قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قد فرغنا ولله الحمد من ذكر أَخبار القاهرة والأحداث في أَيامه إِن شاء الله.
ولما خلع القاهرة في يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أخرج الحجرية والساجية محمد بن المقتدر بالله ويكنى أَبا العباس وأمه أم ولد يقال لها ظلوم في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار وكان في الخلافة هو وأخوه هارون على سبيل توكيل بهما من القاهرة فأجلسوه على السرير، وبايعوه بالخلافة مختارين له مجتمعين عليه، من غير أَن يواطئهم على ذلك ولا كانت بيعتهم مراسلة فيه إلا ما كان يعلمه من كراهيتهم لأمر القاهر وأنهم في وحيه عليه.
وتولى التدبير في ذلك رجل من الساجية، يعرف بسيما المناخلي إلى أن تم، فأجلس محمد بن المقتدر على السرير، وجلس القاهر بالله في بيت بقربهم وأمر الراضي بالتوكل به والاحتياط عليه، ولم يعش المناخلي بعد هذا إلا أقل من مائة يوم.
وكنت في هذا اليوم قد أخذت دواء لحاجة إليه، وشيء وجدته،
[ ١ ]
وعلم بذلك الأمير أبو العباس قبل أن يتسمى بالراضي بالله، فجاءني رسوله يأمرني أن أوجه إليه بالأسماء التي ينعت بها الخلفاء، وتكون أوصافًا لهم، وإني لأعجب من إطباق الناس على تسميتها ألقابًا فيقولون لقب بكذا وهذا عندي خطأ، كبير، زلل عظيم، لأن الألقاب مكروهة ومنهي عنها في كتاب الله جل وعلا، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه جل وعز " وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَاب " فوجهت إليه برقعة فيها ثلاثون اسمًا، ليختار منها ما يريد، وأشَرت عليه في رقعتي أن يختار منها المرتضى بالله، ولم أشك في اختياره له، وابتدأت من وقتي فعملت أَبياتًا ضادية قافيتها المرتضى، على أني أنشده إِياها وهي:
أَثْبَتُ الرَّحْمنُ بالسَّعْدِ المْضُي دَوْلَةً قَائِمَةً لاَ تَنْقْضِي
لأَبِي الْعَبَّاسِ عَفْوًا سَاقَهَا قَدَرُ اللهِ الإِمَامِ الْمُرْتَضِي
دَوْلَةٌ يَأْملُهَا كُلُّ الْوَرَى مَالَهَا إِنْ ذُكِرَتْ مِنْ مُبْغِضِ
كَاَنَ وَجْهُ المُلْكِ مُسْوَدًّا فَقَدْ قَابَلَ اللَّحْظَ بِوَجْهٍ أَبْيَضِ
يَا أَمِينَ اللهِ يَا مَنْ جُودُهُ إِنْ كَبَا دَهْرِي بِحَظِّي مُنْهِضِي
غَلَبُ الْوَجْدِ وفِقْدَانُ الرِّضَي وكَلاَّ جِسْمِي بِهَمٍّ مُمْرِضِ
[ ٢ ]
كانَ حَظِّي بِكَ نَحْوِي مُقْبِلًا فَانْثَنَى عَنْهُ بِوَجْهٍ مُعْرِضِ
أَقْرَضَ الدَّهْرُ شَبَابِي شَيْبَةً لَمْ أَكُنْ أَطْلُبُهَا مِنْ مُقْرِضِ
لَيْسَ لِلشُّهْبِ إِذَا مَا جَارَتِ ال دُّهْمَ في سَبْقِ الْهَوَى مِنْ رائِضِ
أسفَتْ نَفْسِي عَلَى قُرْبِي الَّذي كَانَ مِنْ يَومِ احْتِفَالِي مُغْرِضِي
لَكَ عَبْدٌ مَسَّهُ بَعْدَكُ مَا وَكَّلَ الْجِسْمَ بِدَاءٍ مُحْرِضِ
قُضيَ الْبُعْدُ عَلَيْهِ كَارِهًا لاَ يَرُدُّ النَّاسُ أَمْرًا قَدْ قُضِي
كُلَّ يَوْمٍ يَنْتَضِي سَيْفَ أَذًى بِالتَّكَاذِيبِ عَلَيْكُمْ مُنْتَضِي
مَا يُبَالِي إِذْ رَأَى فِيكَ ألْمَي غَضِبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِ أَمْ رَضِي
وهذه الأَبيات لم تَهَّن بها المدة، ولا راضها الفكر. وإنما قيلت مقتضية فليست بالمختارة، وإن صفرت من العيب. ولولا الحاجة دعت إلى ذكرها ما ذكرتها، وسيمر بعون الله من جيد الشعر في أوقاته ما يعفى عليها إن شاء الله.
فلما فرغت منها جاءني رسوله برقعته منه يقول فيها: قد كنت عرفتني أن إبراهيم بن المهدي لما بويع أيام الفتنة بالخلافة
[ ٣ ]
أراد أَن يكون له ولي عهد فأحضروا منصور بن المهدي وسموه المرتضى، وما أَحب أن أتسمى باسم قد وقع لغيري، ولم يتم له أمره، وقد اخترت الراضي بالله، فكنت أشكر الله على ما وفقه له ووهبه فيه فمضى اسمه على ذلك، وما زال الناس يبايعونه بقية يومهم.
ووجه من وقته فاستحضر أبا الحسن علي بن عيسى، ومعه أخوه أبو علي عبد الرحمن بن عيسى بالنظر في الأمور، وأراده للوزارة فاحتج بكبر وضعف وأقرها إلى أخيه بذلك، وأن يكون الاسم والخلعة له، ويتولى هو النظر في أمر الملك وتدبير الناس وجباية الأموال على كره منه لذلك وتغلب، لما رأى من تعذر مال البيعة إلا أنه كتب بالبيعة إلى النواحي ونظر في المهم الذي يوجبه الوقت، ومعه أخوه معرفًا له ما يعمل، ومستأذنًا له فيه. إلى أن وافت وقعة أبي علي بن مقلة إلى سيما المناخلي، يتضمن له أنه يحتال في وقته خمسمائة ألف دينار يصرفها في الرجال للبيعة، ويتضمن له إن أَتم ذلك خمسمائة ألف دينار لنفسه.
وكان المتولي لإيصال الرقعة إلى المناخلي كاتب له حدث، يعرف بعلي بن جعفر وضمن له ألفي دينار معجلة وأضعافها مؤجلة، فصار المناخلي بالرقعة بضمان الخمسمائة ألف دينار إلى الراضي بالله، فلما وقف عليها أحضر علي بن عيسى وأقرأه إياها فقال له: أمير المؤمنين
[ ٤ ]
في هذا الوقت محتاج إلى زكاة هذا المال وما عندي وجه لبعضه! والصواب إن صح هذا المال أن يمضي أمر هذا الرجل ويستكتبه وانصرف فجلس في منزله فكان الراضي بعد ذلك يقول لم يتحصل لنا من الخمسمائة ألف دينار درهم، وأخذ من أموالنا وأموال الناس مثلها.
واختير أبو علي محمد بن علي للوزارة يوم السبت لتسع خلون من جمادى الأولى، وخلع عليه وركب الناس معه إلى داره، ولقيني أبو سعيد ابن عمرو الكاتب - كاتب للراضي قبل الخلافة - وكان أخص الناس به فقال لي أمير المؤمنين قد أمرني بإعطائك عشرة آلاف درهم لتقسيمه وما عندي دراهم، فلا تلح علي ودعني أدفعها إليك في مرات قلت فعجل منها ما ترى فأعطاني ثلاثة آلاف درهم ووفانيها بعد شهرين.
وبلغ الراضي بالله أن هارون بن غريب خال المقتدر بالله مقبل إلى بغذاذ فكره ذلك وما كان بصافي النية له، لأن الراضي بالله كان في حجر مؤنس المظفر، وكان العباس بن المقتدر في حجر الخال ثم في حجر ابنه هارون بعده، فكان يتهمه بإيثاره عليه. ولأنه كان أيضًا منحرفًا عن جدته شغب أيام حياة أبيه، ثم رأيت من ذكره لها في خلافته وتحننه عليها ما كنت أسمع ضده منه في أيام إمارته، وكذلك عاد منه كل تشعيث كان قديما نفث به في أبيه مدحًا وتقريظًا، ووصف محاسن. وإني لأذكر يومًا في إمارته وهو يقرأ علي شيئًا من شعر بشار وبين يديه كتب لغة وكتب أخبار إذا جاء خدم من خدم جدته السيدة فاخذوا
[ ٥ ]
جميع ما بين يديه من الكتب فجعلوه في منديل دبيقي كان معهم، وما كلمونا بشيءِ ومضوا فرأيته قد وجم لذلك واغتاظ فسكنت منه وقلت له ليس ينبغي أن ينكر الأمير هذا فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كثير لا ينبغي أن ينظر في مثلها، فأحبوا أن يمتحنوا، ذلك وقد سرني هذا ليروا كل جميل حسن، ومضت ساعات أو نحو ذلك ثم ردوا الكتب بحالها.
فقال لهم الراضي قولوا لمن أمركم بهذا قد رأيتم هذه الكتب وإنما هي حديث وفقه ولغة وأخبار وكتب العلماء، ومن كمله الله بالنظر في مثلها وينفعه بها، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد والسنور والفأر.
وخفت أن يؤدي الخادم قوله، فيقال: من كان عنده؟ فيذكرني فيلحقني من ذلك ما أكره إلى ما لي عندهم مما سأذكره والسبب فيه في موضعه من أخباره إن شاء الله فقمت إلى الخدم فسألتهم ألا يعيدوا قوله فقالوا: والله ما نحفظه فكيف نعيده! فكتب الراضي بيده إلى هارون بن الخال أن يقيم بمكانه ولا يتجاوز ذلك إلى ناحية الحضرة، ويعده أنه يأذن له في القدوم عليه في الوقت الذي يراه صلاحًا، فكتب جوابًا عن هذا الكتاب بأنه جاء محتاطًا مشفقًا من أشياءِ قد بلغته وأقلقته وأقبل حتى نزل النهروان
[ ٦ ]
فاشتد ذلك على حمد بن ياقوت وكان قد حجبه وملك على الوزير محمد بن علي، فندب الراضي الناس للخروج مع ابن ياقوت لمحاربته من غير أن يرى ابن الخال أنه يحب، قتاله وإنما أحب تأخيره مديدة استيطارًا منه لأنه لم يدر كيف تؤول الأمور. فلقيه ابن ياقوت بنهر يتن بقرب النهروان، فقتله واحتز رأسه فجيء به إلى الراضي فأظهر سرورًا بذلك وسلمه إلى أهله فدفن بقرب قبر أبيه في قصر عيسى بن علي في الكرخ في الجانب الغربي.
