فكان قبض الأمير على المتقي لله يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وكان هذا كله غير علم أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ولا إطلاع عليه، ولا مشاورة له فيه، ولا علم به إلا في وقته.
ولما توثق من المتقي لله في المضرب، نهب أصحاب الأمير عسكره، فلم يفلت من جميع من كان معه أحد، وخرج قوم لتلقيه فنهبوا.
ووجه الأمير بصافي الخازن إلى دار ابن طاهر، لإحضار أبي القاسم عبد الله بن المكتفي بالله، وأخذ الخاتم من يد المتقي وسلمه إلى صافي.
فصار صافي إلى دار ابن طاهر، واستخرج عبد الله بن المكتفي بالله فألبسه ثيابًا جاء بها معه ودفع الخاتم وقلد سيف حمايل، وصار إلى مضرب الأمير، فعقد له الأمر، وكحل المتقي لله فصاح فأمر أصحاب الدبادب فضربوا بها، فصاح فلم يسمع صياحه، بعد أن خلع نفسه وسلم الأمر إلى الخليفة عبد الله.
وكان هذا كله يوم السبت بالعشى، لإحدى عشرة ليلة بقيت من
[ ٢٨٢ ]
صفر، بل وجه في طلب الخليفة أبي القاسم قبل أن يقبض على المتقي.
وكان المتقي لله لما قرب الأمير منه، ولقيه ركب فيه قبة نمور أهداها ابن طغج له، فلما رآه الأمير أكب على الأرض فقبلها بين يديه مرتين فقال له: اصعد معي، فلم يصعد وكان عديله خادم له، فلما سايره وصار إلى السندية أحدق به الديلم، فقبض بعضهم على لجام بغلته العمارية، وعدل به، فأنزل المضرب، وتسلمت دوابه وجنائبه التي كانت تقاد بين يديه، وأخذت خزائنه، ونهب عسكره كله.
وكان من أمره ما ذكرناه، فكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرًا، أولها يوم الأربعاء، لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وآخرها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
وما أعجب ما اتفق له من صحة الأخبار فيه، جاءت الرواية أن عمر الحادي والعشرين من أقل من ثلثي عمر الذي كان قبله وأكثر من نصفه، فكان كذلك.
وذكر بليناس في كتابه الذي ذكر فيه الكسوفات، وهو كتاب قديم قد ألف في قديم الدهر أمر ملك بابل فقال وأنا أحكي لفظه من كتابه، ومن طلب هذا الكتاب وجد ما ذكرته فيه على ما شرحته إن شاء الله.
قال بليناس: انظر إلى سر غامض في الكسوفات، إذا كانت الشمس في الميزان، ووقع كسوف القمر، وهو في الحمل، وزحل في
[ ٢٨٣ ]
السرطان والمريخ في الجدي هلك ملك بابل.
فاتفق هذا الكسوف على هذه الصفة بعينها، فكان بين الكسوف وبين هلاك المتقي لله أسبوع.