كان لبني هاشم وثوب في المحرم بإمام الجامع الغربي فخاتلهم حتى صلى
[ ٧٠ ]
ركعتين خفيفتين قرأ في الثانية الحمد وقل هو الله أحد وخطب بكلمات يسيرة، وصاروا من غد إلى الجامع الشرقي فوثبوا بالقاضي وما تركوه يخطب، فانصرف مفلتا من أيديهم، وأمر الوزير أن يفتتح الخراج في هذا الشهر فضج الناس من ذلك. ومات في هذا الشهر أبو منصور ابن جبر النصراني، وما اصطفى بن يعقوب النصراني صاحب بيت مال الخاصة من قبل مؤنس الخادم، وورد تابوت ابن دولة الحسن بن علي ابن محمد بن الفرات إلى بغداد من الشام، وذكرت عنه في ولايات تولاها أمور قبيحة من الظلم. وغرق القاضي ابن كاس فأخرج وبقي أيامًا ومات. وشغب العامة لغلاء السعر في مسجد الرصافة ودخل الجند في طلبهم إلى الصحن فصعدوا إلى السطوح وغتوا الفرسان بالحجارة حتى هربوا وحارب الجند العامة يوم السبت بباب الطاق فأخذ السلطان جماعة فضربهم بالسياط وأدراهم. وأشار الوزير بأن يسعر المكوك من الدقيق بثلاثة دراهم فما نفع ذلك. ونادى بأن يتعامل الناس بالغليظ من الدارهم والممسوح طلبًا للرفق بهم. ووقع بين الحجرية والساجية في صفر خلاف فمشى بينهم قوم فاصطلحوا.
وقلد في هذا الشهر الحسن بن عبد الله من تكريت إلى آمد، وفورق على مال واستقام أمره، وأزيل عنه من بالموصل، ومات في يوم الخميس للنصف من ربيع الأول هارون بن المقتدر بالله أبو عبد الله وكان كاملًا في عقله وأدبه وأظهر الراضي حزنًا شديدًا عليه، وقال لنا هذا على أنه كان يسعى على هذا الأمر ويكاتبه فيه جماعة منهم ابن ياقوت
[ ٧١ ]
وقال لي: كنت أعرف محلك منه أفرثيته بشيء؟ فقلت نعم إنما انتظرت الإستئذان في إنشاده فقال جئني به في غد وأنشدنيه مفردًا، ثم أمر بإدخالي إليه من غد وكنت بكرت قبل حضور أهل نوبتي فأدخلني فأنشدته:
تَعَزَّ يا خَيْرَ الْوَرَى عَنْ أخٍ لَمْ يَشُبِ الإِخْلاَصَ بالَّلبْسِ
كَانَ صَدِيقًا وافِرًا وُدُّهُ صَدَاقَةَ الأَنْفُسِ والجِنْسِ
تَعَزَّ عَنْهُ بِنَبِيِّ الهُدَى مَحَمَّدٍ أُدْخِلَ فِي الرَّمْسِ
وَهُوَ حَبِيبُ اللهِ في أرْضِهِ مؤيَّدًا بالْوَحي والْقُدْسِ
سَمَّاكَ بِالرَّاضي لِتَرْضَى بِمَا تُسْلِفُ مِنْ أَمْرٍ ومَا تُنْسى
قَدْ أَنْذَرَ الدَّهْرُ تَصَارِيفُهُ بِأَلْسُنٍ ناطِقَةٍ خُرْسِ
يُخْبِرُنَا عَنْ مَوْتِهِ كَوْنُهُ بِغَيْرِ إِذْكَارٍ وَلا حَدْسِ