وخلع في يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة على محمد بن ياقوت لقتله ابن الخال وطُوِّقَ وَسُوِّرَ.
وخلع في يوم الخميس بعد ذلك بيومين على الوزير محمد بن علي لمعاونته على ذلك.
وكان قتل هارون بن غريب في يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة وإلى هذا الوقت فما ذكر الراضي أحدًا من الجلساء ولا جلس ولا كان يشرب النبيذ ولا يوافقه، وكنت أحسن تركه وكان في إمارته ربما اشتهى أن يصل مجالسه ويبر من يحضره ويشرب اليسير منه، فيتأذى بذلك وما زال ذكيًا فطنًا لقنًا لما يسمع يحضره ما يريده من غير فكر فدعا يومًا أخاه هارون وكانا نفسًا واحدة في جسمين في أيام أبيهما، مكتبهما واحد وأمرهما واحد، يقدم طباخوه الطعام لهما شهرًا ثم يقدمه في الشهر
[ ٧ ]
الآخر طباخو أخيه هارون، وكان في حجر نصر الحاجب وكان بره به أكثر من الباقين بالأمراء الذين في حجورهم فدعا يومًا أخاه هارون إلى الثريا فشرب هارون وأحب أن يساعده فدخل النبيذ إلى أن غيره وكان يقرأ علي شعر أبي نواس في تلك الأيام فأنشدت معرضًا به بيتًا أبي ذؤيب:
إذَا رَأَتْنِي صَرِيعُ الْخَمْرِ يَوْمًا فَرُعْتُهَا يُقْرآنَ إِنَّ الْخَمْرَ شَغْبٌ صِحَابُهَا
ففطن لما أردت، فقال لم أقرأتني بالأمس قول أبي نواس:
فَمَا الْعَيْشُ إلًاّ أَنْ تَرَانِيّ صَاحِيًا وَمَا الْعَمْرُ إلاَّ أَنْ يُتَعْتِعَنِي الْسُّكْرُ
ثم قطع، وانصرف، فلما فرغ قلبه من أمر ابن الخال وجه إلى من ها هنا ممن جالس الخلفاء، وممن يصلح أن يجالسني؟ فوجهت إليه: إنه لم يبق ممن جالس الخلفاء غير إسحاق بن المعتمد، وها هنا من رسم بالمجالسة وما جالس بعد، مثل محمد بن عبد الله بن حمدون ومثل ابن المنجم. فقال: قد عزمت على الجلوس وتقدم بإحضار الجماعة، وأمر أن يكون فيهم أحمد بن محمد المعروف بالعروضي، واليزيديان إسحاق وعلي ابنا إبراهيم، وكانا يعلمان الجماعة الخط، وكان العروضي مرسومًا بتأديب أبي إسحاق المتقي بالله أمير المؤمنين، وأخيه علي رسمه بذلك والمعروف بابن غالب، وكانت رياسة التأديب إليه لأن الزجاج النحوي كان ندب لتأديب المقتدر بالله فاستخلفه فغلب على الأمر وحظي به دون الزجاج، ووهب له وأقطع لما ولي المقتدر وما أغناه وكفاه فرسم العروضي بهذين، ورسم أبا عبد الله محمد بن العباس اليزيدي بتأديب الراضي وأخيه
[ ٨ ]
هارون، ورسم لتأديب العباس بن المقتدر رجلًا آخر يعرف بابن غدانة العماني.
ثم إن علي بن المقتدر توفي فكان العروضي يصير إلى الراضي وأخيه هارون فيكرمانه، وتوفي اليزيدي وابن غالب قبل خلافة الراضي بالله فلم يكن يجلس إليهما غيره، وغير علي بن إبراهيم اليزيدي، على نوبة وملازمة.
ورسم لتأديب عبد الواحد بن المقتدر المعروف بابن الأنباري النحوي فأمر الراضي أن يحضر الجماعة الدار في مستهل رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ليجالسوه وأحضرنا وأمر بأن يكون ترتيب جلوسنا على ما أنا أذكره - رسم أن يكون على يمينه أقربنا إليه إسحاق بن المعتمد، ثم أكون أنا تاليًا له، ثم يكون العروضي تاليًا له، ثم يكون ابن حمدون تاليًا له، ثم يجلس الباقون عن يسرته على ترتيب ربما اختلف.
فكنا في المجلس في أول جلسة جلسها أربعة عن يمينه، كما ذكرت وخمسة عن يساره وهم: يوسف وأحمد ابنا يحيى بن المنجم، وعلي بن هارون بن علي بن يحيى واليزيديان إسحاق وعلي ابنا إبراهيم، وكان قد أمرني أن أعمل أبياتي الضادية على قافية المرتضى قصيدة ضادية غيرها على قافية الراضي، فعملتها فلما وصلنا إليه في ذلك اليوم أنشده أحمد بن يحيى وعلي بن هارون قصيدتين يهنيانه فيها بالخلافة ويصفان سرورهما لاغتباطهما فاستمعهما وأظهرا استحسانهما، ثم أمر بإنشاد
[ ٩ ]
الضادية فأنشدته أياها، وأنا أذكرها ها هنا لأنها ليست من الشعر الذي يأباه القلب ويمجه السمع، وفيها مدح لابن ياقوت وللوزير وهي:
أَصْبَحَ الْمُلْكُ عاليًا بأَبي الْعَ بَّاسِ أَعْلَى الْمُلُوك بَعْدَ انْخِفَاضِ
واسْتَفَاضَ السُّرُورُ في سَائِرِ ال نَّاسِ بِمُلْكِ الْمُهَذَّبِ الْفَيَّاضِ
رَضِيَ اللهُ هَدْيَهُ فَاصْطَفَاهُ فَهُوَ بِاللهِ وَالْمَقَادِيرِ رَاضِي
مَنْ غَذَتْهُ الْعُلُومُ يَرْفَعُ مِنْهَا فِي جِنَانِ أَنِيقَةٍ ورِيَاضِ
كَمُلُ الْفَضْلُ والْفَضَائِلُ فِيهِ قَبْلَ عِشْرِينَ مِنْ سِنِيهِ مَوَاضِي
فَهُوَ بِالْعِلْمِ والتَّفَرُّغِ فِيهِ خَيْرُ آتٍ مِنَ الْمُلُوكِ وَمَاضِي
خَطَرَتْ نَحْوَهُ الْخِلافَةُ طَوْعًا بِاتِّفاقٍ مِنَ الْوَرَى وَتَرَاضِ
واصْطِفاقٍ مِنَ الأَكُفِّ دِرَاكًا واجْتِمَاعٍ مَوفٍ وَعَزْمٍ مُفَاضِ
مَرِضَ الدِّينُ قَبْلَهُ وَأَتَاهُ بَارِئًا عِنْدَهُ مِنَ الأَمْرَاضِ
واسْتَلَذَّ الزَّمَانُ إِذْ أَسْفَرَ الْمُلْ كُ وَجَلَّى سَوَادَهُ بِبَيَاضِ
وَاجِدٌ بِالْعُلُومِ وجْدَ مُحِبٍّ رَاعَهُ مَنْ يُحِبُّ بِالإِعْرَاضِ
يَرِدُ النَّاسُ مِنْهُ أَغْدَارَ جُودٍ طَيِّبُ الْوِرْدِ مُتْرَعُ الأَحْوَاضِ
[ ١٠ ]
حَمُدوا مِنْ مُحَمَّدٍ حُسْنَ مُلْكٍ بِتَقَضِّي حَقِّ الْوَرى وَتَقَاضِي
نِعَمٌ لِلْوَلِّي مِنْهُ حَبَاهُ وَمَنَايَا عَلَى الْعَدُوِّ مَوَاضِي
تَمْلِكُ الْخَطْبَ مِنْهُ عَزْمَةُ رَأْيٍ يُذْعِنُ الصَّعْبُ عِنْدَهَا لاِرْتِيَاضِ
يَا إمَامًا إِلَيْه حُلَّتْ عُرَى الْفَخْ رِ وَفُلَّتْ مَعَاقِدُ الأَغْرَاضِ
حَازَ بِالمَكْرُمَاتِ كَامِلَ مَجْدٍ عَلِقَ النَّاسُ فِيهِ بِالأَبْعَاضِ
وَتَعَالَى عَلَى النُّجُومِ بِبَيْتٍ سَامِقِ الْعِزِّ ظَاهِرِ الأَغْرَاضِ
حُجَّةُ اللهِ أَتَتْ يَا قْبَلَةَ ال دِّينِ فَلَيْسَتْ تُرَدُّ بالإِدْحَاضِ
آذَنَ السِّيْفُ مَنْ عَصَاكَ مَن ال نَّاسِ بِهُلْك وَاشِكٍ وانْقِراضِ
وَبِثُقْلٍ مِنَ الْعَذَابِ وَوِزْرٍ يَنْقُضُ الظَّهْرَ أَيَّمَا إِنْقَاضِ
لَسْتُ ممَّنْ يُرِيدُ بِالْمَدْحِ حَالًا يَبْسُطُ الْجَاهَ مِنْهُ بَعْدَ إِنْقِبَاضِ
قَدْ تَرَوَّيْتُ مِنْ نَوَالِ إمَامٍ لَسْتُ مَا عِشْتُ فِيهِ بِالمُعْتَاضِ
