النشر: أن يجرب البعير فيبرأ غير برء تام، وتبقي بقية من جربه أي قليل فينبت وبره عليه فيكون ظاهره برء وباطنه سقم، يريد الشاعر وكذلك نحن ظاهرنا جميل وصلح، وباطننا شر وحقد ونحوه:
وقدْ يَنْبُتُ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى وَتَبْقَى حَزَارَاتُ النُّفُوسِ كما هِيَا
وهو النشر بفتح الشين، وإنما يسكنها الشاعر لضرورة الشعر.
[ ٤٠ ]
ثم لم يرض حتى سأل القاضي عن هذا، فقال رواه الطبري على خطأ والصولي كثير السماع فمن هذا لا يحكي إلا صوابًا. حدثني القاضي بذلك وقال لنا الراضي بالله كأني بالناس يقولون أرضي هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركي، حتى يتحكم في المال ويتفرد بالتدبير؟ ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قبلي، وأدخلني فيه قوم بغير شهوتي، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون علي ويجلسون في اليوم مرات، ويقصدونني ليلاَ.
ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال وكنت أتوقى الذماء في تركي الحيلة عليهم إلى أن كفاني الله أمرهم.
ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحبًا في باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ الذين قبله أن على فراسخ منهم فرسانا قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس فقيل لهم اخرجوا إليهم فرسخا لطلبوا المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، بل على أسبابي وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني فيه كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبُوا وتجمعوا وتكلموا فلما جاء هذا الغلام جاء من لا يقول لي صنعتك أو أجلستك كما كانوا يقولون بل اجترأنا عليه بالاصطناع، ووجدته إن تعدى أحد من أصحابه لم يرض إلا بقتله والمبالغة في عقوبة. وإن بلغه أن عدوا قد تحول في ناحية نهض إليه فسبق خبره من غير اعتساف لي بطلب مال ولا تلبث لوفاء استحقاق، فرضيت ضرورة به وكان أوفق وأحب إلي ممن قبله، وكان
[ ٤١ ]
الأجود أن يكون الأمر كله لي كما كان لمن مضى قبلي، ولكن لم يجر القضاء بهذا لي! وكان دعا بجكم مرات ما منها مرة إلا وهو ينفق عليه في خلعه.
وما يحمله معه عشرين ألف دينار وزيادة عليها من صواني ذهب وفضة وعنبر وند ومسك وكافور وبلور.
وعلم أن عادته في داره وحشمه ألا يشرب الماء إذا جاءه حتى يذوقه بين يديه الذي جاء به يصب منه في إناء معه فيشربه ثم يناوله إياه فكان يستعمل الراضي معه هذا إذا حمل إليه لون وضع بين يدي الراضي أولا فأكل منه ثم وضع بين يدي بجكم وكذلك النبيذ وجميع ما يوضع بين يديه، وكان يستعفيه من هذا فلا يعفيه.
ولقد قبل في آخر دعوة دعاه فخذه ويده فضمه الراضي إليه وأخرج من إصبعه خاتمين فوضعهما في إصبعه أحدهما يشبه الجبل في حمرته وكبره، فنظر ابن حمدون إليّ ونظرت إليه واغتممنا أن يكون الجبل في يد غيره ففطن لنا، فلما انصرف بجكم قال لنا قد رأيت نظركما وقت الخاتم وأحسبكما ظننتماه الجبل ليس به ولكنه أقرب فص في الدنيا شبهًا به.
ولقد قال لي بجكم بعد موت الراضي، وأنا معه بواسط، وعلى رأسه من خدم الراضي جماعة، إن هؤلاء حدثوني أن الراضي أراد أن يقبض على في بعض دعواته، أفكان كذا؟ فقلت له: الأمير يعلم أن الراضي لا يرجى في هذا الوقت ولا يخاف، وبالله ما استبنا منه ذلك في حال
[ ٤٢ ]
صحوه ولا سكر ولا جده ولا هزله. وما كان محبًا للأمير مغتبطًا به، ولقد كان يتصنع في مدح ابن رائق حين كرهه ويقرظه ويصفه فما كان يخفى علينا ضميره فيه هذا من قبل أن يظهر لنا ما في نفسه عليه فقال لي صدقت والله وكذب هؤلاء، وما يدريهم؟ كان الأمر عندي كما قلت ثم حدثته بما قد ذكرته من قول الراضي أنا أعلم أن الناس يقولون.. فضحك وقال ما كان إلا نهاية في عقله ودهائه وملقه - يريد بجكم هذه وإن لم يلفظ بهذا اللفظ - ولكني أعتب عليه بأنه كان شديد الجبن يؤثر لذته وشهوته على رأيه. فعجبت والله من عقل بجكم، جاء والله بعيبيه اللذين ما كان فيه غيرهما ثم حدثته أنا كنا نقف على مكاتبته الأمير سرًا ليأذن له في المصير إلى بغداد ويشكو إليه ما كان يجري عليه من ابن رائق فيكتب إليه.
