ذكر أبو الحسن المدائني عن أبي عمرو بن المبارك قال: قام ابن الزبير ذات يوم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّ بني هاشم سوميت فأعنقت، وجوريت [٧] فسبقت، وأيم الله لولا أنها أبقت بالنفوس [٣٩ ب] قرحا
_________________
(١) في ن. م.: «وأرفع الناس أعلاما» .
(٢) في ن. م. «فأنت الساقط بين الفراشين» .
(٣) في ن. م.: «في بني » .
(٤) في الأصل: «يحمله» وما أثبتنا رواية العقد الفريد.
(٥) في العقد الفريد «أما والله أني لمسرور بك فهل ينفعني عندك؟» .
(٦) في ن. م. «وحيث» .
(٧) في الأصل: «سوعيت فأعتقت وحوربت..» .
[ ٩٠ ]
يقرفها [١] التذكر، لا يدملها إلّا الجزاء كيلا بصاع وفاء، لما اتصل أحد بعجاج أقدامها، ولا عدّ مثل أيامها، ولكنها أخذت بأزمّة الفضائل وأبت أن تعلقها كف متناول، أو يضرب فيها بسهم مخاصل [٢]، فجوذبت الأزمّة على كرهها، فتمطت بها تمطّي الراتع في لجامه، والبازل في خطامه، فلما نظر الله إلى أنوفها قد شمخت، وإلى شفاهها قد بذخت، استوقفها بإمرئ لو عرفوا لغيره فضله كان مع أيديهم لهم باقي الدهر حربا، فعركهم كعرك السقاء وذلّلهم بعد إباء، فذاقوا [٣] غبّ الخطأ وطاعة السفهاء، فرغمت معاطسها وترعبلت [٤] مجالسها، فبعدا لمن أكل فريسته وحده، وجحد الشريك شركته، وإنّ مثلنا ومثلهم لكما قال الأول:
كنّا لأول ما خوّلته [٥] سببا فصرت رأسا ومن آتاكه ذنبا
لا يبعد الله إلّا آنفا عطست على المراغم سيمت خطة عجبا
لو أنها عرفت فضلا لذي رحم داني المحلة لم يبعد لها نسبا
أضحى لها عضدا تغني بها ويدا تنفي بها الذلّ إما أغضبت غضبا
فقام إليه ابن عبّاس فقال: مهلا يا ابن الزبير، لا تكن كالضبة [٦] صالت بحدها على ما لحقت من ولدها، لا تجعل ذرب [٧] لسانك [٤٠ أ] على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سدّدك، ولا تجن على نفسك جناية العنز
_________________
(١) يقرفها: يتكأها.
(٢) الخصلة: الإصابة في الرمي.
(٣) في الأصل: «قد أبوا» .
(٤) في الأصل: تزعبلت، والصواب «ترعبلت»، أي تمزقت وتقطعت.
(٥) في الأصل: «حولته» .
(٦) في الأصل: «الضبية»، والضبة أنثى الضب. انظر كتاب الحيوان للجاحظ ج ١ ص ١٩٦.
(٧) في الأصل: «درب» .
[ ٩١ ]
الباحثة عن حتفها فيقلّ ناصرك، وتقطعك أواصرك، وتطيش سهامك، ويستوعر مرامك، وأقبل قبل السفه الّذي أنت متحيّر في دجنّة طخيائه، وسواد ظلمائه، ولا تظنّ بنفسك ظنّ الأحمق المرتاب، فإنما أنت غدا أو بعده أكيلة أضبع وذئاب، كأنّي بما أصبحت تثق بنفسك قد أسلمك، وبمن أصبح يعدك النصر قد خذلك، فصرت جزور أيسار، كلّ يضرب فيك بسهم فاز قدحه أو خاب، ولو رجع إليك عازب حلمك، ونظرت في الأمور بفهمك، لعلمت أنّه لا يبعدك من هاشم إلّا نفسك، إنّ عبد المطلب لجدّك، وإنّ العبّاس لخالك، وإنّ صفيّة لأمك، وما القرح المعروف إلّا ما أبقى الدواء من الداء، وأيم الله أن لو وكلتم إلى رأيكم، وتركتم وضلال أهوائكم، لقديما أبارتكم [١] الحتوف، وتلعّبت بكم السيوف، ولكنكم كفرتم نعمة من لطف بكم، وأنعلكم، ورفق في السياسة بكم، فاشكر الله يا ابن الزبير شكر من لم يعجل عليه عجلة المبادر، حتى بقيت لهذا الموقف الّذي أظهرت فيه حسكة صدرك وهتكت به الحجاب من سترك بذكرك إنكارنا فضلك، فهل دفعناك [٤٠ ب] عن حقّ أوجبه الكتاب لك. تصفّح كتاب الله واعرضه على قلبك فإن وجدت فيه لمهاجر في الفيء على غيره من أهل الإسلام فضلا، بفريضة من رسول الله ﷺ أو من أبي بكر بسيرة، فها نحن قد أنكرنا وجحدنا حقّك، وإلّا يكن [٢] ذلك، فما موضع الإنكار إذن؟ لا والله يا ابن الزبير! ولكن أردت أن تكون قيصرية كسروية، قبحا لرأيك وسفاهة لحلمك، أبعد الإسلام تستكثر من الدنيا وترغب فيها وتناضل عنها، كالحائن [٣] المثبور ما استبقى [٤] في الله؟ أما نائما
_________________
(١) في الأصل: «أتأرتكم» .
(٢) في الأصل: «وأن لا يكون ذلك» .
(٣) في الأصل: «للحائن» .
(٤) في الأصل: «وما استيقاف الله» .
[ ٩٢ ]
ذكّرت عند ما أنكر من أعمالنا، وكره من أفعالنا؟ فالعجب كل العجب لمن ينسبنا إلى ما أصبح فيه، ويدّعي علينا ما كان منه. كلّا ليس ذلك كذلك، نحن باللَّه أعرف، وله أخوف من أن نتعرّض لسخطه بالتعدّي عمّا أمر به، أو المقارفة لما [١] نهى عنه، ولكنه ﵎ أراد أن يعظم لنا الأجر بما يلهمنا من الصبر، ويوفقنا له من الشكر، ويحقّ القول على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، ثمّ تمثل فقال:
وهل هي إلّا مدّة سوف تنقضي ويرجع فينا الأمر والأنف راغم
قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي [٢]: قال عيسى بن طلحة: حضرت [٤١ أ] من ابن عبّاس محضرا ما حضرته من قرشي قط، قال: كان مروان ابن الحكم يأذن للناس بعد العصر، وكان ابن عبّاس يجلس على منبر رسول الله ﷺ عند رأسه وابن [٣] الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الّذي عند رأسه، فجاء ابن عباس فجلس مجلسه وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنه يريد أن يتكلم، فقال: إنّ أناسا قالوا: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإنّ أمر أبي بكر كان أعظم من أن يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيرا من أبي بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة واستخلف عمر، فلم يكن إلّا ما قال أبو بكر، ثمّ حضرت عمر الوفاة فألقى حظّهم
_________________
(١) في الأصل: «عما» .
(٢) جاء هذا الخبر، مع بعض الاختلاف، في شرح نهج البلاغة ج ٢٠ ص ١٣١- ١٣٢، عن عثمان بن طلحة العبدري.
(٣) انظر شرح نهج البلاغة ج ٢٠ ص ١٣١.
