قال أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي قد فرغنا من عمل أخبار الراضي بالله وذكر وفاته، وكانت ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ودفن في التربة ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه.
في هذه الليلة دخل أحمد بن علي الكوفي من واسط إلى بغداد. وهو كاتب الأمير أبي الحسين بجكم ومدبر أمر الدولة. وكان محمد بن ينال الترجمان قد عاد من الأنبار، فولي أبو القاسم سلامة أمر الدار ورسم بحجبة من يستخلف وتقدم إليه بحفظ الدار، فولي ذلك أبو الحسين القشوري فضبط أحسن ضبط، ختم على دواوين المستخلصة وعلى جميع الخزائن، ووكل بذكي حاجب الراضي وبراغب خادمه أحسن توكيل أراهما أنه يريدهما لمعاونته، وكان معهما في مكان واحد إلى أن تسلم من الأمر.
وذكر للخلافة جماعة فزعموا أن بعضهم أبى والتدبير إلى غيره وكان أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون بن هارون الأنباري يكتب للأمير أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله، وأمه أم ولد. فسعى له في الأمر، وتضمن عنه كلما يراد منه ووصفه بتوق وصلاح، وأنه
[ ١٨٦ ]
لا يشرب النبيذ، وشاع له هذا في الناس، وكتب به إلى بجكم فكتب أن يعقد الأمر له، بعد أن يجمع مشايخ بني هاشم من ولد علي والعباس صلوات الله عليهما، ومشايخ الكتبا ووجوه العدول والتجار، ليقع إجماعهم عليه. ولا يكون هو المنفرد بهذا الرأي، ولا المختار دونهم. فوقف الأمر بهذا السبب أيامًا إلى يوم الأربعاء لعشر ليالٍ بقين من شهر ربيع الأول فقال لي البرجمالي في عشية الثلاثاء اختر للخليفة اسما فكتبت له رقعة فيها ثلاثون اسمًا وكتبت مثلها ودفعت واحدة إليه وأنفذت الأخرى إلى أحمد بن محمد بن ميمون، وضمنا لي إخراج حق التسمية، وما وفيا لي من ذلك بقليل ولا كثير، ولا عوضاني ولا شفعا لي ولا أذكراني.
واجتمع الناس في يوم الأربعاء لعشر ليال بقين منه في دار الأمير بجكم، وحضر أبو الحسن علي بن عيسى تاج الدولة وجمالها، وشيخ الإسلام، وحضر الكرخي محمد بن القاسم، وأبو بكر عثمان بن سعيد الصيرفي صاحب ديوان الجيش، وتخلى أحمد بن علي الكوفي في حجرة في الدار مملوءة بوجوه الناس، فوجه إلى جماعة من الأشراف فوصلوا إليه مع علي بن عيسى فخوطبوا، فكان أول من تكلم وتبع الناس قوله أبو الحسن علي بن عيسى، فأنه قال: الله مطلع على النيات، عالم بالخفيات وليس لنا إلا الظاهر، ليس فيمن أسمى أحد يبلغنا عنه ما يبلغنا عن أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله، فإن كنتم عازمين علي فاستخيروا الله جل وعز، وأمضوا أمره. فقال له أحمد بن علي الكوفي: إن الأمير أعزه
[ ١٨٧ ]
الله أمر أن يسمع منك، وأن يقبل رأيك، ونحن نعمل على هذا. فقال جميع من حضر مثل قوله. فمضى ابن ميمون والترجمان ليحدراه من داره التي بحضرة دار البطيخ فدخلا إليه وهنآه وأخرجاه فسار في الماء إلى الحسنى دار الخلافة. والناس حوله يدعون له إلى صعد. وقد نظر في رقعة الأسامي فاختار منها المتقي لله، وصعد إلى رواق الخورنق فصلى ركعتين على الأرض، ثم جلس على السرير، وبايعه الناس باقي ينومه وأيامًا بعد ذلك، وكل من بايعه أحلف على طاعته ونصيحته، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه.
ودخلت من الغد أنا وجماعة من المرسومين بالمجالسة فبايعناه، وحجبه أبو القاسم سلامة أخو نجاح الطولوني، فوقف موضع الوزير عند ابن ميمون، فاستأذنته في الإنشاء فأذن فأنشدته:
شَهِيداهُ إنْ لَمْ تَظْلِمِيهِ نُحُولُ وَدَمْعٌ لَهُ فِي وَجْنَتَيْهِ هُمُولُ
وهي قصيدة كنت مدحت بها المكتفي بالله، فلما دخلت قال لي ابن ميمون أما عملت شعرًا؟ وما كنت عملت - فقلت أعمل الساعة فقلبت مواضع القصيدة وكتبتها:
أَيُرْضِيكِ أَنْ تَضْني فَدامَ لَك الرِّضا سَيَقْصُرُ عَنْهُ حاسِدٌ وَعَذُلُ
تَقُولُ وَقَدْ أَفنَى هَواها تَصَبُّرِي فَوَجْدِي عَلَى طُولِ الزَّمَانِ يَطُولُ
تَجاوَزْتَ في شَكْوَى الْهَوى كُنْهَ قَدْرِهِ وَما هُوَ إلاَّ زَفْرَةٌ وَغَلِيلُ
[ ١٨٨ ]
ومَا أَرِقَتْ عَيْنٌ لَها فِيهِ لَيْلَةً فَخَفَّ عَلَيْها الحُبُّ وَهُوَ ثَقِيلُ
وَجَدْتِ إلَى قَتْلِي سَبِيلًا وَلَيْسَ لِيإلى الصَّبْرِ وَالسُّلْوانِ عَنْكِ سَبِيلُ
فَدُونَكِ نَفْسِي فَاجْعَلِي تُحْفَةَ الرَّدَى حُشاشَتَها إذْ حانَ مِنْكِ رَحِيلُ
وَيَكْبُرُ مَنْ يُلْقِي إلَيْكِ بِوُدِّهِ وإنَّ هَوانِي فيكُمُ لقَلِيلُ
وما ازدادَ إلاَّ صحَّةً بَعْدِكِ الهَوى وَلكنَّ قَلْبِي ما نَأَيْتِ عَلِيلُ
