فيما حدّث به: أنّ أباه كان من علوج أصبهان، وكان في قرية في حيّز رجل من خزاعة، وكان جدّه أبو أمّه هو الّذي يعوله ويكفله حتى بلغ، وألحّ عليهم الخزاعي في خراجهم، فهربوا فلجئوا إلى حيّز إدريس ابن معقل العجليّ.
وزعم عمر بن شبيب قال: قلت لأبي سلمة حيث اشترى أبا مسلم:
إنّي لا أرى لهذا الغلام هيئة العبيد، قال: أمّا هو فقد أقرّ أنّه عبد لمن أباعه [١] منا وقد كنت استربت بشأنه [٢] بعد شرائي إيّاه، فقلت لعاصم بن يونس:
افحص لي عن صحة أمره. فلقيني فقال لي: قد سألت عيسى بن إدريس عن أمر الغلام فذكر أن الحاجة اضطرته إلى بيعه وأنّ أمره: أنّ رجلا نزل بنا من أهل اليمن يريد قزوين [٣] غازيا ومعه جارية له، فشخص وخلّفها
_________________
(١) أباعه: أي عرضه للبيع.
(٢) في الأصل «اشتريت ثانه» .
(٣) انظر معجم البلدان ج ٤ ص ٣٢٢، اليعقوبي ص ٢٧١، والاصطخري ص ١٢٢ وهي على خط طول ١٦ ٣٦ شمال وخط عرض ٠١ ٥٠ شرق.
[ ٢٦٣ ]
وبها حبل فانصرف رفقاؤه فذكروا أنّه مات بقزوين، ووضعت الجارية أبا مسلم، وماتت في نفاسها فدفعنا ولدها [١٢٧ أ] إلى أهل بيت من أكرتنا، فكان عندهم حتى أيفع وضممناه إلينا، فكان مع خدمنا حتى بلغ. وزعمت امرأة من أهلي: أنّ الجارية قالت لي قبل أن تلد أبا مسلم بثلاث ليال أو [١] أربع: إنّي رأيت كأنّي قد ولدت ولدا فنظرت فإذا هو عقاب فطار لا يمر بطائر إلّا ضربه وصرعة حتى كثر ما يلقي منها، وانتبهت.
وزعم إبراهيم بن هشام بن راشد ابن أخي محمد بن راشد [٢] قال: تذاكرنا أمر أبي مسلم ذات يوم فقلت لعيسى بن إدريس: أخبرنا عن أمر أبي مسلم وسببه ونسبه فإنّكم أعلم به من غيركم. قال: نعم خرج أبي إدريس بن معقل حاجّا فلمّا انصرف رافقه رجل من أهل اليمن ذو هيئة وسمت حسن، فألفه أبي وأنس به ولاطفه، وأقبلا حتى إذا شارفا الكوفة قال أبي: أين تريد، وما غايتك في سيرك هذا؟ قال: أريد الغزو والرباط بناحية الديلم، وأنا رجل من مذحج ممن يسكن السروات [٣] باليمن، فقال له أبي: فنصطحب حتى نحاذي الثغر [٤] . قال: فخرجنا ومع الرجل جارية له تخدمه، فلمّا صرنا إلى قرماسين مرض الرجل، فقلت له: امض معنا حتى نقوم [٥] عليك فإذا سلّمك الله من مرضك شخصت إلى الرباط. قال: فمال معنا حتى أتيت منزلي، فأقام ومرّضناه حتى بريء من علّته وقد احتاج فقال: نفدت نفقتنا
_________________
(١) في الأصل: «و» .
(٢) في كتاب التاريخ ص ٢٦١ أ «وزعم إبراهيم بن راشد أخو محمد بن راشد» .
(٣) انظر معجم البلدان ج ٣ ص ٢٥.
(٤) في الأصل «بالثغر» وما أثبتناه من كتاب التاريخ ص ٢٦١ أ.
(٥) في الأصل «حتى نقم» وفي كتاب التاريخ ص ٢٦١ أ «نقم» .
(٦) في ن. م.: «لقد نفدت نفقتي» ص ٢٦١ أ.
[ ٢٦٤ ]
وقد احتجت إلى سبع مائة درهم فإن رأيت أن تحتالها لي وتكون هذه [١٢٧ ب] الجارية رهنا بها إلى أن أقضيك، فقلت له: خذ الدراهم ولا حاجة بنا إلى الجارية، فقال: وما حاجتي إلى الجارية في الثغر؟ فدعها تكون رهنا عندك بهذه الدراهم. قال: فأعطيناه سبع مائة درهم، وشخص في جماعة خرجوا إلى الرباط من أهل ناحيتنا، فلمّا ذهب ظهر بالجارية حمل [١]، ولمّا رجع [٢] أهل ناحيتنا من الغزو، ذكروا أنّ الرجل مات بالثغر، فاستمرّ حمل [١] المرأة فولدت أبا مسلم وماتت في نفاسها، فدفعناه إلى أهل بيت من خدمنا [٣] فتولّوا تربيته ورضاعه وفطامه والقيام عليه حتى بلغ ولا يعرف غيرهم، وسمّوه [٤] إبراهيم. قال عيسى: وكنّا نعرفه بكبر الهمّة ومرارة النفس والذهاب بنفسه إلى المعالي، وكان لنا معلّم يعلّم صبياننا يقال له عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فلمّا ترعرع تسمى باسم المعلّم واكتنى بكنيته، والله أعلم أي ذلك كان.