[ ٩٣ ]
في حظوظ وجدّهم في جدود فأسقط الله حظّهم وأدحض جدّهم، وأخذ علمهم من كان أولى بذلك منهم، حتى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرّة فقتلوه، ثمّ قتلهم الله بعد ذلك كلّ قتلة، وفرّقهم تحت بطون الكواكب. فقال ابن عباس: على رسلك أيها القائل في [٤١ ب] أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدّم من تقدّم منهم وان كانوا خيرا فما نألو أن نقول [١]، ولو تقدّم متأخر لكان أهله. ولولا أنك تذكر حظّ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أنّ من أولئك متكلما لأخبرته عني وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظّ نفسك فإنّه لك، وإن أحدا لن ينازعك، إنّي وإياك من الأوّلين بمنزلة، وإنّ الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعديّ لعدي، وأمية لأمية [٢]، وإن يك في أسد [٣] شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهدا [وأبيض عندك يدا] [٤] ممن أمسيت تظن [٥] هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد [٦] .
العنزي [٧] قال: حدثنا علي بن الحسين بن [٨] البراء قال: حدثني عمّي عبد الله ابن محمد بن مسروق قال: حدثني أبو عبد الله الجحدري حمدان بن بانة عن ابن
_________________
(١) الأصل: «وإن كانوا خيرا مما نالوا أن يقول» .
(٢) انظر شرح نهج البلاغة ج ٢ ص ١٣٢.
(٣) في شرح نهج البلاغة: أسد بن عبد العزى.
(٤) في الأصل: «فأبيض عندك»، وما أثبتنا رواية شرح نهج البلاغة، والتتمة هي: «وأوفر عندك نعمة ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا» .
(٥) في الأصل: «يظن» .
(٦) في الأصل: «وما أخلقت بعده»، والتصويب من شرح نهج البلاغة.
(٧) انظر هذا الخبر في شرح نهج البلاغة ج ٩ ص ٣٢٤- ٣٢٧، وفيه بعض الاختلاف عما ورد هنا.
(٨) زيادة.
[ ٩٤ ]
دأب قال: تزوج عبد الله بن الزبير فاطمة [١] بنت منظور الفزارية، وكان معها في سجف [٢]، فقال لها: هل تدرين [٣] من معك في سجفك؟ قالت: نعم عبد الله ابن الزبير. قال: ليس إلّا [٤]؟ قالت: فما تريد؟ قال: أصبح والله من معك الغداة في سجفك من هو [في] [٥] قريش بمنزلة الرأس من [٤٢ أ] الجسد، لا بل بمنزلة العين [٦] من الرأس. قالت: أما والله لو كان بعض بني هاشم [٧] هاهنا ما رضي بهذا. قال: فالطعام والشراب عليّ حرام إن أنا لم أحضرهم فنقول هذا الكلام بين أيديهم فلا يستطيعون له ردا، ولا له إنكارا.
قالت: أما إنّك لو أطعتني لم تفعل، وأنت وشأنك [٨] أعلم. فخرج إلى المسجد فإذا هو بجماعة من بني هاشم فيهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر فسلّم عليهم، ثمّ قال: إني أحبّ أن تقوموا معي إلى المنزل، فلمّا دخل جاء بالطعام فأكلوا، فلما فرغوا قال: إني كنت قبيل [٩] مع صاحبة هذا السجف آنفا، فقلت لها كذا وكذا، فما تقول أنت يا ابن عباس؟ قال:
أقول وأنا في منزلك، وقد تحرّمنا بطعامك، فإن تشأ أن نقول قلنا، وإن تشأ أن نمسك أمسكنا. قال: وما عسيت أن تقول يا ابن عباس؟ أليس أبي
_________________
(١) في الأصل: «فاطمة بنت مسطور»، والتصحيح من شرح نهج البلاغة، وقد جاء فيه «أم عمرو ابنة منظور بن زبان الفزارية» . وانظر كذلك جمهرة أنساب العرب ص ٢٥٨.
(٢) في الأصل: «سجيف» .
(٣) في شرح نهج البلاغة: «فلما دخل بها قال لها تلك الليلة» «أتدرين من معك في حجلتك؟» .
(٤) في الأصل تكررت عبارة: «قال ليس إلا» . وفي شرح نهج البلاغة: «قال: ليس غير هذا؟» .
(٥) زيادة. وفي شرح نهج البلاغة: «قال: معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس في الجسد» .
(٦) في شرح نهج البلاغة: «العينين» .
(٧) في ن. م.: «بعض بني عبد مناف» .
(٨) في ن. م.: «وأنت أعلم وشأنك» .
(٩) تبدو «قبيل» مقحمة مع وجود «آنفا» .
[ ٩٥ ]
حواريّ رسول الله ﷺ؟ أو ليس [١] جدي أبو بكر الصديق صديق رسول الله ﷺ؟ أو ليس خالتي حبيبة رسول الله ﷺ أمّ المؤمنين؟ فقال له ابن عباس: قد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير أنّك إنما بلغت مداه ونلت سناه بنا. قال:
وكيف ذاك؟ قال: لأني أولى بمن تفخر به منك. فقال له: وإن [٤٢ ب] شئت فاخرتك، إلى ما كان منك قبل أن يبعث الله محمدا ﷺ [٢] فقال ابن الزبير [٣]: قد أنصف القارة من راماها [٤] .
فقال ابن عباس: تعلمون أن رسول الله ﷺ لم يفرق فرقان قط إلّا كان في خيرهما [٥]، فقد فارقناكم من جدي قصيّ [٦]، إن قلت لا كفرت وإن قلت نعم غلبت. فقال: لا، ولكن قد علم القوم أني سابق غير مسبوق، متبحبح [٧] في الشرف الأنيق، بين حواري وصدّيق، غير طليق ولا ابن طليق.
فقال ابن عباس: دسعت بجرتك [٨]، هاهنا كلام مردود من امرئ حسود، أما ما ذكرت من الأسرة فإن تكن الأسرة لك دوني فهي لك عليّ، وإن تكن لي دونك فهي لي عليك، والكثكث في يديك [٩]، وأما ما ذكرت من طليق
_________________
(١) في الأصل: «وأ ليس» .
(٢) في الأصل: «إن تبعت الله ومحمدا ﷺ» .
(٣) وفي شرح النهج، القول لابن عباس.
(٤) انظر لسان العرب عند هذا المثل.
(٥) في الأصل: «في خير منهما» .
(٦) في شرح النهج ج ٦ ص ٣٢٥ «تعلمون أن رسول الله (ص) قال ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما، فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب، أفنحن في فرقة الخير أم لا! إن قلت نعم خصمت وإن قلت لا كفرت..»
(٧) في الأصل: «متبجح» .
(٨) في شرح النهج: «دسعت بجرتك فلم تبق شيئا» .
(٩) في شرح النهج: «فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا فالفخر لك علينا، وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك والكثكث في فمك ويديك» .
[ ٩٦ ]
فلعمري لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وما نكث بيعة بعد تأكيدها، ولا كان جبانا ولا فرّارا. فقال ابن الزبير: ويحك تعيّر الزبير بالجبن [١] .
فقال ابن عباس: والله لقد فرّ وما كرّ، وبايع فما برّ، وحارب فما ضرّ،
وما كان إلّا كالهجين أمامه جياد تجاري ناجيات فاجهدا
فأدرك منها مثل ما كان أهله وقصر عن جري الكرام وبلّدا [٢]
[٤٣ أ] أحمد بن السري البزّاز قال: حدّثنا الرياشي قال: وقع إلى الحرمازي [٣] قرطاس [٤] فيه أنّ ابن صفوان قال لابن الزبير: هذا عبد الله ابن عبّاس يعلّم الناس الفقه وهذا عبيد الله يطعم الناس فما تركا لك؟ فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الزبير! ما يأتينا إلّا طالب دين أو طالب دنيا.
وقال أبو الطفيل عامر بن وائلة [٥]:
لا درّ درّ الليالي كيف تضحكنا منها أحاديث أيّام وتبكينا [٦]
ومثل ما تحدث الأيّام من غير وابن الزبير عن الدنيا يلهّينا [٧]
كنّا نجيء ابن عباس فيقبسنا علما ويكسبنا خيرا [٨] ويهدينا
_________________
(١) يضيف شرح النهج، «والله إنك لتعلم منه خلاف ذلك» .
