دخل أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد بغداد يوم الأحد لست خلون من المحرم مقبلًا من واسط واستكتب أبا عبد الله الكوفي
[ ١٤٥ ]
واستخلفه، ووافى قوم من الموسم فأخبروا بتمام الحج وسلامة الناس.
وخلع على أبي محمد بن أبي الحسن القاضي، لقضاء المدينة لعشر خلون من المحرم، وكان ابن أبي موسى السبب في ذلك وغرم من ماله أربعة آلاف دينار أو نحوها، وهذا والله يدل على علو همته. وانحدر ابن شيرزاد إلى واسط، وكان جاء ليشير بانحدار السلطان فوعد بذلك.
ومات زيرك الخصي غلام القاهر فدفن في دار اشتريت له بالرصافة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أحسن الناس خدمة للراضي، وكان له موقع عظيم منه، وأقطعه أقطاعًا منه البستان المعروف بالشقيعي وأعطاه من المال والطيب والجوهر بمقدار موضعه منه، فاغتم عليه غمًا عظيمًا. فصاعد الخليفة إلى باب الشماسية، فسكن دارًا اشتراها ابن سنكلا من ورثة اصطفى وركب فطاف كالمتفرج من الغم الذي ناله، وكان يقول: مات في مائة يوم قاضيّ وصاحب رأيي وخادمي الكافي خدمتي، وأمر فصب في دجلة أربعمائة دن للشراب العتيق الذي بقي من أيام المعتضد والمكتفي وكان لا يشرب إلا منه فحرص أبو الحسن بن أبي عمرو الشرابي على ألا يفعل ذلك - وكان مكينًا عنده قريبًا من قلبه، لطيف المحل يحضر في كل وقت، كنا أو لم نكن وربما شاوره وخلا به، وإنه لموضع لذلك عندي - فما قبل ذلك منه، وندم بعد ذلك على صبها، وما كان والله الراضي ممن يذهب عليه هذا ولكن اضطرب رأيه، وكثر ضجره، لفساد مزاجه، وكثرة علله،
[ ١٤٦ ]
فكان سنان بن ثابت - وكان قد لزمه، حتى جالسه معنا، وأكل وشرب بين يديه في آخر أيامه - يقول لي إذا رأي أخلاقه متغيرة، ما أحسن قول جالينوس: مزاج الروح، تابع لمزاج البدن، وأنا أفرد لهذا بابًا إن شاء الله.
وقد بجكم أبا بكر النقيب إلى الراضي ليخبره بما عزم عليه، ويعفيه من الخروج إليه، فقدم فدخل إلى الراضي ليلة الاثنين، وانحدر الراضي يوم الاثنين لتسع بقين من المحرم إلى داره.
وجمع بجكم الكتاب ليعملوا أعمالًا للأموال في النواحي، وكانت حيلة منه فلما اجتمعوا قبض على ابن شيرزاد وعياله، وقبض النقيب يوم الاثنين بحيلة على طازاد وأبي الحسن أخي أبي جعفر وأسبابهما وعلى علي بن هارون الجهبذ اليهودي، وكان القبض بواسط وبغداد في وقت واحد.
ودخل الكوفي بغداد غرة صفر للنظر في الأموال، وهو كاتب بجكم وصودر ابن شيرزاد عن نفسه وكتابه وعماله على مائة ألف وخمسين ألف دينار فتسلم أبن سنكلا طازاد وضمن ما عليه وهو خمسة آلاف دينار. وصودر ابن المشرف وابن أخيه ثابت على نيف وعشرين ألف دينار وعني ابن سنكلا وعلي بن يعقوب بطازاد بالبصرانية وعرض هذا على بجكم فكرهه وأثقله، وزاد على ابن شيرزاد مائة ألف دينار.
وقبض على أبي بكر الصيرفي صاحب الجيش، وعلى أبي أيوب السمسار
[ ١٤٧ ]
وأخذ منهما عشرة آلاف دينار، ولم يؤخذ لابن الصيرفي مال وشهد الناس بثقته فأطلق، وقبض على جعفر بن ورقاء لأيام خلت من صفر فلم يترك له عين ولا ورق ولا دابة ولا مركب ولا فرش ولا آلة إلا بيع في مصادرته، على أنه يعول مائتي نفس وله معروف وكرم. وأنكر الترجمان على ابن خشيش المحتسب حيلة على جارية في دار ابن بنان الخلال حتى اخذ حليًا وثيابًا، وذاك أنه دس من استعار منهم بيتًا وجعل فيه آلات لضرب الدراهم المعمولة، ثم كبسه فضربه وأطافه على جمل من الجانبين، وكانت قصته فيما فعل قبيحة جدًا.
