اشتد فيها ناصر الدولة على الذعار لعيثهم وإفسادهم فكحل وقتل وعاقب فاستوى البلد قليلًا.
وأنفذ أحمد بن علي الكوفي للعمارة والنظر في مصالحها وليوافيه على المال المفرق على الجند.
وقدم المرسوم بأنه سابق الحاج لثمان ليال خلون من المحرم وأخبر بأن بني هلال بن عامر بن صعصعة وقفوا بالحاج، فقتلوهم ونهبوهم.
ودخل الحسن بن بويه الرى، وهزم ابن محتاج صاحب ابن إسماعيل بن أحمد.
وفي المحرم من هذه السنة ضرب ناصر الدولة دنانير بعيار اختاره لم يضرب قط مثله إلا السندي بن علي.
وكان الناس يكتبون على الدينار لا إله إلا الله من جانب محمد رسول الله من الجانب الآخر، ويذكرون بعده نعت الخليفة فزاد ناصر الدولة في السكة - بعد محمد رسول الله - صلى الله عليه، فكانت هذه عندي أجل منقبة لآل حمدان ما كان لهم مثلها تفرد بها ناصر الدولة.
وبلغه مع ذلك أن الصيارف يربون رباء ظاهرًا، فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم، فتحسن قبيح أمرهم قليلًا.
[ ٢٣١ ]
وخلع على أبي عبد الله الحسين بن سعيد حمدان لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وولى أرمينية وآذربيجان وعقد له لواء.
وصاح المسجنون بناصر الدولة واستغاثوا إليه من الضر والجوع والسجن، إلى جانب داره. فتأذى بهم وجلس لهم جلوس غضبان فأطلق وقتل وقطع وكحل، وكل هذا من الإجراء عليهم، فأخلى السجون فلم يترك فيها أحدًا.
وخلع في أول صفر على العباس بن شقيق رسول نصر بن أحمد أخي إسماعيل وعقد لصاحبه لواء، فحمله غير منشور، ودفع إليه سيف وخلع سرية لصاحبه، وقد كانت لابن شقيق هذا خطوب من اتهام أبي عبد الله البريدي له وكتابه من واسط إلى أخيه ببغداد، أن يحذره فزعم العباس لما أفلت ورجع أنه أراد قتله، فمنعه وجود الأتراك من ذلك وأنه أخذ أكثر ما كان اشتراه لصاحبه من فاخر الثياب والفرش وغير ذلك، واحتج عليه بالإضافة والحاجة إلى مثل هذا. ثم إن ابن شقيق جد في الخروج إلى صاحبه، وقد كان ورد عليه الخبر بموته فاحتال أن كتب كتبًا ونصب نبوخًا ببطلان موت صاحبه، خوفًا أن يعطف السلطان على ما بقي معه وما استنفده بعد فيأخذه، فخرج عن بغداد وتبعه ناس كثيرون، فاله ثلج في الطريق بقرب همذان، فمات أكثر الناس وذهبت أمتعتهم، وكان ابن شقيق أسوأهم حالًا.
وورد الخبر بغلبة الروم على أرزن وميافارقين، ومجيئهم إلى دارا
[ ٢٣٢ ]
وسبيهم الرجال والنساء، فعظم ذلك على الناس.
وقصد ناصر الدولة المولدين من المرتزقة فأسقط أرزاقهم، ووفر المال على المقيمين بواسط لحرب البريديين، وأخرج كاتبه النصراني المعروف بسهلون إلى ابن طغج في صفر بهدايا كثيرة، وطلب مال للسلطان فخرج إلى هيت وركب البرية إلى دمشق، ومعه خلق عظيم فهلك أكثرهم ونهب ما كان معهم.
وغلب البريديون على نواحي الجامدة، لخلاف وقع بين سيف الدولة، وبين توزون التركي.
وصار أحمد بن بويه أبو الحسن الديلمي إلى دجلة البصرة، فأقام حيال نهر معقل يحارب البريديين، فوردت كتبهم على ناصر الدولة يسألون الصلح وأن يولوا ويقاطعوا على مال يحملونه، فلم يجابوا.