عليك بالوفاء لمن اصطنعك، وأحسن إليك، إلى أن كتب إليه الأمير أعوذ بالله أن يكون مولاي يريد قتلي كما يريده ابن رائق لأنه أعطاني جيشًا بمال معلوم ثم لم يوفني استحقاقهم، وهذا يبقى على دمي، وأنه لما ورد عليه كتاب الأمير بهذا كتب إليه: والله ما أحب أن يتأذى بشيء أقل جندك وأتباعك لموضعك عندي، وما يستحقه شجاعتك ومناصحتك فكيف أحب ما ذكرته فيك وإذ صار الأمر إلى هذا، وجعلت وصيتي لك بالتمسك بالوفاء وحسن العهد سببًا لزوال أمرك فما أحب هذا افعل ما يصلحك.
فلما قرأ الأمير هذا الكتاب أقبل إلى بغداد. فقال كان كذا والله
[ ٤٣ ]
ماجئت حتى جاءني هذا الكتاب، قلت ثم وقفنا في وقت من الأوقات أن الأمير اتهمه بأنه كاتب في أمره بعض من يصلح للمكاتبة في مثله وأن ذلك اتصل به فوجه إلى الأمير قد علمت الحال التي كنت عليها لابن رائق في كراهتي له في آخر أيامه وما أجرى إليه مما يستوجب به إزالة أمره ومكاتبتك لي بما كاتبت، فإن كنت مع تلك الحال أذنت لك في مكروهه، أو تغير عليه مع سخطي وغضبي فإني سأكاتب فيك على بعد ما بينكما، وأنا في هذا الوقت مغتبط بك راض بجميع فعلك وأمرك فضحك بجكم فقال كذا كان وأزال هذا جميع ما بقلبي مما توهمته وعلمت أنه صادق فيه.
قال الصولي: وما رأيت الراضي يقرظ أحدًا تقريظه الأمير أبي بكر محمد بن طغج فإنه كان يصفه ويرضى جميع ما هو عليه، وإذا جاءته هدية من قبله استحسن جميعها وفرق علينا منها، وكان يقول إذا ذكره رجل كبير العقل حسن الطاعة، يشبه أجلاء الموالي الماضين وما أدري بما أكافئه، ثم أمر فكتبت عنه كتب بأنه قد سماه الأخشاذ وأمره أن يسميه به جميع الناس.
ولما جاءته هديته في آخر أيامه التي كان فيها الخدم الذين يغنون ويرقصون قال لقد خصني بما لم يملك مثله خليفة قط - وكان ربما قال بغير حضرة من لا يثق به - لو كان مثله عندي وكان جيشه مكان هذا الجيش! فإنه أشبه بجيش آبائي، واشد تمسكًا بطاعتي.
ولقد ذكره يومًا فقرظه ووصفه وكان قد تغير لابن رائق تغيرًا أبداه
[ ٤٤ ]
لي وللعروضي حتى يقرئنا رقاعًا له إليه وجواباته له، وربما أقرأنا أهاجي قد هجاه بها.
فقال بعقب وصفه للأمير الأخشاذ وذمة لمن ذم كيف كنت حدثتني عن عمارة بن عقيل مع خالد بن يزيد الشيباني، وتميم بن خزيمة بن خازم التميمي؟ فقلت له: حدثني القاسم بن إسمعيل أن عمارة حدثه أنه أضاق فصار إلى تميم بن خزيمة وهو تميمي من رهطه، فسأله فاعتل فجاء إلى خالد ابن يزيد الشيباني وهو من ربيعة بعيد النسب منه فسأله فأعطاه وأكرمه واعتذر إليه فقال عمارة يفضل خالدًا عليه:
أَأَتْرُك إنْ قَلَّتْ دَرَاهِمُ خَالِدٍ زِيَارَتَهُ إِنِّي إِذًا لمُلِيم
فَلَيْتَ بِثَوْبَيهِ لَنَا كَانَ خَالِدٌ وكَانَ لِبَكْرٍ بِالثَّرَاءِ تَميمُ
فَيُصْبِحُ في قَوْمِي أَغَرُّ مُحَجَّلٌ وَيُصْبِحُ فِي بَكْرٍ أَغمُّ بَهِيمُ
ولعمارة أهاج في تميم ومدخ لخالد بن يزيد كثيرًا.
فقال لي الراضي لما سمع هذا فليت! يريد فليت لي الأخشاذ بابن رائق، وهذا ظريف مما كان يقوله ولكنه ينبئ عن جميعه، وكذلك صنعت في أشياء اختصرتها لئلا يطول الكتاب بها.