بِشْرُهُ زَائِدُ الْعَطَاءِ كَمَا الْبَرْ قُ دَلِيلُ الْغُيُوثِ بالإِيمَاضِ
وَتَقَدَّمْتُ فِي مَديحِي لَهُ النَّا سَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَوِي الإِبْغَاضِ
وافْتَرَعْتُ الأَبْكَارَ مِنْ عِزَّةِ الشِّعْ رِ فَذَلَّلْتُ صَعْبَهَا بِافْتِضَاضِ
[ ١١ ]
وَعَذَابِي بِطَوْلٍ مِنْهُ فِي سَا بِقِ أَيَّامِي الطِّوَالِ الْعِراضِ
جَاءَ عَفْوًا بِلاَ سُؤَالٍ وَلاَ وَعْ دٍ وَلاَ مُذَكِّرٍ بِهِ مُتَقَاضِي
صَافِيًا مِنْ تَكَدَّرِ الْمَطْلِ يَجْرِي جَرْيَ مَاءٍ صَافٍ عَلَى رَضْرَاضِ
وَتَشَرَّفْتُ بِالجُلُوسِ لَدَيْهِ بِحَدِيثٍ يَلْتَذُّهُ مُسْتَفَاضِ
وَبَلَغْتُ الْمُنَى وَبَشَّرَنِي ال نَّاسُ بِثَوْبٍ مِنَ الْغِنَى فَضْفَاضِ
وَتَبَدَّلْتُ بالتَّذَلُّلِ عِزًّا آذَنَ الْهَمُّ عِنْدَهُ بِانْفْضَاضِ
وَاطْمَأَنَّ الْفِرَاشُ مِنْ بَعْدِ أَنْ جَا نَبَ جَنْيِ تَجَنُّبَ النُّهَّاضِ
واسْتَرَدَّ الْعَدُوُّ وُكْدِي وَعَادَتْ أَعْيُنُ السُّخْطِ وَهِيَ عَنِّيَ رَواضِي
لاَ أَرى مُزْعَجًا نَوَالِي وَإنْ أَبْطَأً عَنِّي جنَاهُ بالإِيْغاضِ
لاَ وَلاَ خَاطبًا بِذَمِّ زَمَانٍ أَتَشَكَّى مِنْهُ نُدُوبَ عِضاضِ
قَدْ كَفانِي الإِمَامُ مَا قَدْ عَنَانِي وانْتَضَانِي مِنْ خَلَّةِ الانْفَاضِ
واجْتَنَيْتُ الْغِنيَ بِمَدْحِيَ غَضًّا مِنْ أَيَادٍ لَهُ رِطَابٍ غِضَاضِ
[ ١٢ ]
لَم أَجُبْ نَحْوَهُ الْفَلاَةَ وَلاَ أَقْ بَلْتُ نِقْضًا أَهْوَى عَلَى أَنْقَاضِ
تَتَرَامَى بِيَ الْمَفَاقِرُ طَوْرًا واعْتِراضًا كَرَمْيَةِ الْمِعْرَاضِ
بَعْدَ أَنْ حَلَّتِ النُّحُوسُ مَحَلِّي وَهَوَى نَجْمُ أَسْعُدِي لانِقِضَاضِ
فَتَكَ الْيَأْسِ بِي فأَهْدَى صُدُودًا مِنْ وَصُول كَفَتْكَةِ البْرَّاضِ
وَأَرانِي تَحَيُّفُ الْهَجْرِ لِلطَّيْ رِ بِمَا نَسَّي تَحَيُّف الْمِقَراضِ
واقْتَضَانِي دَيْنَ الشَّبَابِ مَشِيبٌ فِيهِ عَسْفٌ لَهُ وقُبْحُ تَقَاضِي
عَجَبي لَهُ كَيْفَ أَوْجَبَ ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَسَلُّفٍ واقْتِراَضِ
ظَالِمٌ مُنْصِفٌ سَرِيعٌ بَطيءٌ سَابِقٌ رَكْضُهُ بِغَيْرِ ارْتِكَاضِ
فَتَسَوَّدْتُ بِالْبَيَاضِ وَعُذ تُ بِهِ عَنْ وصَالِ بِيَضٍ بِضَاضِ
وَاكْتَسَيْتُ الْوقَارَ بالْكُرهِ مِنِّي وَنَضَتْ بِشْرَتِي لَيَالٍ نَوَاضِي
وأَتَتْنِي قَوَارِضٌ مِنْ أُنَاسٍ مِثْلُ وَقْعِ الشِّهَابِ فِي الأَغْراضِ
[ ١٣ ]
كُلِّ وَاهِي الْقُوَى نَؤُومٍ إِذَا مَا نَهَضَ النَّاسُ للْعُلَى رَبَّاضِ
تَرَكَتْنِي لِمَا أُحَاذُرِ مِنْهَا حَرَضًا هَالِكًا مِنَ الأَحْرَاضِ
عَلَم اللهُ مَا الَّذي كُنْتُ أَلْقَى فيكُمُ مِنْ تَأَلُّمٍ وَامْتِعَاضِ
لَمْ أَذُقْ مُذْ رَكبْتُ رَاحِلَةْ الْ خَوْفِ إلىَ لَذَّةَ إِلإِغْمَاضِ
لاَ أُطِيقُ الدِّفَاعَ عَنْكَ وَلاَ أَمْلِكُ غَيْرَ الْهُمُومِ والإِرْتِمَاضِ
زَأَرَتْنِي أُسُودُ حِقْدٍ عَلَيْكُمُ لَمْ تُغَيِّبْ بِغَابَةٍ وَغِياضِ
وَفَرَانِي الزَّمَانُ مِنْهُ بِنَابٍ بَعْدَكُمْ مُرْهَفِ الشَّبَّا عَضَّاضِ
وَانْتَحَى آكِلًا لِلَحْمِي وَرَضَّ الْ عَظْمِ مِنِّي بِكَلْكَلٍ رَضَّاضِ
واكْتَحَلْتُ السُّهَاد والْحَذَرَ ال دَّائِمَ خَوْفًا بِمَرْوَدٍ مَضَّاضِ
مِنْ حَسُودٍ مُنَافِسٍ لِي عَلَيْكُمْ لِبِحَارِ أَغتِيابِكُمْ خَوَّاضِ
مُبْغِضٍ لِي لَما أُسَيِّرُ فِيكُمْ مِنْ مَدِيحٍ عَلَى الأَذى حَضَّاضِ
فأَرَانِي الإِلهُ مَا كُنْتُ أَرْجُو هُ وعُوِّضْتُ أَحْسَنَ الإِعْتياضِ
يَا إِمَامَ الْهُدَى اسْتَمِعْ لِوَلِيٍّ سَائِرٍ فِي مَديحِكُمْ رَكَّاضِ
بَذْلُ النَّفْسِ وَاجِبٌ لَكَ مَحْضُ ال نُّصْحِ مِنْ أُسْرَةٍ لَكُمْ أَمْحَاضِ
كُلُّ عَاصٍ بِجِلْدَتِهِ العُ رُّ هَانِئُوهُ بِالخَضْخَاضِ
[ ١٤ ]
يَفْضُلُ النَّاسِ في الشَّجَاعَةِ وَالْبأْ سِ كَفَضْلِ الدَّيْسِ لابْنِ مَخَاضِ
قِبْلَةُ الْحَرْبِ حينَ تَجْتَنَبُ الْحَرْ بُ وَتَرْدَى خُيَولهُهَا في الْعِرَاضِ
عَضَّدَ الْمُلْكَ فيهِ بالأَيِّدِ الْ عَالِمِ شَافِي الْمَحْلِ بالإِحْمَاضِ
بَاذِلُ الرَّأْي سَالِكٍ شَعْبَ عَزْمٍ مَا الْمَصَاعِيبُ فِيهِ كالأَحْفَاضِ
أَخْصَبَتْ أَرْبُعُ الْوَرَى بإِمَامٍ قَاتِلِ الْمَحَلِ جَابِرِ الْمُنْهَاضِ
عَرَفَ النَّاسُ فَضْلَهُ مِثْلَ مَا يُعْ رَفُ قَصْدُ السِّهَامِ بالأَنْبَاضِ
مَنْ رأَى حُبَّهُ كَنَافِلَةِ الْ فَرْضِ فَإِنِّي أَرَاهُ كالإفْتِرَاضِ
أَيَّدَ اللهُ مُلْكَهُ بِوَزِيرٍ مُسْتَقِلٍّ برَأْيِهِ نَهَّاضِ
عَالم بِالزَّمَانِ قَدْ رَاض مِنْهُ جَامِحًا آبيًا عَلَى الرُّوَّاضِ
لَمْ يَطُفْ بِالْيَقِينِ مِنْ ظَنِّهِ ال شَّكُّ وَلاَ حَالَ دُونَهُ بِاعْتِرَاضِ
ضَرَبٌ في لُهَى وَلِيِّكَ مَاضٍ وسَهُادٌ عَلَى عَدُوِّكَ قَاضِي
نَاصِحٌ لَمْ يَخُضْ ضَحَاضِحَ غِشِّ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي مَعَ الْخُوَّاضِ
مَوَّلَ اللهُ بَيْتَ مَالِكَ مِنْهُ باجْتِمَاعٍ مِنْهُ لاَ بارْفِضَاضِ
غَيْرَ مَا حَافِلٍ إِذَا انْتَحَلَ النُّصْ حَ بِشَكْوَى مُغَاضِبٍ أَوْ مُرَاضِي
مِنْ أُنَاسٍ أَقَلاَمُهُمْ أَسْهُمُ الْمُلْ كِ وَلَكِنَّهَا بِغَيْرِ وِفاضِ
[ ١٥ ]
جَامعَاتٍ لِلأَمْرِ بَعْدَ افْتِراقٍ جَابِرَاتٍ لِلْعَظْمِ بَعْدَ انْهِيَاضِ
مَا رَأْتْ سَاعيًا على الْبَيْنِ إِلاَّ قَيَّدَتْ سَعْيَهُ بِغَيْرِ الاْيَاضِ
نَفَثَتْ بِالْمِدَادِ سُمًّا عَلَيْه نَفْثَ أَنْيَابِ حَيَّةٍ نَبنَاضِ
فَابْقَ يَا سَيِّدَ الْمُلُوكِ لَهُ تُبْ رِمُ بِالرَّأْي مِنْهُ كُلَّ انِتْقَاضِ
وَتَمَلَّ النَّيْرُوزَ تِسْعِينَ عَامًا سَامِيًا والْعَدُوِّ ذُوِ إِعْضَاضِ
فقال - وكان عالمًا بالشعر ناقدًا -: ما أعرف مثل هذه الضادية لقديم ولا محدث وإنها لحُمَتُكَ رميت بها كما كانت - قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فَجُبْرِ - حمة العجاج رمى بها فقلت له يبقى الله سيدنا وها هنا حماةَ مثلها كثيرة.
