جملة أمره كان جبانًا مضربًا منتقلًا، بخيلًا قصير الرأي رديء الاختيار، وكان سيف الدولة يتهمه بأنه هو الذي ضرب الأمير توزون عليه، حتى كان منه إليه بواسط ما كان، وأنه أطمع المتقي لله في الاحتيال على ناصر الدولة وراسله في ذلك، يحصله في داره فيطالبه بالأموال، وأن الرسل بينهما اختلفت بذلك.
ولقد أمكنه ذلك من ناصر الدولة مرات، خاصة عند قرب خروجه من بغداد فما اضطلع بذلك، ولا كانت له نفس تفي به، إلى أن خرج ناصر الدولة، وهو أوثق الناس به وعنده أنه في جملته ثم غدر به، فرجع وكان بالرقة قد تمكن من المتقي لله، يصل إليه متى أراد ويأكل معه ويسمع منه، وكان يثلب سيف الدولة. وكاتب
[ ٢٦٠ ]
الأخشيد ابن طغج في إنفاذ جيش إلى الرقة لأخذ الخليفة من يد سيف الدولة فركب يومًا إلى سيف الدولة، وقال له قد ضرب الجند علي، فإن كان في نفسك شيء علي، فأنا بين يديك، وتغضب وزاد في الكلام، فنصحه سيف الدولة.
وقال له: لا يركب معك غيري، حتى يؤديك إلى منزلك، فركب وخرج من بابه وأغلق غلمان سيف الدولة بابًا خلف سيف الدولة، وضربوا الترجمان - وكان خلفه - بالسيوف واحتزوا رأسه، وبلغ أمره الخليفة فغضب وتكلم، وقال: ابن رايق بالأمس، والترجمان اليوم! وأشير إليه ألا يعيد في هذا شيئًا وأن يرى سيف الدولة أن الذي حكاه حق، ويستصيب رأي الغمان فيما فعلوه.
وفاز جميع من كانت له عنده ودائع مال فهو في أيديهم، واعتل الأمير توزون في ذي القعدة علة صعبة شديدة من قولنج وغير ذلك، ثم أقاله الله ووهب له العافية فاستحجب فتاه صافيًا، خلع عليه خلعًا، ركب فيها حتى رآه الناس.
ثم اتصل بتوزون أن الديلمي الذي بواسط يريد بغداد، فقدم مقدمته إلى المداين، وخرج في أثرهم وذلك في ذي القعدة لإحدى عشرة ليلة بقيت منه.
ووقع في هذا الشهر بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة، وكان وقوع الحريق ليلًا
[ ٢٦١ ]
فبادر الناس ليخلصوا أمتعتهم فكان كل من أخرج شيئًا نهبه الخرابون ومن يعينهم من العيارين، فما وصل الناس إلى شيء من أمتعتهم.
وسار أحمد بن بويه الديلمي يريد بغداد، وحدر أبو جعفر إقبالًا غلامه في الماء ومعه الطيارات والزبازب، ليمنع الديلمي من الماء، وكان ذلك من أجل الآراء وكان ذلك سبب الفتح وهزيمة الديلمي، ووقعت الحرب في الجانب الغربي من حدود قباب حميد أيامًا متوالية والأمير توزون يرى أن يستجرهم إلى قرب بغداد، لتقرب عليه الميرة إلى أن عبر بهم نهر ديالي، فصيره بينه وبينهم، وذلك برأي أبي جعفر بن شيرزاد، وجاء الديلمي حتى نزل حياله وهو بلا زاد، وقد ذبح جماله وجاع أصحابه ومنع مع ذلك من الماء، وكان المعروف بابن أبي علي اللص قد صار في جملة الديلمي.
وجمع أبو جعفر أموالًا فحملها إلى الأمير توزون فقويت بها نفوس أصحابه، وأثبت جماعة من العيارين فأنفذهم في الماء، ليرموا بالمقاليع، فكانوا يعطعطون بالديلم ويمنعونهم مع إقبال من الماء حتى هلكوا جوعًا وعطشًا، وعلم الأمير بما هم فيه من ذلك.
