كان أول المحرم يوم الاثنين قعد فيه كازاذ كاتب أبي جعفر، وظهر أبو الحسن بن شيرزاد. وخرج أبو بكر محمد بن جعفر النقيب وصيغون المرداويجي في جماعة من أصحابهما إلى ناصر الدولة إلى الموصل، وانحدر صافي مع جماعة من الأتراك والديلم إلى واسط.
وورد الخلنجي السابق بسلامة الحاج قدام الحج لسبع خلون من المحرم.
وفي يوم أخذ سبعة من أصحاب ابن جمدى فضربوا وطيف بهم وقتلوا وصلبوا في الجسر، وقتل أيضًا رجل يعرف ببرغوث كان يقطع بناحية المزرقة.
ووجه الترجمان وهو محمد بن ينال، وكان يلي الشرطة ببغداد والأمر كله له إلى الحسين العلوي الديلمي، فقبض عليه لأنه بلغه أنه يريد الفرار إلى ناصر الدولة.
[ ٢٤٥ ]
ووافى اسكورج الديلمي بغداد يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم وهو أكبر قوادهم، وقلده الأمير عمل سر من رأى وعكبرى وأمره أن يكون بسر من رأى، فإن جاء أحد من ناحية ابن حمدان حاربه، والأمير توزون مقيم على أرز بالجامدة ليستنطقه.
ووافى من عسكر البريديين إلى الأمير توزون في الأمان أبو المهدي البربري فأنفذه إلى بغداد، وأغارت خيل الروم على نواحي نصيبين، واستغاثوا بناصر الدولة فلم يغثهم، لأنه كان قد جرب خيانته مع ابن عمه أبي عبد الله ليصيروا إلى بغداد ليخرج الخليفة معهم.
ووافى أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شيرزاد بغداد لأربع بقين من المحرم فجلس في داره وجاءه الناس، وهو كاتب الأمير توزون فاستأمن بعض أصحاب اسكورج وصافى إلى واسط وأبو المهدي، وأبو طالب أخو المظفر بن حمدان الميدمان، وإبراهيم أخو الأمير توزون.
واستتر أصحاب أبي جعفر بن شيرزاد، ووافى الحسين بن أبي العلاء بن حمدان في صفر، فنزل حيال الشماسية ومع أبي العلاء هذا عيسى جال الديلمي وأبو وائل ويروخ الناصري، فوجه إليه المتقي لله أن يدخل بغداد ليخرج معه فقال لم أومر بهذا، واستوحش وقال إن خرج إليّ أمير المؤمنين اليوم وإلا رجعت. وأشير على المتقي ألا يخرج عن بغداد فما تركه الترجمان، وكان قد استوحش من الأمير توزون لأشياء اختانها وتعدى فيها.
[ ٢٤٦ ]
ولقد حدثني بعض الخدم أن بعض الرؤساء المتقي لله يا سيدي خروجك إلى ابن حمدان أشد على توزون من ضرب عنقه، وفي خروجك انحلال أمره وأعظم المكيدة له.
ولا والله ما نصحوه وإنما خافوا على أنفسهم من توزون، فخوفوا الخليفة منه ولو كان معه من ذوي نصحه من كان يعرف حقيقة الرأي ما تركه يخرج. وذلك أن توزون ما خالفه في شيء أراده، وما زال ساعيًا في مراده ومحبوبه، كان أمره جاريًا مع البريدي ببغداد على أفضل إرادته فلأجل الخليفة ما احتال في أخذ البريدي، فلم يمكنه ذلك لخذلان قوم كانوا وعدوه أن يكونوا معه، فحارب ليله ونهاره ثم صار إلى سر من رأى وكتب إلى الموصل يشير بالانحدار إليه وأنه يتضمن حرب القوم فما فعلوا، حتى خرج إليهم فحشرهم وأنهضهم، وقد كان أشار بمصالحة البريدي، وأخذ أموال منه، ثم يكون بعد ذلك على رأس أمره، فأبى الخليفة عليه، فاتبع أمره وانحدر وكان كاتبه في الحيلة على بني حمدان، فأخرج سيف الدولة عن واسط فما الذي أوجب أن يستوحش منه؟.