لَعَمْرُكِ لا أَتْبِعْتُ ما فاتَ بِالأَسَى وَرَأْيُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ جَمِيلُ
هُوَ الدّينُ وَالدُّنْيا فَلَيْس لِطالِبٍ وَلا راغِبٍ عَمّا لَدَيْهِ مُمِيلُ
سَميَّ خَلِيلِ اللهِ لا زِلْتَ مُقْبِلًا عَلَيْكَ بِنُعْمى ذِي الجَلاَلِ قَبُولُ
وَقاكَ الَّذِ سَمّاكَ مُتَّقِيًا لَهُ فَأَنْتَ مِنَ الدَّهْرِ الغَشُومِ تُدِيلُ
مُطِيعُكَ أَنِّي حَلَّ فَالْعِزُّ جارُهُ وَعاصِيكَ لْ نالَ النُّجُومَ ذَلِيلُ
فَأَضْحَتْ عُيُونُ الْعَدْلِ تَسْمُوا بِلحْظِهاوأَصْبَحَ طَرْفُ الْجَوْرِ وَهُوَ كَلِيلُ
أَضَاءَتْ بِكَ الدُّنْيا فَأَشْرَقَ نُورُها وَأَنْتَ الَّذِي يُذْكِي سَناهُ أُفُولُ
فَكُلُّ عَلاءٍ إِنْ سَمَوْتَ مُقَصِّرٌ وَكُلُّ فَخارٍ إنْ فَخَرْتَ ضَئِيلُ
[ ١٨٩ ]
وكُلُّ سَناءٍ مِنْ طَرِيفٍ وتَالِدٍ إلَيْكَ مُشِيرٌ بَلْ عَلَيْكَ دَلِيلُ
ولَوْلا بَنُو العَبَّاسِ عَمّ مُحَمَّدٍ لأصْبحَ نُورُ الْحَقِّ فِيهِ خُمُولُ
لَكُمْ جَبَلا اللهِ اللَّذانِ اصْطَفاهُما يَقُومانِ بالإِسْلامِ حِينَ يَمِيلُ
نُبُوَّته ثُمَ الخِلافَةُ بَعْدَها وما لَهُما حَتَّى اللِّقاءِ حَوِيلُ
أَتَتْكَ اخْتِيَارًا لاَ احْتِلابًا خِلافَةٌ لَكَ اللهُ فِيها حافِظٌ وَوَكِيلُ
حَباكَ بِها مَنْ صانَها لَكَ إنَّهُ بِإتمامِ نُعْماهُ عَلَيْكَ كَفِيلُ
وَلَوْ حِدْتَ عَنْها قادَها بِزِمَامِها إلَيْكَ اصْطِفاهُ اللهِ وَهِيَ نَزِيلُ
ثَوَتْ حَيْثُ أَثْواها المَلِيكُ بِحُكمِهِ وَلَيْسَ لِمَا أَثْوى المَلِيكُ حَوِيلُ
وَلا زال مَوْصُولًا إلَيْكَ حَنِينُها كَما حَنَّ فِي إثْرِ الخَلِيلِ خَلِيلُ
لِيَهْنيكَ يا خَيْرَ الْبَرِيَّة ناصِحٌ لَهُ خَطَرٌ فِي الْعالَمِينَ جَلِيلُ
لَقَدْ شَدَّ أَزْرَ الدِّينِ مَوْلاكَ بَجْكَمٌ بِهِ يَتَسامى مُلْكُكُمْ وَيَطُولُ
هُوَ الحَتْفُ مَصْبُوبًا علَى كُلِّ ناكِثْ يظَلُّ بِهِ أَيْدِي الشَّقاءِ نُحُلُ
فَما لَكُمْ فِي المُنْعِمِينَ مُعانِدٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي النَّاصِحِينَ عَدِيلُ
فَلا زِلْتَ مَحْرُوسًا لَكَ المُلْكُ دائمًا بَقاؤُكَ ما واصى الغُدُوَّ أَصِيلُ
لِعَبْدِكَ إذْ سَمّاكَ رَسْمٌ مُشَهَّرٌ بِهِ يَتَسامى فِي الْوَرَى وَيَصُولُ
[ ١٩٠ ]
ومِثْلُكَ أَعْطى رَسْمَهُ مُتَنَوِّلًا فَما زِلْتَ تُعْطِي مُنْعِمًا وَتُنِيلُ
فجعلت إذكاري له تسميتي آخر القصيدة ليفهمه، فوالله ما وصل إلي منه عاجل ولا آجل شيئًا، حتى انقضت أيام ولايته.
وليس هذا الشعر كجودة أشعاري في الراضي بالله، لأن ذلك كان أعلم الناس بالشعر فكنت أتنخل له الألفاظ، وأختار علوي الكلام وولي الخلافة المتقي لله وجعل صاحبه سلامة، وكان سليمان بن الحسن المرسوم بالوزارة. وأمره المتقي لله أن يركب إليه فركب مرات، ثم إنه ارتعد يومًا وهو واقف بين يديه ونالته خطرة من رطوبة فخرج يهادي بين اثنين ولزم منزله. وعقد المتقي لله لبجكم لواء وجعله أمير الأمراء ونفذ به سعيد بن خفيف الحاجب إلى واسط، وخرج أمر بجكم أن يلي أبو عبد الله محمد بن أبي موسى قضاء الشرقية والجانب الشرقي من مدينة السلام، وكانا إلى أبي نصر يوسف بن عمر وإلى أخيه. ثم وجه السلطان إلى أبي نصر وقد أقررت على عملك، فحكم في آخر شهر ربيع الآخر وعرف منه سداد ورشد، ووقع في القضاء تخليط بسبب أبي عبد الله ابن أبي موسى الهاشمي وشهادة العدول له ثم عليه شهادتين متضادتين، فسفر في إبطال أمر أبي نصر فعزل، وولي أبو عبد الله محمد بن عيسى الضرير قضاء الجانب الشرقي والشرقية، وولي أبو طاهر بن نصر قضاء المدينة وخلع عليهما يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الآخرة وجلسا وقرآ عهدهما وحكما. وصرف ابن بريه عن الصلاة بالجامع الغربي، وولي ذلك حمزة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر.
[ ١٩١ ]
وقرئ كتاب عن الخليفة يأمر الناس بالاستسقاء، فخرج الناس يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الآخر أهل الجانب الشرقي إلى المصلى، وأهل الجانب الغربي إلى ميدان الأشنان ومعهم حمزة الإمام.
وحكي أن المتقي لله ما زال يصلي في داره على الأرض، ويلصق خده بالتراب ويدعو.
وخرج الأمر بأن يصلي أحمد بن الفضل بمسجد براثا، وجعل فيه منبر مكتوب عليه مما أمر به الرشيد سنة اثنتين وتسعين ومائة، على يد الفضل بن الربيع وجعلت الصلاة بالجانب الرقي إلى احمد بن الفضل أيضا، وكان يصلي هو بالناس فيه ويصلي ابنه بمسجد براثا، ثم صرف أحمد بن الفضل بن عبد الملك عن مسجد الرصافة بأبي الحسن بن عبد العزيز.