كَانَ نَسِيبًا لإِمامِ الْهُدَى بَالْوُدِّ والألْفَةِ والأُنْسِ
ونِسْبَةُ الجِسْمِ شَتَاتٌ إذَا لَمْ تتآلفْ نِسْبُةُ النَّفْسِ
وَكَانَ فَرْعًا ذَاكِيًا غُصْنُهُ مُهَذَّبًا مِنْ خَيْرِ ما غَرْسِ
وَكَانَ في السُّودَدِ ذَا هِمَّةِ وَكَانَ في النِّعْمَة ذَا غَمْس
أَرْسَى عَلَيْهِ دَهْرُهُ مِثْلَ مَا أَرْسَى عَلَى سَاكِنَةِ الرَّسِّ
[ ٧٢ ]
إِنْ صُرِفَ الدهر إلَى مَضَى عَادَ سُرُورُ النَّاسِ ذَا عَكْسِ
حَوادِثُ الأَيَّامِ شَقَّاقَةٌ تُقَرِّبُ الْمَأَتَمَ بالْعُرْسِ
يَعْتَقبُ الْمَرْءُ بِها حَالُهُ بِوَطْئِهِ الْحَزْنَ إلَى الْوَعْسِ
مَنْ عَزَّ بالدُّنْيَا هَفَا قَلْبُهُ وَعَاد مِنْهُ النُّورُ ذا طَمْسِ
وَزالَ في تَلْوينَها عَقْلُهُ وَغَالُهُ طَيْفٌ مِنَ اللَّقْسِ
مَنِيَّةٌ إِنْ لَمْ تُفَاجِ الْفَتَى كَانَتْ لَهُ بِالسُّقْمِ ذَاتَ مَسِّ
لَهفِي عَلَيْهِ وَقَلِيلٌ لَهُ لَهْفِي وهَلْ يَرْجِعُ لِي أَمْسِ ي
لَهْفِي عَلَى مُنْتَخَبٍ حِلْمُهُ أَرْجَحُ مِنْ رَضْوَى وَمِنْ قُدْسِ
وأَيْنَ الأُولَى كَانُوا شَمُوسَ الْوَرَى لُيُوثَ حَرْبٍ غَيْرَ مَا شُمْسِ
جَرَى عَلَى السُّودَدِ مِنْهُمْ كَمَا شُيِّدُ بُنْيَانٌ عَلَى أسِّ
فافْرِسْ لَهُ صَبرًا يُزِيلُ الأَذَى فَالدَّهْرِ للإِنْسَانِ ذُو فَرْسِ
يَنْعَمُ مِنْهُ جِسْمُهُ تَارَةً ثُمَّ تَرَاهُ جَاسِيَ الْجَسِّ
فَلَمْ تَزْلْ فَوْقَ المُلُوكِ الأُولَى مِنْ عَرَبٍ سَادُوا ومَنْ فُرْسِ
مَنْ لاَ يَرَى حُبَّكَ فَرْضًا فَما أَدَّى فُروضَ اللهِ في الْخَمْسِ
فداؤُكَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَى رَغْمِ عَدُوٍّ لِحَزٍ شَكِسِ
[ ٧٣ ]
فالْخَلْقُ وارد مِنْ رِفْهٍ إلَى الْ مَوْتِ وَذِي عَشْرٍ وذِي خَمْسِ
أَوَّلُهُمْ مَنْتَظِرٌ آخرًّا فَهُوَ عَلَيْهِ الدَّهْرَ ذُو حَبْسِ
حَتَّى يَجِئُوا وَكِفَاتٌ لَهُمْ وَلاَ يُرَى لِلْقَوْمِ مِنْ حِسِّ
وَبَعْثُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَا كُلِّهِ لِخَابِلِ الجِنَّةِ والإِنْسِ
تَخْشَعُ أَصْوَاتُهُمْ خِيفَةً فَلاَ تُنَاجِي بِسَوَى الْهَمْسِ
دَاعِي المَنَايَا خَاطِبٌ كُفْوَهُ كَخِطْبَةِ المْعُتَامِ لِلْعِرْسِ
يَسْمُو إِلَى الأَنْفُسِ فِي قُدْرَةٍ مُنَكِّبًا عَنْ سَاقِطٍ جِلْسِ