ولقد صرت إلى القاضي أبي الحسين، فقلت له إن هذا الخليفة ما يجالسنا، وزعم أنه لا يريد جليسًا، يخالف الناس جميعًا في هذا إلى عصره، وليس له رزق على، ولكن نصحه واجب، وهو يقبل رأيك فاتق الله ولا تدعه يخرج، فإنه إن خرج لم يعد وخربت بغداد، وأضر بالعامة، فتضمن لي ذلك. وما ظننت أن أحدًا فعل هذا معه غيري
[ ٢٤٧ ]
حتى حدثني القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى أنه صار إليه فأشار عليه بمثل مشورتي فأبى الله ﷿ إلا ما أراد.
ولقد حدثني بعض الخدم ممن أثق به أن المتقي لله اضطرب من الخروج، فقال له الترجمان ومساعدوه على هذا الرأي: إنا قد تحدثنا بالقبض عليك فامتنعنا من ذلك، وأشرنا بالخروج عليك، وقد كشفنا الأمر لك.
فلما سمع هذا خرج غداة يوم الخميس وركب على الظهر، ووافى الشماسية، وخرج معه وزيره علي بن محمد بن مقلة والحاجب أحمد بن خاقان ولؤلؤ صاحب الشرطة وأبو جعفر الخياط، وتبعه حاشية الدار وجماعة من وجوه البلد.
وجلس المتقي لله في الخراقة، وتلاحق به من بقي من حاشيته وخرج معه قاضيه وأسبابه، وجاء ابن أبي العلاء وجميع من معه فقبلوا يده وعرفوه سرور ناصر الدولة بمصيره إليه.
وركب الترجمان يوم الجمعة من الجانب الغربي بمطارد مذهبة ومعه أصحابه، وأودع جميع ما كان له قبل خروجه أيامًا متوالية، حتى أودع أصناف النبيذ فوجد بعد ذلك فما بقي الله منه شيئًا.
وصلى صاحب الصلاة بالناس في المعسكر يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر، ومدت خراقات الخليفة بعد الصلاة ودخل الناس معه، وخلت بغداد واستوحش أهلها.
وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد بن جعفر الزطي بكتاب
[ ٢٤٨ ]
يأمره أن ينادي بما فيه فنادى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئًا من الدواوين، أو نظر في الأعمال أو طالب بخراج أو تصرف في عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم داره وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترقية رعيته، والاحتياط لهم، وترك إعناتهم فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخروا عن معسكره، وليبلغ سامع هذا النداء الغائب عنه فنودي من جانبي بغداد.
ولم يدع المتقي لله بعض خدمه حتى ضرب يوم الجمعة قبل الصلاة عنق ابن المطلب، المتهم بالرفض، وكان ناصر الدولة وأسبابه يعنون به ورمى بجسمه في أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت، فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلى عليه بمسجد براثا ودفن هناك.
وضبط صاحب الشرقية عمله ضبطًا حسنًا، وكذلك العروضي وهو إبراهيم بن شيخون وكان إليه الجانب الشرقي.
ووافى من عسكر توزون بغداد جماعة فلحقوا بالخليفة، ووافى بغداد يوم الثلاثاء بشرى حاجب توزون واسكورج، وصاروا إلى دار أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وظهر في داره فأمر ونهى وولى، وما التفت الناس إلى شيء مما أمر الخليفة بالنداء به.
وكان الأمير وجه من واسط بالميدمان بن حمدان البريدي في جيش كثيف إلى ناحية المذار، فهزمه أصحاب البريدي، فوافى نحو
[ ٢٤٩ ]
واسط منهزمًا، وصلى الناس بسر من رأى يوم الجمعة في معسكره.
ووافى بغداد ينال البكراني وتكيز الشيرزادي وأخو الأمير توزون، وجماعة من القواد فنزلوا باب الشماسية ومعهم طياراتهم وزبازبهم.
ونزل السلطان تكريت ونفذ الترجمان ولؤلؤ وابن الخياط إلى الموصل على طريق البرية، لأخذ أرزاقهم وحدره إلى تكريت لمحاربة توزون، وكثرت الكبسات ببغداد في الليل دور المياسر.