وكان من أول ما خاطبنا به أَن قال: والله لقد جاءني هذا الأمر وما شرعت فيه ولا أحببته، ولا علم الله ذاك مني في سر ولا علانية، لا جهلًا مني ما فيه من الشرف والجلالة لكني لتغير الأحوال وقلة الأموال وكلب الجند وخاب الدنيا وإنه يستصحبني من الغم والأسف والغيظ والاهتمام أكثر مما يؤمل من السرور واللذة، فما أجد في زماني مياسير من الكتاب والتجار بحمل بمثلهم الملك ويلجأ المهم إليهم مثل ابن الجصاص في التجار ومن يقاربه، وأرجو أن يعينني الله
[ ١٦ ]
بجميل نيتي، فقد ضقت ذرعا بما دفعت إليه فقلت له إذن يعينك الله يا أمير المؤمنين، ويوفقك بشهادة من رسول الله صلى الله عليه بذلك ووعد به قال وكيف ذاك؟ قلت: حدثنا إبراهيم بن عبد الله النميري قال حدثنا حجاج بن منهال عن المبارك بن فضالة عن الحسن بن أبي الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أَعطيتها عن مسئلة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسئلة أعنت عليها. فقال لي: قد والله سرني الله بهذا الحديث ولست أشك الآن في عون الله وتوفيقه إياي.
ثم قطع المجلس، قطعه ما لقيه من إعنات القاهر له وخوفه لقتله أباه في ليله ونهاره وما دفع إليه من مداراة من لا تعرف طريقته ولا يوثق بدينه، ولا بعقله ولا تؤمن بوائقه، ولا ترضى خلائقه. إلى أن قال أليس بابن المعتضد؟ وأخ المقتدر وعم لنا؟ هذا والله عار لا يرحض وعيب لا يزال ثم نبهتنا سهامة.
فقلت قد أزال الله عن سيدنا كل عيب وألحق به كل حسن، وله في رسول الله صلى الله عليه أسوة حسنة هذا عمه أبو لهب أنزل الله عن وجل فيه وفي امرأته سورة من القرآن يعرفها كل إنسان ويلفظ بها كل لسان فما ألحقه عاره وقد ولده جد رسول الله عبد المطلب، وهذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه
[ ١٧ ]
كان يهجوه قبل إسلامه ثم أسلم وشهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وحسن أثره وما زال محمودًا مرضيًا إلى أن توفي ويقول له حسان بن ثابت وكان كافرًا:
أَبُوكَ أَبٌ حُرٌّ وأُمُّكَ حُرَّةٌ وَقَدْ يلِدُ الْحُرَّانِ غَيْرَ نَجِيبِ
فَلاَ يَعْجَبَنَّ النَّاسُ مِنْكَ ومِنْهُمَا فَما خَبَثٌ مِنْ فِضَّة بعَجِيبِ
فقال لي قد والله سرني جميع ما جرى وأراني طريق المسلاة واعتقني من هم كان قد ملكني وغلب علي. أعلمت أن الناس يظنون أن هذا من قول حسان، إنما هو لأبي سفيان صخر بن حرب. وأنا قد كنت أظن ذلك حتى عرفتنيه فقلت له. إن حسان هجاه بقصيدة فيها بيت يقال إنه ما سمع بهجاء قط أنصف منه، وهو قوله:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعَنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتُ لَهُ بِمِثلٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِداءُ
هذا أَنصف بيت قيل قط من هجاء قال الصولي: وما حكيت من ألفاظه التي مرت، وما أحكيه من كلامه بعد فهو كما أحيكه أو شبهه أو مقارب، إذ كنت لا أقدر على أن أحفظ لفظه على حروفه وأنا أحفظ معناه.
وكان والله إذا جمع نفسه وأحضر خاطره كأنه ينطق بلسان المنصور
[ ١٨ ]
إذا أراد الكلام في معنى من المعاني، كذلك خيل إلى. أو المأمون من بلاغته وحسن سلوكه سبل المعاني وما أخطأه من شيء فلن يخطئه أن يكون أحسن الناس علمًا، بالشعر ونقدًا له كما ينقده العلماء به، وإنه من أطبع ملوك بني العباس في الشعر وأكثرهم شعرًا وأكرمهم عشرة لجلسائه وما رأيت ولا سمعت بخليفة أحسن منه أخلاقًا ولا أسمح بكل شيءِ بالمالِ والطعام حتى يفرط، وبالثياب والطيب ما بخل بشيء قط ولا تعاظمه شيءِ يهبه ولولا إتباعه لشهوته كثيرًا، عالماَ بما في ذلك من العيب محتملًا له على بصيرة لظننت أنه لا يقدم أحد عليه.
فكنا بين يديه في ذلك اليوم ثلاث ساعات من الليل نشرب وكان هو لا يشرب، قد ترك النبيذ جملة ثم انصرفنا وكان النوروز في تلك الأيام فجلس على بركة مرصصة الجوانب والمجاري حسنة قد عملها وأحضرنا فجلسنا حول البركة وملئت ماء وأمر فرمى فيها بمثقلات كافور كبار وصغار، ثم قال لنا كل من وقف بين يديه مثقلة فهي له فوقفت بين يدي بعضنا مثقلة وقدام بعضنا مثقلتان أنا منهم وقفت لي صغيرة وكبيرة باعهما لي ابن خزابة بثلاثة آلاف درهم ودفع إلينا ندا كثيرًا وعنبرًا، ووصل الجماعة بصلات مختلفة على أقدارهم عنده.
ثم واصل الجلوس بعد ذلك إلى أن كثر شغب الحجرية والساجية في طلب المال فقطع الجلوس معنا مدة لئلا يقولوا إنه مشغول بلذاته. ولما قبض على القاهر حبس في بيت وطولب بأموال
[ ١٩ ]
فلم يقر بشيء وكأنه عرف ماله عند الراضي لسوء ما كان يعامله به فعذب عذابًا شديدًا فما أنعم بشيء فأمر بعض الناس فكحله فأعماه وتردد المكروه عليه فما أقر بشيء ووجد له مال يسير وآلة فأخذت وحسن وفاء زيرك له فأعجب ذلك للراضي فاصطنعه وحسنت خدمته له فتمكنت عنده حاله وغلب عليه فأحسن إليه إحسانًا كثيرًا وأقطعه البستان المعروف بالشفيعي ووهب له من أنواع الطيب ما كان أمله يقصر عن مثله، وكذا من الجواهر والبلور وآلة الذهب والفضة - وما رأيت البلور عند ملك أكثر منه عند الراضي، ولا عمل ملك منه ما عمل ولا بذل في أثمانه ما بذل حتى اجتمع منه له ما لم يجتمع لملك قط.
وعظم في أول أيام الراضي أمر مرداويج السلمي بأصبهان، وتحدث الناس عنه أنه يريد تشعيث الدولة وقصد بغداد وأنه لمساهم لصاحب البحرين مجتمع معه على ما يحاوله، ثم ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه وأن رئيس الغلمان غلام يعرف ببجكم، وأنه خرج عن أَصبهان ومعه جماعة من الأتراك قد رضوا به صاحبًا لهم ورئيسًا عليهم، فزعم ابن ياقوت أنه هو الذي دبر ذلك وكاتب فيه الغلمان ووجه برسل إليهم يحضهم على ذلك ويرغبهم في حسن الفائدة عليهم في العاجل من جهة الخليفة، وفي الثواب بطاعتهم للخليفة ونفذت كتبه إلي بحكم
[ ٢٠ ]
والغلمان بتحقيق ظنونهم، والتقدم إليهم لقصد مولاهم وقتله ليبلغ لهم ما أملوه.
ودخل ابنا المنجم أحمد بن يحيى وعلي بن هارون فأنشدا الراضي في يوم خميس شعرًا يهنيانه بهذا الفتح، وتخلفت أنا لشيء وجدته ثم دخلت إلى الراضي في يوم السبت بعد الخميس بيومين وأنشدته:
ضَحِكَ الدَّهْرُ بعد طُول عُبُوسِ طَالعًا بالسُّعُودِ لاَ بالنُّحُوسِ
وأَتَتْنا الأيَّامُ معْتَذراتٍ لابسَاتٍ نعيمَها بعدَ بُوسِ
بالإِمامِ الرَّاضِي الْمُطلِّ على الآ داب شَمْسِ الْمُلُوك وابِن الشُّمُوسِ
سَبْعَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ ولَدُوهُ لَمْ يكُنْ ذَا لغيره مِنْ رَئِيسِ
رَضِيَ الرَّاضِي الإِلَهُ لِمُلْكٍ أَوْضَحَ النَّهجَ مِنْهُ بَعْدَ الدُّرُوسِ
فهو كالخِصْبِ بَعْدَ وافِدِ جَدْبٍ رُعِيَ الغَضُّ مِنْهُ بعدَ الْيَبيسِ
آنسَ اللهُ بالخليفةِ مُلْكًا مَوحِشَ الرَّبْعِ وَاهِنَ التَّأْسِيسِ
فَهُوَ يخْتالُ فِي الْجَدِيدِ مِنَ اللِّبْ سَةِ والْحُسْنِ بَعْدَ لُبْسِ الدَّرِيسِ
يَا نَسيمَ الْحَيَاةِ أَضْحَكْتَ دَهْرًا كان لَوْ لاْكَ دَائِمَ التَّعْبِيسِ
أَنَّ أيَّامَكَ اللِّذَاذَ كَوَصْلِ الْ حِبِّ طِيبًا وَنوْمَةِ التَّعْرِيسِ
مَرْدَوَاجُ بِسَيْفِ حَظِّكَ مَفْتُو لٌ فَأَهْوِنْ بِذَاكَ منْ مَرْمُوسِ
[ ٢١ ]
قَصَفْتُه رِيَاحُ أَيَّامِكَ الْغُ رِّ فَأَخْمَدْنَ مِنْهُ نَارَ الْمَجُوسِ