تَلْعَبُ بِالْمَرْءِ اللَّيَالِي كَمَا قَدْ تَلْعَبُ الأَقْلاَمُ بِالنَّقْسِ
تُرْضِعُ بالإِنْعَامِ ذَا عزَّةٍ يُقْطَمُ بِالْبُؤْسِ وَبِالتَّعْسِ
تُتْبِعُ نُعَمَاهَا بِبَأْسَائِهَا وَيَعْقِبُ الصِّحَّةُ بالنُّكْسِ
فَالحُرُّ فِيها أَبدًا حَائِرٌ مِنْ سَوْمِهَا الْغَالِي عَلَى مَكْسِ
يُتْعِبُ فِيهَا أَبدًا جِسْمَهُ وإنَّمَا الرَّاحَةُ كاَلخَلْسِ
يَخْدَعُ فِيها بِالْمُنَى نَفْسَهُ وَوافِدُ الْمَوْتِ بِهِ مُرْسِي
يَنْسَى الَّذِي يأَتِي بِهِ صَرْفُهَا والآمِلُ الغَرَّارُ قَدْ يُنْسِي
تَلْبِسُهُ مِنْ طَمَعِ غَفْلَةٌ بِالْمَطْعَمِ المَلْذُوذِ وَالُّلبْسِ
[ ٧٤ ]
فَأَسْلَمَ اللهُ إِمَامَ الْهُدَى فَمَا عَطَاءُ الدَّهْرِ بِالنَّحْسِ
كُلُّ الْوَرَى أَنْتَ وَكُلٌّ يُرَى عَبْدَكَ مِنْ عالٍ ومِنْ نِكْسِ
بَقَاؤُكَ الْفَوْزُ لَنَا وَالْغِنَى نُصْبِحُ فِيهِ مِثْلَ ما نُمَسْي
شَوىً صُرُوفُ الدَّهْرَ مَا لَمْ تُصِبْ فِي الرَّطْبِ إِنْ عَاثَتْ وفِي اليَبْسِ
مَنْ تاجَرَ الدَّهْرَ بِلاَ صَرْفِهِ فَصَارَ مِنْ رِبْحٍ إلَى وَكْسِ
فَأَسْلَمَ الكُلَّ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُرْزَأَ في السُّدْس وفي الخُمْسِ
إِن غَيَّبَ الْبَدْرَ كُسُوفٌ فَقَدْ لاَحَتْ بِسَعْدٍ غُرَّةُ الشَّمْسِ
مَا طَالِعُ الأُمَّةِ يَا سَيِّدِي إِذَا خَطَاكَ الْخَطْبُ بِالْبَخْسِ
فما فرغت من الإنشاد حتى بكا بكاء شديدًا، ثم قال لي أنت كنت حديثتني أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي لما مات أخوه أبو عيسى، وكان أحب الناس إليه: يا محمد حال القدر دون الوطر. قلت له قد كان ذاك، فقال والله ما كان المأمون لأبي عيسى بأشد حبًا مني لهارون ولا أَصح نية فيما روى عنه. ودفن هارون في داره بقرب الجسر، وحضره يومه الوزير والقواد، وكل نزع سيفه ومنطقه إلى أن دفن بعد العصر وانصرفوا فقال بعد ذلك: لولا أني لا أدرك ثأري لقتلت بختيشوع الطبيب، سقى أخي هارون درهم سقمونيا حتى قتله ورمى بكل ما في جوفه! وإن كان المشئوم ما تعمد ذلك، ولكنه أعمى القلب،
[ ٧٥ ]
قصير العلم بليد الفكر، مرزوق في أيامه، محظوظ.
وأشاع الناس بأن ابن رايق يريد الصعود من واسط إلى بغداد ولحقه الناس من بغداد، فظن الساجية والحجرية أن ذلك بمكاتبة الراضي.