ووافى عكبرى ابن بلال من قواد ابن حمدان فكبس عكبرى وبها أصحاب اسكورج فقتل جماعة منهم وانهزموا وأقاموا بنواحي عكبرى فوجه اسكورج بخيل فهزمت ابن بلال وملكوا عكبرى.
وظهر ابن جمدى العيار، وكان حمالًا بنواحي سوق الحديد باب درب الشوك بحضرة المزملة ثم صار لصًا ببغداد، فولاه أبو جعفر بن شيرزاد طريق واسط، وخلع عليه، وطالب أبو جعفر بن شيرزاد التجار بأموال فاستتر أكثرهم.
وورد الحاج في النصف من صفر شاكرين لأبي علي محمد بن يحيى العلوي لحفظه لهم ورفقه بهم، وكانوا حجوا والوقت ضيق عليهم فمات أكثرهم في الطريق، ولولا أن الله أغاثهم في مصعدهم بسحابة أرسلها، فمطرت حتى عاشوا بها وعاشت جمالهم ما بقي منهم أحد.
وكان رسول الله ابن طغج قد وافى بهدايا إلى ناحية الانبار، فلما علم بأمر السلطان صار إلى تكريت، فأوصل الهدايا إلى المتقي لله.
[ ٢٥٠ ]
وكبس الروم رأس عين، فأخذوا جميع ما كان فيها ونهبوها ووجدوا فيها قوافل مصعدة ومنحدرة، فيها أمتعة لا يدري قيمتها فأخذت كلها، ونال المسلمين ما لم ينلهم مثله قط، فلما أراد العدو الرحيل أحرق البلد، وفتحت الحوالى لسنة اثنتين في شهر ربيع الأول، فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح.
ووافى توزون بغداد فقدم جماعة من أصحابه إلى سر من رأى ووافى ملهم بن دينار الأسود المستأمن، وكان حاجب رافع القرمطي وانضم إلى ابن حمدان إلى حيال باب الشماسية فجعل يشتم توزون هو وأصحابه، فأمر توزون حينئذ بأن يصير إليه عسكر بخيمهم ومضاربهم إلى الجانب الغربي، ورجع ملهم إلى تكريت، ووافى الخبر لخمس بقين من شهر ربيع الأول بدخول البريدي واسط.
ووقع على التجار ببغداد ظلم عظيم وخبط شديد، وتهارب الناس وخرج عن بغداد جماعة من مياسير اليهود والمجوس إلى الشام وكاتب توزون البريدي ووافقه على مال بعينه فوجه إليه البريدي بمال، ووافى جميع من كان من جيش توزون في طريق واسط إلى معسكره بباب الشماسية، وفر بعض غلمان توزون إلى تكريت فركب فلحق بعضهم فقتل من كان قبض رزقه وفر، ومنَّ على من لم يقبض رزقه.
وانحدرت من عسكره زبازب إلى البريدي في الأمان من الديلم، وغلت الأسعار ببغداد وإمارة بغداد، من قبل أن يقدم توزون إلى هذا الوقت.
[ ٢٥١ ]
وأمر صافي غلامه وحاجبه، فوظف على أصحاب الشرطة أموالًا وأخذها.
ووجه ابن فتان بمائة جمل إلى تكريت عليها هدايا أكثرها فاكهة للسلطان.
ورحل توزون من معسكره إلى عكبرى يوم الثلاثاء لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وخلف بباب الشماسية أخاه وكيغلغ وارتمش في ثلاثمائة من الأتراك، ونودي ببغداد براءة الذمة ممن تخلف من الجند عن الأمير توزون، وأطلق دعلج العدل وهو من أجل الشهود لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، بعد أن أدى مائة ألف درهم، وولى اسكورج إمارة بغداد.
وواقع القرامطة أصحاب ناصر الدولة بجماعة من الأتراك، كانوا طلائع لتوزون بنواحي سر من رأى، وقتلوا قائدًا لهم فحمل في تابوت إلى بغداد ودفن فيها.
وعبر الأمير توزون من سر من رأى إلى جانب الغربي، ليكون مع ناصر الدولة على أرض واحدة، وكان ناصر الدولة لما وافى تكريت أعطى الناس أرزاقهم في شهر ربيع الآخر، وكان بتكريت نحو مائة وخمسين زورقًا فيها دقيق وحنطة وشعير وسقط وشحم وعسل وثياب وغير ذلك فأمنوا بناصر الدولة.