(٢) وفي شرح النهج: وأدرك منها بعض ما كان يرتجى وقصر عن جري الكرام وبلدا وما كان إلا كالهجين أمامه عناق فجاراه العناق فأجهدا
(٣) الأصل: «الجرمازي»، انظر البلاذري ج ٥ ص ٣٤٧ (ط. القدس) وص ٢٢٦ وص ٢٣٧ (الرباط) .
(٤) في الأصل «قرطاسا» .
(٥) انظر رواية الأغاني لأبيات أبي الطفيل ج ١٥ ص ١٥١- ١٥٢.
(٦) في الأغاني: «خطوب أعاجيب» محل «أحاديث أيام» .
(٧) الشطر الثاني في الأغاني «يا ابن الزبير عن الدنيا يسلينا» .
(٨) في الأغاني: أجرا.
[ ٩٧ ]
ولا يزال عبيد الله مترعة جفانه مطعما [١] ضيفا ومسكينا
فأصبح الدين والدنيا بدارهما ننال من ذاك [٢] ما شينا إذا شينا [٣]
ولست فاعلمه بالأولى به نسبا يا ابن الزبير ومن أولى به دينا [٤]
لن [٥] يعطي الله من أخزى ببغضهم في الدين عزّا ولا في الأرض تمكينا
العنزي قال: حدّثنا الرياشي قال [٦]: دخل عبد الله بن صفوان الجمحيّ على عبد الله بن الزبير فقال: أنت والله كما قال الشاعر:
[٤٣ ب] فإن تصبك من الأيام جائحة لا نبك منك على دنيا ولا دين
فقال: وما ذاك ويحك؟ فقال: هذان [٧] ابنا عباس أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الطعام، فماذا أبقيا لك! فأرسل إليهما، فقال:
إنكما تريدان أن ترفعا راية [قد وضعها الله] [٨] ففرّقا عنكما مرّاق العراق.
فأرسل إليه عبد الله بن عبّاس: ويلك أيّ الرجلين نطرد عنّا، طالب
_________________
(١) في الأصل: «مطعم»: والتصويب من الأغاني.
(٢) في الأغاني بيتان بعد هذا البيت لم يردا هنا.
(٣) في الأغاني: فالبر والدين والدنيا بدارهما ننال منها الّذي نبغي إذا شينا
(٤) في الأغاني: ولست فاعلمه أولى منهم رحما يا ابن الزبير ولا أولى به دينا
(٥) في الأصل: «أن يعطى الله من أخرى ببعضهم» والتصويب من الأغاني، والبيت فيه: لن يؤتي الله من أخزى ببعضهم في الدين عزا ولا في الأرض تمكينا وقبله بيت لم يرد هنا.
(٦) انظر رواية محمد بن خلف، وكيع، للخبر في الأغاني ج ١٥ ص ١٥١- ١٥٢.
(٧) في الأصل «هذا» والخبر مثبت فيما سبق ص ٣٢ والتصويب منه.
(٨) زيادة من ص ٣٢.
[ ٩٨ ]
[دنيا] [١] أم طالب علم؟ فبلغ الخبر أبا [٢] الطفيل فقال أبياته.
ولما قام [٣] عبد الله بن الزبير بمكة واشتدّ أمره فيها، وذلك لمّا هلك يزيد بن معاوية ووقعت الفتن، أقبل محمد بن علي بن الحنفية وعبد الله بن عبّاس بعد وقعة الحرّة حتى أتيا مكّة فعاذا بها، واعتزلا الفتنة.
فدعاهما عبد الله بن الزبير إلى بيعته، فقال له محمد وعبد الله: إنّا لا نبايع إلّا من اجتمعت عليه الأمّة، فإذا اجتمعت عليك الأمّة بايعناك وكنّا أمّة من الناس. فأبى عبد الله بن الزبير أن يتركهما حتى يبايعا فأبيا أن يبايعا حتى تجتمع الأمة عليه بالبيعة، فأخذهما عبد الله فطرحهما في حجرة زمزم، ثم قال: والله لا خرجتما حتى تبايعا فأبيا فحلف لئن لم يبايعا إلى ذلك الأجل ليحرقنهما بالنار، فلما رأى عبد الله بن عباس ومحمد بن [٤٤ أ] علي ذلك كتبا إلى المختار بن أبي [٤] عبيد يستغيثان به ويخبرانه بالذي قد نكبهما ابن الزبير، وبعثا في ذلك أربعة نفر: الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير [٥] وأبا المعتمر وهاني بن قيس الهمدانيّ، فقال لهم محمد بن علي: اكتموا الخبر، وأخفوا نفوسكم، وأجّلهم محمد بن علي ثلاثة عشر يوما ذاهبين وثلاثة عشر يوما جائين. وقد كان عبد الله بن الزبير بعث عليهما، وهما بزمزم، حرسا لا يدعون أحدا يدخل عليهما، ولا يدعون واحدا منهما يخرج، وأخذ ما وجد لمحمد بن علي من مال بالمدينة، ومنع الناس أن يكلموه، وأن يدخلوا عليه.
_________________
(١) في الأصل بياض، وأثبتنا «دنيا» من ص ٣٢ من هذا الكتاب.
(٢) زيادة.
(٣) انظر الخبر في أنساب الأشراف (القاهرة) ج ٣ ص ١٨٩ وما بعدها، (إسطنبول) ق ١ ص ٥٢٠ وما بعدها، مع بعض الاختلاف والتقديم والتأخير في السرد.
(٤) زيادة.
(٥) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ١٩١ (القاهرة)، ص ١ ص ٥٢١ (إسطنبول): محمد بن بشر.
[ ٩٩ ]
قال: فلما هدأت [١] العيون ونام ظالع الكلاب، دفع إليهم كتابا، وقال:
إني قد رمقت هؤلاء الحرس حتى دار بهم النوم، فاخرجوا حتى تركبوا رواحلهم وتمضوا لوجوهكم، فإذا دخلتم مسجد الكوفة فادفعوا الكتاب إلى المختار بن أبي [٢] عبيد، فإن رأيتم منه ما تحبّون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي نحن عليها، فإنّه ممّا يحرك المؤمنين تقوية، وسينصرنا من لم نكن نطمع في نصرته. قال: فأقبلنا حتى دخلنا على المختار، فلما قرأ الكتاب، دعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب [٣] وكانت نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى المختار بن أبي [٤٤ ب] عبيد ومن قبله [٤] من شيعتنا [٥] أهل البيت. سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلّا هو [٦] . أمّا بعد، فإنّي أسأل الله أن يدخلنا [٧] وإياكم الجنة، وأن يصرف عنّا وعنكم النار [٨]، فإنّي كتبت إليكم [٩] وأنا وأهل بيتي وبضعة عشر رجلا
_________________
(١) في الأصل: «هدت»، وما أثبتنا من أنساب الأشراف، وفيه «فلما هدأت العيون ونام طالع الكلاب» .
(٢) زيادة.
(٣) لم يورد أنساب الأشراف نص الكتاب، وإنما أشار إلى بعض مضمونه، ورواه ابن أعثم الكوفي في فتوحه ج ١ ص ١٠ ب- ١١ أ.
(٤) ابن أعثم: «ومن يحضره» .
(٥) ابن أعثم: «شيعة» .
(٦) عبارة «سلام إلا هو» لا ترد في ابن أعثم.
(٧) ابن أعثم: «يرزقنا» .
(٨) ن. م. «وأن يصرف عنا وعنكم عوارض الفتنة» .