ولم يزل الراضي ذكيًا عاقلًا مذ كان صبيًا قرأ يومًا أبياتًا من الشعر في الغزل، فقال لي اعمل في نحوها فعملت:
يا مَلِيحَ الدَّلاَلِ رِفْقًا بصَبٍّ يَشْتَكي منْكَ جَفْوَةً وملاَلاَ
[ ٤٥ ]
نطق السُّقْمُ بالَّذِي كانَ يُخْفِي فَسِل الجسْمَ إِنْ أَرَدْتَ سُؤَالاَ
قَدْ أَتَاهُ في النَّوْمِ مِنْكَ خَيالٌ فرآهُ كما اشْتَهِيْتَ خَيالاَ
يَتَحَامَاهُ للضَّنَى أَلْسُنُ الْعَذْ ل فَأَضْحَى لاَ يَعْرِفُ العُذَّالاَ
فقال لي سأعمل في نحوها فتنحى وأخذ دواة وعمل بحضرتي:
قلْبِيَ لاَ يَقْبَلُ المحَالاَ وَأَنْتَ لاَ تَبْذُلُ الوِصَالاَ
ضَلَلْتُ في حُبِّكُمْ فَحَسْبي حَتَّى مَتَى أَتْبَعُ الضَّلالا
قَدْ زارَنِي مِنْكُمْ خَيالٌ فَزدْتُ إِذْ زَارَنِي خَيالاَ
رَأَى خَيالًا علَى فرَاشِي وما أُرَاهُ رأَى خَيالا
فلحن هذا الشعر بعض الطنبوريين، وغنى فيه فحدثه يومًا مضحك كان يدخل إليه، أنه حضر مجلسًا غنى فيه بهذا الشعر فقال هو هذا لسيدنا الأمير. فقال كاتب كان في المجلس هو لفظ الصولي وشعره فحلفت على ذلك فأقام على قوله. فقال له عرفني هذا الكاتب فظن أنه يريد سواد فيه فقال لعلك وهمت أني غضبت من قوله لا والله ولكني استحسنت عليه بالشعر لأن الصولي علمني الشعر وأنا أتبع ألفاظه وأنحو مذهبه فلما قال هذا ما قال وهو لا يعرف حقيقة أمري علمت أنه لم يقل هذا إلا عن علم بالشعر فأحببت بذلك أن أحسن إليه، إذ كانت فيه هذه الفضيلة، فعجبت من حسن عقله وتمييزه.
[ ٤٦ ]
وكنا يومًا بين يدي الراضي، وهو يشرب فلغط الجلساء فجذب الدواة والدرج وكتب فيه شيئًا وناولنيه فإذا فيه:
لما بَرِمْت بِراحِي وانْقَضَى الأَدَبُ قَرَنْتُها بِأُناسٍ شانَهُمْ إِرَبُ
تراهُمُ الدَّهْرُ لاَ يَرْوُونَ من لغط علَى المُدام فلا الْتَذُّوا وَلاَ شَرِبوا
ولم يزل الراضي نحو سنتين من خلافته، لا يشرب النبيذ ونشر به نحن بين يديه. وربما شرب الجلاب وأنا مصوب له ذلك مساعد عليه حتى أغواه أصحابنا فقال: إني أعطيت الله عهدًا أن لا أشربه أبدا
وكتب رقعة بلفظه بيمينه وعرضها على الفقهاء، فوجد رخصه فوجه بألف دينار إلى لأتصدق بها عنه وشرب: وقال لي يومًا أنشدني تشبيب قصيدتك البائية في ابن فرات فإنه عندي أحسن تشبيب سمعته قط فأنشدته:
سَيِّدِي أَنْتَ إِنَّني بِكَ صَبٌّ بَيْنَ أَيدِي الْهُمُوم والشَّوْق نَهْبُ
وشَفِيعِي إِلَيْكَ أَنِّي مُحبٌ وقَدِيمًا أَحِبُّ مَنْ لاَ يُحِبُّ
بَعَثَ الحُبُّ لي سَقامًا فَأَعْدَى بِيَ حُزْنًا مداومًا ما يَغِبُّ
لَيْس لي نَيَّةٌ أُسَلِّي بها النَّفْ س لِمَا قَدْ رَأَى وَلاَ لِيَ قَلْبُ