فتكلموا في ذلك فكتب إليه لا تجيء ووجه بما كرد وينال وعبد الله بن علي كاتب نسيم، يناشدونه في مقامه وقدموا من عنده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الآخر.
ومات في هذا الوقت علي بن العباس النوبختي وقد قارب ثمانين سنة وكان حسن الأدب والشعر وكان ابنه الحسين يكتب لابن رايق ويدبره أمره. وقد شيخ هاشمي من سر من رأى يقال له إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى فحدث واجتمع إليه، وذكروا أنه ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان عنده علو إسناد مفقود في وقته، الموطأ عن مالك عن أبي مصعب الزبيري وروى عن أبي سعد الأشج وعبد الجبار بن العلاء العطار. فتكلم الناس في سماعة والتهبت له سوق ثم طفئت ورجع إلى سر من رأى.
واستحق الساجية والحجرية، فطالب الوزير مياسير التجار بأموال يعجلونها، ويكتب لهم بها سفاتج فاستتروا. وضرب ابن جبير الدقاق، وأخذ منه مال وأمر منكان ينزل بسور المدينة أن ينتقل لتباع المنازل.
ووجه الحسن بن عبد الله بمائة كر دقيقًا، يفرق بسر من رأى وبغداد على الأشراف والضعفى ففرح به الناس وصدرت زواريق كثيرة للتجار فصلح السعر. وبلغ الحجرية والساجية أن بدرًا الخرشني
[ ٧٦ ]
والمؤنسية والرجالة قد عزموا بأمر السلطان، فتنكروا لهم فخرج بدر ومن معه إلى الصحراء يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من جمادى الأولى وقالوا كيف صار الساجية والحجرية يأخذون المال وقت استحقاقهم ونحن نؤخر بقسم المال بيننا! وصار الحجرية والساجية إلى الحلبة وأقاموا بها واستظهر السلطان بعض الاستظهار ببعض اليلبقية والهارونية وغلمان أم المقتدر. ثم إن الحجرية والساجية أخرجوهم عن الدار، وصار الخرشني إلى مسجد الجامع بالرصافة فضرب خيمة هناك وتبعه جعفر بن ورقاء ولؤلؤ وغيرهم.
وكان الراضي قد اختص جعفرًا وشاوره فحسن أثره في رأيه وفضله. وقال الساجية والحجرية للراضي: قد أشاع الناس أنا محاصروك فأخرج فصل الجمعة بالناس ليزول ذلك. فخرج فصلى بالناس في مسجد الدار، وما علم به الناس. وقال للحجرية وللساجية أنتم خاصتي وثقاتي، وسفر جعفر بن ورقاء بين الناس فأصلح الأمر.
ووعد الناس بأن الخليفة يصلي بهم في الجمعة الثانية فما تخلف أحد، وما كنت أنا علمت بصلاته أول جمعة فحضرت في الثانية ووجدت إسحاق بن المعتمد حاضرًا فدخلنا المقصورة وخرج الراضي فعلًا المنبر ووقعت عينه علينا فخطب فأوجز ونزل وصلى بالناس فقرأ سورة الجمعة في أول ركعة وفي الثانية سبح اسم ربك الأعلى أتم قراءة وأحسنها ودخل وانصرفنا. فابتدأت أعمل شعرًا أصف فيه
[ ٧٧ ]
خطبته، فوافتني رقعة بخطه وفيها: أبقاك الله يا محمد قد لحظك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق قريب مني، غير بعيد عني فعرفني على تحري الصدق واتباع الحق كيف ماسمعت وهل تهجن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع ذلك في لفظه أو إحالة في معناه جاريًا فيه على عادتك في حال الإمرة غير مقصر عنها للخلافة إن شاء الله فكتبت إليه جواب الرقعة بعد أن أتممت القصيدة.
أمير المؤمنين أدام الله دولته وأطال في الملك مدته أجل خطرًا وقدرا، وأسنى مجدًا وفخرًا. وأوسع خاطرًا وفكرًا من أي يبلغ خاطب خطابته أو يروم بليغ بلاغته أو يدرك فيها واصف صفته إلا بما تناله طاقته وتبلغه غايته.