ثُلَّ عَرْشُ اللَّعِينِ أَسْرَعَ مِمَّا سُلِبَ الْعَرْشَ مِنْ يَدَيْ بِلْقِيسِ
وَتَوَلَّتْ بِمَأْتَمِ الدَّهْرِ أَيَّا مٌ أَتَتْنَا تَجُرُّ ذَيْلَ الْعَرُوسِ
بَعْدَ كُفْرٍ لِنِعْمَةٍ وَقَبِيحٌ كُفْرُ عَبْدٍ في نِعْمَةٍ مَغْمُوسِ
وَجَزى الْمُسْلِمِينَ تَؤْخَذُ قَسْرًا بِخُرُوجٍ عَلَيْهِمُ وَمُكُوسِ
حَابسُ الْمَالِ عَنْهُمْ مُسْتَضَامٌ باتِّسَاعِ الأَذَى وضِيقِ الْحُبُوسِ
وكأَنَّ الْعِيالَ إِذْ فَقَدُوهُمْ أُنْشِرُوا في الْبِلاَدِ بَعْدَ الُّرمُوسِ
وكَأَنِّي بِهِمْ حَمَايِلَ إِقْبَا لٍ طَوِيلِي الإِطْرَاقِ والتَّنْكِيسِ
حَسَّهْمُ سَيفُكُ الحُسَامُ فأَضْحَوْا هُمَّدًا مِنْهُ مَا لَهُمْ مِنْ حَسِيسِ
يَا حُلِيَّ الزَّمَانِ يَا زينَةَ الأَرْ ضِ وَرَأْسُ الْمُلُوك وَابْنَ الرُّءُوسِ
إِنَّ نُصْحِي وَصِدْقَ وَدِّي قَدِيمٌ لَمْ أَشُبْهُ بِالزُّورِ وَالتَّدْلِيسِ
قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ الزَّمانُ شَبابِي خَالِسًا غُرَّتِي بِشَعْرٍ خَلِيسِ
مَا أُطيلُ الْمَقاَلَ خَوْفًا لإِضْجًا رِ إمَامٍ مُؤَيَّدٍ مَحْرُوسِ
وَأَرَى النَّاسَ أُظْهِرُوا بِمَدِيحٍ لِيَ مِنْهُ البُكُورُ بالتَّغْلِيسِ
رُبَّ بَذْلٍ سَقَيْتَنِي مِنْهُ كَأْسًا فَأَعِدْ مُدَارَ تِلكَ الْكُئُوسِ
[ ٢٢ ]
حِينَ شَرَّفْتَنِي فَكُنْتُ بِنُعْمَا كَ جَلِيسًا مِنْ قَبْلِ كُلِّ جَلِيسِ
ثُمَّ أَفْرَدْتَنِي خُصُوصًا بِبِرٍّ مُفْرَدٍ طَاهِرٍ مِنَ التَّدْنِيسِ
إِنَّ بَيْنِي وَبَيْن دَهْرِيَ حَرْبًَا جَاوَزَتْ حَرْبَ دَاحِسٍ وَالْبَسُوسِ
أَنَا منْهُ لغَيْرِ هَجْرٍ وَوَصْلٍ وَاقِفٌ بَيْنَ لَوْعَةٍ ورَسِيسِ
فَاعْتَبِرْ مَا شَكَاهُ عَبْدُكَ مِنْهُ ثُمَّ دَاوِ الْخُنَاقَ بِالتَّنْفِيسِ
هُوَ في مِخْلَبِ الزَّمَانِ فَرِيسٌ فَارْحَمِ الآنَ نَفْسَ هَذَا الْفَرِيسِ
وَاسْقِهِ مِنْ سُلاَفِ جَودِكَ بَذْلًا فَاقَ طِيبًا سُلاَفَةَ الْخَنْدَرِيسِ
يُطْلَقُ الشِّعْرُ فِي أُناسٍ وَشِعْرِي وَقْفُ مَدْحٍ عَلَى الإِمَامِ حَبِيسِ
لَمْ تَزَلْ فِي القَدِيمِ تَلْبَسُ مِنْهُ مُسْتَجَدَّ الطِّرَازِ غَيْرَ لَبِيسِ
لاَ أُعَلِّي بِهِ لعُلْوَةَ فِكْرًا فِي مَشِيبٍ لَهَا وَلاَ لِلْعَمِيسِ
مِدَحٌ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا زِيادٌ وَهُوَ خَاشٍ رَدَى أَبِي قَابُوسِ
لاَ وَلاَ حَاكَ مِثْلَهُنَّ جَرِيرٌ عِنْدَ إِيحَاشِ رَبْعِهِ الْمَأْنُوسِ
قَامَ هذَا الْمَدِيحِ بِالعُذْرِ مِنِّي نَائِبًا عَنْ نَشيدِ يَوْمِ الْخَمِيسِ
فَالْقْهُ بِالنَّجَاح يَا أَكْرَمَ الأُمَّ ةِ أُعْطِي بِهِ يَمِينَ غَمُوسِ
[ ٢٣ ]
لِيَ سَبْقُ الْمَدِيحِ فِيكَ عَلَى النَّا سِ وَفَخْرٌ بِالسَّبْقِ فِي التَّأْسِيسِ
هِيَ حالٌ لَيْسَ الشَّبَابُ وإِنْ فُضِّ لَ خَيْرًا فِيهَا مِن التَّعْنِيسِ
يَا إِمَامًا بِهِ أُمَّرتْ عُرَى الْحَ قِّ وَحُلَّتْ مَعَاقِدُ التَّلْبِيسِ
أَيَّدَ اللهُ مُلْكُه بِوَزِيرٍ عَالِمٍ بِالزَّمَانِ طَبٍّ رَئِيسِ
ضَامِنٍ بِالْوَفَاءِ مِنْهُ رضَى الل هِ بِحْفظِ الرَّئيسِ والْمَرْءُوسِ
ظَمِئَ الْمُلْكُ قَبْلَهُ فَسَقَاهُ رِيَّهُ مِنْ زُلاَلِ نُصْحٍ مَسُوسِ
حَاصِدٍ لِلْعِدَى بِأَقْلاَمِ رَأْيٍ تَقْطَعُ السيفَ عَنْدَ حَمْيِ الْوَطِيسِ
كَيْدُهُ وَافِدٌ عَلَيْهِمْ بِيَوْمٍ قَمْطَرِيرٍ بِمَا يَشُقُّ عَبُوسِ
بَانَ فَضْلًا عَلَى الكُفَاةِ كَمَا با نَ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ فَضْلُ السَّدِيسِ
طَابَ أَصْلًا وَبابْنْه طَابَ فَرْعًا غَرَس الْمُلْكُ منه خَيْرَ عَريس
قَدْ أَمَرَّ الزَّمَانُ طَوْعًا عَلَيْهِ فَسَخَا بَعْدَ نَفْرَةٍ وَشُمُوسِ
فَتَرَى النَّاسَ خَاضِعِينَ إِلَيْهِ مِنْ قِيَامٍ بِأَمْرِهِ وَجُلُوسِ
أَمْتَعَ اللهُ بالْوَزِيرِ إِمَامًا خُصَّ مِنْ نُصْحِهِ بِعلْقٍ نَفِيسِ
وَأَطَالَ الْبَقَاءَ لِلْمَلِكِ الرَّا ضِي إِلَهُ أَصْفَاهُ وُدَّ النُّفُوسِ
وقد يعلم الله تعالى أَن الراضي بالله في حال إِمارته وأخاه هارون لما
[ ٢٤ ]
أَمر نصر الحاجب أن يتقدم إلى بخدمتهما، وإن يجعل على نوبة لهما يومين في كل أسبوع ففعل ذلك دخلت إليهما ذكيين فطنين عاقلين إلا أنهما خاليان من العلوم، فعاتبت ابن غالب مؤدبهما على ذلك وكان الراضي أَذكاهما وأحرصهما على الأدب، فحببت العلم إِليهما واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة فتنافسا في ذلك وعمل كل منهما خزانة لكتبه وقرآ علي الأخبار والأشعار فقلت إن الحديث أولى بكما وانفع لكما من هذه وهو أولى أن يبتدأ به وجئتهما بأعلى من بقي من الزمان إسنادًا، وهو أبو القاسم ابن بنت منيع، واختلف إليهما مجالس ونسخت لهما علو حديثه ومشايخه، مثل علي بن الجعد وابن عائشة وأبي نصر التمار، وجميع علوه ومختار حديثه، واحتجنا إلى أن نبره بدنانير، فوجه إلى من جهة والدتهما والله ما عندنا دنانير لهذا المحدث، ولا بنا حاجة إلى مجيئه، فعرفت نصرا الحاجب ذلك فقال خذ له من مالي كل شيء يريده فأوصل إليه في مدة شهرين أربعمائة دينار.
وقرآ علي من كتب اللغة كتبًا كثيرة منها خلق الإنسان للأَصمعي فمضى خدم سمعوا ذلك إلى المقتدر وإلى والدته، فقالوا لهما: إن الصولي يعلمهما أسماء الفرج والذكر فدعا المقتدر نصرا الحاجب فعرفه ذلك، ودعاني نصر الحاجب. وكان من أحسن الناس عقلًا، فسألني عن ذلك، فعرفته السبب فيه فقال: جئني بالكتاب، فجئته فعرفه وعرفته أن هذا من العلوم التي لا بد للفقهاء والقضاة منها، وأنهم
[ ٢٥ ]
يلجأون إلى أهل اللغة فيها فأخذ الكتاب وأدخله إلى المقتدر وعرفه ما عرفته فأزال كل شيءِ خفته. ثم قلت للراضي بالله قد أمرت أن تجلس في غد ليملك بحضرتك ابن الجواليقي بدار السيدة، وقد وعدوا جماعة فيهم الحسين بن إسماعيل المحاملي، وسيبكر إلى هاهنا في غد فارفع مجلسه وأقبل عليه وانبسط في مذاكرته، وإني أحب أن يسمع الناس وصفك والثناء عليك من مثله، ففعل جميع ذلك، ثم حضرت وانقضى أمر الإِملاك، فأخذ المحاملي بيد أبي بكر الخرقي، وقال ما رأيت في أهل هذا البيت شيخًا ولا كهلًا ولا حدثا يشبه هذا الفتى يقول حدثنا وأخبرنا وينشد ويعرب، وهذا كله من فعل هذا - وأومأ إِليّ - فأحب أن تتحمل رسالتي إلى القهرمانة ريدان. وتقول لها ما الذي فعلتم بمن صير هذا الأمير في هذا الحال، فقلت أنا لأبي بكر الله يعلم ما أفعل هذا إلا الله ﷿، لأني أقول لعلهما أن يليا من أمور المسلمين شيئًا فينفعهم الله بهما. وجعلت أَقتضي أبا بكر الجواب فدفعني القاضي فقالت لي: إن هذه المحاسن من هذا الرجل عند السيدة ومن يخدمها مساوئ فقل له عني يا هذا، ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهم قد رأينا كل ما نحب فيه وليس بعالم. فاعمل على ذلك فأتيت نصرا الحاجب فأخبرته بذلك فبكى، وقال: كيف نفلح مع قوم هذه نياتهم! فقلت والله ما أعود إليهما بعد هذا. فقال ولا لك حظ في ذلك. ولكن امض ساعة في الأيام ثم اقطع
[ ٢٦ ]
وكان ابن أبي الساج في هذا الوقت بواسط عازمًا على لقاء القرامطة، وكنت أنفذت إليه رسالة طويلة في كتاب عملته له أوصيته فيه بالمطاولة، وهي رسالة حسنة - قد سرقها الناس مني - تجمع ضروبا من العلوم فجاءني جوابه مع كاتب له يعرف بابن حراشة، وفي آخر الكتاب.
