جعفر بن عبد الله بن العباس العلويّ عن أبيه عن الحارث بن كعب عن مجاهد، قال: بلغ يزيد بن معاوية أنّ ابن الزبير أخذ ابن عباس في أول أمر ابن الزبير، فكتب يزيد إلى ابن عبّاس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير، دعاك إلى نفسه [١]، وعرض عليك الدخول في طاعته، لتكون على الباطل ظهيرا، وفي المأثم شريكا، وأنك امتنعت هنالك من طاعته، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا، وإقامتك بها طاعة الله وتثبيت ما عرّفك الله من حقّنا، فجزاك الله من ذي رحم ما جزى الواصلين لأرحامهم، الموفين بعهدهم، ما أنس من الأشياء فلست أنسى برّك وتعجيل صلتك بما أنت أهله منّي للطاعة [٣٦ ب] والشرف والقرابة برسول الله ﷺ، فانظر من يطلّ عليك من سحرة الملحد ابن الزبير بلسانه وزخرف مقاله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسك ببيعتي فإنّهم لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد [٢] والسلام. فأجابه ابن عباس:
بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإن كتابك أتاني تذكر فيه دعاء [٣] ابن الزبير إياي إلى نفسه، وامتناعي عليه للذي [٤] دعاني إليه، فإن يك كذلك فلست أنوي حباءك ولا كيدك ولا ودّك، ولكنّ الله بالذي أنوي أعلم.
ذكرت أنك لست ناسيا برّي وتعجيل صلتي، فاحبس عنّي أيها الإنسان
_________________
(١) في الأصل: «إلى نفسك» .
(٢) في الأصل: «للملح» .
(٣) في الأصل: «ادعاء» .
(٤) في الأصل: «الّذي» .
[ ٨٥ ]
صلتك، فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي، ولعمري، ما تؤتينا من حقّنا إلّا القليل، وإنّك لتحبس عنا منه العريض الطويل. وسألتني أن أحثّ الناس إلى طاعتك وأخذّلهم عن ابن الزبير، فلا، ولا سرور ولا كيد ولا كرامة ولا حبور. كيف تسألني نصرتك، وتحدوني على ودّك، وقد قتلت حسينا ﵇، بفيك الكثكث ولك الأثلب إذ تمنيك نفسك، العازب رأيك، وإنك لأنت الملعّن المثبور. أتحسبني لا أبا لك نسيت قتلك حسينا ﵇ وفتيان بني عبد المطلب [٣٧ أ] مصابيح الدجى، ونجوم الأعلام، غادرتهم جنودك بأمرك مصرّعين في صعيد واحد، في الدماء مرمّلين، بالعراء مسلّبين، لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفي عليهم الرياح، وتغزوهم الذئاب والسباع، وتنتابهم جوّع [١] الضباع، حتى أتاح الله لهم قوما لم يشركوا في دمائهم، وكفنوهم وأجنّوهم [٢]، وبي والله وبهم جلست مجلسك، وأعززت نفسك، وما أنس من الأشياء فلست أنسى تسلّطك عليهم، فلست أنسى الدعيّ [٣] ابن الدعيّ ابن العاهرة الفاجرة، البعيد رحما، اللئيم أبا وأمّا، الّذي في ادعائه أبوك كسب العار والشنار والخزي والمذلة في الآخرة والأولى، والممات والمحيا، إنّ رسول الله ﷺ قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقال أبوك: الولد لغير الفراش والعاهر لا يضرّه العهر، ويلحق به ولده للبغي كما يلحق بالعفيف ولده للرشد، فقد أمات أبوك السنة جهلا، وأحيا البدع والأحداث المضلّة عمدا. وما أنس من الأشياء لست أنسى إطرادك الحسين بن علي رحمة الله عليهما ورضوانه من حرم رسول الله ﷺ إلى حرم الله، وتسريبك [٤] إليه الرجال ليغتالوه، ودسيسك
_________________
(١) في الأصل: «جرع» .
