مات في المحرم منها إبراهيم بن خفيف، صاحب ديوان النفقات وتقلد موضعه محمد بن يحيى بن شيرزاد، وتقلد الزمام عليه سعيد بن عمرو بن سنكلا. وفي الشهر ظهر ابن خزابة بعد استتار، وصودر على مال كثير، وضج الناس من غلاء السعر، وكان الخبز قد صار إلى أربعة أرطال بدرهم، وأظهر قوم من بني هاشم المصاحف وشكوا الجوع.
ومات إبراهيم بن حماد لسبع خلون من صفر، ودفن إلى جانب قبر إسماعيل بن إسحاق.
واحتبس القطر فنادى السلطان بخروج الناس للاستسقاء، فخرج
[ ٦١ ]
أهل الجانبين في يوم الأحد لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول، وخرج الناس الأئمة فصلوا بالناس ودعوا وانصرفوا.
ووافى كتاب قاضي اصبهان لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول بقتل مرداويج. وكان السبب فيه أنه جعل عسكره صنفين صنف منهم جيل وديلم وهم خواصه وأهل بلده الذين فتح بهم الري ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخص نفرًا من الأتراك فوجد الديلم من ذلك وعاتبوه عليه، فقال إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتي وأنا بكم ولكم، فبلغ ذلك الأتراك فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين في خدمته ووكدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، فقتلوه في حمام، وجاءهم الذي واطأوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار، وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا فقالوا نجعل علينا رئيسًا فرضوا ببجكم وأخذوا من داره مالا عظيمًا وآنية فضة وذهب، وكان قد تكبر وتجبر ووضع التاج على رأسه مكللًا بأحسن الحب والياقوت وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصعًا بجوهر وقال أنا أرد دولة العجم وأبطل دولة العرب، وصار بجكم والغلمان الذين معه إلى ابن رايق قبله أحسن قبول، وغمره بالإحسان وخلع علي غلام الراشدي بحمص وأعمالها.
وقبض السلطان على ابن شنبوذ لما رفع عليه من قراءته بما لا يجوز، وشهد عليه بشهادات فأحضر دار ابن مقلة وحضر ابن مجاهد
[ ٦٢ ]
وجماعة من القضاة والفقهاء فنوظر، فتاب ورجع عن رأيه فكتبت رقعة نسختها: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ إني كنت أقرأ حروفًا تخالف ما في المصحف المنسوب إلى عثمان ﵀، الذي اتفق عليه أصحاب رسول لله صلى الله عليه وعلى تلاوته، ثم بان لي أن ذلك خطأ فأنا منه تائب وعنه مقلع وإلى الله منه برئ، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه.
وكتب بخطه في أسفل هذه الرقعة:
يقول محمد بن أحمد بن أيوب ما في هذه الرقعة صحيح وهو قولي واعتقادي، أشهد الله على ذلك ومن حضر، وقد كتبت هذه بخطي فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين أطال الله بقاه في حل وتبرئه من دمي.
وكتب يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر في سنة ثلاث وعشرين وذلك كله في مجلس الوزير أبي علي.
ودعا الأئمة في يوم الجمعة بالجانب الشرقي والغربي بعد دعائهم للراضي لابن ياقوت وقرظوه فبلغ ذلك الراضي فأنكره وأمر بأن يقلد مكان أبي عمر حمزة بن القاسم من ولد العباس بن محمد على الصلاة بجامع الجانب الغربي أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن المنصور ويعرف بابن بريه، وأن يقلد مكان أبي الحسن أحمد بن الفضل بن عبد الملك من ولد العباس بن محمد أبو بكر
[ ٦٣ ]
محمد بن الحسن بن عبد العزيز على الصلاة بالجامع الشرقي، وأن يقلد أخوه الصلاة بجامع السلطان.
وشغب المؤنسية في طلب الأرفاق وقطعت الجسور وأرجف الناس بابن ياقوت أنه قتل فركب في الجانبين وأزال الإرجاف بركوبه وسكن الناس.
وتوفي احمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب عمر بن شبة بالبصرة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر.