وقد بلغني خبرك وقول من قال لا نريد أن يكون أولادنا علماء وإنا لله على ما بلى الناس به، وأفزعني ذلك وخفت أن يظن أني المبدي لهذا، والمتكلم به فصرت إلى نصر الحاجب فعرفته ذلك، فقال إن لابن أبي الساج خدمًا في الدار، لا يخفون عنه الأنفاس، وهذا فإنما علمه من جهتهم، فسكنت نفسي إلى ذلك وانقطعت عنهم، وكان لهم بعدي هنة سر لحجبتهم لها كل أحد، وكان ثم قوم قد نفسوا على موضعي منهم. وكان الراضي وعدني بفص كنت استحسنته فكتبت إليه بقصيدة أسأله فيها التوجيه إلى بالفص، فكتب إلي إنما أتفرخ بما يرد على من جهتك، فاكتب إلي بشعر صادي قافيته الفص فعملت القصيدة وكتبت بها إليه وهي:
أَلا قُلْ لَخِيْرِ النَّاسِ نَفْسًا وَوَالِدًا وَرَهْطًا وَأجْدَادًا مَقَالَةَ مُخْتَصِّ
مَحمَّدٍ الْمَأْمُولِ وَالْمُقْتَدَي بهِ الْأَمِيرِ أبي الْعَبَّاسِ ذِي الْفَضْلِ النَّقْصِ
وَمَنْ جَمَعَ الآدَابَ بَعْدَ افْتِراقَهِا وَثَقَّفَهَا بِالْبَحْثِ مِنْهُ وبِالْفَحْصِ
[ ٢٧ ]
دقِيقِ حَوَاشِي الذّهْنِ هُذِّبَ طَبْعُهُ وَمُحِّصَ فِي قُرْبِ الْمَدَى أَيَّمَا مَحْصِ
بَعِيدِ الْقَبُولِ مِنْ حَسُودِ مُكَاشِرٍ تَخَلَّفَ عَنْ بِالنَّزْغِ والْفَرْصِ
لِئَنْ سَاغَ لِي أَكْلِي وَشُرْبِي فَإِنَّني كَذِي شَرَقٍ مِنْ غَيْبَتِي عَنْهُ مُغْتَصِّ
وَقَدْ كُنْتُ ذَا حَظٍّ لَدَيْهِ وَزُلْفَةٍ فَجَاءَ الَّذِي حَاذَرْتُ فِيهِ عَلَى غَفْصِ
بِفَسْخِ الَّذِي سَدَّى وأَلْحَمَ بَاطِلًا وَقَد وَقَصَاهُ عَاجِلًا أَيَّمَا وَقْصِ
مِنَ أكْلُبِ خُوِزَسَتانَ نَغْلٌ مُحَقَّرٌ ضَئِيلٌ خَفِيٌ الشَّخْصِ فِي صُورَةِ الدَّرْص
وَأَلْهَبَ مِنهُ الْجَمْرَ بِالنَّفْخِ حَابِلٌ عَلُوقٌ بِأَذْنَابِ الأَكَاذِيبِ كَالشَّصِّ
بَنُو مُعْوَرَاتِ الطُّرْقِ جَاءُوا بِعَوْرَةٍ ذَوُو الآنْفِ الذَّكَّاءِ والأَعْيُنِ الرُّمْصِ
أَولُوا بِظَنةٍ فِي بَاطِلٍ وتَكَذُّبٍ وَصِدْقُهُمُ يَأْوِي إلَى أَبْطُنٍ خُمْص
فَمَا أَسْنَدُوا قَوْلًا إلَي ذِي تَمَاسُكٍ ولاَ شَيَّدُوا زُورَ الْمَقَالِ عَلَى إِصِ
وَبِالْقَصْرِ قَوْمٌ إِنْ رَأَوْنَا تَبَلَّغُوا وَحَطُّوا لَنَا الأَعْيَاقَ كَالرَّخَمِ الْقُصِ
تَلاَقَتْ بِتَأَلِيبٍ عَلْينَا جُفُونُهُمْ وَفَرَّقَتِ الأَقْوَالَ بِالثَّلْبِ والْغَمْصِ
وَمَا قَبُلوا نُصْحَ الْعَرُوضِيِّ فِي الَّذِي رآهُ وَرَصُّوا إفْكَهُمْ أَيّمَا رَصِّ
وَقَدْ هَطَلَتْهُ غَيْبَةٌ مِنْ سَحَابِهِمْ وَكَالُوا لَهُ صَاعًا مِنَ النَّثِّ والْقَصّ
وَهَبَّ لهُ فِي بُعْدِه لَكَ قَاصِفٌ مِنَ الْحزْنِ يُنْئِي عَنْكَ بَلْ بُقْصِي
[ ٢٨ ]
فَغَصَّ بِشُربٍ مِنْ فِرَاقِكَ آجنٍ عَصُوفٍ بِجَدْوَاهُ أَمَرَّ مِنَ الْعَفْصِ
وَإِنْ أَنْجَزَ الإِمْكَانُ يَوْمًا بِجَلْسَةٍ لَدَيْكَ أَتَاكَ الْقَوْلُ بِالشَرْحِ واللَّخْصِ
فَأَدْنَيْتَ حَقًّا قَدْ أُطِيحَ بِشَخْصِهِ إلَى نزَوَانِ الْقَوْمِ بِالزُّورِ والْقَنْصِ
فَأَقْتَبَلُ الْعَيْشَ الْغَرِيرَ بِقُرْبِكُمْ وَأَسْحَبُ فِي لَذَّاتِهِ أَذْيُلَ الْقُمْصِ
بِحَقّ أَفَاضَ الْقَلْبُ فَاضِل شَرْبَةٍ مِنَ الهَمِّ حَتَّى جَاءَنِي الأَمْرُ مِنْ فَصِّ
وَأَطْلَعَ شَخْصُ الْحَقِّ عنْدَكَ وَجْهَهُ إلَى أَنْ يَقُودَ الْقُرْبُ مَنْطِقَ مُسْتَقْصِي
تَحَيَّفَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ بِبُعْدكُمْ تَحَيُّفَ مِقْراضِ الْمُجَازِفِ فِي الْقَصِّ
إِلَيْكَ تَرَامَتْ بِي الأَمَانِي هِمَّةٌ عَلَى لُحُق الأَقْرَابِ ضَامِرَةٍ حُصِّ
وَخُوصٍ سَقَتْهَا الآلَ كَأْسُ هَجِيرِهِ فَأَفْنَتْهُ بِالْوَجْدِ الْمُواشِكِ والرَّقْصِ
إلَى ابْنِ الَّذِي أَحْيَا الْبَرِيَّةَ عَدْلُهُ فَشُبِّهَ بِالْفَارُوقِ فِيهمْ أَبِي حَفْصِ
وَقَدْ كَانَ لِي وَعْدٌ عَلَيْكَ بِخَاتَمٍ عَلُوقٍ بِلَحْظِ الْعَيْنِ مُسْتَمْلَح الشَّخْصِ
شَرِيف إِذَا ما رفعوه لسيد تعاظم واستعلى به شرف الفص
فَلاَ أَنَا طَالَعْتُ الأَمِيرَ بِذْكِرهِ بِتَعْرِيضِ قَوْلٍ فِي الْخِطَابِ وَلاَ نَصِّ
وَلاَ أَنْجَدَتْنِي مِنْهُ فِي ذَاكَ حُظْوَةٌ تُذَكِّرُ إِنْجَازًا وَلَسْتُ بذِي حِرْصِ
وإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يُسَرِّيَ لُبْسُهُ فَيَأْخُذَ مِنْهُ اللَّبْسَ أَخْذَةَ مُقْتَصِّ
[ ٢٩ ]
وَإِن لَمْ يَكُنْ كَرْعٌ يُقَاوِمُ غُلَّتِي بِرِيٍّ قَنَعَا فِيه بِالرَّشْفِ والْمَصِّ
إِذا لَمْ يَكُنْ كُلُّ الَّذِي يَشْتَهِي الْفَتَى فَفِي الرَّأَيِ أَنْ يَرْضَى ويَقَنَعَ بالَشِّقْصِ
وَلَسْتُ كَمَنْ يُمْضِي عَلَى الظَّنَّ حَكْمَهُ وَيَجْعَلُ إِسْنَادَ الرِّجَالِ إلىَ حَصِّ
وإِنِّي لأُغلِي الْمَدْحَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي يُغَالِي بِإِعَطَاء وَلَسْتُ بِذِي نَقْصِ
بِذِي هامَ قَلْبٌ لاَ بِخَرِيَدةٍ بِهَا يَميسُ بِهَا غُصْنٌ رَطِيبُ عَلَى دعْصِ
صَليبَهُ عَزْمٍ الْقَلْبِ كَالصَّخْرِ قَلْبُهَا عَلَى أَنَّهُ يَكْتَنُّ فِي جَسَدٍ رَخْصِ
وَلاَ بِشَمُولِ لَذَّةِ الطَّعْمِ قَرْقَفٍ مَنَاسِبُهَا في كَركْينَ وَالْقُفْصِ
فَلَوْ كَانَ في حِمْصٍ يُرَجَّى شَبِيهُهُ لَسَاقَ مَطَايَايَ الرِّجَالُ إليَ حِمْصِ
أَمِيلُ إلَى شُرْبِ الْكِرَامِ بِغُلَّتي وَلَسْتُ لأَوْشَالِ اللِّئَامَ بِمُمْتَصِّ
فَقُولُوا لِمَنْ قَاسَ الأَمِيرَ بِغَيْرِهِ تَأَيَّدْ فَمَا الْكَيْلُ الْمُحَصَّلَ كَالخَرْصِ
تَيَمَّمْتَ زَورًا فِي الْمَقَالِ وَبَاطِلًا لَدَى خُرْقٍ سَادَ الصُّخُورَ عَلَى رَهْصِ
مَحَاسِنُ هَذَا الْخَلْقِ مِنْكَ ابْتَداؤُها وَيْجْذُبَها ذُو كُلْفَة مِنْكَ كَاللِّصِّ
كَذَا الْمَجْدُ لاَ بِالْمَالِ يُجْمَعُ شَمْلُهُ وبِالدُّورِ شِيدَتْ بِالقَرَامِيدِ وَالْجِصِّ
فَلاَ زِلْتَ للدَّهْرِ الْمُمَلَّكِ مَالِكًا يَطيعُكَ فِيمَا تَشْتَهِيهِ وَلاَ يَعْصِي
وَحُزْتَ مِنَ الأَعْمَارِ أَقْصَى نِهَايَةٍ تفُوتُ مَدَى الإِحْصَاءِ فِيهَا يَدُ الْمُحصِي
[ ٣٠ ]
فوجه بخاتم فصه ياقوت سما نجوني ووجه معه بصلة، وكتب إلى ما أعرف والله مثل هذه الصادية لأحد، وقد بخستك في القيمة اضطرارًا لا اختيار إلى أن يستقيم الزمان إن شاء الله.