(٩) ن. م. «واني كتبت إليكم كتابي هذا» .
(١٠) ن. م.: «وأنا وأهل بيتي وجماعة من أصحابي» .
[ ١٠٠ ]
محصورون لدى البيت الحرام الّذي من دخله كان آمنا، وقد منعنا ليّن [١] الطعام، وعذب الماء، وكلام الناس، ونهدد بالقتل والتحريق بالنار [٢]، وإني أنشدكم باللَّه الّذي يجزي بالإحسان إحسانا، ويتولّى ثواب البر الخيّر أن تخذلونا مرتين بين أظهركم من أهل بيت نبيّكم، فتندموا ألّا تكونوا نصرتموهم ومنعتموهم، كما قتل الحسين وآل الحسين إلى جانبكم بالأمس وأخواته وبناته ينظرن [٣] إليهم، ثم لم تمنعوهم ولم تدفعوا عنهم، وأصبحتم على ألّا تكونوا فعلتم ذلك نادمين، ثم يا غوثا باللَّه، ثم يا غوثا [٤] باللَّه، فإنّا لا ندعو إلى ظلم ولا إلى [٥] قتال أحد، إنّما نريد أن نسلم ويجتمع أمر الناس والسلام. قال: فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجّون ويقولون للمختار:
سرّحنا إليهم الساعة وعجّل بنا [٦] . قال: فو الله لو يأذن للناس كلّهم ما بقي معه منهم أحد. قال: فنادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فحمد الله [٤٥ أ] وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ هذا كتاب مهديكم وصريح [٧] أهل [٨] بيت نبيّكم صلّى
_________________
(١) ن. م.: «وقد منعنا عذب الماء وطيب الطعام» .
(٢) في ابن أعثم: «ونتهدد (الأصل: يتهدد) في كل صباح ومساء بأمر عظيم» . وبقية الرسالة في ابن أعثم هي: «وأنا أنشدكم الله الّذي يجزي بالإحسان ويتولى الصالحين أن لا تخذلوا أهل بيت نبيكم فتندموا كما ندمتم قبل اليوم عن قعودكم عن الحسين (هنا كلمة ممسوحة) إذ قتل بساحة أرضكم ثم لم تمنعوهم ولم تدافعوا عنهم فأصبحتم على ما فعلتم نادمين. هذا كتابي إليكم وهو حجة عليكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
(٣) في الأصل: «ينظرون» .
(٤) في أنساب الأشراف: «يا غوثنا باللَّه يا غوثنا باللَّه» .
(٥) في الأصل: كررت «إلى» مرتين.
(٦) في أنساب الأشراف: «سرحنا إليه وعجل» .
(٧) في الأصل: «صريخ»، والتصويب من أنساب الأشراف، ومن ابن أعثم ج ١ ص ١١ أ.
(٨) ابن أعثم: «آل نبيكم» .
[ ١٠١ ]
الله عليه وسلّم [ومن معه من إخوانكم] [١] قد تركوا محظورا عليهم حظار كزرب الغنم، فينتظرون القتل والحريق [٢] بالنار في آناء الليل وأوقات [٣] النهار، ولست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرّب [٤] إليهم الخيل في آثار الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحلّ بابن الكاهلية [٥] الويل- وكانت أم العوّام كاهلية [٦] . ثم قال المختار: تجهّز يا أبا عبد الله الجدلي ثم سر، فإن قدرت أن تطير فطر، وقال لأبي المعتمر: اخرج أنت فعسكر له. فخرج أبو عبد الله الجدلي فتبعه الناس يريدون أن يخرجوا معه، ونزل المختار فدخل القصر وقال لأبي عبد الله الجدلي: تعجّل في أهل القوّة الساعة الساعة، فخرج أبو عبد الله في نحو من سبعين راكبا. ودعا المختار الطفيل ابن عامر ومحمد بن بشير وبعث معهما كتابا هذه نسخته [٧]:
بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد. سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو. أمّا بعد، فقد قرأت كتابك رحمك الله
_________________
(١) زيادة من أنساب الأشراف.
(٢) في ن. م. «والتحريق» .
(٣) في ن. م.: «ونارات النهار»، وأورد ابن أعثم عبارة «يستغيث بكم مما نزل به من ابن الزبير فأغيثوه وأعينوه» بدل عبارة «قد تركوا محظورا أوقات النهار» في هذا النص.
(٤) في أنساب الأشراف «واسرب» بدل «وإن لم أسرب» في هذا النص، وفي ابن أعثم «وإن لم أضرب» .
(٥) في ابن أعثم «حتى يحل من عاداه الويل» محل «حتى يحل بابن الكاهلية الويل» .
(٦) وفي أنساب الأشراف: «يعني بابن الكاهلية عبد الله بن الزبير وذلك أن أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو بن حنثر من بني كاهل بن أسد بن خزيمة» . ق ١ ص ٥٢١.
(٧) يورد ابن أعثم نص الرسالة ج ١ ص ١١ أ- ب، وفيه اختلاف عن النص الوارد هنا.
[ ١٠٢ ]
وعفا عنك [١]، وسيّرت إليك الشيعة أرسالا يتبع بعضهم بعضا [٢] وباللَّه أفتأ أبعثهم إليك حتى [٤٥ ب] املأ مكة على ابن الكاهلية خيلا ورجالا حتى يعلم ابن الكاهلية أنّك أعزّ منه وأكثر نفرا [٣] . وقد [٤] أتاك الغوث وجاءك الغيث، وقد بعثت إليك مع ظبيان [٥] بن عمارة أخي بني تميم بأربعمائة ألف درهم [٦]، وسرّحت إليك معه رجالا ينصرونك [٧]، ويحفظون المال حتى يؤدّوه إليك، وسرّحت إليك أبا عبد الله الجدلي، وأمرته بالنجاء، والإغذاذ [٨] حتى يأتيك، وحبست من رسلك أبا المعتمر وأخا همدان لنجهّز إليك معهما من شيعتك أنصارا يقاتلون [٩] عدوك، ويدفعون الظلم عنك [١٠] . فأبشر ثم ابشر
_________________
(١) ابن أعثم: «فقد قرأت كتابك وأقرأته شيعتك وإخوانك من أهل الكوفة» .
(٢) ن. م.: «يتبع أولاهم أخراهم» .
(٣) في ابن أعثم: «وباللَّه أقسم قسما صادقا لئن لم يكف عنك من تخاف غائلته على نفسك وأهل بيتك لأبعثن إليك الخيل والرجال ما تضيق (الأصل: يضيق) به مكة على من (الأصل: ما) عاداك وناوأك حتى يعلم ابن الزبير أنك أعز منه نفرا ودعوة وأكثر نفيرا» .
(٤) ابن أعثم: «فأبشر فقد أتاك الغوث» .
(٥) في الأصل: «الطبيان» وما أثبتنا من أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٢٢.
(٦) ابن أعثم: «وقد وجهت إليك بأربعمائة ألف درهم لتجعلها فيمن أحببت من أهل بيتك وشيعتك» .
(٧) في الأصل: «لا يضرونك» والتصويب من ابن أعثم ج ١ ص ١١ أ، وعبارته «وقد سرحت إليك رجالا ينصرونك» .
(٨) في الأصل: «الاعذار» .
(٩) ابن أعثم لا يورد العبارة «وسرحت إليك من شيعتك أنصارا»، ويعطى محلها «ثم يقومون بين يديك فيقاتلون عدوك» .
(١٠) تتمة الرسالة في ابن أعثم هي «ويدفعون الظلم عنك وعن أهل بيتك، فأبشر بالجيش الكبير والجند الكثير. والله الّذي أنا له لو أعلم أني أعز لك ولأهل بيتك بهذا المكان إذا لسرت إليك بنفسي، وأذب عنك وعن أهل بيتك وعن وليك وشيعتك، دفع الله عنك وعنهم السوء أجمعين والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» ج ١ ص ١١ أ.
