ألزم محمد بن القاسم الكرخي بيته، واستكتب ابن رايق أحمد بن علي الكوفي.
ووافى من البصرة سفن كثيرة من سفن التمر، فرخص حتى بلغ الألف سبعة دنانير.
وظهر عند إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان ديلم فأخذوا وأفلت منهم قوم فقتلهم العامة، وظهر على كورتكين لثمان ليال خلون من المحرم في دور سليمان، فأوصل إلى ابن رايق فوبخه وسلمه إلى دار السلطان، وكاتبت أخته ابن رايق وسألته أن يؤمنها فآمنها، فصارت إلى أخيها كورتكين وطولبا بأموال، وضرب كورتكين، وأخذ منه مال قليل وقال كل شيء كنت أفيده كنت أعطيه الديالم. وقد صدق في هذا ما كان يدخر شيئًا. وانحدر ابن رايق إلى واسط لإحدى عشرة ليلة
[ ٢١٣ ]
خلت من المحرم بعد أن فرق على جلسائه جملة دنانير فكان ممن نادمه في ذلك الوقت على بن هارون المنجم فأمر له بألف دينار، وصرت أنا إليه لأودعه وهو في الزبيدية فقال لي ألست معي في هذا السفر؟ قلت إن أمر الأمير، فجذب الدواة ووقع لي بخمسمائة دينار بخطه فقلت لأبي عبد الله الكوفي إلى من هذه؟ فقال إلى أبي بكر بن مقاتل. وانحدر من ليلته وبكرت بالرقعة إلى ابن مقاتل فقال هذه مبهمة يعطي خمسمائة دينار مبهمة، ولو كانت إلي لخاطبني. فأخذتها وانحدرت من وقتي إلى المداين فعرضتها عليه فوقع: يا أبا بكر أطال الله بقاءك ادفع إليه خمسمائة دينار، فدفع إلي مائة وخمسين دينارًا، وقال أنا أدفع إليك الباقي بواسط فأضفت إلى ما أعطاني مثله، وتحملت وخرجت إلى واسط فما دفع إلى ابن مقاتل شيئًا، وكلما وقع إليه بتوقيع قال أفعل ونحن في إضافة إلى أن صالح البريديين وشخص عن واسط، ولزمتني مؤن أحوجتني إلى أن بعت شيئًا كان لي بالبصرة وأنفقته انتظارًا لوعده، فما وفى بشيء، ولا أطلق لي درهمًا واحدًا، فجئت إليه في اليوم الذي صاعد فيه وقد تقدمه ابن مقاتل إلى بغداد، فقلت أنهضني أعز الله الأمير إلى بغداد كما أخرجني أمرك عنها، قال الحقني بنهر سابس، فعلمت أنه لا يفعل شيئًا فجلست مضطرًا. ووافى أبو الحسين فصرت إليه فأكرمني وقربني، وكذلك أبو يوسف وتكفل بأمري كله، ووصلني سرًا وعلانية أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد الله الوزير، وأما الوزير أبو عبد الله فإني لم أجده كما عهدت، على أني نكبت بعده، إلا أني
[ ٢١٤ ]
أرجع منه إلى عشرة ثم إن أبا الحسين لم يدعه حتى وصلني وأضاف إلى ذلك صلة منه، ووصلني أبو يوسف وأمرني بملازمته ووصفني وقال قد سألني أهل البصرة أن أقدمك عليهم، وزعموا أن علومهم مجتمعة عندك، فتضمنت له ذلك.
وتغير الوزير وجعل يثلبني قوم عنده يختصون به، لست منهم في شيء، وخاصة لما شخص أبو الحسين يريد بغداد فإنه كان يكلمه في أمري ويقوم بنصرتي إلى أن حجبني أيامًا، ثم أذن لي وأراد أن يمنعني من الجلوس في الجامع للناس، وتقدم بذلك إلى المعتمدي فقيل له إن الخلق كثير، وليس المنع من حديث رسول الله صلى الله عليه يحسن عند الناس. فأضرب عن ذلك وكنت أتأخر فيعتب علي وأحضر فيعنتنى فإن سأل عن شيء فأصبت فيه خالفني، وأعانته العصبة التي حوله فقال لي يومًا - ولولا أن ما أحكيه داخل في باب العلم والإفادة ما حكيته -: كم بالبصرة من قبيلة ليست بالكوفة، وكم بالكوفة من قبيلة ليست بالبصرة؟.
