قال: ذكر عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه عند عبد الله بن العبّاس فقال: عقم النساء أن يأتين [١] مثله، باللَّه ما رأيت رئيسا مجرّبا قط يوزن موزنه [٢] . لقد رأيته بصفّين وهو على فرس له كأنّ عينيه سراجا سليط [٣]، عليه عمامة بيضاء مصقولة، وهو يقف على شرذمة شرذمة، يحمشهم ويحضّهم، قال: فوقف عليّ وهو [٤] في كثف [٥] من المسلمين فقال:
معاشر [٦] المسلمين! استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، واخفضوا الأصوات، وأقلقوا [٧] السيوف في الأغماد قبل السلّة [٨]، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، والنبل بالقنا [٩]، واطووا عن الحياة كشحا [١٠]، وامشوا إلى الموت مشية [١١] سجحا، وإياكم والفرار فإنّه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب، واعلموا أنكم بعين الله
_________________
(١) في الأصل: «أن يأتي» .
(٢) انظر عيون الأخبار لابن قتيبة (ط. دار الكتب ١٩٢٥) ج ١ ص ١١٠.
(٣) السليط: الزيت.
(٤) في عيون الأخبار: «وأنا» .
(٥) في الأصل: «كتف»، والتصويب من عيون الأخبار، والكثف: الحشد والجماعة.
(٦) انظر نص الخطبة في شرح نهج البلاغة ج ٥ ص ١٦٨، وفي عيون الأخبار ج ١ ص ١١٠.
(٧) في شرح النهج وعيون الأخبار: «وقلقلوا» .
(٨) في شرح النهج «قبل سلها» .
(٩) في عيون الأخبار: «والرماح بالنبل» .
(١٠) في شرح النهج: «وطيبوا عن أنفسكم نفسا» .
(١١) في ن. م. وعيون الأخبار: «مشيا» .
[ ١١٩ ]
مع ابن عمّ رسول الله، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنّب فاضربوا ثبجه فإن الشيطان في كسره [١] نافج [٢] خصييه [٣] مفترش [ذراعيه] [٤] قد قدّم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى يتجلّى [٥] لكم الحقّ وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
[٥٣ ب] مصعب بن عبد الله قال: قال العبّاس لعبد الله: إنّي أرى هذا الرجل- يعني عمر- قد أدناك وأكرمك فاحفظ عنّي ثلاثا: لا يجربنّ عليك كذبا، ولا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا.
محمد بن سلام عن محمد بن القاسم الهاشميّ قال: قال العبّاس لابنه عبد الله: يا بنيّ أنت أعلم منّي وأنا أفقه منك، إنّ هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عنّي ثلاثا: لا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة [٦] .
محمد بن سلام قال: سعى ساع إلى ابن عباس برجل فقال: إن شئت نظرنا فيما قلت، فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن أحببت أقلناك، قال: هذه.
أحمد بن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن عبّاس لرجل من جلسائه: دع ما لا يعنيك فإنّه فضل، ولا تكلّم بما يعنيك في غير موضعه،
_________________
(١) في شرح النهج: «كامن في كسره» وفي عيون الأخبار «راكد في كسره» .
(٢) في الأصل: «نافجا» .
(٣) في الأصل: «حضنيه»، والتصويب من عيون الأخبار.
(٤) زيادة من عيون الأخبار.
(٥) في شرح النهج: «ينجلي لكم عمود الحق» .
(٦) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢١٤ (القاهرة) وق ١ ص ٥٢٨ وص ٥٤٨- ٩ (إسطنبول) والكامل ج ١ ص ٢٦٥ وج ٢ ص ٣١٢، والعقد الفريد ج ١ ص ٩- ١٠، وعيون الأخبار ج ١ ص ١٩.
[ ١٢٠ ]
فربّ متكلّم بما يعنيه في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيها ولا حليما فإنّ الحليم يغلبك، وإنّ السفيه يؤذيك [١]، واذكر أخاك بما تحبّ أن يذكرك به، ودعه ممّا تحبّ أن يدعك منه [٢]، واعمل عمل من يرى أنّه مجزيّ بالإحسان مأخوذ بالإجرام.
سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاس يقول:
كنت [٥٤ أ] أنا وأمّي من المستضعفين، كانت أمّي من النساء وكنت أنا من الصبيان.