وكان من أول الحوادث أنه قطع على القافلة الخارجة من مدينة السلام إلى خراسان في جمادى الأولى، قطع عليها أكراد الشادنجان، وكان لؤلؤ يحميها ومعه جماعة من الأتراك فكثر عليه الأكراد ودام المطر فلم تعمل قسي الأتراك شيئًا وإنما هي عدتهم فتمكن الأكراد منهم بالسيوف والرماح فملكوها كلها، وكان فيها من العين والورق ما مبلغه ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الأمتعة ما قيمتها نحون ذلك، وكان أكثر المال لأصحاب بجكم أنفذوه إلى بلدانهم بخراسان.
ولقد حدثني بعض من يخبر الأمر، وهو المعروف بعدل حاجب بجكم أنه كان له وحده ثلاثون ألف دينار، ولسائر قواده أموال جليلة.
[ ١٩٢ ]
وحدثني من أثق به من التجار أن تاجرًا من قطيعة الربيع حمل أمتعة في هذه القافلة لزمه لكرى أحماله نحو ألفي دينار، فما ظنك بمتاع هذا مبلغ كرائه! وكم تظن أن قيمته تبلغ؟ وإنما كثر المال فيها والمتاع لن قومًا من مياسير التجار خرجوا بجميع أملاكهم هربًا من جور تكينك التركي صاحب أمر بجكم كله، فإنه أفرط في ذلك وأسرف وبجكم لا يعلم بما يفعله بالناس، فلما صح ذلك عنده وجه بأبي حامد الطالقاني من واسط حتى قبض عليه، فلما وصل إليه حبسه وأخذ منه مالًا وكان بجكم يزعم أنه قد فقد مما كان عنده أموالًا جليلة.
ولما رأيت أنا أن المتقي لله لا يريد جليسًا، وما سمع بخليفة قد قال: لا أريد جليسًا، أنا أجالس المصحف أفتراه ظن أن مجالسة المصحف خص به دون آبائه وأعمامه الخلفاء. وكان وحده دونهم، أو أن هذا الرأي غمض عليهم وفطن هو وحده له؟ فاستأذنت في الخروج فأذن لي.
ولقد كنا وقوفًا بين يدي المتقي فقال لنا بعض الخدم: ليس هذا مثل الراضي هذا لا يريد الجلساء، فقلت لهم لئن كان هذا الأمر كما زعمتم فإنه رديء لنا ورديء لكم، وأعظم الأمر أنه رديء على الخليفة وعائد بخلاف ما يهواه ويقدره، فما زال بعض الخدم يقصدني ويقول لي كان الأمر كما قلت لنا.
ولما وصلت إلى واسط دخلت إلى بجكم فأكرمني وقربني وأمر
[ ١٩٣ ]
أن يؤخذ لي منزل بقربه، وأدخلني في جملة ندمائه وذوي أنسه، ووصلني سرًا وعلانية، وكان ربما وجه إلي بالعشيات إذا خلا، فأدخلني أنا وقاضي واسط المعروف بالعسكري، فربما شاورنا في الشيء. وأنا أجمل وصفه ووصف حسن أخلاقه وجميل عشرته وعلو همته ومحبته، لأن تبقى آثاره بعده، كما بقيت آثار أجلاء الملوك. فجملة أمره أن كان عقله أكثر شيء فيه، فسأله جماعة من أهل واسط أن يأمرني بالجلوس لهم في المسجد الجامع يوم الجمعة، فتقدم إلي بذلك، فقلت له قد جعلت لهم مجلسين في مسجد على بابي في كل أسبوع، وأنا ما جلست ببغداد وهي بلدي ومولدي بعد في المسجد الجامع! فقال لي إني أحب أهل واسط وقد أحبوني وأنا حريص على عمر أن بلدهم وتبليغهم جميع ما يحبونه، فاجلس لهم في الجامع ففعلت.
وكان ربما شغلوني عن خدمته والأوقات التي يريدني فيها لمواكلته ومجالسته، وكنا نخدمه في كل يوم بلا نوبة، فجعل لنا من أجل مجلس الجمعة يومين في الأسبوع والثلاثاء والجمعة نجلس فيهما في بيوتنا فكنت مباركًا في ذلك على الجماعة المجالسين له.
ولقد قال يومًا وكان يفهم العربية كلها إذا خوطب، ويحسن الجواب، ولكنه كان يقول أخاف أن أتكلم بالعربية لأخطئ في لفظي، والخطأ من الرئيس قبيح، فلذلك أدع الكلام. فقال لي يومًا أتدري ما كتب به إلي بعض أصحاب الأخبار - وما رأيتهم قط مع أحد أكثر منهم معه - ففزعت والله وقلت وما هو أيد الله الأمير؟
[ ١٩٤ ]
قال: طلبتك فلما قمت من المسجد قالوا بعدك أعجله الأمير ولم يتم مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرًا أو نحًا ويسمع من الحديث! وقد ذهب عليهم أمري أنا إنسان وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب أن لا يكون في الأرض أديب ولا عالم ولا رأس في صناعة إلى كان في جنبتي وتحت اصطناعي، وبين يدي لا يفارقني، كلامًا يشبه هذا أو هذا معناه. فما زلنا في أرغد عيش وأحسن حال حتى قدم واسط بعض الجلساء طالبًا خدمته، فكرهت ذلك من جهات. فوصل إليه وأهدى إليه أشياء يتقرب بها، وكانت كراهتي له أن يجتمع الجلساء فيقال له في ذلك، ووافق قدومه قدوم أحمد بن علي الكوفي واسط بعده بمال اجتمع له، فقال له ما أحب أن يكون جلساء الخلافة عندك، الصواب أن يكونوا على بابه. فدعاني عشية، وقال لي قد أجريت عليك ألفي درهم في أيامكم وهي خمسة وأربعون يومًا، وكذلك عل إسحاق بن المعتمد وابن حمدون علي بن هارون - وهو الذي كان قدم عليه - وقد حضر خروجي إلى المذار وقد أمرت لكم بمائة دينار. وهذه رقة لك بألفي درهم صلة إذا وصلت إلى بيتك إلى بغداد فأوصلها إلى أبي عبد الله وخذها من وقتك، فإنه لا يعطيكم الرزق إلا بعد مضي أيامكم، ولا تقم أكثر من شهر، أو حتى تقبض رزقك حتى تعود إلي، وجئني بخطبة أمير المؤمنين معك، وكان القاضي العسكري قرأها عليه منتخبة
[ ١٩٥ ]
غير تامة، ثم قال وأنا بعد هذا أحسن إلى جماعتكم حتى لا تفقدوا بقاء الراضي فقلت له فما بال العروضي والبربريين وهم في جملتنا؟ فقال لي إذا قدمت بغداد فأجرى عليهم، وكان معه كتاب قد أمر بكتبه إلى الكوفي بمبلغ أرزاقنا فقلت له قد كرهت أن يكون الجلساء سبعة فاحمل أرزاق أربعة واترك ثلاثة، فدفع الكتاب إلى القاسم بن أبي القاسم الخواري وكان يكتب بين يديه، وقال له ادفع الكتاب إلى ابن المنجم، فدفعه إليه فكان معه وخرج يوم الأربعاء وقال لي متى تخرج؟ قالت: يوم السبت فمضى إلى باذبين فبات بها ليلة الخميس.