فقلت بالبصرة المهالبة، والمسامعة، والجاروديون، وباهلة.
وبالكوفة بنو أسد عدة مواضع وليس بالبصرة إلى مكان زعموا أنه سمي بغيرهم، وبها الإشاعثة. وبها المقيثون. فقال ذهب عليك الأعظم وبنو حمان بالكوفة وليس هم بالبصرة! فقلت بلى هم بالبصرة فقال كذبت، فقلت والله الذي لا إله إلا هو ما كذبت منذ عرفت قبيح الكذب، فقال يا يانس هات مائتي دينار فجاء بها في صرة، فقال إن كان
[ ٢١٥ ]
بالبصرة بنو حمان فهي لك وإلا غرمتك نصفها ووهبته، فقلت الوزير أعزه الله يتفضل علي ويهب لي أضعاف هذه وما كنت لآخذ على هذه الجهة شيئًا ولو كانت ألفي دينار ولكني أحدث الوزير أعزه الله بشيء يتفضل باستماعه ثم يأمر بما شاء، قال هات. قلت رميت وأنا صبي في سنة خمس وسبعين بالبصرة مع إنسان يعرف بابن طاهر الهاشمي وهو يعيش، فكان رمينا: خرجه عندي فأجذبه إلى العتيك وخرجه عنده فيجذبني إلى هدف بني حمان، ويحضرنا ألوف من الناس ولقد أنشدني ابن ذكرويه لنفسه:
حِزْبُ الْعَلاءِ نَضَلْتُهُمْ فَتَرَحَّلُوا طابَ الرَّحِيلُ إلَى بَنِي حِمَّانِ
هَذا أَبُو ساسانَ قَدْ أَشْجَاكُمُ ماذا لَقِيتُمْ مِنْ أَبِي ساسانِ
وهؤلاء بنو المثنى وبنو عبد السلام، فأن شاء الوزير أن يستعلم هذا منهم فليفعل فما رد جوابًا وأمر بدفع الدنانير.
وقال لي يومًا من الذي أكل تمرًا وهو رمد من إحدى عينيه فنهاه النبي صلى الله عليه، فقال إنما آكل من شق عيني الصحيحة؟ فقلت هذا صهيب، فقال أخطأت والله هذا عامر بن فهيرة. فقال له بعض من كان عنده وهو اليوم ببغداد: هذا مشهور عن عامر، فقلت أعز الله الوزير لا تلتفت إلى قول من لا يدري.
حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن صفي عن أبيه عن جده عن
[ ٢١٦ ]
صهيب قال قدمت على النبي صلى الله عليه وبين يديه خبز وتمر وقد رمدت إحدى عيني، فقال ادن فكل فجعلت آكل التمر فقال يا صهيب أتأكل التمر وبك رمد؟ فقلت إني أمضغ من الناحية الأخرى! فتبسم صلى الله عليه.
وحدثني عون قال حدثنا يعقوب بن محمد قال حدثنا عاصم بن سويد عن ابن إسماعيل بن مجمع عن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن صهيب قال جئت والنبي صلى الله عليه في بيت كلثوم بن هرم بعد ما قدم من قباء بثلاث وبين أيديهم تمر أو زطب قد كاد يتمر وإحدى عيني شاكية فأكلت منه فقال لي رسول الله صلى الله عليه أتأكل التمر وبعينك ما بها؟ فقلت إنما آكل من شق عيني الصحيحة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه. فقال أرني هذا في كتاب، فقلت ما معي أصل ثم قلت لمن يجيئني من أصحاب الحديث انظروا من عنده مسند فليجئني بمسند صهيب، فجاءوا به فحملته إليه. فقال له صاحب الكلام فلعله قد قال هذا لعامر أيضًا! فقلت هذا مسند عامر وهو كله ثلاثة أحاديث - وكنت قد استظهرت بأخذه - فنظر فلم يجد فيه شيئًا فذهب المعترض يتكلم فقال له حسبك، الكلام في هذا بعد ما وقفنا عليه قلة حياء وقحة، إلى غير هذا من أشباهه.