يحيى بن محمد عن إسحاق بن محمد المسيّبي [٣] عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن الأعرج عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه حسّان بن ثابت قال: بدت لنا معشر الأنصار إلى الوالي حاجة، وكان الّذي طلبنا أمرا صعبا، فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم فكلّموه وذكروا له وصية رسول الله ﷺ بنا فذكر صعوبة الأمر، فعاوده القوم وخرجوا وألحّ عليه ابن عباس فو الله ما وجد بدّا من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية، فقال حسّان: فصحت وأنا أسمعهم: إنّه والله أولاكم بها، إنها والله صبابة النبوّة، ووراثة أحمد ﷺ، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه، فقال القوم: أجمل يا حسّان، فقال ابن عباس: صدقوا أجمل، فأنشأ حسّان يمدح ابن عباس:
إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه رأيت له في كلّ مجمعة فضلا
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بملتقطات لا يرى بينها فصلا
_________________
(١) انظر العقد الفريد ج ٣ ص ٦.
(٢) انظر العقد الفريد ج ٢ ص ٣٣٦.
(٣) في الأصل: «المسيني» . انظر ص ٣٨٤ من هذا الكتاب.
[ ١٢١ ]
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذي رأيه في القول جدا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقّة فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا
[٥٤ ب] فقال الوالي: والله ما أراد بالجبان والوغل غيري، والله بيني وبينه.
وقال عبد الله بن عبّاس: لا يزهدنّك [١] في المعروف كفر من كفره فإنّه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
وقال ابن عبّاس: ألعب ابنك سبعا، واستكفه سبعا، وأصحبه نفسك سبعا، يتبيّن لك أثقة هو في المحيا والممات أم لا.
أبو عبد الله محمد بن يحيى الأزدي قال: حدّثنا الحسين بن محمد المروزي قال: حدّثنا سليمان بن عمر عن رشدين بن كريب عن ابن عبّاس قال:
ثلاثة لا أكافئهم: رجل ضاق بي مجلس فأوسع لي، ورجل ظمآن فسقاني، ورجل اغبرّت قدماه في الاختلاف إليّ، ورابع لا أقدر على مكافأته فإنّه رجل حزبه [٢] أمر فبات ساهرا فلما أصبح لم يجد لحاجته غيري [٣] .
وقال ابن عباس: إنّي لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من أثري.
أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن أعين الحدّاني قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مروان قال: قال عامر ابن مسعود: كنّا جلوسا في مجلس عند الكعبة إذ مرّ بنا بريد ينعى معاوية
_________________
(١) في الأصل: «لابن هذيل» وهو تحريف، والتصويب من الكامل للمبرد ج ١ ص ١٣٨ وعيون الأخبار ج ٣ ص ١٧٨.
(٢) في الأصل: «حزنه» .
(٣) انظر عيون الأخبار ج ٣ ص ١٧٦، وأنساب الأشراف ق ١ ص ٥٥٠.
[ ١٢٢ ]
[فقلت لأصحابي: قوموا إلى ابن عباس، وهو يومئذ بمكة وقد كفّ بصره، فنكون أوّل من يخبره هذا الخبر فنسمع ما يقول. فقمنا واستأذنا عليه، ودخلنا وإذا بين يديه خوان ولمّا يوضع الخبز، فسلّمنا وقلنا: هل أتاك الخبر يا أبا العبّاس؟ قال: وما هو؟ قلنا: بريد نعى معاوية] [١]، قال [٢]:
ارفع خوانك يا غلام، ثم ظلّ واجما، مطأطئ الرأس لا يتكلم طويلا، ثم [٥٥ أ] رفع رأسه فقال:
جبل تزعزع ثم مال بركنه في البحر لارتقت عليه الأبحر
اللَّهمّ فإنك أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من كان قبله، وما بعده مثله، وإنّ ابنه هذا لمن صالحي أهل بيته لقومه، ما نحن وبنو عمّنا إلّا كعضوي [٣] لقمان، قتل صاحبنا غيرهم فأغرينا بهم وقتل صاحبهم غيرنا فأغروا بنا. أما والله ما أغراهم بنا إلّا أنّهم لم يجدوا مثلنا، وقد قال الأول: ألطمك أنّي لا أجد مثلك، فاتّقوا الله يا معشر فتيان قريش، ولا تقولوا: جدّ بني أمية، ذهب لعمر الله جدّهم، وبقيت بقية هي أطول مما مضى، الزموا منازلكم، وأدّوا بيعتكم، قرّب خوانك يا غلام.