ولما وصل إلى عبده سؤاله عن حسن ما وعاه وسمعه وجليل ما حفظه ولقنه من كلامه في خطبته وتصرفه في حسنه عجز عن بلوغ كنهه لسانه ولم يؤده شرحه وبيانه ففزع في وصف ذلك إلى قول من كان أقوم بوصف مثله وأشد استقلالًا به وأحسن أداء له وهو حسان بن ثابت في وصف كلام جده عبد الله بن عباس نضر الله وجهه وصلى على روحه فإنه قال فيه:
إذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ بِمُنْتَظِمَاتٍ لاَ نَرَى بَيْنَهَا فَصْلا
كَفَى وشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ لِذِي إِرْبَةٍ فِي الْقَوْلِ جِدًّا وَلاَ هَزْلا
يَقُولُ مَقَالًا لاَ يَقُولُونَ مِثْلَهُ كَنَحْتِ الصَّفَا لَمْ يُبْقِ مِنْ غَايَةٍ فَضْلا
[ ٧٨ ]
وقد عمل عبد أمير المؤمنين أبياتًا في وصف ذلك جعل أمام مدحه تشبيبًا لم يخله من تشبيه مبتدع ومعنى منتزع، إذ كان الأمر قد تقدم إليه أن يجعل ذلك في صدور قصائده، وأوائل مدائحه وهو يأمل أن يقع من استحسان سيده بحسب تفضله عليه، واصطناعه أياه والأبيات:
أَسُرُّكِ يَا مُنَايَ وَلاَ أَسُوكِ وأَنْفِي بِالْهَوَى عَرَضَ الشُّكُوكِ
وأَحْمِيكِ الَّذِي تَخْشِينَ مِنْهُ كما يَحْمِيكِ مِنْ عَارٍ أَخُوكِ
لَقَدْ بُلِّغْتُ فِيكِ مَدَى الْمَنَايَا وَما بَلَغَتْ مَدَى عَشْرٍ سُنُوِكِ
أرَى الْهِجْرَانِ مِنْكِ يُحِيلُ صُبْحِي وَمَا أَذْنَبْتُ لَيْلًا ذَا حُلُوكِ
وَدَهْرُ الْوَصْلِ يحكْيِ لِي رَبِيعًا يُشَابِهُ نَبْتُهُ خَلَى الْهَلُوكِ
رِياضٌ نُمْرِجُ الأَلْحَاظُ فِيهَا مَنَوَّرَةُ الأَعالي وَالسُّمُوكِ
بَهَارٌ قَدْ حَكَى الْعُشَّاقَ لَوْنًا عَلَى قُضُبٍ حَكَتْهُمْ في النُّهُوكِ
وَوَرْدٌ مِثْلُ خَدٍّ مِنْكِ رَاضٍ جِوَارَ فَمٍ تَبَسَّمَ عَنْ مُسُوكِ
وَيَضْحَكُ أَقحُوَانٌ فِيهِ يَحْكِي لَنَا ثَغْرًا تَكَشَّفَ عَنْهُ فُوكِ
تَطَلَّعَ بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنَ هَذَا شَقَائِقُ مِثْلُ أَعْرَافِ الدُّيُوكِ
مَدَاهِنُ مِنْ عَقِيقٍ نَظَّمَتْهَا يَدَا خَرْقَاءَ وَاهِيَةِ السُّلُوكِ
حَلَفْتُ بِغُرَّةِ الرَّاضِي فإِنِّي أَرَاهُ حَقِيقَةً فَوْقَ الْمُلُوكِ
[ ٧٩ ]
بأخَّاذٍ لِمَا يُرْجَى ألُوفٍ وعَيَّافٍ لِمَا يُخْشَى تَرُوكِ