ولما أراد أبو يوسف الرجوع من واسط إلى البصرة جذبني إليها ووعدني وتضمن لي ما يرغب في بعضه، فأعلمته أنه لا أصل معي من أصول الحديث ولا غيره وأني ألم ببغداد وأحمل ذلك معي وأقصد البصرة. فقال لي فلا
[ ٢١٧ ]
تقيمن بعدي بواسط ساعة واحدة، فعرفت أن تحت هذا الكلام ما هو أعرف به وأعلم، وأنه قد نصح لي فشيعته ثم صاعدت من وقتي إلى بغداد فوجدت أبا الحسين بها والخليفة خارج عنها فاستأذنت عليه فلم يأذن لي، وإذا كتاب الوزير قد ورد عليه: لا يدخلن الصولي إليك. فكنت مجفوًا محجوبًا، فلما شخص إلى بغداد احتجب إذ أستتر يومًا أو يومين لمعرفة الناس بكوني عندهم وثنائي عليهم، فكنت عند السيد الشريف أبي عبد الله الموساني ثم خرجت لتلقي سيف الدولة لأنه كان في حداثته يلزمني وقد قرأ علي علمًا كثيرًا. فجمع بعض جيراني بقصر عيسى جماعة من العيارين ووهب لهم دراهم وكان له سكان في مثل حمام ودكان وبثهم في نواحي بغداد يصيحون ألا إن الصولي قد خرج مع البريدي وكان هو مع ابن قرابة آفة الناس معه ووجه بهم إلى بستاني الذي بحضرة بستان حميد فكسروا دواليبه وجمروا نخله وهدموا أبنية أنفقت عليها ألفي دينار ولم يدعوا سقفًا ولا خزانة إلا نهبوه، وفعلوا مثل ذلك ببستان بدوران، وهو الذي كان لغج بن جاخ، وقد أنفق على أبنيته ألوف دنانير وما ترك فيه شيء، ورجعت من عكبرا فرأيت ذلك، وعلم به سيف الدولة، فقال ضع يدك على من شئت، فكرهت أن أصدقه عن الحال في فعل جاري، وجاءني أهل الناحية فعينوا لي جماعة فذكرتهم له، فأمر بقطع أيديهم فنظرت فإذا ما مضى لا يعود وما أفعله بهم يحقد على أمثالهم، وفي زمان يتصنع كل قوم بألوان ويحدث في الشهر منه دول، فأطلقت عنهم. فيا عجبًا لقوم
[ ٢١٨ ]
حجبت عنهم وكان رئيسهم لي على هذه الحال، أتهم فيهم بهذه التهمة، ويفعل بي مثل هذا الفعل، ثم يضرني ذلك عند بعضهم إلى الآن!.
قد قضيت وطرًا من ذكرى حالي وإعلامي من يعلم حقيقتها، وما جرت عليه، تفرجًا بذلك واستراحة إلى شكواه إلى الناس. وأنا أعود إلى شرح الحوادث وما جرى إن شاء الله.
ولما انقضى أمر الديالم وخلع على ابن رايق للإمارة ظهر أحمد بن علي الكوفي من استتاره فاستكتبه ابن رايق لنفسه والخليفة، وأراد أن يخلع عليه للوزارة فامتنع من قبول اسم الوزارة، وعمل ما كان يعمله الوزراء، ودبر أمر الناس كله أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، وصرف أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي إلى منزله فكانت وزارته للمتقي اثنين وثلاثين يومًا.
وشخص ابن رايق إلى واسط فدخلها، وانحدر البريديون إلى البصرة، وكانت لابن رايق بواسط أمور عظام من تشاغله بالنبيذ ليله ونهاره، حتى أن رؤساء أصحابه لا يرونه إلا لحظة في كل مدة.