ضَاعَ صَبْرِي وَأَخْلَفَتْنِي ظُنُونٌ كاذِباتٌ يَلَذُّها مَنْ يَصَبُّ
غَيْرَ أنِّي أُرِحْتُ مِنْ قَوْلِ لاَحِ هُوَ هَمٌّ عَلَى الفُؤادِ وكَرْبُ
[ ٤٧ ]
عَذَلَ العَاذِلُونَ فِيكَ وقالُوا ما عَلَى منْ أَحَبَّ مثلَكَ عَتْبُ
لكَ خَدٌّ مُوَرَّدُ اللَّوْن سَهْلٌ وَفَمٌ طَيِّبُ الْمُجَاجَةِ عَذْبُ
وجَبينٌ تَلأَلأَ الحُسْنُ فيه كهِلالٍ تكَشَّفَتْ عَنْهُ حُجْبِ
وجَفونٌ مُفَتَّراتٌ مِرَاضٌ وحديثُ الْمُؤَنَّثِ اللَّفْظِ رَطْبُ
وقَوامٌ للرِّيح فيهِ احْتِكَارٌ يَتَثَنَّى الغُصْنِ شَطْبُ
أَخْصَبَ الحُسْنُ في جميعكَ إلاَّ أَنَّ حظِّي منْ كُلِّ ذَلكَ جَدْبُ
لَهْفَ نفسي عَلَيْكَ لو أَنْصَفَ الْح ب لَذَلَّ الغَداةَ لي منْكَ صَعْبُ
لا أُسَمِّيك خَيفَةً بلْ أَعدِّي عنك طَرْفًا دُمُوعُهُ فيكَ سَكْبُ
وعَدَدْتَ الْهَوَى عَلَيَّ ذُنوبًا إِنْ يَكُنْ ذَا فَحُسْنُ وجهك ذَنْبُ
أيمر الزمان صَفْحًا عَلَيْنا لَمْ يُنَلْ طائلٌ ولم يُقْضَ نَحْبُ
ظَلَمَتْنِي كظُلْمِكَ السِّنُّ حَتَّى شَابَ رَأْسِي ودَعْوَةُ الشَّيْبِ سَبُّ
سَلَبَتْني ثَوْبَ الشَّباب الثَّلاَثُو نَ وللشَّيْب بَعْدَ ذَلِكَ سَلْبُ
وأحالَتْ دُهْمًَا عَلَى الرَّأْسِ شُهْبًا لَيْسَ يَجِزي بِخَيْلِهِ اللَّهْوِ شُهْب
إِنْ يَكُنْ سَارَ عَامدًا لِدِمَشْقٍ وطَوانِي كَمَا طَوَى الشَّمْسَ غَرْب
فهوَ للْقَلْب حيثُ ما مال ذِكْرٌ وهُوَ للطَّرْف حيثُ ما دار نُصْبُ
[ ٤٨ ]
حُسْنُ رَأْيِ الْوَزِيرِ عَوَّض فيه فَهُو للْجُودِ الْمَكارمِ رَبُّ
وهي طويلة فجلس طويلًا، ثم أنشدني ما عمل ولم يقطعه بعد فإذا هو:
أُشهِدُ اللهَ أَنَّني بكَ صَبٌّ لِفَؤَادِي من شِدَّة الوَجْدِ وَجْبُ
حارَ في الجِسْمِ يَوْمَ ودَّعْتَ دَمْعٌ فاضَ منْهُ مَعَ التَّسُتُّرِ غَرْبُ
يا عَلِيلًا فَدَتْهُ مِنِّيَ نَفْسٌ بَيْنَ أَيْدِي الإِشْفاق والشَّوْقِ نَهْبُ
سَلَبَ الْقَلْبَ وَالْمُنَى وَافدُ السَّ نِّ وقَدْ كانَ قَبْلَهُ لِيَ قَلْبُ
إنْ أَمِتْهُ في هَواكَ قالمَوْتُ دائِي أَنْتَ فِي الْبُعْدِ للَّواحِظِ نُصْبُ
فَوَقَتْكَ الرَّدَى حُشَاشَةُ نَفْسٍ لَمْ يَجْرِها مِنَ التَّبَاعُدِ قُرْبُ
ثم قال لي قد أغرت عليك، فقلت له إن رأى سيدي أن ينعم على ويقطع علمه لهذا الأبيات، ففعل. ثم قال لي بعد عرفني بما أردت بقطعي الأبيات؟ قلت إن أبياتي جهدت نفسي حتى جاء تشبيهها كما وصفه سيدنا وترجل أبياتًا فينشدها الناس معها فيرون أبياتي أجود، وما أحب أن يرى الناس لعبد شيئًا أفضل مما يملكه مولاه من أشباهه.
