وكان الناس قد سروا بولاية أبي بكر النقيب محمد بن جعفر، فنادى برفع المؤن واشترط ذلك، فلما استهل شهر المحرم طولب بسنة اسكورج فعقد على إبراهيم بن شمحور الفروقي الجانب الشرقي والصحراء والأبواب بسبعة آلاف درهم في كل شهر.
وتضمن محمد بن محمد تازى البيض وأعماله بثلاثة آلاف درهم، وعقدت الشرقية وما فيها من الأعمال على أحمد بن جعفر المعروف بابن الشرطي بثمانية آلاف سوى الاستثناءات فإنها خمسة آلاف درهم وضمنت دجلة والماصر الأعلى بخمسمائة دينار، وعقد القيار بألفي درهم، فصار الجميع نيفًا وثلاثين ألف درهم في الشهر.
فلقي الناس من ذلك عنتًا، وتعرم أصحاب الارياع والمصالح على الناس، والنقيب كاره لذلك لا يعرف مثله.
وكثرت الكبسات، ووثق اللصوص بالمصانعات والغرم، فكبسوا الناس ليلًا ولم يهابوا نهارًا، واجتمعوا فكان يوافي دار الرجل المقصود جيش اللصوص بالليل بالسيوف والنشاب، لو حوربوا لما وفاهم القليل.
واستلب كيس رجل يعرف بغلام ابن الأبواري الصيرفي مع المغرب، وفيه خمسة آلاف دينار ليلة الجمعة لأربع بقين من المحرم وكان الكيس على رأس حمال، فصاح الرجل والحمال، فرماهم الناس
[ ٢٧٦ ]
بالآجر، ورماهم اللصوص بالنشاب، فتفرقوا عنهم، وبادروا ناحية دار علي بن عيسى، ونزلوا الشط إلى سميريات أعدت لهم، فأقر حارس الموضع أنهم أصحاب المعروف بابن بغرة النازل بدار الترجمان، في قصر عيسى، فأخذوا فأقر بعضهم أنه دفع المال إليه، وجحد هو أن يكون يعرف ذلك، وتعصب له بعض الأتراك وطاح المال.
وكان رجل يعرف بممراج استأمن من عسكر البريدي ومعه من اللصوص البطارقة الحذاق جماعة، فصار يخدم في دار أبي جعفر هو وأصحابه، يكبسون الناس ليلًا ويعترضونهم في دجلة ويجتمع هو وأصحابه وكاتبه البصراني المعروف بسكباج لعنه الله، على النفقات والقيان والأنبذة والفسق.
وكان معه كلابزي قواد وكان مع زباشي التركي كلابزي مثله، فتغايرا على قحبة وأعان كل واحد صاحبه، فجرت بينهما حرب وأمور قبيحة، ثم كانت خطوب، وقتل ممراج هذا والحمد لله.
وظهر سعيد بن داود المسيحي، وعاد أخوه إلى خدمة الأمير والتطبب له، وكان طيبه قديمًا وذلك في المحرم.
ووجه ناصر الدولة بأبي عبد الله الحسين بن سعيد أبي العلاء مع غلام أبي بكر بن مقاتل إلى الشام، في جيش كثيف بعد أن أزاح عللهم لمحاربة ابن طغج ودفعه عن الشام، فمضى حتى تجاوز حلب فلقيه جيش ابن طغج الأخشيذ فهزموه وأسروا رجاله وغنموا أمواله، وولى هاربًا في قلة يريد الرقة، فلما شارفها تقدم الخليفة المتقي لله بغلق أبوابها،
[ ٢٧٧ ]
ومنعه من دخولها فأقام أيامًا.
ووجه إلى الخليفة برسالة غليظة فأذن له ووبخه على تسريحه لقتال من لم يأمر بقتاله.
ووافى ابن طغج في أثره فخرج ابن عمه سيف الدولة وقد كان ابن عمه تنحى عن الرقة فأعطى المتقي لله مالًا وفرق على جميع من معه مالًا على أقدارهم، فأمسك بذلك أرماقهم، ولولا فعله ما كان بهم نهوض ثم رجع ابن طغج إلى حلب فيقال إنه أعطى الخليفة مائة ألف دينار سوى الآلة والثياب.
ووجه إلى الوزير بثلاثين ألف دينار، وإلى الحاجب أحمد بن خاقان بعشرة آلاف دينار، هذا تأدى إلينا ولم نشاهده.
وزاد غلاء السعر على الناس فشغبوا في الجانب الغربي يوم الجمعة وتكلموا بالعظائم، ومنعوا الإمام الصلاة، حتى انصرف أكثر الناس، ثم صلى الإمام بمن بقي صلاة خفيفة.
وخرج الأمير أبو الوفاء إلى البثق بنهر عيسى، ومعه قواده، ومال من خاص ماله مؤملًا سده، وذلك في أول المحرم فأقام أيامًا عليه، واجتهد هو وأبو جعفر في النفقة، وإطلاق المال. ثم إن الله ﷿ لن يأذن في ذلك، فحمل الماء أكثر العمل، واغتم الأمير لذلك غمًا شديدًا.
ولما وصل كتاب الحسن بن هارون إلى المتقي لله بما صنع، وجه المتقي لله بأحمد بن عبد الله بن إسحاق القاضي من الرقة إلى الأمير أبي الوفاء المظفر لتوكد الإيمان عليه، وموافقته على شرائط شرطها له،
[ ٢٧٨ ]
ويشهد عدوله عليه، ووجوه الهاشميين.