وورد كتاب الديلمي يسأل مثل ذلك فأجيب إليه وأنفذت الكتب جوابات كتبه، وخلع طمعًا في أن يزيل أمر البريديين، واتصلت الحرب بينهم إلى أن استأمن إلى البريديين قائد للديلمي فحمل البريديون بين يديه مالًا عظيمًا وأعطوه من الثياب والطيب وسائر ما يعطاه مثله. ما عظم وشاع ذلك واستعظم إلى أن خاف ابن بويه أن يستأمن من رؤساء عسكره، لما اتصل بهم من الخبر بما عمل بالمستأمن، فرحل راجعًا إلى الأهواز.
وتحدث الناس بأن القرمطي الهجري ولد له مولود فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا عظيمة فاخرة فيها مهد ذهب مرصع بالجواهر.
[ ٢٣٣ ]
وزوج الخليفة المتقي ابنه أبا منصور بابنة ناصر الدولة في شهر ربيع الأول. ووقع الإملاك في يوم سبت، ووكل ناصر الدولة، أبا عبد الله بن أبي موسى العباسي في قبول ذلك عليه والقيام به عنه وجعل الصداق خمسمائة ألف درهم، وجعل النحلة مائة ألف دينار.
وصاعد ابن الخليفة بعد الأملاك إلى ناصر الدولة إلى داره بباب خراسان فنثرت عليه بدرتا دنانير التقطها من كان معه وأصحاب ناصر الدولة، وتغدى عنده في اليوم الثالث جماعة من قواده وتجاره فرأيت الناس كالمجتمعين على أنه كان طعامًا ناقصًا عن المقدار، مقصر الشرط والكمال والآلة.
وكثرت المتلصصة ببغداد وكبست دور المياسير، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه، على انسداد طرقهم، ولو أمنوا لخرج أضعاف من خرج.
وراسل أبو الحسين علي بن محمد بن مقلة ناصر الدولة، في أن يستوزره وضمن مالًا عظيمًا، على أن يطلق يده على الناس، وأسمى قومًا منهم سلامة أخو نجاح وعبد الله بن علي النفري الكاتب، والقاضي ابن الأشناني، وأبو العباس الأصهباني، وابن بلال الدقاق حتى أتت التسمية على سبعين نفسًا فيما يقال، فأجيب إلى ذلك مع ما ضمنه من مال أبي إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي وأصحابه.
ثم أخر ناصر الدولة أمر ابن مقلة واستوزر أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصهباني، وهذا برأي أحمد بن علي الكوفي، فلم يكن له في
[ ٢٣٤ ]
الوزارة إلا التسمية والكوفي ينظر في الأعمال والأموال، فكان على ذلك إلى أن هرب ناصر الدولة فصرفه المتقي لله صرفًا جميلًا، وأقره على ما كان في يده ن تدبير أمر ضياع والدته وضياعه، واستوزر أبا الحسين بن مقلة، وخلع عليه في شهر رمضان بعد خروج ناصر الدولة لولا أن ناصر الدولة لم يخرج، حتى نكب سلامة الحاجب وابن الأشناني القاضي وابن بلوا المعطى، وعذبه عذابًا شديدًا ما سمع بمثله وذكر جماعة وسن من الضرائب على الناس ما لم يسمع بمثله.
وأتى قبل ذلك على التمارين بأخذ أموالهم، فحدثني جماعة منهم قالوا دخلنا عليه هو بالقرب من مضربه، فقال لنا ما آخذ ضريبة إلا من التمر وأنتم أعلم وما لكم بعده، فسررنا بذلك قليلًا، فالتفت إليه بعض من يدبر أمره، فقال والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر، فأتى بقوله هذا علينا.
وضيق ناصر الدولة على المتقي لله في نفقاته، وعلى أهل داره وانتزع ضياعه وضياع والدته فجعلها في جملته، واقتصر به على أجزاء يسيرة.
وخاطب أبا الحسن بن أبي عمرو الشرابي في أمر السكنجبين بخطاب شهره الناس وتحاكوه، وقال إنما يكفي دار الخليفة خماسية سكنجين في كل يوم، ولأطالبنك بمال ما كنت تأخذه.