وحضرت له دعوة عظيمة في يوم صادفه فيه بعض الأتراك إلى غير هذا مما يترك ذكره، ثم راسل البريديين وواقفهم على حمل، ورحل عن واسط إلى بغداد وتجدد لهم رأي في رد الوزارة إلى أبي عبد الله البريدي فعقد ذلك له في يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الآخر، في هذه السنة، وهي سنة ثلاثين وثلاثمائة. واستخلف له بالحضرة على خدمة السلطان وتدبير الطساسيج أبو جعفر محمد بن شيرزاد، وحملت
[ ٢١٩ ]
الخلع إلى واسط، فلبسها الوزير، وركب فيها بين يدي داره وكنت أنا بواسط فقال لي: أعملت شيئًا في أمرنا هذا؟ فأنشدته شعرًا والله ما مدح أحد منهم قط بمثله فيه وهو:
هَنِيئًا لِلْوَزِيرِ قَضَاءُ دَيْنٍ بِهِ أَضْحَى الزَّمَانُ قَرِيرَ عَيْن
وَعَوْدُ وِزارَةٍ سِيقَتْ إلَيْهِ كَعَوْدَةِ قُرْبِ حِبِّ بَعْدَ بَيْنِ
أَبِي عَبْدِ الإلِهِ أَجَلَّ كَافٍ تَسَمَّحَ بِالنضُّارِ وَباللُّجَيْنِ
وَيَهْنِي ذَاكَ يَعْقُوبًا أَخَاهُ وَصِنْوَهُمَا الْكَرِيمَ أَبَا الْحُسَيْنِ
هُمَا قَمَرَا الزَّمَانِ وَغُرَّتَاهُ مُرِيحًا الْمُلْكِ مِنْ عَارٍ وَشَيْنِ
أَحَلاَّ مِنْهُ نُصْحًا وافْتِقَادًا مَصالِحَهُ مَحَلَّ النَّاظِرَيْن
وَما كانَ الْفَسادُ وَقَدْ تَعَلَّى ليَخْفِضَهُ سِوَى إصْلاحِ ذَيْنِ
وَيَهْنِي ذَاكَ عَبْدَ اللهِ فيه فَتاهُ فَهُوَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
هلاَلٌ لَمْ تُبَدِّدَهُ اللَّيالِي فَيَنْقُصَهُ مُرُورُ الفَرْقَدَيْنِ
تُرادِفُه السِّيادَةُ غَيْرَ وَانٍ وَيُشْبِهُهُ تَشَابُهَ قَرَّتَيْنِ
كَما أَوْدَعْتَ سَطْرًا مِنْ كِتابٍ ولَمْ تَنْقُطْهُ غَيْنًا بَعْدَ عَيْنِ
وَزِيرٌ مُقْبِلُ الأَيَّام عالٍ عَلَى أَعْدائِهِ طَلْقُ الْيَدَيْنِ
يُهِيُن المَالَ بالأفضالِ جُودًا وَمَرْقَى الجُودِ صَعْبٌ غَيْرُ هَيْنِ
[ ٢٢٠ ]
سَيَقْضِيهِ الزَّمانَ بِطُولِ عُمْرٍ وَتَمْلِيكُ الرِّياسَةِ كُلُّ دَيْنِ
غَدَتْ خِلَعٌ عَلَيْهِ تَائهاتٌ بِعالِي النَّفْسِ عَالِي الذَّرْوَتَيْنِ
جَلَتْ بِسَوادِها ظُلَمَ اللَّيالِي كَما تَجْلُو سَوادَ المُقْلَتَيْنِ
بِمَنْطِقِهِ يَلُوحُ الحَلْى فِيهَا كَما لاَحَتْ نُجُومُ الشِّعْرَيَيْن
تُباطُ مَعلِقٌ مِنْهَا رِقَاقٌ بِمَصْقُولٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ
كَرَأْيٍ مِنْهُ يَفْعَلُ في اللَّيالِي وَفِي الأَيَّامِ فِعْلَ النَّيِّرَيْنِ
فَأَعْلَى اللهُ سَادَتَنَا جَمِيعًا وَأَبْقاهُمْ بَقاءَ الفَرْقَدَيْنِ
وقَلَّمَ عَنْهُمْ ظُفُرَ المَنايَا بِقُرْبِ مُناهُمُ وَبِبُعْدِ حَيْنِ
ومِلْكٍ لْلَوَرَى وَصَفاءِ دَهْرٍ يَرينَ عَلَى عِداهُمُ أَيَّ رَيْنِ
فَكَمْ عُذِلُوا عَلَى إْفَراطِ بَرٍ فَمَا أصْغَوْا لِعَذْلِ العاذِلَيْنِ