وكتب الكوفي على ابن شيرزاد صكاكًا بأملاكه لبجكم، فتسلم ما كان بالقرب منها. وأخذ من علي بن هارون اليهودي بعد عذاب عظيم مائة ألف وعشرة آلاف دينار، ثم قتله بجكم بعد ذلك بمديدة، واجتمع للكوفي مال فأنفذه إلى واسط مع الترجمان من المصادرة وغيرها، قيل إنه أربعمائة ألف دينار. وجاءت بنو تميم لكبس الأنبار، فرجع الترجمان إليهم من واسط ففارقهم على أن يثبته لمحاربة البريدي. وقلد لؤلؤ طريق خراسان مكان ابن ورقاء وخلع عليه لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، وطالب الكوفي الحسن ابن عبد العزيز بنحو مائتي كر بلغه أنه نقلها قبل مواقفة العامل وباعها، فقاطعه عنها على خمسة آلاف دينار وعزله عن الصلاة وولى مكانه أحمد ابن الفضل بن عبد الملك، وكان حقد عليه أنه أسمعه في أيام ابن رايق وقال له أنت ابن ذكرويه.
[ ١٤٨ ]
انقضت الحوادث إلى غرة ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وفيه توفي الراضي بالله وأنا أذكر وفاته بعد إتمامي وأذكر مختار شعره. كان الراضي في آخر أيامه قد تغيرت أخلاقه وأفعاله التي ما كان أحد على مثلها في فضله وعقله وكرمه وأدبه وما اتهم في ذلك إلا ما قاله لي سنان من علته، وكان قد تغير لجميع الجلساء حتى ساوى بنا من لم يكن يساوينا عنده، وزاد الأمر حتى فضلهم علينا. وخص عبثه بإسحاق بن المعتمد وبي إلا أن إسحاقًا لثقل سمعه كان لا يسمع أكثر ما يمر، وكنت أنا أسمع ويكثر الخطاب لي وكنت أحتمل ضرورة، ولما أوجبه الله علي وربما أطلعت حجة تغيظه إذا زاد الأمر علي فيغضي عنها لكرمه لولا أنه كان أحسن الناس وفاء وأتمهم حلمًا وكرمًا، لظننت أنه سيمنعني من الوصول إليه، وكان يمدحني إذا غبت ولا يفعل ذلك إذا حضرت ولقد حدثني بعض الخدم أن أحمد بن يحيى المنجم ثلبني يومًا عنده فقال له أمسك عن هذا ولا تنظر إلى ما أفعله فإني أريد بما أجري إليه إصلاحه لي كم أريد، فقال له فلو قومه سيدي بحجته عنه أيامًا. فقال قد هممت بذلك فخفت أن ينسبني الناس إلى قلة وفاء لقد خدمته لي، ولأنه حبب إلي الأدب وسنى لي قول الشعر وعرفني نقده وتعب معي فيه. ومع ذلك فيقال إذا حجب مثل الصولي فماله رغبة في الأدب، حدثني بذلك بعض الخدم قال فما سمعناه يعيد ذكره عنده. وكان يقول لي أبو الحسن بن أبي عمرو الشرابي لا يغمنك ما يجري فلا والله ما عن كراهة ولا بغض، ولكنه من عبث الملوك بمن يحبون من عبيدهم
[ ١٤٩ ]
وخدمهم، وكان أبو الحسن البريدي يقول لي مثل هذا ويقول العروضي، ما بان لي أن أحدًا كان آثر عنده مه. وكان إذا أراد عرض كتاب يسره أو غير ذلك أدخلنا جميعًا حتى يفرغ مما يريد ثم يدخل الباقين، على أنه ما سلم أحد منهم في عبثته، غير أني كنت مخصوصًا بذلك في حضوري، ولقد ذكر يومًا بعض مشايخ أهل البيت من ولد الحسن ﵇ فشتمه فنظر بعض أصحابنا إلى بعض ثم ضحكوا وقمنا، فرجعت فقلت يا سيدي يمسي مالًا يمس أحد مثله، وهؤلاء إن ضحكوا بين يديك فإنهم يضمرون ويحكون، ويحفظون الذي ذكره سيدنا أمه فلانة بنت فلان، وأبوه فلان بن فلان فقال استغفر الله وقد أحسنت.