وتحدث الناس من فعله هذا وصنعه بالخليفة، ما كثر به الشاكي له والداعي عليه، وتمنى الناس بني البريدي وغيرهم، مع ما نالهم من
[ ٢٣٥ ]
الضر والضرائب والغلاء ونكبات الناس، وأخذ أموالهم. وشكى مع ذلك أن أمر الرفض قد علن ببغداد، فنادى مناد في جانبي بغداد عن السلطان ببراءة الذمة ممن سمع بذكر أحد من الصحابة بسوء.
وأراد غلام من غلمان ناصر الدولة أن يسمه ففطن له، وزعموا أن سبب ذلك فاتك حاجب ابن رائق كان محبوسًا في دار ناصر الدولة، وكان يعرف هذا الغلام فواطأه على ذلك وضمن له مالًا.
وغلت الأسعار في جمادي الآخرة غلاء عظيمًا، ومات الناس جوعًا ووقع فيهم الوباء، فكانوا يبقون على الطريق أيامًا لا يدفنون حتى أكلت الكلاب بعضهم.
وأنفذ ناصر الدولة حاجبه يرفع مددًا لأخيه على سيف الدولة ليمضي إلى الجامدة، وحدر معه أحمد بن علي الكوفي واتهم ابن جعفر الخياط بأنه كاتب البريديين فقبض عليه ناصر الدولة وأقطع الخليفة ضياعه فاستبشع أن يكون هو المقطع للخليفة، وأن يدون الكتب بذلك.
وخرج الناس إلى المصلى يوم الاثنين مع الإمام ابن عبد العزيز الهاشمي. فدعوا الله وسألوه أن يكشف البلاء والضر عنهم.
وفي جمادي هرب جماعة من رؤساء الديلم والبربر من بغداد إلى البريدي، فلم يتبعهم ناصر الدولة بطلب، وقال من اختار المقام معنا وإلا فليمض مضيًا ظاهرًا فما أحد يتبعه.
وورد الخبر بقبول علي بن بويه خلع السلطان بفارس، ولبسه لها
[ ٢٣٦ ]
وإحضاره القضاة والعدول ليشهدوا ذلك ويكتبوا به.
وصحت الأخبار بموت نصر بن أحمد خراسان وأن ابنه نوح ابن نصر قام مقامه بعد أن تنازع هو وأخوه إسماعيل عند الاياس من أبيهما أمر الامرة فأفاق أبوهما، فأمر بقتل ابنه إسماعيل وأن يجدد البيعة لنوح، وأوصى أن يجلس في الثغور لقتال الأتراك ألف دابة من دوابه، وأعتق ألف غلام.
وأرجف الناس بأن ابن طغج وافى دمشق لينفذ جيشًا لأخذ الموصل فكتب إليه السلطان في الرجوع إلى مصر فرجع.
ووقعت منازعة بين الطالبيين والعباسيين في رجل طالبي زعموا أن أصحاب ابن عبد العزيز قتلوه، فجرت فيه خطوب ثم سكن الأمر وذلك في رجب.
وكثر الجراد في هذا الوقت فصاده الناس، وانتفع الضعفاء بأكله وصيده، وكان نعمة من نعم الله جل وعلا.
ووافى رسل صاحب خراسان إلى ناصر الدولة فحجبهم أيامًا، ثم أدخلهم وقال لهم صاحبكم في يده نصف الدنيا، ينال السلطان ما ناله فلا يسعفه بمال ولا ينجده بجيش، ولم يروا عنده ما يحبون، ثم أجابهم بجواب جميل وصرفهم، وغلت الأسعار وعز كل شيء من سائر الأطعمة والملبوس.
وقبض على أبي إسحاق القراريطي في رجب وعلى كاتبه ابن جبرويه وعلى خليفته أبي محمد الحسين بن أحمد المادراني وتولى مناظرتهم أحمد
[ ٢٣٧ ]
ابن علي الكوفي وابن مقاتل بميل وحقد، وكان الكوفي عقد على المادراني كلامًا كلمه قبل هذا بمديدة بحضرة أبي إسحاق قال فيه ما شهره الناس من وضع منه وإزراء عليه، فصح عند ناصر الدولة إن المادراني ما ظلم أحدًا قط في معاملة، ولا ارتفق من عمل ولا عامل فانصرف إلى بيته موقورًا بعد توكيل ومناظرة ومطالبة. وقد ذكرنا أنه خلع على أحمد بن عبد الله الأصهباني للوزارة برأي الكوفي، لأنه كان مستترًا عنده، وأرزق مائتي دينار في الشهر، وكانت الخلع عليه يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب. وأغرى ابن مقاتل العمال بالناس، فأجروا معهم كل ظلم، وأراد فتح الخراج قبل وقته فضج الناس. فنودي بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى ورفع الجور وإزالة الظلم فتنفس الناس قليلًا وما وقع وفاء بذلك.