وحدثني الراضي قال لما قتل القاهر مؤنسًا وبليق وابن بليق أنفذ رءوسهم إلى مع الخدم يهددوني بذلك وأنا في حبسه لأني كنت في حجر مؤنس، ففطنت لما أراد قلت ليست إلا مغالطته، فسجدت شكرًا لله وأظهرت للخدم من السرور ما حملهم على أن جعلوا التهدد بشارة
[ ٤٩ ]
وجعلت أشكره وأدعو له فرجعوا بذلك وكتبت إليه:
بَقِيتَ أَمِيرَ المُؤْمنينَ عَلَى الدَّهْرِ بِرَغْمِ الأَعادِي نافِذَ النَّهْى والأَمْرِ
شفَيْتَ غَليلًا كَانَ لَوْلاَكَ قاتِلًا وخَفَّفْتَ هَمًّا ضَاقَ عَنْ حَمْلِهِ صَدْرِي
وقُمْتَ بحقِّ الله في قَتْلِ مَعْشَرٍ سَعَوْا فِي الْبِلادِ بالفْسَادِ وبالكُفْرِ
وثَأَرِ أخٍ سادَ الأَنامَ وَلَمْ تَكُنْ لتَغْفُل عَنْ ثَأْرٍ عِرَاكٍ وَلاَ دَثْرِ
وَلَسْتَ بلَيْثٍ أَفْلَتَتْهُ فَرِيسَةٌ وقد عَلِقَتْ بالنَّابِ منْهُ وبالظُّفْر
ولاَ حيَّةٍ يَنْجُو بنَفْثٍ لَدِيغُها ولاَ صارِمٍ يَهْوِي لضَرْبٍ ولاَ يَبْرِي
فعِشْتَ لِدِينِ اللهِ تَجْبُرُ وَهْنَهُ وَبُلِّغْتَ أَقْصَى مَا هَوِيتَ منَ الْعُمْرِ
ويا لَيْتَنِي أُسِعدتُ فيكَ بنَظْرَةٍ أُوَفِّي بهَا حَقَّ الْمَحامِدِ وَالشُّكْرِ
فلما قرأها دعاني فقال ما شفيتك فأظهرت السرور وأكثرت الدعاء فنفعني والله ذلك عنده، وحال عما أراده بي إلى غيره.
وكان الراضي وعدني وهو أمير أن يشرب ليلة، وأنا أحتال في المصير إليه سرًا، فصرت إلى داره بالمخرم ليلًا فلم أصل، واشتغل بزائر زاره فلم يشرب، وكتب إلي من الغد:
وَلَيْلَةٍ منْ سيِّئاتِ الدَّهْر توقَّدَ الشَّوْقَ بها فِي صَدْرِي
تَوَقُّدَ النَّارِ بِذاكِي الجْمر أُنْسيتُ ما أَشْرَبه لِذِكْرى
[ ٥٠ ]
مُغْرًى بِنسيانِي وطُولِ هَجْرِي ذَا سَطُوَةٍ وَنَخْوَةٍ وكَبْرِ
وَقُدْرَةٍ يَجْهَلُ فِيهَا قَدْرِي ثُمَّ أَتَى مُزْوَرَةً بِالْعُذْرِ
أَفْديه منْ وافٍ ومِنِ ذِي غَدْرِ يَبْخَلُ عَنِّي بِقَليلٍ نَزْرِ
فاعْذِرْ فَهذا خَبَري وَأَمْرِي مَتَى أَرَى سِرِّي يَحُثُّ جَهْرِي
بِوَصْلِ بَدْرٍ فَاضِحٍ لِلْبَدْرِ يُسْكرُنِي باللَّحْظِ قَبْلَ سُكْرِي
يا طالبًا قَتْلِي لغَيْرِ وَتْرٍ يَهْنِيكَ هَجْرٌ منْكَ يُفْنِي عُمْرِي
ولما هزم بجكم لابن رائق وخرج إلى الشام، وصار أميرًا مكانه دعاني الراضي فأنشدني:
أَبَعْدَ مَا قَدْ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ مُحَاربًا لخُطُوبٍ حُكْمُها جَارِي
وفَلَّقَتْ حِيَلِي هَامَ الرِّجالِ أُرَى والغَيْبُ يُخْمِدُ مَا أَذْكَيْتُ مِنْ نَارِ
صَمِمْتُ عنْ صَبَواتٍ يسْتَجيبُ لها ناسٌ بأَوْتَارِ لَهْوٍ ثَأْرَ أَوْتارِ
وَفَلَّ لَذَّاتِ لَهْوِي جَيْشُ عَارَفتِي وَقَلَّمَ العَزْمُ مني نَقْرَ أَوْتَارِي
حتَّى رَحضَتُ بتَحْريضِي العَدُوَّ عَلَى قَتْلِ الْعَدُوِّ ثِيَابَ الذُّلِّ وَالْعَارِ
كذاكَ منْ تُنْهضُ السَّادَاتُ هَمَّتَهُ لاَ يْغْمِضُ الْعَيْنَ مَغْلُوبًا عَلَى ثَارِ
وَرُبَّ خَطْبٍ دجَا ذَلَّ الجبَانُ لَهُ وقَدَ فرَاه بُأنيابٍ وأَظفْار
لم يَحْتَنِكْ لَيْلُهُ حَتَّى صَدَعْتُ لَهُ صُبْحًا مِنَ الرَّأْي لا يَعْشَي بِهِ السَّارِي
[ ٥١ ]
فَقُلْ لمَنْ يُلْهِبُ الإِهمالُ غُرَّتَهُ اسْتَغْنِ عَنْ صِدْقِ إيقاعٍ بِإنْذارِ
وَلاَ تُمِرَّنَّ حَبْلًا لِلْخِلاَفِ فَقَدْ رأيتَ نَقْضِي وإِحْكامِي لإِمْرارِي
لا تَبْسُطَّن رِماحًا لاَ زِجاجَ لَها إلى سُيُوفٍ مُطيحاتٍ بِأَعْمارِ
فإِنَّها حينَ تُدْنِيهَا لمِلْحَمَةٍ تَبْرِي بكُلِّ رقِيقِ الحَدِّ بَتَّار
وعِشْ بِنيَّةِ صِدْقٍ تَسْتَدِرُّ بِها رَسْلَ الحَيَاةِ بعُرْف لاَ بِإِنْكارِ