[ ١٠٣ ]
فقد أتاك الصمد [١] بفارس بهمة وسداد ثغر وفرّاج [٢] غمّ وأخ نصور [٣]، وو الله الّذي لا إله إلّا هو لولا أعلم أنه أعزّ لك ولشيعتك أن أبعث إليك الخيل والرجال، وأقيم بهذه البلدة لسرت بنفسي حتى أقتل ابن الكاهلية، أو آتيك به سلما، فاكتب إلينا برأيك وأمرك في كلّ حال، ما بدا لك، فإنّما نحن شيعتك وأنصارك والسلام عليك ورحمة الله. قال: فخرج الناس بعضهم في آثار بعض، وقد بهذه الرسالة الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير وأصحابه، ثم جاءهم أبو عبد الله الجدلي، فأقبل حتى نزل بذات عرق [٤] في سبعين راكبا فصلّى بهم الظهر والعصر حتى توافي الناس واستتم معه مائة وخمسون [٤٦ أ] رجلا، فلمّا اجتمعوا صلّى بهم أبو عبد الله، ثم دخل مكة ومع أصحابه الخشب وكان المختار أمرهم بذلك، فدخلوا الأبطح فسمّوا الخشبية من أجل ذلك. فدخل المسجد الحرام ومحمد بن علي وعبد الله بن عباس وأهل بيته بزمزم وأولئك النفر الذين معه قد أعدّ لهم عبد الله ابن الزبير الحطب ليحرقهم فيما يزعم بالنار، وقد قال بعض الناس إنّ ابن الزبير أظهر ذلك لهم، أراد أن يرعبهم لكيما يبايعوه. وكان ابن الزبير قد أعطى الله عهدا لئن مضت بهم الجمعة ولم يبايعوه أن ينفذ فيهم رأيه.
فدخل أبو عبد الله وأصحابه مكة ولم يمض من الأجل غير يومئذ، فعقلوا رواحلهم بباب المسجد ثم شدّوا على الحرس الذين وكّلوا بهم فطردوهم، ثم وثبوا على أعواد زمزم فكسروها، ثم دخلوا على ابن الحنفية يفدّونه بآبائهم
_________________
(١) في الأصل: «الصمور» .
(٢) في الأصل: «مزاح» .
(٣) في الأصل: «تصور» .
(٤) ذات عرق، من منازل الحج على بعد حوالي واحد وعشرين ميلا من المدينة. انظر «كتاب المناسك وأماكن طريق الحج» تحقيق حمد الجاسر (دار اليمامة ١٩٦٩) ص ١٥١.
[ ١٠٤ ]
وأمهاتهم وأهاليهم وأولادهم، ويقبلون رأسه ورجله ويقولون: خلّ بيننا وبين ابن الزبير، فقال لهم ابن الحنفية: ويحكم إني لا أستحلّ القتال في الحرم [١] . وخرج ابن الزبير في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: العجب [٢] كل العجب من هؤلاء الخشبية السبئية الذين اغترّوني يبغون حسينا كأنّي أنا قاتل الحسين، والله لوددت أني قدرت على قتلة الحسين فقتلتهم [٣]، وأقبل على أبي عبد الله الجدلي [وأصحابه] [٤] فقال: تحسبون أني مخلّ [٤٦ ب] سبيل هذا المذمم- يعني ابن الحنفية- دون أن يبايع ويبايعوا! فقال له أبو عبد الله:
أي ورب الكعبة، لتخلينّ سبيله فلينزلنّ من مكة حيث يشاء، ومن الأمصار حيث أحبّ [٥] أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب فيه [٦] المبطلون. فنظر ابن الزبير وإذا أصحابه كثير قد كانوا يملئون المسجد، وإذا أولئك لا يتمون مائتي رجل وهم على ذلك معصوصبون [٧] مجتمعون، فعلم ابن الزبير أن لهم شوكة وأن جماعتهم خشنة. فقال ابن الزبير: وما هؤلاء والله، إن هم إلّا أكلة رأس، لو أذنت لأصحابي ما مكثوا ساعة حتى تقطف رءوسهم،
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٢١.
(٢) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٢٢، وفي ابن الأعثم ج ١ ص ١١ ب «أما بعد فالعجب كل العجب من هذه العصبة الردية السبائية الترابية الذين يناءوني في سلطاني إلخ» .
(٣) يضيف ابن أعثم «وهؤلاء الذين كاتبوا الحسين بن علي فأطمعوه في النصر فلما صار إليهم خذلوه وأسلموه لعدوه» ج ١ ص ١١ ب وهي إضافة لها دلالتها.
(٤) زيادة من أنساب الأشراف.
(٥) في الأنساب «أتروني أخلي سبيل صاحبكم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال الجدلي: ورب الركن والمقام والحل والإحرام لتخلين سبيله فينزل من مكة حيث شاء ومن الأرض حيث أحب » ق ١ ص ٥٢٢، وانظر ابن أعثم ج ١ ص ١١ ب.
(٦) ابن أعثم «يرتاب منه المبطلون» .
(٧) في الأصل: «معصومون» .
[ ١٠٥ ]
فقال صخر بن مالك المزني: إني لأرجو إن ذهب أولئك أن لا يوصل والله إليهم قبل أن ترى فينا ما تحب [١] . قال فمكث القوم ثلاثة أيام صافّا [٢] بعضهم لبعض في المسجد الحرام، والمعتمرون يمشون بينهم [٣] في الصلح، فلما كان اليوم الثالث قدم أبو المعتمر في مائة رجل، وهانئ بن قيس الهمدانيّ في مائة رجل، ونزل ظبيان [٤] بن عمارة الأبطح في مائتين ومعه المال [٥]، ثم أقبلوا جميعا حتى دخلوا المسجد يكبّرون وينادون يا لثارات الحسين، يا لثارات الحسين. فلمّا رأى ذلك أصحاب ابن الزبير خافوهم، ورأى ابن الحنفية أنّه قد امتنع فقال لأصحابه: اخرجوا بنا إلى الشعب، فخرجوا، ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم، فأقاموا [٤٧ أ] بالشعب [٦] . وبلغنا أنّ أبا عبد الله الجدلي لما نزل بذات عرق كتب إلى ابن الحنفية يعلمه قدومه، فبعث إليه ابن الحنفية: إنّي أكره أن تدخل الحرم بالسلاح، فإنّ رسول الله ﷺ قد نهى عنه، وأقبل أبو عبد الله في أصحابه معهم الخشب حتى دخلوا المسجد، وإنما سمّوا الخشبيّة لذلك، فأخرجوا محمدا وعبد الله بن العباس وأصحابه من حظيرة زمزم، وكانت بنو هاشم من أول النهار محصورين
_________________
(١) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٢٢.
(٢) في الأصل: «صاف»، وفي أنساب الأشراف: «قد صف» .
(٣) في أنساب الأشراف «فيما بينهم» .
(٤) في الأصل: «طيبان» والتصويب من أنساب الأشراف.
(٥) أنساب الأشراف: «ومعه مال بعث به المختار وهو أربعمائة ألف درهم» ق ١ ص ٥٢٢.
(٦) يسميه ابن أعثم «شعب أبي طالب» . انظر ج ١ ص ١١ ب- ١٢ أ. وفي البلاذري- أنساب الأشراف بعد «على حبسهم» «فخرج فنزل شعب علي وضم إليه المال الّذي عنده وأتته الشيعة في عشرة وعشرين ورجل ورجلين حتى اجتمع معه أربعة آلاف رجل ويقال أقل من أربعة آلاف فقسم بينهم المال الّذي أتاه» . ق ١ ص ٥٢٢.