ودفع أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي كتابه في ليلة الجمعة بأنه مقيم. وأن الخبر ورد عليه بهزيمة بني البريدي من المذار وأخذ أسرى من أصحابه، وقال له اعط الكتاب للصولي حتى يقرأه على الناس يوم الجمعة في مجلسه فدفعه فإلي ففعلت ما أمر، وأقمت مستمليًا لي على شيء عال حتى قرأه، فكثر ضجيج الناس بالدعاء له، وظنوا أنه سيرجع ونووا صدقات كثيرة، ثم ورد الخبر بالترحل عن باذبين يوم الجمعة.
وخرجت أنا من واسط يوم السبت، وقدمت بغداد يوم الجمعة وبكرت يوم السبت لأوصل الرقعة التي معي إلى أحمد بن علي الكوفي فوجدته مضطربًا لطير سقط في يوم الجمعة يخبر بأن الأمير قتله بعض
[ ١٩٦ ]
الأكراد غرة، فبطل أمرنا في الرزق وغيره، وقوي الخبر. وكان أحمد ابن علي قد ابتدأ في مطالبة الناس بالخراج في النيروز الأول، فخرج أمر بجكم بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدي.
وكنا بين يدي بجكم حتى ورد الخبر عليه بالقطع على القافلة بطريق خراسان، فامتنع من الطعام غمًا بذلك واضطرب له، وقال: لو ساغ لي أن أسير أنا في طلبه لسرت، وأمر الترجمان بأن يخرج في طلبهم وقوي أمره فخرج، فما صنع شيئًا. ورجع في النصف من رجب بأديم كان وجد مطروحًا وحمير، فقال بجكم لما بلغه: هو رجل جيد لغير الحرب.
وانحدر الترجمان من بغداد إلى واسط لعشر بقين من رجب فوافاها وقد شخص إلى المذار. وورد الخبر بإيقاع صاحب خراسان بأخي مرداويج وهزيمته إياه. وقد كان ورد على بجكم قتل ما كان فاحتجب ثلاثة أيام عنا غمًا بما ظهر فقلنا له في ذلك فقال: هو مولاي، كنت أقدر أن يرى ما صرت إليه، ثم أجلسه في مكاني وأكون معه وما رأيت فارسًا مثله قط.
ولما صح قتل بجكم حمل أحمد بن علي الكوفي مالًا كان قد اجتمع عنده إلى المنقى لله، ووجد المنقى في دار بجكم أموالًا كثيرة مدفونة في مواضع منها، حول البستان في خوابي ودنان كثيرة، فاستخرجها وحملها إليه. ووجد القاهر - وكان فيما زعم يعذب في أيام الراضي - فصرفه إلى منزله، وصرف أبا جعفر محمد بن يحيى بن
[ ١٩٧ ]
شيرزاد إلى منزله، بعد أن أدى مائتي ألف دينار، ولم يبق له شيء إلا باعه وتمحل واقترض.
وظهر سعيد بن عمرو بن سنكلا، وكان كاتب الراضي فصادره أحمد بن علي على خمسين ألف دينار وأحسن معاملته وكافأه، لأن ابن سنكلا كان أحسن إليه حين صودر، إلا أنا كنا نسمع بجكم يعجب من هذه المصادرة ويغتاظ إذا ذكرها، ويقول أقوالًا لا أحب إعادتها.
وظهر علي بن يعقوب، وكان يكتب لذكي الحاجب فصودر على سبعين ألف دينار.
وكتب المتقي لله بإحدار تركة بجكم والمصير بها إليه وبالأتراك، وأن تخلى عن الديلم فلا يأتي منهم بأحد، ففعل ذلك. فانحاز الديلم إلى عدل الحاجب كان لبجكم وصاروا معه، واحتال تكينك حتى قبض على بعض الخزائن وعلى الترجمان وأقبل نحو بغداد، وورد من قبل الحسن بن عبد الله مال إلى بجكم، فحمله الكوفي إلى المتقي لله، وأطلق المتقي لله للفرسان الذين بالحضرة رزقة واحدة، وللرجال رزقتين. وهاج الحنبلية عند موت بجكم فقالوا طهرت ألسنة، وحاولوا هدم مسجد براثا، والإيقاع بالضرابين وأهل درب عيون. فأخرج توقيع من المتقي لله بأخذ قوم من الحنبلية فأخذوا وضربوا ونودي عليهم وأمر ابن جعفر الخياط بحفظ مسجد براثا، وأن يضرب عنق من تعرض لهدمه وكان الترجمان وجد تكينك مقيدًا في دار بجكم بواسط
[ ١٩٨ ]
فخلاه. فاحتال عليه تكينك حتى أخذ فكتب السلطان إلى تكينك في أمره فولى إمارة بغداد، ونادى ببراءة الذمة ممن تعرض لأحد من الجند الواردين من واسط، فدخل الجند بغداد في أول شعبان، ودخل تكينك ومعه مال في صناديق محمول على خمسة وعشرين جملًا. فسلمه إلى السلطان ونزل دار علي بن هارون اليهودي الجهبذ على قرن الصراة، بلصق دار المادراني وإبراهيم بن أيوب النصراني، وخلع على جماعة من قواد الأتراك وأخر تكينك إلى يوم بعد ذلك، وطالب الأتراك ببيعة فقيل لهم ليس إلى رزقة، فقالوا لا نرضى إلا ببيعة ورزقة.
وخاصم توزون أبا الأسوار قائد الديلم فلما رأى الديلم ذلك اجتمعوا وكثر عددهم، وأمروا عليهم أبا شجاع جورغيز بن القاراهي وورد الخبر بدخول أبي الحسين علي بن محمد البريدي واسط وخلع على أبي الحسين أحمد بن محمد بن ميمون للوزارة لعشر خلون من شعبان وجلس أحمد بن علي الكوفي بين يديه، وكان يكتب على رقاعه إليه عنده أحمد بن علي.
