وتوفي الراضي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وغسله أبو الحسن بن عبد الواحد الهاشمي وقد ولي القضاء. فحدثني أنه ما رأى ميتًا أحسن منه ولا أطيب عرضا ولا أنظف جسدًا منه، وأنه كان يصب الماء عليه خادم أسود وأن القاضي أبا نصر كان واقفًا يعينه على قلبه إذا أراد أن يقلبه لا يعينه من أمره على غير ذلك، وأنه لم يؤت بحنوط من الدار لأن الخزائن كلها أقفل عليها، وكل بها فوجه القاضي إلى الكرخ إلى المعروف بابن أبي ذكرى العطار، حتى حمل من دكانه حنوط وجميع ما يحتاج إليه، وصلى عليه القاضي أبو نصر وحمل في طيار في دجلة إلى بين القصرين.
وأخرج ثم حمل مع الخدم إلى الرصافة. فحدثني من رأى مع الجنازة عشر شمعات بأيدي عشرة من الخدم، ودفن في ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. فكان جلوسه في الخلافة من يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة إلى يوم وفاته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.
وكان مولده في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، فكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر.
وتوفي والوزير له سليمان بن الحسن، وحاجبه أبو الفهم ذكي غلامه. وقاضيه أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد، وصاحب شرطته
[ ١٨٣ ]
الترجمان محمد بن ينال، والأمير على الجيش، والغالب على الأمور بجكم التركي، وكان قبل وفاته مقيمًا بواسط، وكانت به علل كثيرة، وكان يقول أنا مذ حبسني القاهر عليل إلى وقتي هذا وتزايدت علته قبل وفاته بسنة وفسد مزاجه، وكان ذلك أصعب علله. وكان يلقي من فمه دمًا كثيرًا، حتى ألقَى من فمه في يومين وليلتين - على ما قال سنان - أربعة عشر رطلًا، وكان أكثر ذلك بحضرتنا.
ولقد أعطاه سنان دواء يأَخذهُ بملعقة فبقيت الملعقة في يده ساعة، كلما أومأ بها إلى فيه غلبه الدم، حتى أمسك قليلًا فرمى بما على الملعقة على فيه، ثم عاوده الدم. وكان هذا في جوفه غلظ تزايد في آخر أيامه. وكان كثير الخلاف على من يطبه، لا يقبل مشورته، ويضمن أن يحتمي ولا يفي بضمانه وكان الجماع والشراب أعظم آفاته مع عشاء يديمه كل يوم إلى غير حاجة إليه، وهذا ما ذكرت من أخباره أنه لم يكن فيه عيب إلا مسامحته نفسه فيما يشتهيه، وما كان أكله بالكثير ولا شربه، ولكن شهوته زادت على طاقة جسمه وقوته.
ومن شعره عند زيادة علته.
أَيا نفْسُ كُونِي بَعْدَ عِلْمِكِ وَالْفَحْصِعَلَى حَذَرٍ وَارْضَيْ مِنَ الْكُلِ بِالشِّقْصِ
ثِقِي وَاعْلمِي أَنَّ المَماتَ مُعَجَّلٌ إلَى كُلِّ ذِي زَهْدٍ عَزُوفٍ وَذِي حِرْصِ
وَلا تَطْلُبي حالَ التَّمامِ فَإِنَّهُ إذا تَمَّ المَرْءِ آذَنَ بالنَّقْصِ
[ ١٨٤ ]
ومن شعره:
كُلُّ صَفْوٍ إلى كَدَرْ كُلُّ أَمْرٍ إلى حَذَرْ
ومَصِيرُ الشَّبابِ لِلْ مَوْتِ فِيهِ أَوْ كِبَرْ
دَرَّ دَرُّ المَشِيبِ مِنْ وَاعِظٍ يُنْذِرُ الْبَشَرْ
أَيُّها الآمِلُ الَّذِي تاهَ فِي لُجَّةِ الغَرَرْ
أَيْنَ مَنْ كانَ قَبْلَنا ذَهَبَ الشَّخْصُ وَالأَثَرْ
سَيُرَدُّ المُعارُ مِنْ عُمْرٍ كُلِّهُ خَطَرْ
رَبِّ إنِّي ذَخَرْتُ عِنْ دَكَ أَرْجُوكَ مُدَّخَرْ
إِنَّنِي مُؤْمِنٌ بما بَيَّنَ الْوَحْيُ وَالسُّوَرْ
واعْتِرافِي بِتَرْكِ نَفْ عِي وَإِثارِي الضَّرَرْ
رَبِّ فاغْفِرْ لِيَ الخَطِيَّ ةَ يا خَيْرَ مَنْ غَفَرْ
تمت أخبار الراضي بالله، يتلوه أخبار المتقي
[ ١٨٥ ]