[ ١٠٦ ]
وآخره، ما منهم رجل إلّا وقد أخذ بحقويه [١] رهط من قريش، متعوذون بهم. قال ابن الحنفية: ما أمركم به صاحبكم، فأخرج إليه كتابين: في أحدهما أن اضرب عنق عبد الله بن الزبير وعنق عبد الله بن صفوان وأبعث إليّ برأسيهما، فقال ابن الحنفية: فإن أنا لم أفعل ذلك ولم أدعكم فمه؟
قال أبو عبد الله: أمرنا إن لم تفعل ذلك أن [٢] نضع الكتاب تحت أرجلنا ونسمع لك ونطيع. قال: وحجّ الناس في تلك السنة وهي سنة ست وستين على ثلاثة منازل: محمد بن علي في أصحابه على حدة، وعبد الله بن الزبير في أصحابه على حدة، ونجدة بن عامر الحروري في أصحابه على حدة. فلما أفاض الناس من عرفات نزل محمد بن علي شعب عليّ بن أبي طالب، فأقام معه أبو عبد الله الجدلي في الشعب مع أصحابه [٤٧ ب] حتى قتل المختار، فلما بلغه قتله، سار حتى نزل أيلة، فبعث ابن الزبير في طلبه ابنا للمنذر بن الزبير. قال: ولما قدم محمد بن الحنفية أيلة بعث إليه عبد الملك بن مروان:
إن أحببت أن تقدم علينا فتدخل في أمرنا فلك ما لنا وعليك ما علينا، وإن كرهت ذلك فسر حيث شئت وأحببت، فأقام بأيلة حتى قتل ابن الزبير، وانصرف إلى مكة فأقام بشعب علي [٣] . ثم إنّه خرج وعبد الله بن عبّاس وجماعة من أهل بيتهما إلى الطائف، فأقاموا بها، ومات عبد الله بن عباس، ورأوا ذلّا وصغارا، فمشى بعضهم إلى بعض فتذاكروا وصية ابن عبّاس إياهم فمشى بعضهم إلى علي بن الحسين بن علي فذكروا ذلك له وأرادوه على الخروج من المدينة، فقال علي: يا سبحان الله تأمرونني بالخروج من دار الهجرة إلى دار الأعراب، فأصير أعرابيا بعد الهجرة، وتأمرونني بفراق قبر رسول
_________________
(١) أي استجار به.
(٢) زيادة.
(٣) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٢٣.
[ ١٠٧ ]
الله ﷺ ومسجده أغدو وأروح إليه والصلاة فيه تعدل بألف صلاة، فانصرف القوم عنه وانطلق علي بن عبد الله بن عباس يرتاد ويطلب حتى أتى رستاقا بين الشام والمدينة فاشترى فيه قرية يقال لها الحميمة [١] فنزلها ونزلها ولده فكانوا بها، وقلّ قدومهم المدينة. أبو المنذر عن عوانة والشعبي أن ابن [٤٨ أ] عبّاس دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي ﵇ إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده على عضد ابن الزبير ثم قال: أصبحت والله كما قال الأول:
يا لك من حمّرة بمعمر خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري [٢]
خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير فقال: والله إنّك لترى أنّك أحق بهذا الشأن من غيرك. فقال ابن عباس: إنّما يرى من كان في حال شكّ، وأنا من ذلك على اليقين. فقال ابن الزبير: وبأي شيء استحقّ عندك أنّكم أحقّ بهذا الشأن منّي؟ فقال ابن عبّاس: لأنا أحقّ بحقّ من تدل [٣] بحقّه أنت. يا ابن الزبير! وبأي شيء استحقّ عندك أنّك أحقّ بها من سائر العرب إلّا بنا؟ فقال ابن الزبير:
_________________
(١) تقع الحميمة على يمين الطريق من معان إلى العقبة، إذ يقطع المسافر من الحميمة ١٢ كم ليبلغ الطريق، وبعدئذ يقطع ٧٥ كم ليصل العقبة.
(٢) في الحيوان للجاحظ (تحقيق عبد السلام هارون القاهرة ١٩٣٨) ج ٣ ص ٦٦ وج ٥ ص ٢٢٧، «يا لك من قبرة بمعمر» . والرجز منسوب لطرفة بن العبد. وانظر حياة الحيوان للدميري (مطبعة الاستقامة ١٩٦٣) ج ٢ ص ٢٤.
(٣) في الأصل: «يدك» .
[ ١٠٨ ]
استحقّ عندي أني أحقّ بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا. قال ابن عبّاس: أفأنت أشرف أم من شرفت به؟ قال ابن الزبير: إنّ من شرفت به زادني شرفا إلى شرف قد كان لي قديما. قال ابن عبّاس: فالزيادة أشرف أم المزيد عليه؟ فأطرق طويلا ثم قال: بل الزيادة أشرف وأعرف من المزيد عليه. قال [٤٨ ب] ابن عباس: فالزيادة منّي أو منك؟ قال: بل منك ولم أبعد. قال: صدقت فأيّها كان أول؟ فتكلم ابن أخي [١] ابن الزبير وفيه بعض الزهو فقال: ابن عباس [٢] ! دعني من لسانك هذا الّذي تقلبه كيف شئت، والله لا تحبوننا يا بني هاشم. قال ابن عباس: صدقت يا بنيّ نحن أهل بيت نبيّ الله ﷺ لا نحب من أبغضه الله أبدا. فأخذ ابن الزبير نعله فعلا بها رأس ابن أخيه، وقال: ما أنت والكلام لا أمّ لك، تنازع ابن عباس! فقال: لن يستحقّ الضرب من صدق، وإنّما يستحقّه من مذق ومرق. قال ابن الزبير: يا ابن عبّاس! أما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة إلّا أعددت لها جوابا. قال ابن عبّاس: إنّما الصفح عمّن أقرّ، فأمّا من هرّ فلا. قال ابن الزبير: فأين الفضل إذن؟ قال: عندنا أهل البيت، لا نصرفه عن أهله فنظلم، ولا نضعه في غير أهله فنندم. قال ابن الزبير: أولست من أهله؟ قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدد [٣] . فانقضى حديثهم وقام القوم فافترقوا.
أبو المنذر عن أبي مخنف والشرقي [٤] وعوانة وأبي [٥] مسكين قال: قال عبد
_________________
(١) الأصل: «ابن الزبير»، ويتضح من تتمة الخبر انه ابن أخي ابن الزبير.
(٢) أي «يا ابن عباس» . وفي حاشية الأصل: «لعله: فقال ابن الزبير» . وهو خطأ.
(٣) في الأصل: «الحدد» .
(٤) يرد الاسم في المخطوط «الشرفي»، وهو الشرقي بن القطامي.
(٥) في الأصل: «أبو» . والخبر في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢٦٨ (القاهرة) وق ١ ص ٥٤٥ (إسطنبول)، رواية عباس بن هشام بن الكلبي عن أبيه وجده وعن أبي مخنف وعوانه.
[ ١٠٩ ]
الله ابن الزبير وهو على المنبر بمكة يخطب الناس إذ أقبل ابن عباس، وقد كفّ بصره: إنّ هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ المتعة حلال من الله ورسوله وهي الزنا المحض [١]، [٤٩ أ] ويفتي الناس في القملة والنملة، وقد حمل [٢] بيت مال البصرة، وتركهم [٣] يرضخون النوى، وكيف نلومه [٤] على ذلك، وقد قاتل أمّ المؤمنين، وحواري رسول الله ﷺ ومن وقاه بيديه [٥] . فقال ابن عبّاس: لقائده [٦] سعيد ابن جبير، وهو مولى لبني أسد بن خزيمة، وقال بعضهم بل كان عكرمة:
استقبل بي ابن الزبير، وارفع من صدري [٧]، ثم حسر عن ذراعيه فقال:
يا ابن الزبير،
إنّا إذا ما فئة نلقاها نردّ أولاها على أخراها
بالمشرفيات إذا [٨] نغشاها ضربا إذا نحن تقلدناها
حتى تكون صرعا [٩] دعواها قد أنصف القارة من راماها
يا ابن الزبير! أمّا العمى فإنّ الله تعالى يقول فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ٢٢: ٤٦
_________________
(١) عبارة «وهي الزنا المحض» غير مثبتة في رواية أنساب الأشراف، وانظر أيضا شرح نهج البلاغة ج ٢٠ ص ١٢٩- ١٣١.