وكان ناصر الدولة يحمل في كل شهرين خمسمائة ألف دينار لاستحقاق من بواسط، وكان يضجره ذلك فيتكلم ويضج، وعقد عليه بما يتكلم به، إلى أن تحدث الناس أن يرصد بحيلة توقع عليه، فيا ليت ما كان يضر من تبرم رجل يحمل في كل شهرين هذا المال الجليل، ما الذي أريد منه حتى أو حشوه فخرج؟ وكان من أول ذلك أن المتقي لله ما أحب القبض على وزيره أبي إسحاق ولا أراده، فأرضوه بأن أقاموا مكانه كاتبه على ضياعه أبا العباس الأصبهاني، وأنفذ سيف الدولة من واسط في هذا الوقت جماعة من الديلم إلى بغداد، كان اتهمهم وخافهم.
[ ٢٣٨ ]
وتواترت الأخبار باضطراب الأتراك على سيف الدولة وترك بعضهم الركوب إليه على فرط إحسانه إليهم. وإعطائه إياهم جميع ما يملكه من مال ودواب وثياب. ولم يناصح الأتراك في حرب البريديين، ولا أعانوا الديلمي عليهم حين جاء إلى فرات البصرة فأقام حيال نهر معقل.
وضج الحشم إلى ناصر الدولة القبض على أبي إسحاق القراريطي، وأعلموه أنه لن يطلق لهم شيئًا، فقال قد أطلقت لكم ثلث رزق، وأحضر أبا إسحاق واشتد عليه في القول، فأحضره أبو إسحاق رقاعًا بخط المتقي لله بأنه قبض المال منه وأعطى من أراد اليسير منه واستبد بالباقي. فقال ناصر الدولة كيف اصنع أنا، أطلق مثل هذه الأموال الجليلة تحمل على نفسي، ومالي وظلم الناس، وهذا يهجنه ويقبح فعلي، ويغري بي حشمه وجنده.
ووافق هذا ورود كتاب أخيه عليه بأن البريديين دخلوا الجامدة وأن الأتراك نهبوا جميع ما كان له من ذخيرة وسلاح ودواب، وما كان ذخره منذ أيام أبيه، وأنهم طلبوه فهرب في نحو مائتين من أصحابه إلى أن تلاحقوا به وأفلت، فغضب من ذلك وأمر من وقته فصوعد بالسفن التي فيها خزائنه. وقال لا أقمت ببغداد، فضج الناس من ذلك واجتمعوا إليه وسألوه ألا يباعد إلى الموصل فيضيع البلد فضمن لهم ألا يصاعد، وقال لحقتني ضجرة.
وكان وجه في شعبان فطلب من الخليفة مالًا، وقال إنه يأخذ
[ ٢٣٩ ]
مما أطلقه لحشمه وغلمانه، فيجمعه إلى ما يستفضله من نفقاته وغلاته، فما وجه إليه بشيء، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه.
وطولب الناس بأداء الخراج في شعبان، ولم ينتظر بهم النوروز المعتضدى.
وورد على ناصر الدولة دخول عدل حاجب بجكم نصيبين واستيلاؤه على الرحبة وأعمالها، فشغل ذلك قبله.
وورد كتاب ياروخ بهزيمته البريديين وإخراجهم عن الجامدة.
وضج الأشراف الغلوية من عاملهم أبي علي الحسن بن هارون الهمذاني على الكوفة وخاصة عمر بن يحيى وهو الرجل الفاضل المنتفع به الناس بماله وجاهه والناصب نفسه لهم حتى يحج بهم، ولولاه ما تم حج فعزل الحسن بن هارون، وولى المعروف بأبي بكر عبد الله بن عبيد الله البرجمالي.