أَقولُ بِمَا عَلِمْتُ مَقالَ صِدْقٍ بَعِيدِ الشَّأْوِ مِنْ كَذِبٍ وَشَيْنِ
لَقَدْ صَانُوا الوِزارَةَ بَعْدَ هَتْكٍ وَزانُوهَا وَكانَتْ غَيْرَ زَيْنِ
بِرَأْيٍ مُسْتَنِيرٍ لِلْمَوالي وَصَعْبٍ لِلمْعُادِي غَيْرِ لَيْنِ
وَأَقْلاَمٍ تُحَكَّمُ فِي الأَعادِي كَحُكْمِ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ الرُّدَيْنِي
وَيَغْنَى الرُّمْحُ فِيها عَنْ ثِقافٍ وَيَغْنَى السَّيْفُ عَنْ إِصْلاحِ قَيْنِ
[ ٢٢١ ]
وَتَخْفُقُ بِالذَّي نَهْواهُ كُتْبٌ تَكُونُ بِها صلاحُ الخْافِقَيْنِ
تَرَى الأَقْدارْ مُصْعِدَةً إلَيْهِ تَسَحَّبُ بَيْنَ تَسْجِيَةٍ وَطَينِ
ثَوابُكُمُ عَلَى إصْلاحِ مُلْكٍ ثَوابُ شُهُودٍ أَحْدٍ أَوْ حُنَيْنِ
فَرَعْتُمْ فِي بَنِي الأَحْرارِ طَوْرًا يَطُولُ الرَّعْنُ فيه ذا رُعَيْنِ
وَزادَكُمُ مُحَمدَّكُمُ عُلُوًّا وَيَعْقُوبٌ شَرِيفُ الجْانِبَيْنِ
وَرِثْتُمْ عَنْهُمَا كَرَمًا وَفَضْلًا كَذَاكَ يَجِيءُ نَجْلُ الْفاضِلَيْنِ
لَقَدْ أَصْلَحْتُمْ ما بَيْنَ دَهْرِي عَلَى رَغْمِ الْعدَى كَرَمًا وَبَيني
سَأَقَضِي فِي مَدِيحكُمُ حُقُوقًا كَمَا يُقْضَى حُقُوقُ الوْالِدَيْنِ
فوصلني الجماعة على هذا وشكروني سوى الوزير، فإنه كان عنده بمنزلة أردإ الشعر وأوضع المدح.
ثم رأى السلطان وابن رايق أن يحلوا ما عقدوه من أمر البريدي وينقضوا ما أبرموه، فخلع على أبي إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي للوزارة، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الأولى، وصرف به أبو جعفر بن شيرزاد إلى منزله.
وصح عند السلطان عزم البريدي على قصد الحضرة في جميع رجاله، وذلك لمهانة ابن رايق ومطالبة ألف من الأتراك البجكمية له بأرزاقهم فلم يحسن أن يتلافاهم وترفق بهم، حتى شذوا عنه ومضوا إلى البريدي
[ ٢٢٢ ]
إلى واسط، وكان الترجمان يزعم أنه هو الذي أصلحهم له وأفسدهم على السلطان، فقووا نفسه وزينوا له ورود الحضرة، فركب المتقي الله الظهر في يوم الثلاثاء، ثاني اليوم الذي خلع على القراريطي فيه للوزارة وأمر بالنداء في العامة بلعن البريديين، وتحريضهم على قتالهم. وبين يديه مصاحف منشورة فسار من داره إلى الجسر وركب الماء وعاد إلى قصره وأمر بإصلاح العرادات والمنجنيقات حوالي داره، وحفر خندق والحاجب في الوقت سلامة.
واستدعى ابن رايق العيارين، فكان ذلك خطأ من رأيه عظيمًا.
وخرج أبو الحسن علي بن محمد البريدي من واسط يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادي الآخرة ولما قرب من بغداد بلغ الخبز في عسكره رطلًا بدرهم ثم لم يوجد.
وفتح العيارون السجون، وكان هذا من فعل ابن رايق توطئة لما يريد البريدي، لكثرة العيث من العامة وغلبتهم على التجار وأهل البيوتات. وعبر أصحاب البريدي نهر ديالي، فحاربهم القرامطة وبدر الخرشني ساعة ثم انهزموا.