(٢) في أنساب الأشراف: «وقد حمل ما في بيت مال البصرة» .
(٣) في ن. م.: «وترك أهلها» .
(٤) في ن. م.: «يلام» .
(٥) في ن. م. «ومن وقاه بيده، يعني طلحة» .
(٦) في ن. م.: «لقائده، يقال إنه سعيد بن جبير» .
(٧) عبارة «وارفع من صدري» غير مثبتة في رواية أنساب الأشراف.
(٨) في الأصل: «إذا ما» ولا يستقيم البيت مع «ما» . وهذا البيت ليس مثبتا في رواية أنساب الأشراف.
(٩) في أنساب الأشراف: «حتى يصر ضرعا دعواها»، ق ١ ص ٥٤٥.
[ ١١٠ ]
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ٢٢: ٤٦ [١]، وإنّما كان يوم زوّجت صفية بنت عبد المطلب من العوّام بن خويلد [٢] . وأما فتياي في القملة والنملة فإن فيهما حكمين لا تعلمهما [٣] أنت ولا أصحابك. وأمّا قولك في المتعة فقد أحلّها الله ﷿ في كتابه إذ قال جلّ ثناؤه:
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ به مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ٤: ٢٤ [٤]، ولقد عمل بها على عهد رسول الله صلى الله [٤٩ ب] عليه وسلّم، وما حدث نبيّ بعد رسول الله ﷺ يحلّل ويحرّم، وإنّك لمن متعة، فإذا نزلت عن منبرك فسل أمّك أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين عن بردي عوسجة وهل أنت من متعة أم غير ذلك [٥] . وأمّا حملي مال البصرة فإنّه مال كنّا جبيناه فأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب [٦] الله فأخذناها بحقّنا. وأما قتال عائشة [٧] فبنا سمّيت أمّ المؤمنين لا بك ولا بآبائك، فانطلق أبوك وخالك طلحة [٨] إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها وانجداها [٩] يقاتلان دونها وصانا حلائلهما [١٠]، فو الله ما
_________________
(١) سورة الحج، الآية ٤٦.
(٢) عبارة: «وإنما كان خويلد» ليست في رواية أنساب الأشراف.
(٣) في الأصل: «لا تعلمها» والتصويب من أنساب الأشراف.
(٤) سورة النساء، الآية ٢٤.
(٥) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٤٥، العقد الفريد ج ٤ ص ١٤ وص ٤١٤، ومروج الذهب ج ٥ ص ١٨٧- ١٩٠ حيث يفسر هذا القول المنسوب إلى ابن عباس بما ينفيه.
(٦) في أنساب الأشراف «في كتاب الله وسهامه» .
(٧) في ن. م. «أم المؤمنين» .
(٨) يضيف ن. م. «فعمدا» بعد (طلحة) .
(٩) في ن. م. «واتخذاها فئة يقاتلان دونها» .
(١٠) يضيف في ن. م.: «في بيوتهما» بعد (حلائلهما) .
[ ١١١ ]
أنصفا رسول الله ﷺ [١] إذ مدّا على بناتهما ونسائهما السجوف، وأبرزا زوج رسول الله ﷺ للحتوف ومقارعة السيوف [٢] .
وأمّا قتالنا إيّاكم فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل [٣]، فإن كنّا لقيناكم زحفا كفّارا [٤] فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين [٥]، فلا أراني أجد لأبيك مخرجا [٦]، وأيم الله لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت فيكم مهموزا إلّا هشمته [٧] .
فلمّا نزل ابن الزبير عن منبره أتى أمّه فسألها عن بردي عوسجة، وعمّا قاله ابن عباس فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم [٥٠ أ] وأنّهم كعم الجواب إذا بدهوا، قال: بلى، فعصيتك، قالت [٨]: يا بني احذر هذا الأعمى الّذي ما أطاقته الجن ولا الأنس، واعلم أنّ عنده فضائح قريش كلّها وقومك، وصدق والله إنّك لمن متعة. وفي ذلك يقول ابن خريم بن فاتك الأسدي:
يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة من البوائق [٩] فالطف لطف محتال
لقيته هاشميّا طاب مغرسه في منبتيه كريم العمّ والخال
_________________
(١) في ن. م. «فو الله ما أنصفا الله ولا محمدا في ذلك» .
(٢) عبارة: «إذ مدا على بناتهما السيوف» غير واردة في أنساب الأشراف.
(٣) عبارة: «فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل» غير مثبتة في الأنساب الأشراف.
(٤) في ن. م.: «ونحن كفار» .
(٥) في ن. م.: «إيانا» .
(٦) عبارة «فلا أراني أجد لأبيك مخرجا» غير مثبتة في أنساب الأشراف.
(٧) في أنساب الأشراف: «ما تركت لك عظما مهموزا إلا كسرته» .
(٨) انظر أنساب الأشراف ق ١ ص ٥٤٥.
(٩) البائقة: الداهية.
(١٠) في شرح نهج البلاغة ج ٢ ص ١٣١: «لاقيته هاشميا طالب منبته في مغرسيه كريم العم والخال»
[ ١١٢ ]
ما زال يقرع منك العظم مقتدرا على الجواب بصوت مسمع عال
حتى رأيتك مثل الكلب [١] منجحرا خلف الغبيط [٢] وكنت البادئ العالي [٣]
إنّ ابن عبّاس المحمول [٤] حكمته خير الأنام له حال من الحال
عيّرته المتعة المتبوع سنتها وبالقتال وقد عيّرت بالمال
لمّا رماك على رسل بأسهمه جرت [٥] عليك كسوف الحال والبال
فاحتزّ مفصلك الأعلى بشفرته حزّا وحيّا بلا قيل ولا قال
واعلم بأنك إن حاولت نقصته عادت عليك مخاز [٦] ذات أذيال
ينبشن والدك الأعلى ووالده والهاشميون حيّ غير أنذال [٧]
أبو المنذر: عن أبي مخنف والشرقي وعوانة: أنّ معاوية بينا هو جالس على سريره [٥٠ ب] وعنده الناس إذ استأذن عليه ابن عبّاس وابن الزبير، فدخلا وسلّما ثم جلسا على كرسيّين أحدهما تلقاء صاحبه. فأقبل معاوية على ابن الزبير فقال له: عليك بابن [٨] عبّاس تجده لك قرنا [٩] ودعني من منازعتك إياي فربّما آذيتني [١٠] . فقال ابن الزبير: أقول يا ابن عباس؟ فقال: قل ما بدا لك. قال: أيّهما أولى بالمرء: اللبّ أم الأدب؟ قال ابن عبّاس: اللبّ حباء من الربّ، والأدب تكلّف من القلب، فاللبيب من نظر في العواقب
_________________
(١) في الأصل: «مثل السلب» وما أثبتنا رواية أنساب الأشراف.
(٢) في الأصل: «العبيط»، «والغبيط» رواية أنساب الأشراف.
(٣) في أنساب الأشراف: «العالي»، وفي شرح نهج البلاغة: «الباذخ الغالي» .
(٤) في شرح نهج البلاغة: «المعروف» .
(٥) في أنساب الأشراف: «جرى» .