ووجه السلطان بمي يقبض على تكينك في داره، وكان الخبر قد وقع إليه فخرج على الظهر وركب إلى واسط أبي ابن البريدي، وأفلت معه مال كثير.
ووجه بأبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى البريديين برسالة وقد وصلوا إلى واسط، ووصل تكينك إلى البريديين بواسط، فأكرموه
[ ١٩٩ ]
وقودوه، ولحق الجند بهم واستفحل أمرهم. وخلع على أبي النصر يوسف بن عمر لقضاء يوم الاثنين لست بقين من شعبان واشترط أن لا يقبل أصحاب السيوف، ولا يقبل في حكم شفاعة، ولا يركب إلى دار الخليفة ودار وزيره فقط.
وخرج سلامة الحاجب وقواد الأتراك معه إلى الزعفرانية، لقصد البريديين ومحاربتهم، وذلك يوم الثلاثاء لثمان ليال بقين من شعبان ومعه الترجمان فأحس سلامة منهم بغدر ومكيدة فاستتر، ومضى وجوه الأتراك إلى البريديين بواسط، وبعضهم إلى الحسن بن عبد الله.
وخلع على أحمد بن إسحاق الخرقي، وولي قضاء مصر والشامات والحرمين، ومر في الشارع والجيش معه، لاختصاص كان له بالمتقي لله قبل الخلافة.
ووافى البريديان أبو عبد الله وأبو الحسين، ومعهما أبو جعفر محمد ابن يحيى بن شيرزاد وكاتب الخليفة عنهما بسمعهما وطاعتهما، وأنهما جاءا ليصلح إليه أموره كلها بخدمتهما له، ثم نزلوا الشفيعي يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان، ومعهما جيش عظيم في الظهر والماء ولقيهما الناس مسلمين وظهر الناس جميعًا فلم يستتر إلا محمد بن القاسم الكرخي وسلامة الحاجب وابنه وأحمد بن علي الكوفي، وأشار البريديان على المتقي لله أن يستحجب غلامه المعروف بابن خزري ففعل ذلك.
وطلب أبو عبد الله البريدي من الخليفة مالًا لرجاله فوجه إليه بمائة ألف وخمسين ألف دينار، وسفر بينهما في ذلك ابن ميمون الوزير
[ ٢٠٠ ]
وأحمد بن عبد الله بن إسحاق القاضي، وأبو العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وكان هذا حين نزل أبو عبد الله النجمي ونزل أبو الحسين دار مؤنس المظفر، وما زال يستزيد من الخليفة مالًا لرجاله حتى وجه إليه بتتمة أربعمائة ألف دينار. وصرف البريدي عمال الكوفي، وولي عماله. ووكل أبو عبد الله بن البريدي بابن ميمون الوزير في داره بالنجمي توكيلًا جميلًا، وأعلمه أن القواد لم يرضوا به وزيرًا وأرادوا الفتك به، فمنعهم من ذلك وأعلمه أن القواد لم يرضوا به وزيرًا وأرادوا الفتك به، فمنعهم من ذلك واعتقله إشفاقًا عليه.
وولي أبو عبد الله البريدي الوزارة فأمر بمحاسبة ابن ميمون فوجده قد اختان وضيع فصالحه على خمسين ألف دينار بحساب وموافقه ورخصت الأسعار.
ونبل الترجمان عند البريدي وذاك أنه هو الذي فض عسكر الزعفرانية، وأعمل الحيلة على الحاجب سلامة حتى استتر، وكاتب البريدي بذلك فجعله الترجمان بينه وبين الأتراك والديلم وخص به. وحدر أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون إلى واسط لينظر في الأعمال وهرب قوم من الأتراك إلى الموصل فوظفوا على أهل تكريت مالًا عظيمًا، تجاوز مائة ألف دينار، فلقوا منهم عنتًا وأغرقوا زواريق الدقيق.
وزوج الوزير البريدي ابنته من عبد الواحد أبي منصور بن المتقي لله، وركب إليه إلى النجمي فنثر عليه دنانير كثيرة، يقال إنها كانت بدرة وقيل خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم، وأنشدت
[ ٢٠١ ]
للوزير في عشية ذلك اليوم:
قُلْ لِخَيْرِ الكُفاةِ أَحْمَدَ الْ خَلْق جُودًا وَأعْظَمِ النَّاسِ قَدْرا
والَّذِي يَعْشَقُ المَكارِم وَال مَجْدَ وَيَشْرِي بالمالِ حَمْدًا وشُكْرَا
مَا رَأَى الناسُ بالْوَزِيرِ الْبُرَيْ دِي كَذَا الْيَوْمِ حُسْنًا وَفَخْرَا
أَمْطَرَتْنَا السَّماءُ فِيهِ بِيُمْنٍ وَسَماحٍ مِنْهُ لُجَيْنًا وَتِبْرَا
فَالدَّنَانِيرُ هاوِياتٌ تُحَاكِي أَنْجُمَا في السَّماءِ تَنْقَضُّ زُهْرَا
وَتَلِيها دَرَاهِمٌ مُشْبِهاتٌ أَبْرُدًا تَمْلأُ الأماكِنَ نَثْرَا
نَافِعاتٌ لِلْحَرْثِ لاَ يَذْهَبُ الْحَرْ ثُ فَسادًا وَلاَ يُصاحِبُ قَطْرا
غَيْرَ أَنِّي انْصَرَفْتُ كَاسِفَ بالٍ آسِفًا خالِيًا مِنَ الْكُلِّ صِفْرَا
مُضْمِرًا حَسْرَةً لِذاكَ وَغَمًَّا وَاجِدًا فِي العِظَامِ مِنِّيَ فَتْرَا
سَاكِتًا إنْ سُئِلْتُ عَنْ قَدْرِ حَظِّي لَمْ أَجِدْ لِلسُّؤالِ عِنْدِيَ خُبْرَا
جَمَعَ اللهُ ذَا عَلَيَّ وَعَيْذًا سَالِكًا بِي مِنَ التَّقَلُلِ وَعْرَا
شَاهِرًا لِلْغَنِيِّ سَيْفًا وَقَتًَّا لاَ بِهِ رَأْيٌ يُعَالِجُ فَقْرَا
فَاغْتِنِ كَيْمَا عُهِدْتُ عَلَيْهِ بِعَطَايَا أَكْرَمَ النَّاسِ طُرًَّا
وتحدث الناس بأن الوزير البريدي عازم على أن يدخل في يوم
[ ٢٠٢ ]