فوصل القاضي إلى بغداد يوم الخميس، لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ففعل جميع ما تقدم به المتقي لله إليه، وكان قد وجه معه بخلع، وطوق ذهب، ليخلعها على الأمير إذا فرغ ما بينه وبينه، ففعل هذا كله إلا أمر الخلع.
وأمر الأمير بعمارة دار الخليفة، وبناء ما استهدم منها، وكان يركب بنفسه حتى يشاهد ذلك ويعاينه، وكان في الرسالة أن يخرج الأمير إلى واسط، فقال: هذا لا أجيب إليه، يعمل على أبي ابن طغج إذا قرب من بغداد خرجت وتلقيته، وأزلت كل ما في نفسه، فإذا صار في داره أمرني بما شاء حتى أفعله، وإن خرجت ولم أره كنت عند الناس عاصيًا! وامتنع من أن يلبس الخلع بحضرة الخليفة إذا رآه، وكتب القاضي إلى الخليفة بإحكامه له جميع ما أراد، وأشار عليه بالمبادرة إلى الحضرة.
وعظم أمر اللصوص، وكبس الناس في منازلهم وقتلهم، وأخذ أموالهم.
فولى الأمير أبو الوفاء الطوف رجلًا أعجميًا، وضم إليه جماعة فأفرط في أمر الطوف، وجرى إلى أشياء عظيمة، حتى تمنى الناس أنهم أعفوا منه.
ووجه الأمير بقوم من أصحابه، فأمرهم أن يكبسوا أهل الريف من النباذين والقوادين، وتعطيل ما يجري من أمر النباذين بدار الروم
[ ٢٧٩ ]
بالجانب الشرقي، ونسب ذلك إلى الجاثليق، وان له عليهم قائمًا، وأنه يرسل أهل نحلته فيعوز بهم، وصادره على خمسين ألف درهم بوساطة طازاذ وابن سنكلا، وعطف بعد ذلك على النباذين والقوادين، فحبس منهما وعاقب، وسكن أمر البلاء قليلًا.
وانكسف القمر ليلة السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وغاب كله.
وتحدث الناس بمجيء الخليفة المتقي لله إلى هيت، وخرج القاضي الخرقي إليه فعرفه جميع ما جرى، فسكن إلى ذلك ورجع القاضي إلى الأمير يعرفه فدخل بغداد يوم الثلاثاء للنصف من صفر.
وركبت مع أبي جعفر في الطيار، فأعلم الأمير أنه يتلقى الخليفة بالأنبار، فقدم الأمير الطيارات إلى باب الشماسية، وقال للقاضي تعبر بالخليفة من المزرقة وهي قرية بأعلى قطربل بفرسخين، حتى يدخل بغداد من الماء، ونصب الناس القباب بباب الطاق، وأخرج الأمير توزون أثقاله وجماله إلى باب الأنبار، وخرج يوم الأربعاء، وأقام في الطريق وسار يوم الخميس.
ولا والله ما سمعت بأعجب من أفعال المتقي لله كلها، أول خطئه، وتركه الرأي، وركوبه العوز: تركه دار مملكته، وخروجه عنها برأي الترجمان وأشباهه لغير سبب أوجب ذلك. ولا اضطرار دعا إليه. والأمير توزون إلى وقته ذاك مطيع له تابع لما يشتهيه، عالم
[ ٢٨٠ ]
مع ذلك أن الصواب والرأي غير ما تكلفه.
فمن ذلك: أن الأمير أقام بواسط، ليستنطف الأموال بها، فكتب إليه: دع كل شيء، وصر إلي، ولعن الله المال! فراجعه فألح عليه فقدم، فخلع عليه وأمره. وأشار الأمير عليه أن يصالح بني البريدي إذ كانوا قد ظفروا بمجيئه بكثير من المال. وقال: نستعجل الأموال منهم، ونحن على أمرنا بعد ذلك. فخالفه، وقال لا بد من محاربتك لهم، وإزالة أمرهم، وكان رأي الأمير صوابًا، في هذا فترك الرأي ولم يخالفه.
وانحدر هذا بعد أن قد كان كتب قبل ذلك بالإيقاع بسيف الدولة ليريحه الله هو بذلك من ناصر الدولة ببغداد، ولكرم الأمير توزون وحسن عهده، ما ترك سيف الدولة حتى جاء لأسباب دعاها له، ولو أراده ما فاته، ثم ما عامله من الخروج عن بغداد يرى الناس أنه فزع منه، وأن الأمير عاص له.
ثم ما حمل ابن حمدان عليه من محاربته مرة بعد مرة، على كراهة ابن حمدان للحرب، كل ذلك طمعًا من المتقي في إزالة الأمير عن مرتبته.
ومنها أنه كاتب صاحب خراسان يستنجده عليه، والأخشيذ بن طغج بمثل ذلك، كل هذا هو فيه ظالم للأمير توزون، ثم إقباله بعد ذلك حتى وضع يده في يده، ظن أن الأمير هو حدث أعجمي نسى هذا كله، والله لو فعل الرشيد هذا بالمأمون في حلمه وعقله، وهو
[ ٢٨١ ]
ابن له ما احتمله!.
وأعجب من ظنه بأنه لا ذنب له ونسيانه ما فعله: ذهاب الرأي عن جميع من معه ممن يدبره، وما ذهب على العقلاء، ولا على أهل الرأي. فلقد رأوا الذي فعله الأمير بالرأي قبل كونه.