ولما قبض الناس أرزاقهم تقدم سيف الدولة فعسكر أسفل تكريت على الإسحاقي وأنفذ ناصر الدولة أبا منصور عبد الواحد بن المتقي لله
[ ٢٥٢ ]
وحرمه إلى الموصل قبل الوقعة، وأراد إنفاذ المتقي معهم فكره ذلك واختار المقام مع ناصر الدولة، فأشفق عليه فقدمه إلى موضع يعرف بالأعمى فوق تكريت بستة فراسخ، وأقام ناصر الدولة فوق تكريت قليلًا بازاء الدير ووجه بقواده كلهم مع أخيه سيف الدولة منهم يروخ وعيسى جال والترجمان ولؤلؤ وأرسلان وإبراهيم بن أحمد بن أمير خراسان.
فواقع سيف الدولة توزون، يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر، ثم تحاجزوا، وقد وقعت بأسكورج ضربات. ولم يشك سيف الدولة أنه ظافر لأنه قاتل في يومه ذاك أشد قتال، فبكر على القتال يوم الخميس لأربع بقين من الشهر. وكان سيف الدولة كمن بين قشير ونمير، ليخرجوا إذا احتدت الحرب على أصحاب توزون، فلما علق بعض القوم ببعض عطفت قشير ونمير على سواد سيف الدولة فنهبوه، تعصبًا زعموا للمضرية على الربعية، فظن سيف الدولة أن توزون كاده بذلك، وكمن كمينًا خلفه ليتبعه إلى تكريت، فرجع إليهم فوجد أعرابه وكمينه قد نهبوا سواده، فأوقع بهم فطاروا بين يديه.
وكان غلام سيف الدولة يمك التركي مما يلي دجلة في عدة، فمال عليهم توزون فهزمهم واقتطع نحو خمسمائة ديلمي، كانوا في الميسرة فاستأمنوا وأمرهم بطرح السلاح.
وكان شغل سيف الدولة بالأعراب سبب الهزيمة، وتقطر بيمك التركي غلام سيف الدولة فرسه فأسر.
[ ٢٥٣ ]
ووجه توزون بالديالم إلى بغداد في زواريق، بعد أن قيد جماعة منهم.
وصار سيف الدولة إلى أعالي تكريت فوجد أخاه ناصر الدولة قد رحل وتلاحق به العسكر، فملك توزون تكريت ونزل بالدير الأعلى في المكان الذي كان فيه ناصر الدولة، ونهب أصحاب توزون تكريت حتى منعهم بنفسه ونهبوا زواريق شعير كانت لسيف الدولة وزواريق للتجار وحاز توزون أكثرها، وزواريق دقيق ففرقها على أصحابه وجمعهم، فقال لهم: أنا واحد منكم، وهذا الأمر أريده لكم.
وامتنع أبو جعفر ابن شيرزاد من الجلوس للناس قبل الوقعة بيومين. فلما جاءه الخبر جلس، وأمر بالنداء بما فتح الله على الأمير، وأنه ورد كتابه يجتهد في أن يرخص الأسعار بمدينة السلام.
ولما رحل ناصر الدولة إلى المنزل المعروف بالأعمى وجد الخليفة المتقي لله به، فرحله معه وأقام بالسن يومًا حتى تلاحق به أصحابه، ورحل إلى الجونية وقدم الخليفة قبله إلى الموصل، ثم لحق به وترك الجونية بعض غلمانه وبالسن طلائع له من القرامطة.
ولحق سيف الدولة بنمير وقشير فقتل منهم مقتلة عظيمة واسترجع بعض ما كان أخذوه، ولما اجتمع الناس بالموصل أعطاهم ناصر الدولة رزقة كاملة وأمر المعطين، ألا يحتسبوا بها عليهم. وصار إليه جماعة من عسكر توزون فقبلهم، وخلع عليهم ونزلهم بما أرادوا.