أَو فَاسْحَبْنَّ ذُيُولَ الذُّلِّ مقْتَسِرًا وَانْظُرْ بطَرْفٍ خَفِيِّ اللَّحْظِ غَدَّارِ
لاَ يُخْرِمُ المَرْءُ فِي وِرْدٍ يُحَاوِلُهُ حتَّى يُوَجَّهَ فِيهِ وَجْهَ إِصْدارِ
ثم قال لي كيف تراه؟ فحلفت أنه ما قال في جودته خليفة قط ولكن فيه شيء يغيره، قال وما هو قلت قولك:
حتى رحضت بتحريضي العدو على قتل العدو
اجعله بتحريضي الولي على قتل العدو، فقال صدقت والله خرج الكلام على ما في نفسي فغيره فقال إنما عنيت ذهاب الساجية والحجرية بابن رائق، قلت أخاف أن يتأول أنه لبجكم وابن رائق لأنك عملته بعقب أمرهما قال صدقت وكنت عملت أبياتًا على قافية الشين:
غَشِيَتْنِي مِنَ الهُمُومِ غَواشٍ لِعَذُولٍ يَلُومُ فِيكَ ووَاشِ
لَوْ يُلاَقوا الَّذِي لَقِيتُ مِن الْوَجْ د لِشَوْقٍ بَيْنَ الجَوانِحِ نَاشِ
نَمَّ بِالسِّرِّ عِنْدُهُمْ دَمْعُ عَيْنِي إِنَّ سِرَّ المُحِبِّ بِالْدَّمْعِ فَاشِي
[ ٥٢ ]
مَنْ عَذِيرِي لظَالِمٍ أَنَا مِنْهُ فِي زَمَانِ الوصَالِ لِلْهَجْرِ خَاشِي
أَخَذَ الْقَدَّ مَنْ قَضِيبٍ رَطِيبٍ وحكى أَعْيُنَ الظِّبَاءِ العِطاشِ
فأنشدتها الراضي في إمارته، فعمل في قافيتها ومعناها
نَحُولُ الْجِسْمِ مِنْ وَاشٍ وَدَمْعِي لِلهُوَى فَاشِي
لأَنِّي فِي زَمَانِ الْوَصْ لِ مِنْ هَجْرِكِ لِي خَاشِي
لإِصغَارِكَ لِلشَّكْوَى وَإِصْغَائِكَ لِلْوَاشِي
فَأَوْحَشْتَ بِإِدْنَاءٍ وَآنَسْتَ بِإِيحاشِ
عَرانِي سَقَمٌ نَاشٍ بهَجْرٍ مِنكُمُ نَاشِي
وعملت أيضًا:
حُبٌّ لأِحْمَدَ قَدْ فَشَا بَيْنَ الْجَوانِحِ والْحَشَا
يَهْتَزُّ فِي حَرَكَاتِهِ مِثْلَ الْقَضِيبِ إِذَا مَشَا
خَدَّاهُ مِنْ بَرَدِ الدُّجَا وَالْمُقْلَتَانِ مِنَ الرَّشَا
لَمَّا ظَفِرْتُ بِوَصْلِهِ وَمَلَكْتُ مِنْهُ مَا أشَا
أَحْلَى الْبَرِّيةِ أَوْ عَلَى عَيْنِ الَّذي يَهْوَى غِشَا
وتَنَاوَمَتْ عَيْنُ الرَّقِي بِ لَحَثِّ أَقْدَاحِ الْوِشَا
[ ٥٣ ]
وفَشَا الحَدِيثُ بِحُبِّنا والحُبُّ يَحْسُنُ إِنْ فَشَا
عَبَثَ الْوُشاةُ بوَصْلِنَا حَسَدًا فقُبِّحَ مَنْ وَشَا
فعمل هو:
أَقْرَحَ القَلْبَ والحَشَا مُفْتِنٌ لَحْظُهُ رَشَا
مَلَكَ الجِسْمَ حُبُّهُ فَبراهُ كَمَا يَشا
لا يُجازَى عَلَى الوِصَا لِ وَلاَ يَقْبَلُ الرِّشَا
شِئْتُ أَنْ يَرْحَمَ الْمُحِ بَّ وَهَيْهاتَ مَا أشَا
يا هِلاَلًا إِذَا بَدا وقَضِيبًا إِذَا مَشَى
افْشِ وَصْلًا فإِنَّ هَجْ رَكَ لاَ كانَ قَدْ فَشا
وكان الراضي بالله وصلنا وهو في الزيديه، وأقام بها أياما وعملت له فيه قرية كما يعمل الملوك، أنفق عليها مال، ثم فرقها علينا ووهب لنا ثيابًا. فلما عبر بلغه أن الناس تكلموا في إعطائه لنا وإسرافه في أمرنا فقال:
لاَ تَعْذِلِي كَرَمِي عَلَى الإِسْرافِ رِبْحُ المَحامِدِ مَتْجَرُ الأَشْرافِ
أَجْرِي كآبائِي الخَلاَئِفِ سَابِقًا وأَشِيدُ مَا قَدْ أَسَّسَتْ أَسْلاَفِي
إِنِّي مَن الْقَوْمِ الَّذيَنْ أَكُفُّهُمْ مُعْتادَةُ الإِخْلافِ والإِتْلافِ
ولما ملك بجكمَ واسط في آخر خروجه إليها وفعل بابن رايق ما
[ ٥٤ ]
فعل وقتل، أنشدني الراضي:
ياعُمْدَةَ السُّلْطَانِ وَلَيْثَ هَذا الزَّمانِ
ومُشْتَرِي الحَمْدَ مِنِّي بأَوْفَرِ الأَثْمَانِ
فكَكْتَ أَسْرِيَ مِنْ كَفِّ طارِقِ الحَدَثَانِ
فصِرْتُ أَسْبقُ جَرْيًا وقَدْ مَلَكْتُ عِنانِي
فأَنْتَ حَرْبُ عَدُويِّ وسَلْمُ مَنْ وَالاَنِي
والسَّيْفُ مِثْلُ لِسَانِي إِذَا تَعَايَا لِسَانِي
تَسُرَّني كُلَّ وَقْتٍ فِي غَيْبَةٍ وعِيَانِ
فَشُكْرُكَ الدَّهْرَ لاَ شُكْرُ غَيْرِكَ شَانِي