وكان أول تغيره أنه كان يعيب غناء ابن طرخان ويحكيه ويذمه ويحلف أنه لا يحسن شيئًا وإن ذودة الزطى الطنبوري أحسن غناء منه ويدخ ذودة بحضرتنا وغير حضرتنا ويصله، فلم يزل به إلى أن أحضر ابن طرخان وغلب عليه وستحسن غناءه، حتى صار يجلسه بين أيدينا ويصل بصلات ويخصه بها ويلقى على ستارته الأصوات التي يستحسنها ثم زاد الأمر حتى وصل الجلساء ليلة الفطر ولم يصلني ولا وصل إسحاق فأما إسحاق فألقى نفسه على راغب وبكى، حتى أمر له بنصف ما أمر لكل واحد ممن وصله، وأما أنا فأمسكت، وشرب بعد ذلك فوهب لجميعهم معرقة معرقة إلا لي وللبريدين، وكان يجفوهما كثيرًا. ووهب لهم قدحًا قدحًا من البلور ولم يهب لي مثلهم. ووعدني أن
[ ١٥٠ ]
أنسخ له أشياء ويصلني لها كعادته، وكان لا يعجبه أن لا ينظف في شيء إلا بخطى فلما تغيبت وفرغت منه لم يعطني شيئًا، فعملت شعرًا ودخلت ف صبيحة الليلة التي أمر لهم فيها بما أمر مع الغداة فأنشدته:
قُل لِلْخَلِيفةِ تِرْبِ الْعِلْمِ والأدَبِوأَفْضَلِ النَّاسِ مِنْ عُجْمٍ وَمِنْ عَرَبِ
ومَنْ أَجَلَّ إلهُ النَّاسِ رُتْبَتَهُ حتَّى علاَ وهَوَى الأملاكُ في صَبَبِ
قَدْ كان لِي مَوْعِدٌ في النَّسْخِ لَمْ أَرَهُوفاتَنِي القَدَحُ الْمَحْفُوفُ بِالطَّرَبِ
وحازَ صَحْبِي دُنِي طِيبَ مَعِرقَةٍ لِباسُها أَفْخَرُ الأنْسابِ والحَسَبِ
وليْلَةُ الفِطْرِ أَبْقَتْ لِي حزازَتُها نارًا تَرامى عَلَى الأحشاءِ باللَّهَبِ
فَجازَنِي بِرُّ مَوْلىً كان يَبْدَأُنِي كأَنَّنِي ناقِصٌ فِي رُتْبَةِ الأدَبِ
أَلَمَّ بِي طَيْفُ حِرْمَانٍ فَأَرَّقَنِي فَبِتُّ مُعْتَنِقًا للْهَمِّ والكُرَبِ
هذَا عَلى خِدمَةٍ مَا ذُمَّ سالِفُهَا ودَوْلَةٍ لِي فِيها أَوْكَدُ السَّبَبِ
وأنَّنا نُقَباءٌ شاعَ نَصْرُهُمُ نُلْقِي أَعادِيكُمُ في الحَرْبِ بِالحَرَبِ
ويَوْمَ مَرْوانَ أُفرِدْنا بِمَشْهَدِهِ والفَخْرِ فِيهِ بِنَصْرِ السَّادَةِ النُّجَبِ
مقالَةٌ تُوردُ الأخْبارُ صِحَّتَها مَوْجُودَةٌ فِي رِواياتٍ وفِي كُتُبِ
إن كانَ ذلِكَ مَزْحًا مِنْ إمَامِ هدىً فَحَبَّذا هُوَ مِنْ مَزْحٍ وَمِنْ لَعِبِ
[ ١٥١ ]
وَسَوْفَ يأْتِي سَرِيعًا مِنْهُ لِي عِوَضٌ كَمَا أَتاهُمْ بِلا كَدٍّ وَلاَ تَعَبِ
فَالْعَيْشُ إن كانَ هذَا عَنْ خَبِيٍّ رِضًاوالمَوْتُ إن كانَ كُلُّ الْمَوْتِ عَنْ غَضَبِ
رَأَيْتُ وَجْهَ الرِّضَا أَعْلَى لطَالِبِهِ مِنَ الصِّلاتِ إذَا تُوبِعْنَ وَالرُّتَبِ
لا تَجْعَلَنِّيَ نَهْبًا للْهُمُومِ فَقَدْتَرَدَّدَ الظَّنُّ بَيْنَ الرَّغْبِ والرَّهَبِ
أَقُولُ قَوْلَ امْرِئٍ صَحَّتْ قَرِيحَتُهُمَا زَالَ فِي الدَّهْرِ ذا كَدْحٍ وذَا دَأَبِ