ولما عاث أصحاب توزون بتكريت ركب بنفسه فأخرجهم منها،
[ ٢٥٤ ]
فكثر شكرهم له ثم رجع عليهم الأموال. فكثر دعاؤهم عليه، فكان كما قال مسلم بن الوليد:
وَلاَ غَرْوَ لَمْ تَدْرِكْكَ مِنَّي مَلاَمَةٌأَسَأْتَ بِنَا عَوْدًا وَأَحْسَنْتَ بادِيًا
وكما قال رجل في صديق له كان أحسن الناس فعلًا مبتدءًا، وأقبحهم آخرًا، فقال فيه:
أَوَّلُهُ يُرْضِي وَلكِنَّهُ لاَ يُتْبِعِ الأَوَّلَ بِالآخرِ
سبحان الله ما أعجب البركة والحظوظ؟ هذا أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ما كتب لأحد قط إلا بلغ أعلى المراتب وأجل المنازل ما زال جد ابن الخال يعلو ما دام يكتب له، فلما تركه أدبر وانحل أمره، وكتب لبجكم فبلغه ما لم يبلغ أمير من المال والهيبة، وأصلح له قلوب أصحابه. وكتب لتوزون فبلغ به ما لم يظن الناس أن توزون يبلغه أبدًا.
ووافى اسكورج بغداد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادي الأول وهو أمير الشرطة.
ووافى قبله خمسمائة من الديالم الأسرى في زواريق، فكان توزون قد رد أمرهم إليه. فحبس بعضًا وبقي بعضًا وأطلق بعضًا.
ووافى إقبال الشيرزادي مع زواريق دقيق إلى بغداد، وبزواريق سقط فقيل هذا لابن حمدان وأخذ مستهلكًا.
وغمز بخزانة لأبي الحسين علي بن محمد بن مقلة بناحية سوق العطش فوجه أبو جعفر بن شيرزاد بابن جمدى، فأخذ جميع ما فيها ونزل ابن
[ ٢٥٥ ]
جمدى داره بمربعة أبي عبد الله، وأخذ جميع ما كان فيها، وسفر في الصلح بين توزون وناصر الدولة على أن يرجع إلى داره ويحمل ابن حمدان إليه فضلًا مما كان على أن الإمارة تكون لعبد الواحد ابن المتقي لله، فكان ناصر الدولة أسرع الناس إجابة وأشهاهم لتمامه. فكره أخوه وأصحابه ذلك، وكرهه الخليفة. فقال لهم ناصر الدولة أنتم تهربون ولا تقفون، ومالكم عندي رزق إن عزمتم على القتال إلا بعد أن أعرف أمركم، وإلا فانصرفوا إلى حيث شئتم، فحلفوا له أنهم يجتهدون ولا يقصرون.
وورد الخبر عل توزون أن ناصر الدولة، على أن يواقعه وقعة ثانية وكان توزون في وقت هرب الترجمان قد قبض على ختنه المعروف بحبة التركي وحبسه وكان شجاعًا، فتكلموا فيه وضمنه أبو عمران موسى بن سليمان اصبهلان، فأخرجه وخلع عليه ووصله وحمله على دواب كثيرة ووهب له بغالًا، وسفر أبو عبد الله محمد بن أبي موسى في الصلح وأحبه واجتهد فيه، وهو من الرجال الزمان ومن أهل الخير مع ذلك وكثرة الصدقة واصطناع المعروف، فتردد في الصلح وقرب الأمر على يده، ثم عارضه قوم فأفسدوا الأمر.
وصح عزم الخليفة وناصر الدولة على محاربة توزون ثانية فصار سيف الدولة في الجيش كله إلى تكريت، لأيام خلت من رجب وبلغ توزون خبرهم، فشخص إليهم في عدته، فلما صافتهم الحرب استأمن ارتمش التركي، وهو من أجل قواده، وكان غلامًا لسيف الدولة
[ ٢٥٦ ]
إلى سيف الدولة في جماعة من الأتراك فاضطرب عسكر توزون لذلك فخاف أن يهزم، فحمل عليهم في نحو ثلاثمائة غلام وحقق وحققوا معه، فما هابوا سيفًا ولا رمحًا حتى أزالوهم وهزموهم، فولوا هاربين وتبعهم ولم يوغل ولا أبعد، خوفًا على اضطراب باقي عسكره وسواده.