ومن كرم الراضي وشريف أخلاقه أن ابن حمدون كان يباري علي بن هارون المنجم في الشرب بين يديه، وإذا شرب أحدهما خماسية قبل صاحبه رفعها ليراها الراضي ففعل ذلك مرارًا كثيرة، إلى أن ضجر الراضي فقال كأنها قوارير بول ترفع بين يدي طبيب وهو مع ذلك لحلمه وكرمه يضحك لما يفعلانه ويثيب عليه إلى أن فعلا ذلك يومًا فقال لهما وقد تلاحيا: لا عليكما الأمر عندي سواء في فعل جميعكم من زاد في شربه فإنما فعل ذلك سرورًا بنا ونشاطًا لمجلسنا وإنما بقي على نفسه لخدمتنا وأحب به مطاولتنا فقبلنا الأرض بين يديه وحلفنا
[ ٥٥ ]
أنه ما جلس مجلسًا أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شيء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه في وقت: ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصًا بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة في وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأَقْداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال في بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا في الحين إن فعلوه.
وكان كثيرًا يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ إليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تأكلوا معي، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده.
ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سيمذ كبار ما رأينا أحسن مما خبز فعزل العروضي رغيفًا وقال نوبتي في غد في بيتي، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله في غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضي.
وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جامًا وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشبعان وأريد أن آكلها في غد مع العروضي فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضي الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه
[ ٥٦ ]
جام فيه دراهم مثل ما في الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب في مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئًا غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان في الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف.
ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطرابًا شديدًا واجتمعوا إلى الراضي بالله وقالوا قبضت على ابنه أبي بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبي الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدي في قتله، فجلس لهم وأحضر القاضي، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمي بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضي لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسي، فلغطوا وكان الصغار اشد كلامًا وأبسط ألسنًا من كبارهم وقوادهم، فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما في أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفوني من أي جهة صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطئ ويصيب ظننتم هذا بمجيء أخ البريدي أبي الحسن إلى الديار هذه الأيام وإنما كان يجئ بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولًا من كتب، فدفعها إلى القاضي فقرأها عليهم، وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدي، وقد أنفذها ابن البريدي إليه ثم قال له
[ ٥٧ ]
ما قبلت في ابن البريدي إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم كلمهم القاضي وفرقهم.