عَبُوسٍ في انِتْهَاكِ الْمُلْكِ فَظٍّ وطَلْقٍ في مَذَاهِبِهِ ضَحُوكِ
نَهُوضٍ بِالْخُطُوبِ إِذَا اعْتَرَتْهُ فَرَامَا هَبَّةَ السَّيفِ الْبَتُوكِ
عَشِيقُ الْمُلْكِ جَاءَ بِلاَ كِتَابٍ يُرَجَّى الْوَصْلُ مِنْهُ وَلاَ أَلُوكِ
فَمَنْ للْبُخْلِ يُمْسُك ما حَوَاهُ فَمَا هُوَ بالْبَخِيلِ ولاَ الْمَسُوكِ
أَجَلُّ النَّاس آرَاهُ وَعلْمًا مَقَالٌ لَيْسَ يُقْرَنُ بِالأُفُوكِ
وَمَا أَحْياهُ منْ سُنَن تَعَفَّتْ فَدَارَ صَلاَ حُهَا دَوْرَ الدَّمُوك
رَكُوبٌ للْمَنَابِرِ سَارَ قَصْدًا إلَيْهَا وَهِيَ حَائِرَةُ السُّلُوكِ
فَذَكَّرنَا مَقَالٌ مِنْهُ فَصْلٌ مَقَالَ الْمُصْطَفَى بِحِرَى تَبُوكِ
فأَطْلَعَ مِنْهُ شَمْسُ الْمُلْكِ سَعْدًا وَكَانَتْ نَحْسَةً بِشَفَا الدُّلُوكِ
لأَعْتَمِدَنَّ سَيْرَ الْمَدْحِ فِيهِ بإِرِقَال يَبَرُّ عَلَى الرُّتُوكِ
أَحُوكُ مِنَ الْقَصَائِدِ وَشْيَ مَدْحٍ تُفَضِّلُهُ عَلَى الْوَشْيِ الْمَحُوكِ
لَقَدْ فَتَكَ الزَّمَانُ بِسُوءِ حَالِي فَأنْقِذْنِي مِنَ الزَّمَنِ الْفَتُوكِ
فتأخر الجواب عني بيومين، ثم وافت رقعة يقول فيها قد استحسنت الشعر غاية الإستحسان، ورأيتك تكلفت فيه ما لا يجب عليك من لزوم الواو في أرداف القافية ورأيت المدح مليحًا قد وقع كله في
[ ٨٠ ]
القسم ورأيت في صدر الأبيات في نهاية الحسن، تقدمت فيها كل من وصف ما وصفت، وخاصة بيت البهار لتشبيهه شيئين فيه. وقد تأملت البيت الأخير وأنفذت إليك في هذا الوقت ما تبنى به المنهدم من حالك، إلى أن تنجلي الهبوة التي نحن فيها إن شاء الله. ومع الرقعة صرة ديباج مختومة بخاتم راغب الخادم، فيها ثلاثمائة دينار.
وتنكر الساجية والحجرية للوزير، بعد أن صالحوا الخرشني، ورجع الجميع إلى منازلهم، وانحدر الوزير إلى دار السلطان بأرزاقهم، فعرفهم أن لا مال عنده، فوثبوا به وقبضوا عليه، والسلطان يراهم. فوثب ودخل وأمر راغبًا يتسلم الوزير ويكون في يده، وأن لا تجري جناية عليه. ونهب الناس داره ودار ابنه الملاصقة لداره، وطرحوا فيها النار، ونهب جماعة من كتابه.
وأحضر أبو علي عبد الرحمن بن عيسى في هذا اليوم، فولى الوزارة وهو يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة من جمادى الأولى بعد أن عرض السلطان الوزارة على علي بن عيسى واستعفاه فأعفاه.