وقد كان ناصر الدولة قال لأصحابه: إن انهزمتم فلا يريني أحد منكم وجهه فما قبلوا ذلك، وصاروا إلى الموصل وأصحابهم معهم.
وظهر أبو جعفر، بعد أن كان استتر يومًا، وهنأه الناس بالفتح.
ورأى توزون أن يمضي إلى الموصل، وكاتب الخليفة بأنه عبده ولا خلاف عليه منه، فما قبل ذلك فرحل الأمير توزون إلى الموصل لا يلوي على شيء، وبلغ الخليفة وابن حمدان ذلك، فرحل إلى نصيبين، وحوى توزون الموصل وما فيها من الأطعمة وعسكر خارجها على أن يقصد نصيبين، ويوقع بمن فيها، وكتب إلى ابن حمدان في إنفاذ الخليفة إليه فكره الخليفة أن يصير إليه بعد ما فعله فأسرع من نصيبين إلى الرقة في أصحابه الذين خرجوا من بغداد معه، ومعه من الكتاب وزيره علي بن محمد مقلة وأبو إسحاق القراريطي وأحمد بن عبد الله الأصهباني والحسن بن هارون وأبو محمد الحسن بن أحمد المادراني وعبد الجبار بن الحسن النفري كاتب دار السلطان مستنجدًا بابن طغج وكتب بذلك إليه.
وكتب الأمير توزون إلى أبي جعفر بن شيرزاد في اللحاق به فلحق به إلى الموصل واعتمد في خلافته ببغداد على أبي عبيد الله أحمد بن محمد
[ ٢٥٧ ]
ابن عبد الوهاب، وعلى طازاذ بن عيسى النصراني، وكان رأى ناصر الدولة أن يرجع الخليفة إلى بغداد، ويفارق هو الأمير توزون على مال يحمله ويصرفه إلى بغداد، فخالفه المتقي لله، وخرج من أعماله معتمدًا على ابن طغج أبي بكر الأخشيد.
وكاتب ناصر الدولة الأمير توزون في الصلح، وعلم توزون أنه أشار على المتقي لله بما أراده توزون فلم يقبل المتقي منه ولا تركه بعض من كان معه يقبل ذلك.
وسفر بين ناصر الدولة وبين توزون أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي وأبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي، ولما صار أبو جعفر إلى الموصل رأى أن الأموال الذي يحملها ابن حمدان أوفى مما يؤخذ من الموصل مع التغرب وانتشار الأعراب.
وكان خروج أبي جعفر من بغداد في شعبان، فتم أمر الصلح بين توزون وبين ناصر الدولة برأي أبو جعفر، وما زالت السفارة بينهما طول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وتم الصلح في أول شوال ورجع توزون إلى بغداد وأبو جعفر معه، فكان دخوله إليها لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وكان حرص أبي جعفر على الصلح لما بلغه من موافاة ابن بويه الديلمي إلى واسط، وأخذ الضرائب والخراج، وأن ابن بويه دخلها في شهر رمضان.
واتهم المتقي لله بمكاتبة ابن بويه بأن يصير إلى الحضرة، وصلحت سيرة ابن بويه بواسط، وخفف عنهم كاتبه محمد بن أحمد الصيمري
[ ٢٥٨ ]
المكنى أبا جعفر من الضرائب، وعدل عليهم في الخراج.
وكان أمير بغداد أبو العباس اسكورج قد اصطنع ابن جمدى وأمل أن يرتدع ويقصر ويعرف به جميع المتلصصة، فكان يرسل أصحابه على الناس، فلهم في كل يوم حادثة عظيمة، وكبس وإغارة على الأموال. ووقف اسكورج على أنه أصل ذلك كله، وقيل الأمير توزون فيه غير مرة، وعرف أبو جعفر الأمير حقيقة خبره، فأمر به فضرب وسطه في دار الأمير توزون، وحمل إلى الجسر على جمل، ونودي عليه هذا ابن جمدى اللص فاعرفوه.
وظفر بجماعة من أصحابه فقتلوا وصلبوا، فسر الناس بذلك وقالوا ما أمنا على أنفسنا وأموالنا إلى الآن، بقتل ابن جمدى وأصحابه، وكثر الدعاء للأمير توزون، وكان قتله برأي أبي جعفر بن يحيى بن شيرزاد الكاتب.