وإِنما آتى من الأشعار التي قلتها في الراضي بطرف للحاجة إلى المعنى الذي قيلت فيه، وإلا فالشعر كثير فيه، وقد أتيت في عملي أخبار المقتدر بشيء يسير منه، إلا أنني آمل أن لا يستهجن الأدباء ما أورد منه لصلاحه وصفوته، وصعوبة قوافيه، وسلامته مع ذلك من تكلف يهجنه، وسخافة لفظ ترذله إن شاء الله.
وتمزق الأمر بين محمد بن ياقوت ومحمد بن علي بن مقلة، واستبد ابن ياقوت بالأمر دونه، ولم يمض أمرًا إلا بتوقيعه، ونظر في الأموال، ورمى بأكثر أمره إلى كاتبه محمد بن أحمد القراريطي، إلى أن أظهر الوزير إطباق دواته، وترك النظر في شيء البتة، فإذا اضطر أن يوقع في أَعماله أو ينظر في أمر مال عرضت توقيعاته على ابن ياقوت فما أراد أمضاءه رضيه وقع فيه بإمضائه وما لم يرده لم يوقع فيه فبطل، ولم يلتفت إلى توقيع غيره، فما زال الوزير يعمل في أمره حتى قبض عليه وأنا أذكر ذلك في حوادث السنين إن شاء الله.
وكنا ليلة نشرب مع الراضي، فوصلنا وجيء برغيف كبير بحرف وافر قد عمل من ند فرمى به إلينا، وقال انتهبوه فبدروني، فاستلبوه دوني وسخفوا وتبذلوا حتى تكشف واحد منهم، وكل ذلك بعينه فسألته العوض فقال صف أمرك معهم وصف الزبيدية فإنك
[ ٣١ ]
مشغوف بها، وأنا على العبور عليها حتى أَعوضك وانصرفت فعلمت في ذلك قصيدة زائية هي من خير زائية قيلت قط، فلذلك أذكرها وكان ذلك في أيام النيروز وهي:
بَارَكَ اللهُ لِلأَمِيرِ أَبِي الْ عَبَّاسِ خَيْرِ الْمُلُوكِ فِي النَّيْرُوزِ
وَأَرَاهُ أَوْلاَدَهُ الْغُرَّ أَجْدَا دًا بِمُلْكٍ نَامٍ وَعِزٍّ عَزِيزِ
فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وبَالْجُودِ فِيهِ مِنْ ابْرِويزَ وَمِنْ فَيْرُوزِ
لَهُمُ فِي الْهِلالِ هُرْمُزُروزٍ وَلَنَا الدَّهْرِ فِيكَ هُرْمُزُرُوزِ
فَاقْتَبِلْ جِدَّةَ الزَّمَانِ بِعَامٍ بَارِزٍ بِاللُّجِيْنِ وَلابْرِيزِ
ضَاحِكَاتٍ أَيَّامُهُ طَائِعَاتٍ طَاعَةَ الْحبِّ بَعْدَ طُولِ النّشُوزِ
وَاقْضِ حَقَّ النَّيْرُوزِ فيه بِكَأْسِ مُزْعَجٍ سَقْيُهَا بكَأْسٍ وَكُوزِ
فِيهِ نَقْشٌ مُلَوَّنُ مِنْ يَدَيْ مَنْ لَمْ تَشُبْهُ مَعَايِبُ التَّلْوِيزِ
طَلَعَتْ شَمْسُ وَجْهِهِ تَحْتِ دَاجِيَ ال شَّعَرِ الْجَعْدِ صِبْغَةَ الشِّيرُوزِ
مِنْ عُقَارٍ تَرَى الْفَتِيَّةَ مِنْهَا عَجَزَتْ عَنْ كَمَالِ حُسْنِ الْعَجُوزِ
يَشْتَكِي كَرْمُهَا الأُوَامَ لَدَى الْقَطْ فِ وَمَا زَالَ كَارِعًا في البُرُوزِ
وعَلَى مُقْبِلٍ مِنَ السَّعْدِ مَحْجُو بٍ عَنِ النَّحْس والأَذَىَ مَحْجُوزِ
بِالزَّبَيْدِيَّةِ الْمُشَهَّرَةِ الْحُسْ نِ وَحَوْزِ الَّلَذَاذَةِ الْمَاحُوزِ
[ ٣٢ ]
وصُنَوفٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَنْزِهَا المَكْنُوزِ
يَاسَمِينَ حكَى قُرَاضَةَ تِبْرٍ فَتَقُوا طِيبَهُ بِمَرْمَاحُوزِ
يَضْحَكُ الْوَرْدُ عْنْدَهُ بَيْن نِسْرِي نَ وَبُسْتَانُ لعنُهم آيْرُوز
ورِياحٍ مِنَ الرِّياحِين أدَّتْ نشرَ مِسْكٍ بعَنْبر مَعْرُوز
وبها من حَمَاحمٍ هَامُ رَنْجٍ مُشْرفات الطُّلَى على سينيز
ومياهٍ يَشْكو الْجَداول أَبْسًا لم تَمَزِّقْهُ حادثاتُ النُّزُورِ
وبنا رِنْجِها المَحَمَّلِ تِبْرًا ومياه منْ آسها الْمَجزُوزِ
ونخيلٍ ترفَّع النَّوْعُ منها عن حِوار الأَنْفَالِ والشَّهْرِيز
وبها الطَّلْعُ مثْلُ بِيضِ أَكُفٍّ بَرَزَتْ من مَخَصَّرات القُزُوز
وتجافَتْ عَنْها الجُفوفُ فشُبِّهْ ن كَمَامًا مفَتَّقات الدُّرُوز
كَمْ زمانٍ مضَى بها مُسْتَلَذٍّ لَيْلنُا فيه مثلُ لَيْل الحَزِيز
قَبْلَ أَن تَرْحَلَ البوارحُ عنَّا وتُحَطَّ الرِّحَالُ من تَمَّوز
رضِيَ الرَّاضِيَ الإِلهُ لمُلْك عَزَّزَ الدَّينَ أيَّما تعزيز
فهُوَ بالله في مَحَلِّ أَمانٍ تَحتَ حِرْزٍ من القَضاء حَريز
[ ٣٣ ]
أَيَّد اللهُ مُلكَه بنَصيحٍ رازَ منه الزَّمانَ أَذكى مَروز
بوَزير مؤَيَّد الرَّأْي قَدْ حا زَ بيُمْن التَّدبير خَيْرَ مَحُوز
فكنُوزُ الآباءِ ثابتَةٌ منْهُ كُلُّ يوم مُجَدَّدٍ يكنُوزِ
قَلَمٌ يملكُ الوَرَى فهو أَمْضى من حُسامٍ على الأَعادي جَرُوز
ومن السَّهْمِ حينَ يَسْتَلِبُ الْعُمْ رَ اخْتِطافًا وعاملٍ مَجْلُوزِ
حَتَفَ اللهُ مَرْدَواجَ بحدّ منْهُ في أَنْفُس الوَرَى مَرْكُوز
كم عَدْوٍّ أَبادَهُ غيْرَ مَقْبُو نٍ بَمَرْدَى الرَّدَى ولا مَجْنُوز
وكذا يَسْتَمرُّ في كُلِّ عاصٍ وَنَبِيطٍ لهُمْ عُتاةٍ وخُوز
عَرُزُوا كالْجَرَادِ نَسْلَ فسادٍ مَحَقَ الله ذاكَ منْ تَغْرِيزِ
فهو كالشَّهدِ للنَّصيحِ المُوَالِي وَكَسَيْفٍ عَلَى العِدَا مَهْزُوزِ
لم يَضقْ بالأُمور صَدْرًا ولا أَصْ بَحَ فيها كحائر مَلْهُوز
وعَليٌّ كذاك غَيْرُ ظنِينٍ في مُراعاتَه ولا مَلْمُوز
بَلْ يُنادِي الأَعْدَاءَ منْهُ برَأْي غَيْرِ مُسْتَنْقَصٍ ولا مَغْمُوز
فَرِداءُ الشَّباب ضَافٍ عَلَيْهِ وهو ذو حُنْكَة ورأيٍ مَريز
كم عدُوٍّ يبيتُ منهُ على ص حَّةِ جسمٍ بلَيْلَةٍ الْمَنْكُوز
[ ٣٤ ]
يا أَجلَّ المُلوك عَقْلًا وعلْمًا مفَرَدَ السبق غَيْرَما مَلْزُوز
لَكَ عَبْدٌ كَساكَ فاخِرَ مَدْحٍ رَائِقِ لُبْسُهُ لِبَاسَ الخُزُوز
لم يَشِنْهُ ذكُر السَّبَاسِبِ والوَصْ فُ لعيسِ تَحْتَ الرِّحال جَمُوز
من قوافٍ علَى سِواهُ صِعَاب سُبَّقِ الْجَرْي ظاهرات البُرُوز
خَطَرْت نَحْوَكَ القَوَافِي بِمَدْحٍ غيرِ مُسْتَهْجَنٍ ولا مَكْزُوز
بَيْن صادٍ وبَيْن ضادٍ وسينٍ ثُمَّ زايٍ مُبينةٍ التَّبْريز
سائلُ الطَّبْع مُشْرقُ اللَّفْظ سَهْلٌ ما تُغَشِّيه ظُلْمَةُ التَّكْزيز
فائضٌ ماؤُه يجيءُ مُطيعًا غيرَ مُسْتَجْلَب ولا مَنْحَوز
يَرْجعُ الشِّعْرُ عَنْهُ حِين يُسامِي هِ بأَنفٍ مُجَدَّعٍ مَحْزُوز
مَن يَرُمْ نَسْجَ مثْله تَخْتَطفْهُ لامعاتٌ من ذلك التَّطْريز
قَصَّرَ الْمُخْلِفُ المُعَلَّمُ عَنْ فَيْ ض صَيُودٍ مُعاوِدِ التَّكْزيز
وكذا لاَ يُقاسُ بَيْنَ خَسِيفٍ فائضٌ عِدُّهَا بِبِئْرٍ نَكُوز
جُزْتُ فيه مَيْدَان قَوْمٍ أَراهُمْ شُعَراءً بالْخَطِّ والتَّجْوِيز
يَسْتَمِيزُونَ لَفْظَ غَيْرهم في هـ غِلابًا كَغَارة التَّكْليز