وفي الوقت الذي ركب الخليفة الماء من الجسر ورجع إلى قصره انقطع الجسر وانخلع الكرسي وهو مملوء بالنظارة، فغرق خلق كثير من رجال ونساء وصبيان.
وفي يوم الخميس لسبع بقين من جمادي الآخرة انهزم جيش ابن رايق والعامة، وغرق من العامة بين يدي النجمي خلق كثير لا يضبطهم
[ ٢٢٣ ]
العدد، وخرج الخليفة وابن رايق إلى باب الشماسية وتبعهم الناس فباتوا بالبردان. وغرق أبو محمد بن سلامة الحاجب وكان فتى نفيسًا قد تأدب وسمع حديثًا كثيرًا.
وملك البريدي الدار، ووجه بابن أبي داود الأواني إلى الخليفة يحلف له أنه لا يريد إلا خدمته والانتهاء إلى ما يريده ويأمره به، فلم يلتفت إلى ذلك ورحل إلى سر من رأى، ولحقه الحسين بن سعيد بن حمدان في عسكره.
ونزل أبو الحسين البريدي دار مؤنس الخادم، ووجه إلى خدم الدار فأحضرهم. وأمرهم بحفظ الحرم، ووعدهم أنه يجرى عليهم جراية واسعة، وضبط أبو عبد الله الأعمال كلها.
ولقي الناس من الديالم وتنزلهم عليهم بلاء عظيمًا، وقال بعض من عاين الأمر في ذلك الوقت: أي شيء كان أحسن من أن يوجه بألف فارس، ويضمن لهم مال حتى يردوا الخليفة وابن رايق فيجلس الخليفة في داره ويوسع عليه، وعلى حرمه وحشمه في النفقات، ويخلع على ابن رايق ويخرج إلى الشام على أجمل الحال، فيكون الظفر القبيح أحسن ظفر، وتحسن الأحدوثة.
وركب السكري حاجب أبي الحسين البريدي ونادى ألا ينزل أحد من الجند على الحد فكف البلاء قليلًا.
وخطب الخاطب يوم الجمعة فدعا للمتقي لله، ونودي إن وجد مع عامي سلاح قتل.
[ ٢٢٤ ]
ووافت من ابن طغج هدية سرية للخليفة إلى الأنبار فلما علم بما جرى ردها إلى هيت، ورخصت الأسعار بمدينة السلام وسر الناس بذلك، وحصل السلطان بالموصل في رجب، وقد كان العباس بن شقيق صاحب أمير خراسان وافى فأقام بالنهروان حتى يؤذن له في الدخول فأذن له ووصل وجاء معه برأس ما كان الديلمي، وشهر في دجلة في غرة شهر ربيع الأول، وكان ركوب الخليفة إلى بثق النهروان يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول فصلى عليه، فما انصرف جنده حتى تهور السكر وعاد البثق إلى حاله.
ولما ملك جيش البريدي الدار نهبوا جميع ما وجدوا فيها، وداروا في صحونها، وفعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم، فقد كان الخلفاء يقتلون بسر من رأى ودورهم محفوظة مصونة، ولما دخل الحاج بغداد في أول صفر سالمين دخل معهم أبو العباس أحمد بن سعيد بن عقبة الكوفي وكان أحفظ الناس للحديث وأكثرهم كتابًا له، فوعد الناس لجلوسه فجلس يوم السبت لست خلون، في مسجد الشرقية فأملى وقرئ عليه وجلس بعد ذلك في الجامعين الشرقي والغربي، وحدث وجلس في براثا مجلسين، وأملى فضائل كثيرة.
وعز الدقيق بمدينة السلام فلم يوجد فبعث المتقي لله بأبي الفرج المالكي القاضي إلى الحسن بن عبد الله يأمره بإدرار حمل الدقيق، وقد كان المكوك بلغ ستة دراهم، فجاء الدقيق في شهر ربيع الآخر فصلح
[ ٢٢٥ ]
السعر. وأخذ رجل يعرف الكرخي يقطع في طريق واسط حتى انقطع الطريق من أجله فقتل. وصرف القضاء من الجانبين ببغداد وتقلد القضاء بهما أبو الحسن أحمد بن إسحاق والخرقي لأيام بقين من شهر ربيع الآخر. وخلع عليه في يوم الخميس، فنزل في جامع الرصافة وقرأ عهده.