فإنّا لنتغدّى [٤] إذ جاء رسول أمير مكّة فقال: إنّ الأمير يدعوك إلى البيعة، فقال: ما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ قل له: افرغ ممّا عندك، فإذا سهل المشي إليك أتيتك فصنعت ما تريد. فلما خرج الرسول قلنا:
يا أبا العبّاس! أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر؟ قال: أين ما قلت لكم
_________________
(١) زيادة من كتاب التاريخ ص ٢٤٢ أ.
(٢) في كتاب التاريخ: «فقال» ص ٢٤٢ أ.
(٣) هكذا، ولعله: كصحر ولقمان. انظر القصة في الحيوان للجاحظ ج ١ ص ٢١- ٢٢.
(٤) في كتاب التاريخ «فإنا لم نتغد بعد» ص ٢٤٢ ب.
[ ١٢٣ ]
آنفا؟ أنكم تستمعون [١] ولا تعون، كم من شارب الخمر [٢] وشرّ منه لم يشربها، ستبايعونه على ما أراد حتى يصلب مصلوب قريش. فرجع الرسول فقال [٣]:
لا بدّ من أن تأتيه، فقال: يا نوار [٥٥ ب] هاتي ثيابي إلّا بدّ، وما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ امتنعوا مما قد أظلكم، صبّحكم أو مسّاكم يذلّكم. ثمّ قام وقمنا معه حتى أتى الأمير فبايعه وبايعنا [٤] .
قال: قدم ركب من بني عبد الله بن بلال بن عامر البصرة، فبلغ ذلك عبد الله بن العبّاس وهو يومئذ عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة، فأرسل إليهم فأتوه فقال: ما منعكم من النزول على ابن أختكم- وكانوا أخواله-؟
فقالوا: نزلنا في بني هلال، وكرهنا جماعة الناس وغمّ الأزقّة، وأحببنا، فسحة هذا الظهر نسرح فيه. قال: إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى، فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام، فقال ابن المنتخب الهلالي:
إنّ ابن عبّاس وجود يمينه كفى كلّ معتلّ قرانا وباخل
وأرحلنا عنه ولم ينأ خيره ولا غاله عن برّنا أمّ غائل
تروح وتغدو كلّ يوم جفانه بكلّ سديف الّتي للجوع قاتل
الحسن بن علي العنزي قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس الشاميّ قال:
حدّثنا أبو عمر العمري حفص بن عمر- مولى لبني عامر من قريش بصري- قال: حدثني هشيم قال: حدثني خالد بن معدان عن زيد [٥] بن علي بن الحسين
_________________
(١) في ن. م. «تسمعون» .
(٢) في ن. م. «شارب خمر» ص ٢٤٢ ب.
(٣) في ن. م. «وقال» ص ٢٤٢ ب.
(٤) في كتاب التاريخ: «وبايعنا معه» ص ٢٤٢ ب.
(٥) في الأصل: «يزيد» .
[ ١٢٤ ]
ابن [٥٦ أ] علي قال: قال طلحة بن عبيد الله: يا ابن عباس هل لك في المناحبة على أن تعدل [١] عنّا النبيّ ﷺ. فتحاكما إلى كعب الأحبار فقال كعب: أنتم معشر قريش أعرف بأنسابكم، إلّا أنّا نجد في الكتب أنّ الله ﵎ لم يبعث نبيا قطّ إلّا من خير من هو منه، فقضى لابن عبّاس على طلحة. قال أبو عمرو فقلت لهشيم: ما المناحبة؟ قال:
المفاخرة.
قال: لمّا عمي عبد الله بن عباس عزّاه الناس عن عينيه فقال: لو هنئت بثواب الله عليهما لكفّ وجدي عليهما ولقام الصبر لي مقام العزاء للذي أرجو من ثواب من أخذهما. وقال: لما فرغ عليّ رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة بعث [٢] ابن عباس إلى عائشة ﵂ وهي في ذكر شيء خلف الستر [٣] فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له، فدخل من غير إذن فلم تطرح له شيئا يقعد عليه، فأخذ وسادة فجلس عليها.
فقالت: أخطأت السنّة يا ابن عبّاس، دخلت علينا من غير إذن وجلست على مقرمتنا [٤] من غير أمرنا. فقال: ما أنت والسنّة نحن علّمناك وأباك السنّة، ونحن أولى بها منك، والله ما هو بيتك، وإنّما بيتك الّذي خلّفك فيه رسول الله ﷺ فخرجت منه ظالمة لنفسك فأوردت من بنيك ممن أطاعك [٥٦ ب] موارد الهلكة، ولو كنت في بيتك الّذي خلّفك فيه رسول الله ﷺ لم ندخله إلّا بإذنك، إنّ أمير المؤمنين
_________________
(١) انظر لسان العرب مادة (نحب)، والمناحبة المفاخرة والمحاكمة.