وقد زعم بعض من ذكر حديثه: أنّه اعتزى إلى مراد، فوقعت المعرفة بين أبي مسلم وعاصم بن يونس العجليّ بذلك السبب، فأخبر عاصم أبا هاشم بحاله، فدعاه وعرض عليه الدعوة فقبلها وأجاب إليها، ولزم أبا هاشم وسعى في حوائجه إلى أبي سلمة وغيره وهو عندهم فيما يرون عبد لإدريس. فأمّا ما تذكر العامة فإنّه من ادّعى معرفته منهم ذكر أنّه من أبناء العلوج [١٢٨ أ] بأصبهان من قرية من قرى إدريس، صحبه بذلك السبب فكان يخدمه في الحبس، فلمّا صار الأمر إلى أبي سلمة دخل يوما الحبس، وقد ألحّ على
_________________
(١) في كتاب التاريخ ص ٢٦١ ب: «حبل» .
(٢) في الأصل: رجعوا.
(٣) ن. م. ص ٢٦١ ب: «علوجنا» .
(٤) في ن. م. ص ٢٦١ ب: «وكنا نسميه إبراهيم» .
[ ٢٦٥ ]
إدريس في أداء نجمه [١]، فقال لعاصم: هل من حيلة؟ فقال: تبيع من أرى من خدمك وتؤدي عن نفسك. قال: فاحتل لي، قال: هذا إبراهيم خادمك إن شئت بعناه، قال: قد شئت. فقال لأبي سلمة: هل لك في إبراهيم تشتريه فتفرج عن هذا الرجل؟ والغلام، بعد [٢]، ظريف عاقل قد عرف أمرك وحسنت نيّته عندك وفي دعوتك، وأنت لا تحتشم منه شيئا فيما توجّهه فيه.
قال: بكم يباع؟ قال: خذه بما شئت. فاشتراه من إدريس بسبع مائة درهم، وأشهد عليه بذلك، ولم يزل يسمّى إبراهيم حتى صار إلى إبراهيم الإمام [٣]، وليس يشكّ في شرى أبي سلمة أبا مسلم. ثم إنّ أبا سلمة أجلسه في الصرف فرأى منه ذكاء فيه وحسن معرفة، ثم أشرك بينه وبين موسى السرّاج، وموسى من كبراء الشيعة، فقعد معه في السرّاجين، فأبصر عملهم وتزيّد في حسن النيّة في الدعوة، فصحب موسى وشخص معه إلى آمد وحرّان [٤] . فزعمت بنو مسلية أنّ أبا سلمة لمّا رأى رسوخه في الدعوة أعتقه ووجّهه إلى إبراهيم في بعض أموره، فلمّا كلّمه إبراهيم قال له: من أنت؟
فخبّره أنّ أبا سلمة اشتراه، فصرفه إلى أبي سلمة. ثم قدم أبو سلمة على [١٢٨ ب] إبراهيم ومعه ألطاف وهدايا إليه من خراسان فرأى [٥] أبا مسلم فقال له إبراهيم: من هذا الغلام؟ قال: غلام كنت ابتعته وحسنت نيّته في الدعوة،
_________________
(١) أي قسط الخراج.
(٢) في الأصل: «يعد» .
(٣) في أنساب الأشراف ج ٣ ص ٣٥٨ وص ٢٣٥ (الرباط): «ذكر بعض ولد قحطبة أنه كان عبدا للعجليين فأسلموه إلى أبي موسى فتعلم منه السراجة فابتيع للإمام بسبع مائة درهم وأهدي إليه، وإن اللذين أهدياه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ» .
(٤) انظر معجم البلدان ج ١ ص ٢٣٥، ابن خرداذبه ص ٧٣ وص ٩٦، ابن رسته ص ١٠٦.
(٥) في الأصل: «برأي» .
[ ٢٦٦ ]
فأعتقته، فقال إبراهيم: استوصوا به خيرا فإنّه مخيّل للخير. قال أبو سلمة [١]: إنّ الّذي دعاني إليه أنّ أخا لنا من الشيعة أخبرني أنّ إدريس بن معقل الأصبهان قال له [وأشار إلى أبي مسلم] [٢]: إنّ هذا الّذي ترى قال لي وهو يومئذ غلام حدث: [أني] [٢] رأيت [في النوم] [٢] كأنّ الناس جمعوا لي في صحراء، وأتي بمنبر فصعدته وجعلت آمر فيهم وأنهم. وأخبرني هو أنّه رأى كأنّ بني أمية جمعوا له فذبحوا في طست فشرب من دمائهم حتى روي، وسقى من كان معه ما فضل من دمائهم. وانصرف أبو سلمة وقد أمره إبراهيم أن يأتي خراسان فمضى إليها.