بقَوَافٍ مَدُوسَةٍ ومَعانٍ مَخْلِقاتٍ ومَنْطِقٍ مَرْمُوز
[ ٣٥ ]
وَكَزُوهُ ليَلْحقُوهُ فَآبُوا بِقَصِيرٍ عنِ المَدَى مَوْكُوز
حُرِموا الطَّبْعَ صاغرينَ فَسَارُوا منْ طَريق إليَهْ غيرِ مَجُوزِ
عَجَبٌ والقَضادُ يَقْعِد ذا الْقُ وَّةِ عَنْ خُطْوِةِ الضَّعِيفِ الْعَجِيز
كيف يحوِي التَّجْويدَ صاحبُ قَلْبٍ مُوَجعٍ من تَأَسُّفٍ مَوْحُوز
لا أَرَى كارعًا لَهُمْ في إناء لا ولا في بحارِهِمْ ذا نُهُوز
ليس لي غَلَّةٌ تَحَصَّلُ ممَّا في موازينهم ولا في قَفيز
لاَ وَلاَ في أَرضهم قِيدُ شِبْرٍ في وِهادٍ لَهُمْ ولا في نُشُوز
دَرَّةُ العُزْرِ هامِيَاتٌ عَلَيْهِمْ وَلَنَا دَرَّةُ القَطُوعِ الْعَزُوز
غَرَّزُوا أَرجُلَ الطَّمَاعَةِ فِي رُكْ بٍ أَخَسَّتْ مِقْدَارَهُمْ وغُرُوزِ
لَوْ يكونُ التَّجْويدُ دارَ ثَوَاءٍ لَمْ يَجوزُوا منها مدى الدَّهْلِيْزِ
قُلْتُ إِذْ جُوِّزَتْ بغَيْر انْتِقَاب لَكِ حَظٌّ الْقِنَاعِ فِينا فجُوزي
فازَ مْنُهْم جَمَاعَةٌ بأَناسٍ واتِّكَالِي عَلَيْكَ في التَّفْويز
لَسَتُ أَرْجُو سواكَ بعدَ إلهي عِنْدَ تَقْصِيدِهِمْ ولا التَّرجِيز
وَوَزِيرَيْنِ جَهَّزِانِي بجُودٍ تَعَّشَانِي بذَلِكَ التَّجْهِيزِ
[ ٣٦ ]
حِينَ عَيَّ الزَّمانُ عن ذِكْرِ حَظِّي جَبَرًَا فاقَتِي بِجَودٍ وجِيز
أَنتَ أَدْرَى بالشِّعْر من قائلِيهِ فاقضِ فِيهِ بالْحَزْم والتَّعْجيز
وكذا العِلْمُ بالمحرَّكِ والسَّا كِنِ في نَحْوِهِمْ وبالمَهْمُوز
لَيْس إلاَّ الَّذي يَضُمُّهُمُ المَجْلِسُ للإِنْتِحالِ والتَّمْييز
فَهُمُ قَوْقَ مَنْ يَرَى قَوْلَ حَقٍّ غيرَ مُسْتَنْكَرٍ ولا مَنْهُوز
فأَجِزْنِي بِقَدْرِ علمِكَ بالأَشْ عار يا خَيْرَ مُنْعِمٍ ومُجيز
بِدَنانِيرَ لا أَحَالُ على الْجِهْ بِذِ فيهَا وَلاَ عَلَى كتُبْ رُوز
وَرَغِيفُ النَّدِّ الَّذي عَصَبُوني هِ وأَكْرِمْ بِذَاكَ مِنْ مَجْنُوز
غَلَبَتْني عَلَيْهِ أَيْدِي نِهَابٍ نَهزَتْهُ بحَظِّهَا المَنْهُوز
سَبَقَتْني إليه سَبْقَ ذئابٍ خاطِفَاتٍ بِهِزَّةٍ وأَزِيزِ
كان خَتْلًا منهم كَخْتَل الحَواريِّ سَيْفِ الله ذِي الرَّدى جُرْمُوز
لو خَشِينَا الْبِدَارَ مِنهُمْ لَعِثْنا فيهِم كاللُّيُّوثِ فِي الأَمْعُوزِ
ثُمَّ آبوا بجانِبٍ طَيِّب النَّشْ رِ وَأُبْنا بِجانِبٍ مَحْبوز
لَهْفَ نفسي عليه مُلْقىً كَتُرْسٍ وافرِ الحَرْف مُشْرفٍ التَّفْريز
فَدُموعي من التَّأَسُّف تَجْري جَرْيَ وَفْرَاءَ وافياتِ الخُرُوز
[ ٣٧ ]
جَمَزَتْنِي فَوايِتُ الحظِّ منْهُ وابلاَئِي منْ حَظِّيَ الْمجمُوز
قَدْ رَأَى سَيِّدِي وُقُوفِيَ حَيْرا نَ كَمُصْمِي الرَّمْيَةِ الْمَتْرُوز
فابْقَ يَا سَيِّدي بَقاءَ ثَبِيرٍ غَيْرَ ما مَزْعِجٍ ولاَ مَحْقُوز
وتَمَلَّ السُّرُورَ سائِرَ مُلْكٍ غَيْرَ مُسْتَنْقَصٍ ولاَ مَبْرُوز
تَتَخطَّى مداسَ كلِّ إِمامٍ قاهرَ العزِّ غَيْرَ مَا مَعزُوز
فلما أَنشدته إياها استحسنها وقال ما أعرف زائية مثلها بل لا أعرف زائية إلا للشماخ، وتلك عجوز وهذه شابة، ثم عوضني أحسن تعويض بصلة وند وعنبر.
ولما جاء بجكم وهزم ابن رائق قال لنا ما أحسن هذه الأبيات، في المعنى الذي نحن فيه وأنشدنا:
إذا قُلْتُ يَبْرَا بَعْضُ داء عَشِيرَتِي تَلاَقَتْ غَوَاةٌ واسْتَجَدَّ نُشُور
كما نُشَرْت مَخْشيَّةُ العَرِّ بَعْدَ مَا عَلاَ اللَّوْنَ بُرْءٌ ظَاهرٌ وطُرُور
ومَولَى عَصانِي واسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ كما لَمْ يُطِعُ بالْبَقَّتَيْنِ قَصيرُ
فَلَمَّا رأَى أَنْ شَتَّ أَمْري وَأَمْرُه ووَلَّتْ بأَعْجازِ الأُمُور صُدُورُ
تَمَنَّى حُبَيْشٌ أَنْ يَكُونَ أَطاعَنِي وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أَمُور
كذا أنشدني تمنى حبيش ثم قال أتعرف مثله؟ قلت لا ولكن نحوه
[ ٣٨ ]
لطارق بن ديسق اليربوعي:
إذَا أَنْتَ جاوَرْتَ أَمْرَأَ السَّوْءِ لم تَزَلْ غوائِلُهُ تأَتيكَ منْ حَيْثُ لاَ تَدْرِي
وفِينَا وإِنْ قيلَ اصْطَلَحْنا تَضَاعُنٌ كما طُرَّ أَوْبارُ الجِرابِ عَلَى النَّشْر
ثم قلت إن سيدنا أطال الله بقاه نشأ في حجر الصواب، فمن أي له تمنى حبيش؟ فقال لي من حيث لا يطيف براوية عيب، فقلت لو أن أبا عمرو بن العلاء روى هذه لكان أَخطأ ناسه فقال: إن الطبري يقول هذا في كتاب تاريخه فقلت له: الطبري ليس في الغريب مثله في غيره روى الأَصمعي وأبو عبيدة وابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني
تمنى نييشًا أن يكون أطاعني
ومعناه أنه تمنى شيئًا بعد ما فاته يقال رأى هذا نييشًا إذا رآه في آخره وقد فات، قال بلال بن جرير:
كَمْ نَاصِحٍ قَدْ قالَ لي وَمَا وَشَا إِنَّكَ لَمْ تَنْأَشْ لِوَصْلِ مَنْأَشَا
يقول لم تطلبه في أَوله وأنشدته:
تَنَاءَتْ عَنْكُمُ عُدُسُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمْ يَعْرِفْكُمْ إلاَّ نُيَيْشَا
يريد إلا أخيرًا فقال لي فلعل الوراق أَخطأ عليه قلت لا ولكن الطبري رأى نبيشًا في كتاب ولم يدر ما هو فظنه حبيشًا اسم رجل وهذا الشعر لنهشل بن جزي النهشلي وهو في الخزانة فوجه فطلبه فلم بحده
[ ٣٩ ]
فقلت له وهذا أيضا عجب، يتحدث الناس بأَن سيدنا مع جلاله علمه وعلو نعمته عمل خزانة كتب كما عمل متقدمو الخلفاء، طلب فيها شعر هذا الشاعر المشهور فلم يوجد قال فما الحيلة وقد شغلنا بغيرها عنها؟ قلت كتب عبيدك لك فتبتدئ في عمل الأشعار من الخزانة، تبدأ بمضر ثم ربيعة ثم اليمن، فما لم يكن فيها حملة عبيدك من كتبهم، وما كان سماعا لعبيدك أو شيئًا لايعتاضون منه، نسخة وراقوك الذين تجري عليهم. وجلده مجلدو الخزانة فسكت المفكر. فقلت له إن الذي قلته ليس لشيء أجتلبه إنما هو حيف على كتبي، ولكنى آنف أن يتحدث الناس بشيء يفعله سيدنا لا يكون في نهاية الجلالة. فقال ويحك فإذا جاء ما يشغل كيف نصنع؟ قلت يجعل سيدنا هذه الخزانة للأميرين، ويقتصر على ما يريد النظر فيه، قال أما هذا فنعم فأمر بإِخراجِ الكتب إليه يومًا يوما، وأجلسنا فميزناها وقسمها بين يديه، بين أبنيه واقتصر على ما أراد ووهب لنا الباقي فاقتسمناه. وكان أكثره ما يباع وزنا.