وقيل للحسن بن عبد الله إن ابن رايق قد عزم على قتلك، فبادره ففتك به وقد عبر إليه. ووافى بغداد الخبر بقتله لأربع بقين من رجب وأن السلطان زاد الفارس عشرة دنانير، وزاد الراجل دينارًا، وقبضوا أرزاقهم على ذلك وتسحب الديالم على أبي الحسين البريدي، فلما رأى ذلك أمرهم باللحاق بواسط، وأن الوزير يريدهم فخرج أكثر رؤسائهم. وأخبر أبو الحسين البريدي أن جماعة من الأتراك قد عزموا على الفتك به. وأن الأمير أبا الوفاء توزون التركي رأس ذلك وصاحب التدبير فيه، وعلم توزون بأن الخبر قد فشا فبادر فكبس دار مؤنس ليلًا. ونقب فيها نقوبًا كثيرة فلم يصل إلى ما أراد وحاربه الديلم وأصبح فكثر الجيش عله، ولم يخرج إليه من كان وعده أن يكون معه فصار إلى البردان ثم صار إلى عكبرا وقبض على العمال وأخذهم بجباية المال، فقصده جماعة من القواد فناوشهم فلما رأى كثرتهم صار إلى سر من رأى، وتأخرت أرزاق الديلم أيامًا فصاروا إلى الشماسية وصاحوا: خليفة يا منصور، فوجه إليهم فأرضاهم وعادوا.
[ ٢٢٦ ]
وولى ناصر الديلمي شرطة الجانب الشرقي مكان توزون فالتزم وأنصف.
وتواترت الأخبار بإقبال السلطان إلى بغداد، وأن الأمير أبا الوفاء حركهم وقال كلوا الأمر إلى وكونوا من ورائي فأخرج البريدي المضارب إلى الشماسية ليقاتلهم، وعيد السلطان بحبة من طريق ووافى، الموصل تكريت وأخرج البريدي الأتراك والديلم إلى المضارب بباب الشماسية وأنفذ أبا طاهر القاضي، برسالة إلى السلطان، بأن يجيء إلى داره، وينصرف هو والجيش عنه فعاد بجواب لم يحبه البريدي.
وهرب قائدان من قواد الديالمة في أربعمائة نفس إلى السلطان. ووجه البريدي بالترجمان من واسط في عدة ورجال، مددًا لأخيه أبي الحسين، فدخل بغداد يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال واتهم ابن شقيق صاحب أمير خراسان بأنه يضرب الجيش فأنفذه إلى واسط بعد أن أراد حبسه وتقييده، فمنعه الأتراك من ذلك عصبية له.
وخاف أبو الحسين البريدي أصحابه ولم يثق بهم فأرى الناس أنه مصاعد لقتال السلطان، ثم انحدر هو وأصحابه ليلًا ورمى بعضهم العامة.
ووافى الحسن بن عبد الله بغداد ومعه مال أعده لعمارة بغداد وضياع السواد، وذهب لتوزون مال عظيم فعوضه الحسن من ذلك رزق عشرة آلاف دينار كل شهرين برسم المماليك، وضج الناس بالدعاء وضربت مائة قبة ودخل الخليفة بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، وكان خروجه عنها يوم السبت، لسبع ليال بقين من جمادي
[ ٢٢٧ ]
الآخرة فكانت غيبته ثلاثة أشهر وعشرين يومًا.
وحمل البريدي عماله. معه حين انحدر وصادر بعضهم وقلد الأمير توزون جانبي بغداد، وخلع على أبي إسحاق القراريطي للوزارة في في يوم الاثنين، لست بقين من شوال.
وقال الحسن بن عبد الله: مادة البريديين ضرائب التمر فتقدم بالنداء ألا يحمل أحد من التجار مالًا إلى أسفل فغلا الثمن وبلغ ما لم يبلغ مثله قط.
ونزل الحسن وأخوه عند الشفيعي لينحدروا وغلت الأسعار فتشاءم الناس بتلك الأيام، وقالوا: كان الرخص مع البريدي.
وخلع على الحسن ابن عبد الله وطوق وسور بسوارين وسمي ناصر الدولة.