وأمر أبا الدفين الأعرابي أن يعبر إليهم، وعبر جماعة من الأكراد ومتسرعة من قواد الأمير توزون وغلمانه، فولى الديالم هاربين في الساعة الخامسة من يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
واستأمن إلى الأمير جماعة من وجوه الديلم وقوادهم، وظفر
[ ٢٦٢ ]
بجماعة منهم، وأخذ فيمن أخذ ابن قرابة العطار، فأمر الأمير توزون فيه بأمر عظيم، فتكلم فيه الحر الجليل أبو جعفر حتى تخلصه، وكان تخلص ابنه قبل ذلك، لأنه ذكروا أنه وجد له كتاب إلى أبيه، فيه ما لا يجوز فأمر الأمير بقتله حتى استنقذه أبو جعفر.
ولما اشتد أمر الديالم وظن الناس أن الأمر أهم، انتدب جماعة وعزموا على الفتك بأبي جعفر في داره والوثوب ببغداد، ليبادر جيش الأمير إلى منازلهم فيكون هزيمة ويركبهم الديالم.
واتصل خبرهم بأبي جعفر، فوجه بمن قبض على من وجد منهم وأحضر أبو العباس بن عبد الرحمن بن جعفر الخياط، والمعروف بابن أبي الرديني وطلب يمن البري فلم يوجد.
وهرب جماعة ذكروا في هذا الأمر، فوبخ أبو جعفر ابن الخياط وذكره إحسانه إليه وأنكر أنه فعل ذلك، فأمر بحبسهم بعد أن صح عنده أمرهم، فحلم ولم يسلمهم فيقتلوا، وكان هذا من فضله وتوقيه.
وكان ظفره بهؤلاء علامة للإقبال، لأنه أخذهم لليلتين خلتا من ذي الحجة، وهزم الديلمي بعد يومين.
ولقد اجتمعت على أبي جعفر في هذا الوقت أمور، لو اجتمعت على أوسع الناس صدرًا وأشدهم بأسًا وأكملهم شجاعة لبعل بها، ولم يتسع للفكر فيها، وكان يلجأ إلى هرب واستتار، فصبر على ذلك كله واضطلع به، حتى بلغه الله ما أراده وأظفره ببغيته.
منها مجيء الديلم إلى قرب بغداد في الجيش الذي لا يقام لمثله ومعه
[ ٢٦٣ ]
كتب يقرأها على الناس بمكاتبة المتقي لله له يأمره بقصد بغداد، وذلك ما لا يكذب به أحد ممن سمعه لهرب الخليفة، وما أظهره من عداوته للأمير.
فمنها علة الأمير توزون، التي اشتدت في هذا الوقت، فما خرج عن بغداد إلا وهو عليل رقيد.
ومنها قلة المال وأنه لا يرجع إلى شيء معد ولا يقدر على استسلاف من التجار على شيء يرد، ولا مطالبة للمستظهرين منهم، بقرض، لئلا تنفر عامة البلد مع حاجته إلى تسكينهم وإلى الرفق بهم.
ومنها مجيء القرامطة إلى الكوفة يطالبون بمائة وخمسين ألف دينار، وورد المكنى بأبي دلف بغداد مستحثًا لذلك.
ومنها شذوذ الخليفة وتباعده إلى الرقة، يورى الناس أن توزون قد عصاه، وأراد إتلافه فيهرب منه، وأن الترجمان يهتف بذلك ويجاهر به ويكاتب الناس من أهل الشرق والغرب بمعونة الخليفة وإغاثته واستنقاذه.