الفطر إلى الخليفة المتقي لله، وتحدثوا بأن الديلم قد عزموا إذا دخل الدار يفتكوا به، فأضرب عن هذا الرأي وتشكك فيه. فخاف الديلم - وقد شاع عنهم هذا - أن يقع عليهم حيلة، فكانت لهم حرجة وتجمع في يوم الأحد بالعشي بالجانب الشرقي، فصاحوا خليفة يا منصور، وشتموا البريدي، وما ظهر في الشرقي من أصحاب البريدي أحد إلا شلح وأخذ ما معه، وأصبحوا في يوم الاثنين فملأ واشطوط الجانب الشرقي يشتمون البريديين واستشر فنهم العامة فأعانوهم، وما كانوا يطيقون العبور لأن أصحاب البريديين كانوا يرمونهم من الماء إلى أن عبر أهل فرضة جعفر بسميريات فعبروا فيها، وظهر ما كان ساكنًا في الجانب الغربي، وانضم إليهم وأعانهم العامة وكثروا معهم، وقصد الجميع النجمي فجلس الوزير في طيار، وانحدر جميع أصحابه في طياراتهم وزبازبهم، ووقعت الحراقة وتشبث بها قوم من الملاحين فظفروا بمال وطلب أسبابهم ووقع بدر الخرشني بأيدي العامة بناحية الزياتين فضربته العامة واستخفت به، وجرى عليه ما لم يجر على مثله ولا شبيه له قط، وتخلصه من أيديهم بعض أسباب السلطان وقد قارب الموت وكان انحدارهم في يوم الاثنين سلخ شهر رمضان وأحضر أبو الحسن على بن عيسى للوزارة فأباها، وتقدم إلى أخيه أبي علي عبد الرحمن بأن يكتب عن الخليفة إلى الآفاق بجميع ما أراد، ومنع أبو الحسن أخاه من أن يعرض للوزارة وقد كان الناس فرحوا بذلك واستبشروا ليخلع عليهما، وجعل الناس يركبون إلى دار الخليفة
[ ٢٠٣ ]
وقالوا يكون الأمير ابن الخليفة أبو منصور، ثم لم يتم ذلك. وولي الوزارة أبو إسحاق محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسكافي المعروف بالقرامطي وأشار على الخليفة أن ينصب أمر الجيش ويكون معاملتهم معه، فخلع على كورتكين الديلمي وكنى أبا الفوارس للإمارة في يوم الخميس لثلاث خلون من شوال، ولبس الخلع وسار في الشوارع إلى أن صار إلى الدر التي يكنها على دجلة وهي دجار نصر الحاجب. ولع على بدر الخرشني للحجبة لثلاث بقين من شوال، وأخرج كورتكين ابن أخته أصبهاني إلى، واسط وكان فتى حسن الوجه معه جيش فورد الخبر بدخوله إلى واسط وانحدار البريديين عنها.
ووردت قافلة من خراسان إلى حلوان، فولى أبو محمد بن جعفر بن ورقاء طريق خراسان فمضى فتلقى القافلة وأوصلها مسلمة إلى بغداد وقبض على الحسن بن أحمد الشجري العلوي من الدار التي كان يسكنها وهي دار علي بن هارون بن علان اليهودي الجهبذ على قرن الصراة وكان هو وأصحابه قد آذوا الجيران غاية الأذى إلى أن انتقل أكثرهم ونبت الدار، واجتمع جيرانها فأحرقوها، وقالوا نستريح من أن يكنها أحد يؤذينا، فبقيت النار فيها أيامًا وكان ابن الشجري قد اتهم بأنه قد واطأ جماعة على أن يجلسوا في الخلافة عبد الله بن الراضي بالله بعد أن يوقعوا حيلة على كورتكين وكان سعيد بن عمرو بن سنكلا النصراني قد حمل إلى القراريطي مالًا قيل إنه خمسة آلاف دينار
[ ٢٠٤ ]
فركب إليه واثقًا مع علي بن يعقوب كاتب ذكي الحاجب، فلما صار إلى داره قبض عليهما، ووجه بابن سنكلا إلى دار السلطان، وقال له قد ضمنت مال بيعة فهاته فقطع أمره على ثلاثة عشر ألف دينار منها على ابن سنكلا عشرة آلاف دينار وورد رسول القرمطي الهجري يطالب بضريبته التي رسمت له في كل سنة لحفظ الحاج فوجه إليه منها بعشرين ألف دينار وخرج الحاج لأيام خلت من ذي الحجة، وقرب محمد بن رايق من بغداد وخرجت مضارب كورتكين إلى الشماسية مع المختار القرمطي فأخذها مع الجمال ونفذ إلى ابن رايق، ومطالب كورتكين السلطان بالخروج معه فأخرجه مضربه وأنفذ إلى ابن رايق مع خادم من خدمه كتابًا فيه خطه يأمره فيه بأن يقيم حيث أحب ولا يقدم، وكان عمارة القرمطي قد خالف علي ابن رايق وحاربه فقلت وجيء برأسه إلى ابن رايق، واجتمع من جند بغداد حجرية وساجية وغيرهم نحو ألفين خرجوا إلى ابن البريدي وقبض على الوزير أبي إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي لخمس ليال بقين من ذي الحجة.
وخلع على أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي لأربع بقين منه ووردت كتب الحاج يشكرون أبا علي عمر بن يحيى العلوي كل الشكر لما أولاهم في طريقهم من حفظهم وإعانة ضعيفهم والتوقف عليهم.
وكتب كورتكين إلى ابن أخته وهو بواسط بأن يصير إليه لقتال ابن رايق وكان كورتكين قد ولى لؤلؤًا غلام التهشم واسط فشخص
[ ٢٠٥ ]
إليها فلما بلغه موافاة البريدي إليها رجع إلى بغداد في ذي الحجة، وعيد الناس الأضحى على سكون وسلامة.
وطالب الديلم التجار بأموال فصار إليهم رجل يعرف بعبدون المتضمن كان لأمر الزواريق المصعدة والمنحدرة من مدينة السلام والبصرة ففتح على الناس أبوابًا من البلاء عظامًا، فلحقه قوم من غلمان التمارين وغيرهم وهو في سميرية فقتلوه وأخذوا رأسه، فنصبوه في التمارين فاضطرب الديلم لذلك وحملوا السلاح وقصدوا التمارين ليحرقوه ويتعدوا ذلك إلى ما يليهم من أسواق الكرخ فمنعهم كورتكين من ذلك، وضبط الديلم وجه إلى التمارين أن لا يعاودوا مثل هذا الفعل، فعد الناس هذا من أفضل آراء كورتكين وترتب في قلوب الناس من يعقل منهم، ويفهم مرتبة العقلاء.