وكان من العجائب المشهورة أن دار ابن مقلة أحرقت في مثل اليوم الذي أمر فيه بإحراق دار سليمان بن الحسن بباب محول، وفي مثل ذلك الشهر بينهما حول كامل، وظهر في عشية هذا اليوم سليمان ابن الحسن والخصيبي
[ ٨١ ]
واستوحش الخرشني الساجية والحجرية. وتحول فنزل دار الحسن بن هارون، وشغل عن العامة فعاثوا، ثم صار إليه جماعة من الحجرية فحلفوا له أنه واحد منهم فرضى ورجع إلى داره وكتب على حيطان ابن مقلة:
أحْسَنْتَ ظَنَّكِ بِالأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَالْمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا وَحِينَ تَصْفُو اللَّيالِي يَحْدُثُ الْكَدْرُ
وتحته صنع بدارك مثل ما صنعت بدار سليمان.
وحول ابن مقلة إلى دار الوزير أبي عبد الرحمن، فأحسن إليه وسلمه إلى هنكر وما كرد ليكون في أيديهما، ويناظره سليمان في الأموال بحضرتهما في يوم الأحد لثمان ليال بقين من جمادى الأولى في دار النوشري بقرب الحبس.
واتصل بالسلطان أن أبا الفتح بن ياقوت قد حبب جماعة محمد الأولياء وحملهم على الفتك بالخليفة والبيعة لأخيه عبد الواحد، فقبض عليه بين يدي الخليفة، وثب به الخدم وحبسوه في حجرة لأربع ليال بقين من جمادى الأولى. وصرف الخرشني عن شرطة بغداد لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وولوا كاجو الجانب الغربي، وجعل الجانب الشرقي إلى أبي الفتح تتج الحجري وأخيه أبي الفوارس سخرباس شركة بينهما.
وناظر سليمان ابن مقلة وانفرد له ابن الحارث فلقى ابن مقلة منه
[ ٨٢ ]
عنتا وأعطى خطه بمال يقال إنه ألف ألف دينار، عنه وعن جميع أسبابه، أربعمائة ألف دينار منها معجلة ثم لم يحمل شيئًا فحرك السلطان علي بن عيسى وأخاه الوزير في ضمان ابن مقلة، فوجها بالخصيبي فقرر الأمر على نحو الأول، على أن تقوم ضياعه وتؤخذ، وينجم الباقي في سنتين.
وعز الخبز والدقيق فلم يوجد أيامًا ببغداد، ووقع في الناس طاعون عظيم فتفانوا ببغداد وما سواها. وضرب الخصيبي ابن مقلة ضربًا مبرحًا، وأحاله على جماعة منهم ابن المغلس الفقيه فاعترف بخمسة آلاف دينار عنده لابنه أبي الحسين وأمر بحملها فحملها، ومات في تلك الليلة من سكتة عرضت له، وكان فقيهًا على مذهب داود جدلًا موسرًا، وذلك لأربع خلون من جمادى الآخرة.
وفي هذا الشهر رخصت الأسعار، وبلغت الساجية والحجرية أن السلطان على الخروج إلى الموصل. فقالوا هذه حيلة علينا، وقالوا لجعفر بن ورقاء هذا عملك ثم بطل ذلك.
وتوفي يوم السبت لأربع خلون من رجب أبو محمد العلوي الرملي ﵀، ولو قلت إني ما رأيت أفضل منه في دينه وزهده وكرمه، لما خفت إثما. ودفن ببراثا وكان من لم يلحق الصلاة عليه يصلي على قبره أيامًا.