(٢) جاء هذا الخبر في العقد الفريد ج ٤ ص ٣٢٨- ٣٢٩ منقولا عن ابن عباس مع اختلاف في كثير من الألفاظ والعبارات. وكذلك في شرح نهج البلاغة ج ٦ ص ٢٢٩.
(٣) زيادة تفرضها تتمة الرواية.
(٤) في الأصل: «تكرمتنا» وهو تحريف، وفي العقد الفريد «وسادتنا» .
[ ١٢٥ ]
يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلّة العرجة. قالت: أردت عمر بن الخطاب؟ قال: عليّ والله أمير المؤمنين وإن تربّدت [١] فيه وجوه، وأرغمت فيه أنوف [٢]، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم، ظاهر النكد، وما كان مقدار طاعتك إلّا مقدار حلب شاة، حتى صرت تأمرين فلا تطاعين، وتدعين فلا تجابين، وما مثلك إلّا كما قال أخو بني أسد:
ما زال يهدي [٣] والهواجر بيننا شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ صوتك فيهم في كلّ ناحية طنين ذباب [٤]
فانتحبت حتى سمع حنينها [٥] من وراء الستر، ثم قالت [٥]: والله ما في الأرض بلدة أبغض إليّ من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم. فقال: والله ما ذاك يدنا عندك وعند أبيك، لقد جعلنا أباك صدّيقا وهو ابن أبي قحافة، وجعلناك للمؤمنين أمّا وأنت ابنة أمّ رومان. قالت: أتمنّون عليّ برسول الله ﷺ؟ قال: إي والله أمنّ [٦] عليك بما لو كان فيك قلامة منه مننت به على الخلق، وإنّما نحن دمه ولحمه وأنت حشيّة من تسع حشايا
_________________
(١) في الأصل: «تزبدت» .
(٢) كتبت كلمة «معاطس» في الأصل فوق كلمة «أنوف» .
(٣) في الأصل: «يهدا» .
(٤) في شرح نهج البلاغة: ما زال إهداء الصغائر بيننا نث الحديث وكثرة الألقاب حتى نزلت كأن صوتك بينهم في كل نائبة طنين ذباب والبيتان منسوبان في المضاف والمنسوب (ص ٣٩٧) إلى حضري بن عامر. انظر شرح نهج البلاغة ج ٦ ص ٢٢٩.
(٥) في شرح نهج البلاغة «نحيبها» .
(٦) في العقد الفريد «نعم نمن عليك » .
[ ١٢٦ ]
خلّفهنّ [٥٧ أ] رسول الله ﷺ، والله ما أنت بأطولهنّ طولا ولا أنضرهنّ عودا. فانصرف ابن عبّاس وأخبر عليا بالذي جرى فقال: أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها.
العبّاس بن محمد بن حاتم الدوري يقول: أفادني أبو بكر الأعين هذا الحديث، حدّثنا هشام بن زيد العسكري في قطعية الربيع، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مالك بن معول عن وائل بن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: دخلت أنا وأبي علي النبيّ ﷺ فلما خرجنا من عنده قلت لأبي: أما رأيت أنت الرجل الّذي كان مع النبيّ ﷺ؟
ما رأيت رجلا أحسن وجها منه، فقال لي: هو كان أحسن وجها أو النبيّ ﷺ؟ قلت: هو. قال: فارجع بنا إليه، فرجعنا فدخلنا عليه، فقال أبي: يا رسول الله! أين الرجل الّذي كان معك؟ زعم عبد الله أنه كان أحسن وجها منك. قال: يا عبد الله! ورأيته؟ قلت: نعم.
قال [١]: أما إنّ ذلك جبريل، إنّه لمّا أقبلتما قال لي: يا محمد! من هذا الغلام؟ قلت: هذا ابن عمّي، هذا عبد الله بن عبّاس، قال: أما إنّه لمخيل للخير، قلت: يا روح الله! ادع له، قال: اللَّهمّ اجعل منه كثيرا طيبا [٢] . قال: كان عبد الله بن عبّاس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا
_________________
(١) زيادة، يؤيدها نص أنساب الأشراف.