ودخل كورتكين إلى المتقى لله ليستبين ما في نفسه قال إن أمرتني بحرب هذا الرجل حاربته وإن أمرتني بطاته أطعته، وإن أمرتني بأن أنصرف إلى المكان الذي ترسمني به فقال له بل حاربه، وأنا معك فقد جاء محاربًا لأمري فخرج كورتكين فأقام بنواحي عكبرا بموضع يعرف بالأنابين.
وجاء جيش ابن رايق فحاربوهم أيامًا فما أغنوا شيئًا، وكان الديلم مستظهرين عليهم.
وولي لؤلؤ إمارة جانبي بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ولما رأى محمد بن رايق أنه لا حيلة له في الديلم وأنها قد عزت
[ ٢٠٦ ]
عليه وأن القليل منهم يفي بالكثير من أصحابه احتال إلى أن سلك العراض، ودار بالموصل إلى بغداد ووصل إليها من تخلص من أصحابه كالمنهزمين. ووصل أبو بكر بن مقاتل إلى مجلس الشرطة من الجانب الغربي فرأى الجسر مقطوعًا فأطلق من وقته دنانير وأقام من أصلحه وكان معه قواد ابن رايق ابن لأبي مسافر محمد بن ديوزان. فلقي ابن مقاتل السلطان واستأذن لابن رايق فأذن له فدخل بغداد بعد يومين والديالم على جملتهم بموقفهم ونادى لؤلؤ صاحب الشرطة في جانبي مدينة السلام: يا معاشر العامة إن أمير المؤمنين قد أباحكم دماء الديلم وأموالهم فما عرف أحد من شذاذ بغداد وملاحيهم وعياريهم موضع أحد من الديالم إلا نهبوه وقتلوه وأخذوا جميع أملاكه، ثم وافى الديلم ودخل كورتكين من باب الشماسية وذلك في يوم الخميس لتسع بقين من ذي الحجة فجعل العامة يدعون له وهو يرد عليهم ومنع أصحابه أن يعرضوا لعامي فما زال يسلك الشارع الأعظم من الجانب الشرقي إلى أن وافى دار الخليفة وهو لا يشك أنه معه على ما فارقه عليه فوجد الأبواب مغلقة فجاء من جهة الشط فرمى من التاج بالنشاب فرجع، وخيبه الله ﷿ حتى صار إلى جزيرة حيال قصر عيسى لا يوصل إليها من الشارع إلا بسلوك دروب ضيقة فأقام بها وجعل سواده وبغاله في الاصطبل الذي بالمخرم وهذا كله بين يدي وأنا أراه من داري بقصر عيسى ورمى أصحابه بالنشاب من دجلة، ورأيت ابن رايق قد جاء في سميرية ومعه غلامان يرميان حتى أعان من كان يرميهم من دجلة. وكثرت
[ ٢٠٧ ]
عليهم سميريات العامة يشتمونهم ويلعنونهم وهرب أصحاب ابن رايق حتى وافى بعضهم الأنبار وبعضهم المداين. وجاءني بعض قواده في تلك الليلة فرموا أسلحتهم عندي ومضوا مخفين لا يشكون في أن كورتكين إن صار إلى الشماسية وبات بها ليلة لن يبق من أصحاب ابن رايق أحد. فما هداهم الله لهذا الرأي وأقاموا بمكانهم حتى أدركهم الليل فولوا يريدون الشارع مبادرين، فصارت هزيمة وضاربهم من في الدجلة ورموهم ورميت عليهم الستر في الدروب من فوق السطوح وازدحموا فكان منى الواحد منهم أن يخلص إلى الشارع وظفر قوم من أصحاب ابن رايق ومن العامة بجماعة منهم في الجزيرة فقتلوهم وأخذوا دوابهم وأسلحتهم وعبر العامة إلى الأسطبل فوجدوا من سوادهم بقية فنهبوها، وفروا هاربين على وجوههم يريدون النهروان، إلا من اغتر منهم واستتر عند جار وعند صديق. وكشف الله ﷿ عن الناس أمرًا عظيمًا مما أشرفوا عليه وخافوه، وأصبح الناس يطلبونهم ولا يظفرون بأحد إلا قتلوه أوحش قتل، وأمر ابن رايق بإتباعهم فوجدوا قد عبروا جسر النهروان وقطعوه. وظفر منهم بنحو ثلاثمائة فحبسوا في دار الفيل في ظهر سور الحسنى وأدخل إليهم الرجالة السودان فخبطوهم حتى أتى عليهم، وكان جماعة منهم في دار فاتك حاجب ابن رايق فجعل يرمي بهم من الأروقة إلى السطوح، ويقال للعامة خذوهم، فيبادر العامة بقطع آنافهم وآذانهم وأصابعهم وهم قيام إحياء، واستفظع الناس هذا الفعل واستعظموا وكرهوه.
[ ٢٠٨ ]
وكانوا أودعوا في ليلة الثلاثاء أقوامًا أموالًا ففازوا بها، وظهر لهم يسار بعد أن كانوا فقراء وجعل العامة لا يلقون أحدًا متشبهًا بالديالم إلا قتلوه، وإن لم يكن منهم، ولا يرون مع أحد منهم دراهم إلا قالوا له أنت كنت مع الديلم، وأنت تدري أين هم فدلنا عليهم، ويقتلونه في الطريق بحضرة الناس. وكان ذلك مما لم يعهد فعل مثله أحد، وهذا كله فإنما جرى لركاكة مدبري أمر ابن رايق، وجهل من معه، وأن الخليفة ليس معه من يشير عليه ويعرفه الواجب من غيره، وقد كان يبلغ من هؤلاء الأعداء ما يجب عليها، بقتل أحسن من هذا، كما أمر رسول لله صلى الله عليه وبنهي العامة بعد أن ظفر بهم أن يتولوا بأيديهم قتل أحد حتى يصيروا بهم إلى سلطانهم. وكان قتل الديالم في دار الفيل في يوم الاثنين لخمس بقين من ذي الحجة. وأخبر يوسف بن يعقوب البازعجي خليفة لؤلؤ على الشرطة بمكان كورتكين، فركب فاستخرجه من درب سليمان بقرب الجسر من الجانب الغربي، وصار به إلى ابن رايق فحمله إلى دار السلطان، وقبض على أخته أم أصبهان فطولبا بالأموال فلم يعترفا بشيء فحبسا ونحن نعيد أمره.
