هبيرة ليعسكر [بهم] [٢]، فأقطع إليهم [٣] عبد الله الطائي والمخارق بن غفار وأسد بن المرزبان في أصحابهم، [١٨٢ ب] فلما عبروا شدّوا على من يليهم، فقتلوا عدة، وانهزم القوم. وأقبل محمد بن نباتة في جمع كثير، وهو على ساقة ابن هبيرة، فلما رآهم ألقى أثقاله وأقام فسطاطه وخرج إليهم فقاتلهم وثبتوا له. ووافى قحطبة رسول أبي سلمة فناوله كتابا فلما قرأه كبّر وارتجّ العسكر بالتكبير، وسمع ذلك من عبر من أصحاب قحطبة فكبّروا، فقال أهل الشام: قد أتاهم شيء سرّوا به، فانكسروا لذلك وظهر الفشل فيهم.
ووجّه قحطبة سلما مولاه في خيله، وزياد بن فرّوخ، وموسى بن ثابت، فعبروا إليهم وصاروا ردءا لهم، وكثرهم محمد بن نباتة واستعلى عليهم وحصرهم في حائط لجئوا إليه فأرسل سلم إلى قحطبة وقد أمسى يستغيث به، فعبر قحطبة في الفرسان، وأمر كلّ فارس أن يحمل راجلا، فلما عبر بمن معه حمل عليهم حملة صادقة فهزمهم، وردوا عليه فألجأوه إلى الشط وهم يقولون: اللَّهمّ تمم تمم، ثم حمل [قحطبة] [٤] عليهم فاستحقت الهزيمة عليهم، وانصرف القوم، وفقدوا قحطبة، وقد اختلفوا في موته.
_________________
(١) في كتاب التاريخ «القصر» ص ٢٨٢ أ.
(٢) زيادة من ن. م.
(٣) في ن. م. «فعبر إليهم» ص ٢٨٢ أ.
(٤) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٨٢ ب.
[ ٣٧٠ ]