وكنت وهو أمير بعد اعتللت في يوم نوبتي عنده، فكتبت رقعة اعتذر فيها بالعلة لتخلفي عن خدمته فوقع إلى:
وَصَلَتْ رَقْعَةٌ فَأَوْصَلَت الْوَحْ شَةَ لَمَّا أَتَتْ بِشَكْوَى الأَنِيسِ
بُدِّلَ الْقُرْبُ بِالبِعَادِ فَبُدِّلْ تُ بِيَوْمِ السُّرُورِ عُبُوسِ
فكتبت الجواب:
وَصَلَتْ رُقْعَةُ الأَمِيرِ الرَّئِيسِ غُرَّةِ الدَّهْرِ وَالخَطِيرِ النَّفِيسِ
فَأَزَالَتْ مَا كُنْتُ أَشْكُو وَأَهْدَتْ لِي نَعِيمًا وَأَذْهَبَتْ كُلَّ بُوسِ
وَأَتى الشِّعْرُ مُبْرئًا وَشِفَاءً وَأَنِيسًا يَفُوقُ كُلَّ أَنِيسِ
حَسَنَ اللَّفظ مُطْربًا كُلَّ من يَسْ مَعُ إِطْرَابَ زَابَدات الْكُؤُوسِ
قَدْ جَلاَهُ الطَّبْعُ الْمُغَاثُ بِحِذْقٍ لِعُقُولِ الْوَرَى جِلاَءَ الْعَرُوسِ
أضْحَكَ اللهُ بِالأَمِيرِ زَمَانِي وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ ذَا عُبُوسِ
صِرْتُ مُذْ قَدَّرَ الإِلَهُ جُلُوسي مَعَهُ سَيِّدًا لِكُلِّ جَليسِ
ضَاقَ شُكْرُ الْعُبَيْدِ عَنْ برِّ مَوْلًى مِثْلَ ضِيقِ الغُفْرَانِ عَنْ إبْلِيسِ
[ ٥٨ ]
وكنا يومًا نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغدادي فلاحاني، فقلت له: إن أَقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبي هفان، وكان ذكره في كتبه فأمسك وضحك الراضي، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل علي يسمع:
زَمَنِي بِمَا طَابَ سُقِيَت زَمانَا ما كُنْتُ إلاَّ رَوْضَةً وَجِنَانًا
أَصْلَحْتَنِي بالجُودِ بَلْ أَفْسَدْتَني وتَرَكْتَنِي أَتَسَخَّطُ الإِحْسَانا
مَنْ جَادَ قَبْلَكَ كَانَ جُودُك فَوْقَهُ لَمْ أَرْضَ قَبْلَكَ كَائِنًا مَنْ كانا
وليس الشعر هكذا، إنما قال:
من جاء بعدك كان جودك فوقه لم أرض بعدك كائنا من كانا
فلم استحسن أن أنشده بعدك في أول البيت وبعدك في آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولي يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له كيف الشعر فأنشده:
من جاد بعدك كان جودك فوقه لم أرض بعدك كائنا من كانا
ففطن أني قلبت اللفظ عمدًا لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولي، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدي قال الشاعر، وكذا أنشدني أبي، فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك أيضًا لنفسه إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.
[ ٥٩ ]
وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن علي هذه يشتد غيظه ويقول أقوالًا يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرني منه بأن يقول قد شفي القلوب ابن المعتز بجوابه.
وأنشدني يومًا العروضي جوابًا ليحيى في غير شعر عمله أحسن والله في بعضه، ولكني لا أذكره للطعن الذي فيه.
واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التي كانت علي فكتب إلي رقعة فيها:
يا عَلِيلًا جَعَلَ السَّا عَةَ إِذْ غَابَ شُهُورًا
ولَقَدْ كَان بِهِ ال دَّهْرُ إذ جَاءَ قَصيرًا
لِعُلُومِ لاَ أَرَى ال دَّهْرَ لَهُ فِيها نَظِيرا
صَرَفُ اللهُ الأذَى عَنْكَ ولقَّاكَ سُرُورا
فكتبت الجواب:
يا أَميرًا ما رَأَيْنَا مثْلَهُ فَضْلًا أَميرَا
يا أَبا الْعَبَّاس يا شَمْ سًا ويا بَدْرًا مُنيرَا
يَا كَبِيرَ الْعَقْلِ والْ آدابِ مُذْ كَانَ صَغِيرَا
والذي نكذب إن قسنا به يومًا نطير
قد أَتَى عيْدَكَ شِعْرٌ منْكَ خَلاَّهُ حَسِيَرا
[ ٦٠ ]
بَعْدَ سَبْقِ مِنْ خَطَارِ ال شِّعْرِ مَنْ كَانَ خَطِيرَا
حَسَنُ اللَّفْظُ يَحاكِي رَصْفُهُ الدُّرَّ النَّثِيرَا
مَلأَ الجِسْمَ شِفَاءً وحَشَا الْقَلْبَ سُرُورًا
كَانَ مِنْ عَارِضِ شَكْ وايَ وَمِنْ دَهْرِي مَجيرَا
لَيْسَ ما يَذْخَرُهُ عِنْ دِي مِنَ الشُّكْرِ يَسيرَا
سَوْفَ أُهْدِي مِنْهُ رَوْضًا جَاوَرَتْ مِنْكَ غَدِيرَا
كَمْ عَسِيرٍ عَادَلِي مِنْ حُسْنِ نَعْمَاكَ يَسِيرَا
قَدْ يُرَى الْعَبْدُ وإنْ قَلَّ بِمَوْلاَهُ كَثِيرَا