وقبض على محمد بن ياقوت يوم الاثنين لست خلون من جمادى الأولى، وعلى كاتبه أبي إسحاق القراريظي وعلى نجاح كاتبه على الجيش فقبض من ابن ياقوت على رجل كامل في عقل وعلم وشجاعة وصيانة وعفاف.
واجتمع الحجرية والساجية فقالوا: لا نرضى بأن يكون بدر الخرشنى واليآشرطة بغداد فسفر بينهم وبين بدر ورفق بهم حتى رضوا به بلغ السلطان أن أبا الفتح بن ياقوت يضرب الحجرية والساجية على الراضي، ليفتكوا به وتوقع البيعة لبعض إخوته فقبض عليه وهو بين يديه يخاطبه وكل بدوره فلم تنهب وحمل ما فيها ليلًا إلى دار السلطان.
وخلع الراضي على غلامه ذكي للحجبة يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الأولى وغضب صغار الحجرية لابن يانوت وقالوا يناظر بحضرتنا فإن وجب عليه شيء وإلا أطلق فداروهم حتى سكتوا وأمر بقبض ضياع ابني ياقوت، وحمل القراريطي على دار الوزير وأخذ خطه
[ ٦٤ ]
بمال قيل أنه ثلاثة ألف ألف درهم أو أقل.
ومات ابن المشبع الشيعي، وكان يروى عن عمر بن شبة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى. وفي جمادى الأولى خلع على أبي الحسين علي بن محمد لخلافة أبيه، وزاد أمر الحنبلية في هذا الوقت ونهبوا دكاكين بباب الشام لأن البربهاري مضى بعود أمر عبد الله بن أحمد بن حنبل وعاثوا في مربعة شبيب فأنكر السلطان ذلك وأمر بطلب الدلاء وابن رمضان فلم يوجدا.
وكان النوروز لثمان خلون من رجب، ووجه الراضي إلى أخيه العباس وأحضره الدار مع طائفة منهم أبو القاسم كاتب نازوك ثم أخرج العباس بين الظهر والعصر، وحضر الوزير والقاضي عمر ابن محمد وحضرنا، فكتب القاضي كتابًا بيده ولم يكتبه الوزير. وقال للقاضي في هذا شروط أنت بها أحذق وعليها أقوم. فكتب كتابًا حسنًا عن حلف العباس ومن معه، أنه ما نكث ولا خرج عن طاعة.
وفي آخر جمادى ولى أبو العلاء سعيد بن حمدان أعمال ابن أخيه الحسن بن عبد الله فنفذ في خف من الجيش فأنزله دارًا لهَ لما صار إلى الموصل وأطمعه في التسليم إليه، ثم قبض عليه وقتله غلمان الحسن وعظم ذلك على الوزير، وأصلح آلة للخروج، وحلف أنه لا بد له من أن يوقع به أو يصير إلى الحضرة، ويؤدي عشرة ألف ألف درهم.
وقبض على علي بن عيسى يوم الأربعاء لأربع بقين من رجب، جاء راغب الخادم فحمله إلى دار السلطان، ثم صاعد به إلى دار الوزير،
[ ٦٥ ]
وأخذ خطه بخمسين ألف دينار.
وكان الأَصل في هذا أن الراضي زعم أن ابن حمدان الحسن وجه إليه بخمسة آلاف دينار على يد ابن طليب الهاشمي، ليوصلها إلى الراضي، فلم يفعل ذلك، فكان الراضي بعد نكبة علي بن عيسى يحلف أن عليًا اختان الخمسة الألف، فكنت أقول له لو تأمل سيدنا هذا من أين وقع وأن عليًا لا يمد عينه إلى خمسة آلاف دينار، وهو أبعد الناس عن هذا، وكنت أحدثه عنه بما أقدر إزالة ما وقع بقلبه، فلا يقبل إلى أن ضرني ذلك عنده وسعى بي قوم من الجلساء إلى الوزير فانحرف عني بعد ميل، وحرمني بعد إعطاء.