وطلب سعيد بن عمرو بن سنكلا - عند ابي الحسن علي بن عيسى وعند أخيه أبي علي - ما كان يجده عند غيرهما فعز ذلك عليه ولم يستحلا
[ ٨٣ ]
أن يمدا إلى أموال الناس، فحمل الراضي على عزلهما، فقبض على عبد الرحمن يوم الاثنين لست خلون من رجب. وخلع على أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي وولى الوزارة، وكانت مدة أيام عبد الرحمن خمسين يومًا، وسلم ابن مقلة إليه ليناظره، ووجدت له خزانة في دار ريطة فيها ذهب وفضة ومتاع يساوي نحو مائتي ألف دينار وقبض على أبي عبد الله بن عبدوس وصودر على مائتي ألف دينار، فتكلم سعيد بن عمرو في حطيطته والوزير يخالفه حتى شرق الأمر بينهما، فكان ذلك سبب زوال الكرخي وأدى ثمانين ألف دينار وأطلق. وصودر علي بن عيسى وأخوه، وصرفا إلى منازلهما من دار الوزير، ومات أبو بكر بن مجاهد القارئ يوم الجمعة للنصف من شعبان، ولم ير مثله ولا أرى هو مثل نفسه في علمه وخلف مالا صالحًا وورد تابوت جحظة من واسط، وكان شخص إلى ابن رايق. فيا بعد ما بين الأثنين، على أن جحظة كان أحذق الناس بصناعته، وكان له شعر صالح، وكان يروي أخبارًا عمن رأى، ومات أيضًا قريض المغني، غلام محمد بن داود في هذا الوقت.
وقبض على عبد الله بن يونس، وعلي ابن شبيب وطولبا بأموال فلم يوجد عندهما ماظنه من يسعى بهما، فأخذ الساعي بابن يونس مال وكان كالشريك له. وصودرا على شيء يسير وأطلقا. وصودر ابن مقلة في شهر رمضان على مائة ألف دينار فإذا أداها أطلق، وضمن المال عنه ابن قرابة وحوله إلى داره. وتحقق ابن قرابة بأمر الوزير
[ ٨٤ ]
الكرخي وغلب عليه، وورد الخبر في شهر رمضان بقتل ياقوت قتله غلمان اللوش البربري فاضطرب الحجرية فوجه الراضي يحلف أن ذلك قد ساءه، وما كان له إِذن. وضج الحنبلية فيه من أمر ابن شنبوذ، فحمل إلى دار السلطان ونوظر، والسلطان يسمع من وراء حجاب وتاب وحبس، واستتر الوزيرالكرخي يوم الاثنين لثمان خلون من شوال وأحضر سليمان بن الحسن فخلع عليه للوزارة وانصرف إلى منزله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال.
وفي هذا الشهر مات المعروف بزنجي الكاتب، وكان مقدمًا في الكتبة مذ أيام أحمد بن محمد بن الفرات وهو الذي اصطنعه، وكان كاجو وينال انحدر إلى ابن رايق فوصلهما ورجعا ثم انحدر كاجو وما كرد وتكنجور وصافي قواد الساجية، وانحدر معهم أبو جعفر بن شيرزاد والحسن بن هارون وأبو بكر بن الصيرفي انحدروا بخلع السلطان على ابن رايق ليكون أمير الأمراء، فوافت الأخبار إلى بغداد يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة بأن ابن رايق قبض على قواد الساجية فحبسهم وحبس معهم الحسن بن هارون، وتقطع أصحابهم وفروا وسلبوا ونهبوا.
وورد كتاب ابن رايق يعتد على السلطان بقتله أعداءه المارقة الطغاة قرئ على المنابر، ووافى بغداد لؤلؤ غلام المتهشم واليًا الشرطة من قبل ابن رايق، فتسلم يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة وبث خلفاءه فيه وعزل تتج وسخرباس، ودخل ابن رايق بغداد يوم السبت
[ ٨٥ ]
لست بقين من ذي الحجة، وخلع عليه ونزل في الحلبة في دار السلطان وطالبه بالخروج إلى واسط ليتم تدبيره ويريحه من الحجرية. وورد خبر الطير من فاتك بأن صغار الساجية قصدوا داره لكبسها واستخراج قوادهم منها، وأنه رمى إليهم برءوسهم واستبقى الحسن بن هارون وصافيا وكان ابن رايق أنفذ محمد بن يحيى بن شيرزاد وقت قبضه على الساجية إلى بني البريدي في اشياء بينه وبينهم.