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الآدَابَ في عُصَبٍ حَظًَّا وصَيَّرَها غَيْظًا عَلَى عُصَبِ
ومِثْلُ شَكْوَى حَكِيمٍ عَضَّهُ زَمَنٌ كما اشْتَكَى غَارِبٌ مِنْ عَضَّة القِتْبِ
أَفْضِلْ عِنانَكَ لاَ تَجْمَحْ بِهِ طلَبًا فلا وعَيْشِكَ مَا الأرْزاقُ بِالطَّلَبِ
قَدْ يُرْزَقُ المَرْءُ لَمْ تَتْعَبْ رَواحِلُهُويُحْرَمُ الرِّزْقَ مَنْ لَمْ يُؤْتَ مِنْ تَعَبِ
مَا أَصْعَبَ الفَقْدَ لِلْعَادَاتِ مِنْ مَلِكٍتَقْدِيمُهُ فِي الْعَطَايَا أَشْرَفُ الرُّتَبِ
لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ صَبْرًا عَنْ مَحاسِنِهِونَشْرِهَا فِي الْوَرَى أمْعنْتُ فِي الْهَرَبِ
ما لِي إذا لَمْ أَفُزْ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍوَعَوْدِهِ بِالرِّضَا في الْعَيْشِ مِنْ أَرَبِ
إنِّي لآمُلُ مِنْهُ حُسْنَ عَطْفَتِهِ فالحَظُّ مُقْتَسِمٌ وَالدَّهْرُ ذُو عُقَبِ
حَتَّى يُبَيِّضَ وَجْهِي مُذْهبًا حَزَنِيبِالبَذْلِ لِلْفِضَّةِ الْبَيْضاء والذَّهَبِ
كعادَةِ الدَّهْرِ فِي تَقْدِيمِهِ أبدًا رَضَعْتُ مِنْهُ بَدَرٍّ طَيِّبِ الحلَبِ
[ ١٥٢ ]
فَقَدْ سَبَقْتُ بِمَدْحٍ فِيهِ فُزْتُ بِهِ صِدْقٍ إذَا مُدِحَ الأمْلاكُ بِالْكَذِبِ
فَاسْمَعَ لِمَدْحٍ يَلَذُّ السَّمْعَ مُنْشِدُهُلا تَجْعَل الرَّأْسَ فِي الأَشْعَارِ كَالذَّنَبِ
مُشَبَّهٌ لَفْظُهُ فِي حُسْنِ مَذْهَبِهِ بِلَفْظِ شِعْرٍ بِنَارِ الحُسْنِ مُلْتَهِبِ
يا مَنْ يُحَمِّلُ ذَنْبَ الرَّاحِ شَارِبَهَاأَقْبِلْ بوَجْهِ الرِّضَا فِي ساعة الغَضَبِ
لا وَالَّذي أَنْتَ مِنْهُ نِعْمَةٌ مَلأَتْ عُرْضَ البِلادِ وحَلَّتْ حَبُوةَ النُّوَبِ
ما فِي عَبِيدِكَ إِنْ فَتَّشْتَ أَمْرَهُمُ أَقَلُّ مِنِّيَ فِي رِزْقِي وَفِي نَشَبِي
يا من يحمل ذنب الراح، هو بيت له من أبيات كانت تعجبه، فضمنت أنا هذا البيت ومدحته على وزن الأبيات وقافيتها.
ومن ذلك ما ظهر منه في آخر أيامه عند موت زيرك القاهري، ثم عرف حالة ما خلف، فقال ارفعوه إلى فلان يتصدق به، فلما رأى فلان ذلك هاله واستعظمه، فوجه إليه ما أحسن أن أمس شيئًا من هذا دون أن تراه، فوجه إليه أنا أعلم به منك فبعه وتصدق بثمنه. فوجه إليه: هذا ليس لمثله مشتر إلا أمير المؤمنين أو الملوك من عبيده، فقال بعه وتصدق بثمنه عنه ولا تراجعني. فقال لي بعض الجلساء - وقد حدثنا الخدم بهذا - أتراه يأمل اجتماعًا معه في الآخرة حتى يخدمه! فقلت له حسبك من الكلام في هذا، فقال والله ما تكلمت حتى أبْلُغَ مُنىً وزعم الخدم أنه خلف عينًا وورقًا وطيبًا وجواهر وبلورًا وثيابًا ودواب وسروجًا ومناطقَ بقيمة مائة وخمسين ألف دينار فما أخذ منها إلى العين والورق وكانا أقله.
[ ١٥٣ ]