وكثر ضجيج بني هاشم في شكوى الضر وسودوا وجوههم ومنعوا الإمام يوم الجمعة بالجانب الغربي من الصلاة فصلى بعد جهد مخففًا للخطبة.
وتوفي آخر رجب أبو عبيدة القاسم بن إسماعيل المحاملي المحدث ودفن بمقابر الدير. ووجه الوزير إلى منازل أبي الفرج بن حفص وولده فكبسهم فيها، وطلبهم فلم يوجدوا فهدم دورهم وجمر نخيلهم، ونقل ما وجد لهم من الأثاث، وكان ذلك لرقعة زعموا وجدت فيها ابن حفص للوزير وجماعة معه بمال خطير.
وخرج الوزير مصاعدًا إلى الحسن بن عبد الله لخمس خلون من شعبان، ومعه خلق من الحجرية والقواد، واستخلف على الحضرة ابنه أبا الحسين، وأطلق علي بن عيسى إلى منزله بعد أدائه المال، وانحدر
[ ٦٦ ]
إلى ضيعته بالصافية لأيام خلت من شعبان، وانتقل والده إلى الصافية جمال بغداد، ومن لا يرى الناس مثله. ومات نسيم البشراني الخادم للنصف من شعبان فأمر الراضي أن يرد ما كان إليه إلى كاتبه أبي عمرو فأبى أن يقبل ذلك إلا برئيس من الخدم يكون الاسم له، وحشم الشراب ومن يخدم فيه مضمومون إليه، وهو يكفي الخدمة فجعل الراضي ذلك إلى زيرك الخادم القاهري.
وفي هذا الشهر خرج مفلح الأسود إلى بيت المقدس أشير عليه بذلك لكراهة الراضي مقامه بالحضرة، ولعهدي به وقد دخل ليودعه وهو يبكي ويضطرب. ويقبل الأرض. ويشكو أن فراقه لمولاه كفراقه لحياته. والراضي يقول هذا وجه كنت تحبه، وحيث ما كنت فأنت لي وقريب مني وعنايتي تلحقك. ثم خرج على كره منه.
وورد الخبر بدخول الوزير إلى الموصل أول يوم من شهر رمضان على اختيار عمل له. ومات أبو عبد الله بن المهتدي لليلتين خلتا من شهر رمضان، وكان قد حدث وكان فقيهًا مشهورًا، له حلقة يجتمع إليه الناس، وفي هذا الشهر قطعت يد رجل في ناحية بشرى المؤنسي وطيف به في الجانبين، ونودي عليه هذا جزاء من يسعى في الأرض فسادًا لأنه اتهم جماعة من الحجرية كانوا يجتمعون في دار له بدرب النهر لبيعة يوقعونها، فقرر وضرب فقال أنا مقتول، فلم أوقع غيري فمني ووعد العفو فابتدأ يقر، فذكر جليلًا من الحجرية، وأراد أن يذكر غيره، فأمر الراضي بترك سؤاله وقال: ما حاجتي أن أفسد
[ ٦٧ ]
بيات قوم إذا عرفتهم لم أجد من ينصرني عليهم ويعاونني لعلمهم بوقوفي على أمرهم فقيل له لا يذكر أحدًا وهذا من جيد رأي الراضي، وكان قد حفظ عني أن المأمون لما قتل ابن عائشة وجد في منزله قماطر فيها مكاتبات بعض الجندله، فجلس وأحضرها وجمع الناس، وقال: أنا أعلم أن فيكم المستزيد والعاتب، وإن نظرت في هذه الكتب فسدت عليكم وفسدتم علي، وقد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأمر فأحرقت القماطر وأسفرت وجوه القوم واستصيب رأيه.
ووقع بالكرخ حريق عظيم في شوال أحرق العطارين والصيادلة وأصحاب المدهون والخزازين والجوهريين، وكان عظيمًا، وقبل ذلك بقليل وقع حريق دونه في أصحاب الحناء والأشنان فآثاره باقية إلى وقتنا هذا، ما رد إلى حالته لما يتزايد في خراب البلد.