(٢) في الأصل: «أحبوهم» .
(٣) يقصد عبيد الله بن زياد بن أبيه.
(٤) في الأصل: «وسريتك»، والصواب «وتسريبك» أي بعثك.
[ ٨٦ ]
إليهم إن هو نذر بكم فبادروه، وقاتلوه، فما زلت بذلك وفي ذلك حتى أشخصته من مكة [٣٧ ب] إلى أرض العراق، فخرج منها خائفا يترقب، يزأر عليه [١] خيلك ورجلك زئير الأسد، عداة منك للَّه ولرسوله ولأهل بيته. لعمر الله لقد كان أعزّ أهل البطحاء قدما، وأعرف أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو نوى بهما مقاما، واستحلّ بهما قتالا، ولكنه كره أن يكون هو المرء تستحل [٢] به حرمة [٣] البيت أو حرمة رسول الله ﷺ. وكتبت إلى ابن مرجانة بالخيل والرجال والأسنّة والسيوف، وأمرته بمعاجلته وترك مطاولته بالإلحاح عليه حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فنحن أولئك لسنا كآبائك الجفاة [٤] الأجلاف أكباد الحمر، فطلب إليكم الحسين ابن علي ﵇ الموادعة، وسألكم الرجعة فأبيتم، واغتنمتم قلة أنصاره، وأردتم استئصاله وأهل بيته، فعدوتم عليهم فقتلتموهم، كأنما قتلتم أهل بيت من ترك أو كابل، فلا شيء أعجب عندي من طلبك ودي وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أخيذ [٥] ثأري، فإن يشأ الله لا يطلّ [٦] لديك دمي ولئن تطلّ [٧] دمي وتعجزني بثأري وتسبقني فيه في الدنيا، فقتلنا ما قتل به النبيون [٣٨ أ] وأبناء النبيين، وطلّت دماؤهم، وكان الله لهم الموعد، وكفى باللَّه للمظلوم ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبنّك إن ظفرت بنا اليوم، فو الله لنظفرنّ بك يوما إن شاء الله. ذكرت وفائي وما عرّفني الله من
_________________
(١) في الأصل: «إليه» .
(٢) في الأصل: «يستحل» .
(٣) في الأصل: «وحرمه» .
(٤) في الأصل: «الحفاة» .
(٥) في الأصل: «أخذ» .
(٦) في الأصل: «يبطل» .
(٧) في الأصل: «بطل» .
[ ٨٧ ]
حقّك، فإن يك ذلك كذلك، فعمدا والله بايعت أباك وبايعتك من بعد أبيك، وإني لأعلم أني وجميع ولد أبي أحقّ بهذا الأمر منكم، ولكنكم معشر قريش استأثرتم علينا بسلطاننا حتى دفعتمونا عن حقّنا، فبعدا لمن تحرّى ظلمنا، واستغوى السفهاء علينا حتى دفعنا عن [١] حقنا واستولى على الأمر دوننا، كما بعدت ثمود وقوم هود وأصحاب مدين، ألا ومن أعجب الأعجاب عندي، وما عسيت أن أرى في الدهر من عجب، حملك بنات عبد المطلب وأغيلمة صغارا من ولد أبيه إلى الشام، كالسبي المجلوبة، ترى الناس أنّك قد قهرتنا وأنك تمنّ علينا، ولعمري لئن كنت تمسي وتصبح آمنا من جراحة يديّ إني لأرجو أن أعظم جراحك من لساني ونقضي وإبرامي، وإني لأرجو الّا يمهلك الله بعد قتل أهل بيته ﷺ إلّا قليلا، حتى يأخذك أخذا وبيلا، ويخرجك من الدنيا مذموما مخذولا، فاعتبر لا أبا لك ما استطعت فقد والله [٣٨ ب] زادك الله بما اقترفت، والسلام على أهل طاعة الله.