وكتب ناصر الدولة إلى ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد يأمره بالاحتيال على عدل وقصده، فكبسه وأسره وابنًا له وأنفذه إلى بغداد، فكحل وشهر على جمل في يوم الخميس لأربع بقين من شعبان، وألبس برنسًا وابنه على جمل بين يديه على برنس، وكان في الموكب خلفه الوزير أبو العباس الأصبهاني والقاضي ابن الخرقي يتسايران.
وكان يانس غلام البريدي في يد ناصر الدولة فتكاتبوا في أن يوجه به إليه، ويوجه البريدي بعيال توزون وابنه، وأن يقوم بذلك أبو علي عمر بن يحيى.
[ ٢٤٠ ]
ووجه ناصر الدولة بأحمد بن علي الكوفي إلى واسط. ومعه من الاستحقاق أربعمائة ألف دينار فوجد الأتراك قد شغبوا، فرجع والمال معه، حتى عاد إلى ناصر الدولة، فدخل به بغداد أول يوم من شهر رمضان.
وصرف أبو إسحاق القراريطي إلى منزله في آخر شعبان بعد أدائه أكثر ما فورق عليه.
وضرب لناصر الدولة مضرب بباب الشماسية، واصطنع عيسى جال الديلمي فزاد في رزقه ألف دينار ووصله بألفي دينار. وزاد الفارس من أصحابه عشرة دنانير في رزقه، وزاد الراجل دينارًا.
وعزم ناصر الدولة على الرحيل إلى الموصل فوجه إليه الخليفة أن يتوقف عليه ليصاعد معه، فكره ذلك وركب إليه الخليفة في يوم الخميس، فنزل إليه ناصر الدولة إلى دجلة حتى تلقاه وصعد معه إلى داره وقال له تتوقف يومًا على أو يومين فكأنه علق القول وانصرف.
وأصبح الناس في يوم الجمعة لأيام خلت من شهر رمضان، وقد صاعد ناصر الدولة وقطع الجسر، وسار من الجانب الغربي، وتبعه جميع من كان في الجانب الغربي من أصحابه، ونفر ممن كان من أصحابه في الجانب الشرقي، فمضى بعضهم إلى سر من رأى، ورجع الترجمان وجماعة من الأتراك مع أخي ابن إسماعيل بن أحمد إلى الدار، وأرجف الناس أن الخليفة راسل الترجمان في القبض على ناصر الدولة والمجيء به الدار، فأمكنه غير مرة فلم يمكنه لأنه جاهل جبان.
[ ٢٤١ ]
وصعب على التجار خروج ناصر الدولة عن بغداد، ووافى سيف الدولة إلى المداين، ثم صار إلى بغداد فنزل في الجانب عند باب قطربل ووده إليه المتقي لله بثياب وطيب ودراهم لنفقته.
وطالب الوزير ابن مقلة بأن يحمل إليه مالًا فكان يجمع ما قدر عليه فلما اجتمع حمله إليه ليعطي أصحابه واستوحش السلطان منه ثم رحل إلى القفس ولحق به إبراهيم بن أحمد الخراساني في نفر من أصحاب أخيه ببغداد.
وورد الخبر عليه بأن أخاه ناصر الدولة وصل إلى الموصل سالمًا فلحق به لا يلوي على شيء، فقيل إن جملة ما صار إليه من المال أربعمائة ألف درهم.
ودخل الأمير يومئذ توزون بغداد في يوم الخميس لست بقين من شهر رمضان، وتلقاه أهل الدولة فدخل إلى الخليفة فسلم عليه ونزل الدار المعروفة بمؤنس وتأذى الناس بنزول الأتراك عليهم.
ثم كان يوم الأربعاء فقبض توزون على كاتبه سعيد بن داود المسيحي وعلى أخيه فهد وابن خالته، فطالبهم بالأموال بضرب مبرح، وكان الترجمان حمله على ذلك واستكتب محمد بن القاسم.
وخلع السلطان في يوم الاثنين لست خلون من شوال على الأمير توزون وصيره أمير الأمراء وأمر بتكنبته.
وحرص توزون بالمتقي لله أن يتركه يصالح البريديين على مال يحملونه ويفرغه لابن حمدان فأبى عليه، وكان البريديون قد صاروا
[ ٢٤٢ ]
إلى واسط فوجه بخمسمائة غلام في الظهر والماء إلى واسط.