(٢) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢٤٩، ق ١ ص ٥٣٩، يرد هذا الخبر عن عبد الله بن صالح المقرئ عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، «قال: كنت وأبي عند النبي (ص)، فكان كالمعرض فلما خرجنا قال لي أبي: بني، ألم تر إلى النبي كأنه معرض عني؟ فقلت إنه كان يناجي رجلا. فرجعنا إليه، فقال له: إني قلت لعبد الله كذا فقال كذا، فكان معك أحد يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص): أرأيته يا عبد الله؟ قلت نعم، قال: ذاك جبريل» .
[ ١٢٧ ]
تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [١] . وقال ابن [٥٧ ب] عبّاس: لجليسي عليّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدّث [٢] .
أبو المنذر عن أبيه عن سعيد [٣] بن جبير قال: قلت لابن عبّاس: إنّ الناس قد أكثروا عليك في المتعة، وعاتبك بنو أميّة وآل الزبير حتى قالت الشعراء. قال: وما قالت؟ قلت: قالت:-
أقول للشيخ لمّا طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
اقصد لها رخصة الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى يصدر الناس [٤]
فشقّ ذلك عليه وأمر مناديه أن ينادي: ألا إنّ المتعة حرام كلحم الميتة ولحم الخنزير، ولا تحل إلّا لمضطرّ.
أبو المنذر عن أبي مسكين قال: قال ابن عبّاس: إني لأماشي عمر في سكّة من سكك المدينة فقال لي: يا ابن عبّاس! ما أظنّ صاحبك إلّا مظلوما.
فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت له: فاردد [٥] ظلامته، فانتزع يده من يدي، ومضى وهو يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته فقال: يا ابن
_________________
(١) يرد هذا الخبر في أنساب الأشراف، رواية خلف بن هشام البزاز عن شريك بن عبد الله عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، باختلاف بسيط في بعض الألفاظ. ج ٣ ص ٢٥٤، ق ١ ص ٥٤٠.
(٢) انظر عيون الأخبار ج ١ ص ٣٠٦. وفي أنساب الأشراف: «المدائني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، قال: قال ابن عباس: لجليسي عندي ثلاث، إذا أقبل رحبت به، وإذا قعد أوسعت له، وإذا حدث أنصت لحديثه واستمعت منه» ج ٣ ص ٢٨٢، ق ١ ص ٥٥٠.
(٣) يروي عيون الأخبار ج ٤ ص ٩٥ هذا الخبر عن سعيد بن جبير، وهذا النص أوفى.
(٤) في عيون الأخبار: «حتى رجعة الناس» .
(٥) في الأصل: «فأردت» .
[ ١٢٨ ]
عباس! ما أظنّهم منعهم من صاحبك إلّا أنهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأخرى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.
وقال عمر لعبد الله بن عبّاس: أتدري ما منع الناس من ابن عمّك أن [٥٨ أ] يولّوه هذا الأمر؟ قال: ما أدري، قال عمر: لحداثة سنّه.
قال: فقد كان يوم بدر أحدثهم سنّا، يقدّمونه في المؤازرة ويؤخرونه في الإمامة.
حدّثنا أبو عمر، وأحمد بن عبد الله يرفعه، قال: مرّ عمر بعلي ﵇ وهو يحدّث الناس عن رسول الله ﷺ فقال: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: أريد الحديقة- يعني بستانا له-. فقال: أأونسك بابن عبّاس؟ فقال عمر: إذن أوحشك منه. فقال عليّ ﵇:
إني أوثرك به على نفسي، قم يا ابن عبّاس فحدّثه. فقام إليه وسايره، فقال عمر: ما أكمل صاحبكم هذا لولا، فقال عبد الله لولا ماذا؟ فقال عمر: لولا حداثة سنّه وكلفه بأهل بيته وبغض قريش له. فقال عبد الله بن عبّاس: أتأذن لي في الجواب؟ فقال عمر: هات. فقال: أمّا حداثة سنّه فما استحدث من جعله الله لنبيه أخا وللمسلمين وليّا، وأمّا كلفه بأهل بيته فما ولي فآثر أهل بيته على رضاء الله، وأمّا بغض قريش له فعلى من تنقم؟ أعلى الله حين بعث فيهم نبيّا، أم على نبيّه حين أدّى فيهم الرسالة، أم على عليّ حين قاتلهم في سبيل الله؟ فقال عمر: يا ابن عبّاس! أنت تغرف من بحر وتنحت من صخر [١] .
_________________
(١) انظر العقد الفريد ج ٣ ص ٢٨٠.
[ ١٢٩ ]