ومنها أن ناحية ناصر الدولة التي كانت مغوثة بالأموال الموكفة والأقوات الواردة قد أفسدها الخليفة ومن معه، فانقطعت مواردها وغلت الأسعار بها ويئس الجند منها: إلى أشياء بعد هذا لعله لا يجوز ذكرها. فصبر أبو جعفر على هذا كله، حتى كشفه الله لمناصحته، ويمن تدبيره.
ومن أعجب العجب أن قومًا يظنون أنهم يقومون مقامه ويغنون
[ ٢٦٤ ]
غناءه، وأن أعداءه يرجفون به ويحتالون المعايب له. وقد نسوا ما كان منه وما كان يعانيه ويقاسيه في هذا الوقت من الأمور والملابس بها. والله الذي لا إله إلا هو إنه بالرحمة له منها أولى من الاغتباط بها له ولا تعمل إلا على أن واحدًا قام مقامه وفعل فعله، من أين يملك مثل طبعه حتى يجلس سائر نهاره وأكثر ليله، لا يأكل ولا يشرب ولا يتشاغل بشيء من جميع الملاذ التي لا يصبر الناس عن شيء واحد منها، ولا يحجب واحد عنه، ولا ينصرف ذو حاجة أتاه راضيًا إما بقضائها وإما بوعد فيها يقنع به، وإما بولاية يرى نفعها على ما أمله من حاجته وملتمسه، أو تعويض له من ماله، بصدر رحب ووجه طلق وخلق واسع، لا يقدر المتخلق على مثله.
وسل أين من كتب لبجكم وهو في أدنى أمره فبلغ به أعلاه فربى بمعرفته، وتكهل الشاب بخدمته، وشاخ الكهل ولا يعرف غيره. فهو لجماعتهم كالوالد الحدب له هايب طائع.
ومن أين يوجد رجل ما كتب لأحد قط واتصل به إلا علت مرتبته، وزادت حالته وطغى يساره، ثم يكون مفارقته له فيه سبب حتفه وسقوط حاله.
هذا ابن الخال هارون، مازالت حالته متوسطة إلى أن كتب له فبلغ به أقصى ما يبلغه مثله، إلى أن تغير له وفارقه فساق نفسه إلى حينه.
ولقد حدثني بعض أسبابه أن كتاب أبي جعفر نفذ إليه مطلقًا بالرأي عليه بأن يقبل ما كاتبه به الراضي بالله ويرجع ويتركه حتى
[ ٢٦٥ ]
يسعى له فيما يريد على رفق وتأيد فخالف وبادر.
وهذا الأمير بجكم، ما زال وهو يكتب له مصحح البدن بآمن الحال موفر الأصحاب، ما قتل أحدًا من أتباعه ولا أنكر شيئًا من أمره، حتى قبض عليه وصادره، واستكتب غيره. ففسدت عليه حاشيته، وقتل جماعة منهم، وتندم على ذلك، وحالفه سقم في جسمه، فوالله ما قتل إلا وهو مستسقم فاسد المزاج.
ولقد كنت أقول لسنان بن ثابت ما ترى لون الأمير واستحالته والغلظ الذي يشكوه في جوفه؟ فيقول لي لعله يصلح إذا احتمى، قول آيس منه، فما عمره بعد مفارقته له مع تنغص عيشه إلا مديدة.
وهذا الأمير المظفر أبو الوفاء توزون، ما كان أصحابه قبل أن يكتب له يفي عدتهم بثلثي عدتهم في هذا الوقت، ولا نفقاته تفي بنصف بعضه في هذا الوقت، فهو بركة عليه في نفسه وجيشه واتساع نفقاته.
والله يعلم أن ما تحريت بقولي هذا إلا الحق والمناصحة ولا يراني الله - في شيء مما أرويه وأؤلفه - أريد صديقًا لصداقته، ولا رئيسًا لإحسانه، ولا أتزيد على عدو لعداوته، ولما أعتقده من بغضه، ومن لزم الحق سلم في عاجله وآجله، وكان الله ولى توفيقه.
[ ٢٦٦ ]