وخلع على محمد بن رايق في يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة، وجعل أمير الأمراء، وطوق بطوق عظيم مكلل، بالجوهر وسور بسوارين، وجعل يشكو ثقل الطوق إلى أن نزل في دار مؤنس المظفر، ولزم الشرب ليله ونهاره أيامًا متوالية.
وظهر أبو القاسم سلامة الحاجب، وظهر أحمد بن علي الكوفي
[ ٢٠٩ ]
وصار إلى ابن رايق. فأما خبري أنا في آخر شهر رمضان وقت انحدار البريديين من النجمي، فإن الديالم في يوم الاثنين صاروا إلى دار ابن ينال الترجمان وهي ملاصقتي بقصر عيسى فنهبوها، وصعدوا سطوحها فوجدوها كالمتصلة بسطوحي، فنزلوا على من فوق سطوحي وأنا غافل ولي مجلس وعندي خلق من أصحاب الحديث وأهل الأدب فوثبنا إليهم وكلمناهم فما نفعنا شيئًا، وخرج حرمنا هاربات ولم يتركوا لي شيئًا من ذخائر وغيرها، إلا أتوا عليها وأخذوا لي نحو مائتي قطعة من الثياب أكثرها من كسى الخلفاء وخلعهم، وأخذوا من الزجاج الفاخر والصيني ما لا يضبطه عددي، ووجدوا قطيعة من دفاتري فنهبوها، وأخذوا كل ذخيرة لعيالي وثوب وجدوه لهم، وجعل من كان عندي يخرج فيلقاه قوم منهم على بابي فيفتشه ويأخذ شيئًا إن وجد معه.
ولقد حدثني بعض جيراننا أنه رآهم يتجاذبون على بعض الثياب حتى تخرق فيأخذ كل واحد قطعة منها، وأنه رآهم فعلوا هذا بمناديل دبيقية، وظفروا بصندوق فيه طيب قد ذخرته فكسروه في الأرض فما وصلوا إلا إلى اليسير منه، وكذلك غالية كانت فيه وعنبروند وأخذوا لي سرجين أحدهما ثقيل وحمارًا من اصطبلي حتى اشتريته بعد ذلك بعشرة دنانير، وأشد ما بقي على أن بعض ضعفى أصحاب الحديث كان يجيئني بعد ذلك فيقول كانت معي نفيقة فأخذت في دارك وأحتاج أن أعوضه من ذلك، فكانت قيمة ما ذهب لي نحو ثلاثة آلاف
[ ٢١٠ ]
دينار كلها لي ولعيالي، ما لأحد فيها شيء إلا لأبي الحسين بن القشوري فإن صاحبًا له يعرف بابن الرايض كان معه سرج له فتركه في داري وكان يسكن عندي ليرجع فيأخذه، فنهب فوالله ما اكتسيت ولا عيالي إلى وقتنا هذا، وإني لفقير مذ ذاك لا رزق لي ولا اتصال بمن يصلني وينفعني، أتقوت أثمان دفاتري وثمن بستان لي كان عيشي وجنتي، كل ذلك بشؤم مجاورة الترجمان لي. فسبحان من أفقرني وأغنى غيري من جيرانه حتى اعتقد به العقد وبعت عقدتي، وملك أمواله وذهب مالي!.
وأعجب من هذا كله أني ظننته أنه سيترثى لي مما جرى علي إذا عرف أمري، فلما عاد إلى داره ناصبني العداوة، وأراد مني أن يملك ما يجاوره من دوري، ويتسع به وبعشر ثمنه، وأن يشتري بستاني بدوران وقد أعطيت به نحو عشرة آلاف درهم، فراسلني في ذلك مرات فقلت لأبي الحسين القشوري - ولم يكن معه من يشبهه دراية وفهمًا - صاحبك هذا مجنون حين يعطيني هذا العطية. فقال لي: كذا قومه بعض جيرانك له. وزعم أنه أكثر ما أعطى به. قلت فلم لا تصدقه أنت؟ قال: الذي قال له ذاك أخص به مني، وآثر عنده. ولقد استدعى في أول ما جاورني مخالطتي وأن أنغمس في أموره فأبيت ذلك خوفًا من العواقب. ولقد كلفني غير مرة أن أشتري له أشياء وأكتبها باسمي أو اسم من أثق به لئلا يعلم أنه هو المشتري، فأبيت ذلك عليه منذ أيام بجكم، لما في مثل هذا من عاقبة السوء، ووجد غيري ممن يريد هذا ويتمناه ويتصنع له.
[ ٢١١ ]
ولولا خوفي من إطالة الكتاب بما لا يحتاج الناس إليه، ولا يبالغون بعلمه لذكرت ما أتفرج به فإني كالمصدور، يستريح إلى النفث وكالإناء ينضح بما فيه. والحمد الله على كل حال وهو حسبي وعليه متكلي، وأقول ما قاله عبد الله بن طالب الكاتب وأنشدنيه لنفسه:
أحَلْتُ بِرِزْقِي عَلَى رازِقِي وَوَكَّلْتُ أَمْرِي إِلَى خالِقِي
وَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ فِيما مَضَى كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيما بَقَي
وقد أتيت على جميع ما كان من الحوادث في سنة تسع وعشرين إلى انقضائها. فلم يبق إلا ذكر من توفي فيها من أهل العلم الذين كان الناس ينتفعون بحياتهم، فأما الجهال فلا نبالي بأغنيائهم ولا فقرائهم.
ومن أهل الشرف والفضل توفي ابن الفدان العلوي يوم الأحد لسبع خلون من شعبان وحمل فدفن بالحير. وقبل موته بأيام مات البربهاري، فسبحان من سر المؤمنين بموته وفجعهم بموت ابن الفدان وهو في وقته من أكرم الأشراف وأسمحهم كفًا.
وتوفي القاضي أبو الأسود بن موسى بن إسحاق الأنصاري، وكان قد حدث.
ومات أبو علي بن إدريس الحمال في آخر يوم من رجب، وكان من قدماء العدول وقد سمع حديثًا كثيرًا، كنت أراه عند الحارث ابن أبي أسامة وكان يقدمه ويؤثره.
ومات رجل يعرف بجعفر البارد وكان قد حدث، وسمع الناس
[ ٢١٢ ]
منه، ومات منهم رجل يعرف بالسواق في شوال.
ومات منهم رجل يعرف بأبي عبد الله الأبلي، ومات المروزي المعروف بحامض رأسه، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وقد سمع الناس منه حديثًا كثيرًا.
ومات لأربع بقين من ذي الحجة أبو بكر المعروف بابن بهلول الأزرق، وقد كان حدث وازدحم الناس عليه، وكان عالي السن وله إسناد.