وخلع على أخيه أبي الحسن وعمل به مثل ذلك، ولقب سيف الدولة وقرئت الكتب وأنشئت بذلك.
وصرف الحسن بدرًا الخرشي وولى أبا بكر أحمد بن خاقان الحجبة وقد ذكرنا ذلك، وخرج أبو الحسين البريدي يريد بغداد، وخرج توزون في مقدمة السلطان ووقعت الحرب لليلة خلت من ذي الحجة بموضع يعرف بالجال أسفل المدائن، فانكشف جيش البريدي وكان سبب ذلك انهزام الترجمان وأسر جماعة أحدهم يانس وقد ذكرنا هذا.
وشهر ناصر الدولة أسر البريديين في الجانب الغربي يوم
[ ٢٢٨ ]
الجمعة، وصلى بجامع المدينة. وجرت بينه وبين الصيارف بمدينة السلام خطوب كثيرة في عيار الدنانير، حتى عمل عيار كالسندي أو مقاربًا له، وزاد في سكة الدينار - عند ذكره محمد رسول الله - صلى الله عليه، كأنه زاد صلى الله عليه، والوفاء زيادة حسنة جميلة وفضيلة له في الدنيا والآخرة.
وولى ناصر الدولة عيسى جال وكان في المستأمنة ميفارقين.
ووافى سيف الدولة واسط، فأراد قوم من الديالمة أن يفتكوا به فظفر بهم فوجههم إلى بغداد في زورقين، فقتل بعضهم ممن أقر وحبس من لم يقر وسقطت خضراء مدينة المنصور في جمادي الآخرة فاغتم لذلك ولد العباس، وحدثني جماعة من التمارين أن ناصر الدولة خاطبهم فقال ما أعوض للضريبة على شيء سوى التمر، وبارك الله لكم في كل شيء غيره يعني ضريبة ما حصل ببغداد قالوا فقال له رجل إلى جانبه ونحن نسمع: والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر.
وقال الذي أومأوا إليه أشرت بثلاثة ألوان فما قبلت مني: أشرت بأن يبادر الخليفة عند موت بجكم إلى واسط، وينفذ الجيوش إلى البصرة فلم يقبل، وأشرت بالقبض على تكينك وأخذ ماله وهو حم تام فلم يفعل. وأشرت بأن لا يوجه بابن شيرزاد إلى البريديين فإن ذهابه ينفعهم ويضرنا فلم يفعل، فجعلت على نفسي ألا أشير بشيء بعد هذا.
[ ٢٢٩ ]
ولما استوزر محمد بن أحمد الإسكافي في المرة الأولى استخلف الحسن ابن أحمد الماوردي على النظر في أمر العمال وعلى سائر الأعمال، وقلد أحمد ابن نصر البازيان أبا علي الرقام إلى ما كان قلده إياه أحمد بن علي الكوفي من ديوان المغرب، وأقر الباقين على حالهم، إلا أبا عبيد الله بن عبد الوهاب فإنه قلده الدواوين التي كانت إلى جماعة من خواصه لاستئثاره عنده، ثم قلدها الأوارجي كاتب محمد بن علي بن مقاتل.
هذا جميع ما كان من الحوادث في سنة ثلاثين وثلاثمائة ونذكر الآن من مات فيها. مات أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي القاضي يوم الخميس لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر ونودي على حضور جنازته في جانبي بغداد، وما كان بقي على الأرض محدث أسند منه، مع صدقه وثقته وستره ﵀. ومات في صفر جعفر الدقاق لسبع خلون منه وكان حافظًا للحديث فسبحان من بعد في الستر والصدق بين الاثنين. وتوفي العباس بن المقتدر بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادي الآخرة.
ومات أبو بكر الشافعي الفقيه صاحب علي بن عيسى يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
ومات علي بن محمد بن عبيد الله الحافظ لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وكان قد سمع حديثًا كثيرًا، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
وقد ذكرنا قتل ابن رايق، وورد الخبر بأن يانسًا المؤنسي وعلي بن
[ ٢٣٠ ]
خلف بن طياب قاتلا ابن مقاتل الصغير، المكنى أبا الحسن فقتلاه.
انقضت سنة ثلاثين وثلاثمائة بأحداثها