وقبض على ابن العزيز الهاشمي وجماعة من التجار والعدول وطولبوا بمال.
وحدر الأمير توزون تكين الشيرزاذي إلى واسط، ووافى أبو دلف سيما الساجي إلى بغداد، وهو صاحب القرمطي الهجري ليأخذ مال الموافقة التي فورق القرامط عليها.
وكبس أهل القطيعة في أول ذي القعدة فأخذ منهم عشرون كرًا دقيقًا وأحيلوا بثمنه على الترجمان في أول ذي القعدة، ثم مضى جماعة من أصحاب توزون إلى القطيعة ليأخذوا دقيقًا كما كانوا أخذوا، فوثب بهم العامة وقتلوا نفسين وغلا السعر بهذا السبب، ودخل الحاج من خراسان وخرجوا مع ابن حاتم.
وانحدر الأمير توزون إلى واسط وهرب البريديون، ونودي ببغداد من أراد الخروج إلى واسط فليخرج.
وقبض المتقي على رجل يعرف بابن المطلب من أهل باب الطاق وحمله إلى داره وقيده وحبسه وقال له أنت رئيس الرافضة، ثم لم يتركه بعض خدمه حتى قتله من غير حجة تقوم عليه، ونفذ ابن أبي موسى الهاشمي في يوم الاثنين لست بقين من ذي القعدة برسالة السلطان إلى ناصر الدولة، ومعه تكين الماكاني وخادم من خدم الخليفة.
واتصل قطع رجل يعرف بابن جمدي على السميريات النافذة إلى واسط والمصاعدة منها، وصار إليه من ذلك مال عظيم وأمتعة لها مقدار.
[ ٢٤٣ ]
وفي ذي القعدة أقبل يوسف بن وجيه صاحب عمان من عمان، ومعه مراكب كثيرة فيها عدة وعديد، لتغليظ البريديين الضرائب على ما يحمل من البحر، فلقي البريدي في دجلة البصرة بقرب الأبلة، فهزمهم أول يوم ثم احتالوا بنار حملت في زيازب وجعلت في زجاج ورموا مراكبهم بها فانهزم وقتل خلق من أصحابه، وأسر بعض وأحرقت له ستة مراكب، وكانت هزيمتهم له في أول يوم من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وصرف الكرخي عن كتبة الأمير توزون واستكتب أبو إسحاق القراريطي ابن أبي الترجمان، وظفر بجماعة من أصحاب ابن جمدي فقتلوا وصلبوا. ودخل أخو الأمير توزون إلى تكريت ومعه جيشه فدخلها لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنهبها ونهب زواريق كانت بها، فيها أمتعة التجار، وذبحوا بها من البقر والغنم نحو ألفين، ونهب الناس في سائر طرقهم إلى تكريت. وعزت الفاكهة ببغداد لأنهم أخذوها ظاهرًا وباطنًا وأجلوا أهل القرى. وركب الخليفة في يوم السبت، لتسع بقين من ذي الحجة الظهر إلى باب الشماسية ورجع في الماء فدعا الناس له. ووافى صافي غلام الأمير توزون يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي الحجة بغداد من واسط فقبض على أبي إسحق القراريطي، وأخبر أن أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وافى واسط في زبازب كثيرة، كالهارب من يد البريديين لما اشتغلوا بمحاربة ابن وجيه، وأسرع السير فوجهوا في طلبه، فلحق واستكتب للأمير توزون، فاشتد ذلك على السلطان فأغروه بالقول فيه، فكاتبه
[ ٢٤٤ ]
في صرفه فلم يقبل. ومن عجيب الأخبار، وما يستدل به على علو همة الأمير توزون أن أبا جعفر اختار له كاتبًا، وأبو جعفر إذ ذاك يكتب لبجكم، فكأنه لم يرضه فقال له أبو جعفر أنا كاتبك فقال له وأنت تكتب لي ولكن ليس على هذه الجهة، ولا الآن! وتوفي في هذه السنة في غرة ذي القعدة منها سنان بن ثابت المتطبب وكان متقدمًا في الطب وفي علوم أخر كثيرة.