وانصرف الوزير من الموصل ولم يبلغ ما أراد فأقام بالبردان لثلاث بقين من شوال لنقضي كسوف الشمس، وكان لليلتين بقيتا من شوال ثم دخل في أول ذي الحجة وخلف بالموصل علي بن خلف بن طياب على الخراج، ويانسًا المؤنسي على الحرب.
ووافى في هذا الوقت جميع من كان مع محمد بن خلف زوج أخت ابن الحواري بالخيل مفلولين هزمهم الديلم، فيهم ابن عمرويه وابن الفارقي.
وولى لؤلؤ طريق مكة، وكان غلامًا للمتهشم فخرج بالناس فلقيهم القرامطة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة،
[ ٦٨ ]
بطيزناباذ فقاتلهم اشد قتال، إلى أن خذله أصحابه وأصابته ضربات فطرح نفسه مع القتلى ثم دب ليلة الخميس إلى أن صار إلى الكوفة فاستتر. وكان من انقضاض الكواكب في ليلة الأربعاء التي قطع على الحاج في صبيحتها، فلم يفلت منهم أحد ما لم يعهد مثله بالكوفة وطيزباذ موضع الوقعة وكان عندنا ببغداد من ذلك ما لم نر مثله ولا سمعنا به قط واستؤسر ابن حاتم، وكان قد تقدم في قافلة الخوارزمية فقتلوا كلهم وصار إلى القرامطة ألفًا جمل عليها أصناف البز والأمتعة وأفلت القراريطي من حبس الوزير وتحدث الناس أنه أطعم الموكلين طعامًا فيه بنج.
وأحضر الراضي جعفر بن المكتفي فحبسه لشيء بلغه عنه ثم أخرجه إلينا مرات نسائله ونخاطبه، وأرسلت إلي والدته تسألني الكلام عنه فما بقيت غاية أنا والجلساء في ذلك حتى أطلقه، وذلك لما أوجب الله ﷿ على من حق المكتفي، واصطناعه إياي وإحسانه إلي، وكثر الضجيج ببغداد لما نال الحاج ووثب العامة بأصحاب المعاوز في الطرق والمساجد، ونال الراضي من ذلك أمر عظيم، وصام أيامًا وكان يقول: لو كان لي مال كمال المكتفي حين فعل ذكرويه بالحاج ما فعل، فطلبه بالجيش والأموال حتى قتله لما رضيت والله إلا أن أخرج بنفسي إلى البحرين. ولكن ما حيلتي في جند مستحثين، قد ملكوا الأمر دوني وعوز مال، وانخراق هيبة إلى الله أشتكي وبه استنصر.
والحجرية والساجية يعيبونه كل يوم حتى يجلس لهم مرات بالليل
[ ٦٩ ]
والنهار لا يريده أحد منهم فيحتجب عنه. وصودر أبو يوسف كاتب أم جعفر المقتدر بالله، على أحد وعشرين ألف دينار، وحمل الحسن ابن هارون مالًا، وحمل جماعة منهم مصانعة عن أنفسهم، ووافى الحسن بن عبد الله من الموضع الذي كان صار إليه فولى نقيطًا المؤنسي نصيبين وقلد الديلمي القائد الذي كان معه بلد لأن من كان بالموصل لم يتجاوزها.
وأحضر في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة القاضي عمر بن محمد ومعه أبو أيوب السمسار فنظرا إلى ابن ياقوت ميتًا لا أثر فيه، وأنه مات حتف أنفه وصلى عليه آبو أيوب ودفن في مقبرة لهم في الشارع الأعظم فوق سوق السلاح. ومات أحمد بن محمد البستانبان المحدث وكان ينزل عند دار ابن الحواري، وولد سنة أربعين ومائتين وكان حافظًا للحديث في ذي الحجة.
وفي ذي الحجة طولب أبو الحسين علي بن محمد البريدي بمال فصودر على مائة ألف دينار عن جماعتهم نصفها معجل ونصفها مؤجل.
وأرجف الناس بأنه يسعى للخصيبي بالوزارة فطلب وكبست مواضع بسببه وجرد كاتبه ابن رمكة ليضرب من أجله فحلف أنه لا يعرف مكانه.