(٦) في الأصل: «مجازي» وما أثبتنا رواية أنساب الأشراف وشرح نهج البلاغة.
(٧) لم يرد هذا البيت في أنساب الأشراف ولا في شرح نهج البلاغة.
(٨) في الأصل: «يا بن» .
(٩) في الأصل: «قرن» .
(١٠) في الأصل: «أدنيتني» .
[ ١١٣ ]
وأحكمته التجارب، والأديب من قبل من المرء الأريب. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ بالمرء: الحسد أم النكد؟ قال ابن عباس: الحسد داعية النكد ودليلك على ذلك أنّ إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعد أن كان مكينا. قال: صدقت، فأيّهما أضرّ: الجهل أم قلة العقل؟ قال: لم ير جاهل [١] إلّا من قلّة العقل، وإنّما يدور الجهل على قلّة العقل. قال: فأيّهما أشين بذي الشرف: أجبنه أم بخلة؟ قال: البخل شقاء والجبن بلاء، فالشقاء أدوم ضرورة على البدن من البلاء، بخل غير البخيل، ولم تر بخيلا أنال جزيلا، ولم يبخل من أدّى حقّ الله في ماله.
قال: فأيّهما أزين به: شجاعته في الحروب أم سخاؤه في الجدوب [٢]؟ قال:
السخاء إذا كان في حقّ الله أجمل والشجاعة في [٥١ أ] سبيل الله أفضل، ولم يسخ من وضع سخاءه في غير موضعه، ولم يشجع من قاتل في غير تقوى ربّه. قال: فأيّهما أشدّ على البدن: الغمّ أم الغضب؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن نازع من يقوى عليه أظهره فكان غضبا، وإذا نازع من لا يقوى عليه كتمه فكان غمّا. قال: فأيّهما أقبح: الكذب أم النميمة؟
قال: الكذب ذلّ والنميمة لؤم [٣]، فمن كذب فجر، ومن نمّ سحر. قال:
فأيّهما أعظم: السرقة أم الخيانة؟ قال: السرقة محاربة والخيانة مواربة، فالسارق لئيم والخائن ذميم. قال: فأيّهما أشين: الإسراف أم الإقتار؟
قال: الإسراف من طينة السخاء غير أنه جاز الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال، والإقتار من طينة البخل، والبخل أقبحهما. قال: فأيّهما أفضل:
الحلم أم العلم؟ قال: الحلم من الكرم وحسن الخلق، والعلم من الدين،
_________________
(١) في الأصل: «جاهلا» .
(٢) في الأصل: «الجذوب» .
(٣) انظر عيون الأخبار ج ٢ ص ٢٦.
[ ١١٤ ]
فمن حلم ظفر، ومن علم حذر، فالحذر منجح، والحلم مفلح. قال:
صدقت في كلّ ما وصفت، وقد انقضت مسائلي. قال ابن عبّاس: فأسألك؟
قال: لا. قال: وأبيك ما أنصفتني. قال: إني أخاف أن يشمت بي أو بك معاوية. قال معاوية: لا وأبيك، ما بك الشماتة يا ابن الزبير، ولكن خشيت على نفسك إذ همز بك غلام أبطحيّ هاشميّ منافيّ لم تقعد به أعراقه ولم تشنه أخلاقه فهمزك همز القناة [٥١ ب] لثقافها حتى اعتدل صعرك، واستقام له ميلك. قال ابن الزبير: الحمد للَّه الّذي لم [١] يمتني حتى رأيتك تفخر عليّ بفخر غيرك، أمّا ابن عباس فجماله جمالي، وهو ابن خالي، وأيم الله لو كنت أنت المتكلّم لأفحمنّك ولألجمنّك لجاما تمج لشكيمه دما ثم تستمرّه علقما. فقال معاوية: قاتلك الله يا ابن الزبير! ما أجرأك علينا، وأجبنك عن غيرنا، وإنك لكما قيل [٢]:
جهلا علينا وجبنا عن عدوّكم لبئست الخلّتان: الجهل والجبن
قال ابن الزبير عند ذلك:
إذا رأوا خلّة طاروا بها فرحا منّي وما علموا من صالح دفنوا [٣]
قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين إنّما كلمت ابن عمّي ولم أرد به بأسا، ولم يرد بي، فأعفنا أنت مما تقول فإنك لا تدري إلى ما نؤول.
أبو المنذر عن أبي مسكين عن ابن إسحاق قال: لما أخرج [٤] ابن الزبير،
_________________
(١) زيادة يفرضها السياق.
(٢) في النص «قال» وفي الهامش «قيل» وبه أخذنا.
(٣) في اللسان: «إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا »، وقد نسبه صاحب اللسان لقعنب ابن أم صاحب. انظر اللسان ج ١٦ ص ١٤٨.
(٤) انظر أنساب الأشراف ج ٣ ص ٢٨٧ (القاهرة)، ق ١ ص ٥٥١- ٢ (إسطنبول) .
[ ١١٥ ]
ابن الحنفية إلى الطائف وطرده إليها، قام ابن عباس خطيبا فقال: أمّا بعد فإن تعجّبي لا ينقضي من انتزائك [١] على بني عبد المطّلب تخرجهم من حرم الله وأمنه، وهم أولى به منك وأوفر منه نصيبا، وهم القوم الذين علوت بنسبهم ولولاهم لكنت كبعض من هو ملقى بالأبطح، أما والله يا ابن الزبير، إنّ عواقب الظلم لتردّ [٢] إلى فساد وندم. [٥٢ أ] فقال ابن الزبير:
ما منك عجب [٣] يا ابن عباس ولكن منّي [٤] حيث أتركك تنطق عندي ملء فيك.
فقال: والله ما نطقت عند وال قطّ من الولاة أخسّ عندي ولا أصغر حظّا منك، قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ، وعند أبي بكر وهو يتعجّب لتوفيق الله إياي، ثم نطقت رجلا عند عمر وعثمان وعليّ وهم يتعجّبون مني، وكلّ هؤلاء خير منك ومن أبيك وأبرّ وأزكى وأتقى وأنقى [٥] . فقال ابن الزبير: إنّك لهاهنا، أما والله إن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعون سنة.
فقال ابن عباس: أما والله ليبلغنّ ذاك بك إلى الخروج من الإيمان، ولقد ضرّك والله بغضي وآثمك، وكانت عواقب الضرّ فيه لك وعليك، إذ دعاك ذلك إلى ترك الصلاة على النبي ﷺ في خطبتك [٦]، زعمت كيلا
_________________
(١) في الأصل: «انبرائك» .
(٢) في الأصل: «ليرد» والتصويب من أنساب الأشراف ج ٣ ص ١٩٩ (القاهرة) ق ١ ص ٥٢٤ (إسطنبول) حيث ترد الرواية الكاملة مع اختلافات بسيطة.
(٣) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ١٩٩ (القاهرة) ق ١ ص ٥٢٤: «ما منك أعجب» .
(٤) في ن. م. «ولكن من نفسي حين أدعك » .
(٥) انظر ن. م. ج ٣ ص ١٩٩- ٢٠٠، ق ١ ص ٥٢٤.
(٦) في أنساب الأشراف، بعد (خطبتك)، «فإذا عوتبت على ذلك قلت إن له أهيل (الأصل: الكيل) سوء، فإذا صليت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رءوسهم » ج ٣ ص ٢٠٠، أو انظر شرح نهج البلاغة ج ٢٠ ص ١٢٧- ١٢٨.
[ ١١٦ ]
تطاولك [١] أعناق أهل بيتي، وتعاتب على ذلك فتقول: إنّ له أهل سوء.
فقال ابن الزبير: اخرج عنّي فلا أراك تمرّ بي، فقال: أنا والله فيك أزهد من أن تراني أقربك.