وأما الكهان بعد الطوفان (٢) إلى خراب مصر فكثير، وأول من تكهن بمصر بعد الطوفان ابن فليمون كان قد ركب السفينة مع أبيه وأخيه وأخته وهي التي زوجها من ينصو بن حام، وهم الذين خرجوا إلى مصر وكانوا موحدين على دين نوح ﵇، ولم يكن اسم الكهانة عندهم عيبًا، بل كان الكاهن كالحاكم الذي لا يعصى له أمر.
وأول من تحقق بالكهانة، وغير الدين وتعبد الكواكب البودشير بن قفطويم بن ينصو بن حام، وكان ملكًا بعد أبيه، وذكره جميع الكهنة في مصاحفهم.
فانه كان من أجل كهانهم، وممن عمل النواميس العظام، وأقام أصنام الكواكب وبنى هياكلها.
وتزعم القبط ان الكواكب خاطبته وأنه عمل عجائب كثيرة، منها أنه استتر عن الناس بعد سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتاُ بعد وقت مرة في كل سنة وهو وقت نزول الشمس في برج الحمل، ويدخل الناس اليه فيخاطبهم ويرونه، ويأمرهم بما يعملونه وينهاهم ويحذرهم مخالفة أمره، وكان
_________________
(١) ١) جميع الزيادات عن ت. ٢) خبر الكهان بعد الطوفان. (*)
[ ١٣١ ]
يجلس لهم في بعض أوقات السنة فيخاطبهم عند دخولهم عليه، وينهاهم وهم لا يرونه.
والمكان الذي يكلمهم منه غير خفي عنهم، ولا يعد منهم، ثم بنيت له
قبة من فضة مموهة بالذهب وزخرف ما حولها، وكان يجلس لهم في أعلى القبة في صورة الوجه العظيم، فيخاطبهم، بمثل ما كان يخاطبهم، وكان يجلس لهم في أعلى السحاب بوجه في صوره إنسان عظيم، فأقام كذلك مدة ثم غاب عنهم فلم يروه.
وأقاموا برهة ليس لهم ملك، إلى أن رأوا صورته في هيكل الشمس عند دخول الشمس الحمل، وأمرهم أن يقلدوا الملك لعديم بن قفطويم وأعلمهم أنه لا يعود إليهم، ففعلوا ذلك.
وأما بديرة (١) الكاهنة فانها امرأة من أهل بيت الملك، يقال إنها أخت البودشير، وأنه القي إليها الكهانة فهي [التي] عملت اكثر الطلسمات والبرابي، وهي التي عملت القبطية (٢) الناطقة بمنف.
وكانت الكهانة في أهلها وولدها يأخذونها كابرا عن كابر، وهي التي حكى المصريون عنها أنها عملت طلسمات منعت الوحوش والطيور أن تشرب من النيل فمات اكثرها عطشا.
وأن الله تعالى أرسل اليها ملكا فصاح بها صيحة ارتجت لها الأرض [وتشققت جبالها] (٣) فماتت من تلك الصيحة [ويقال انها كانت تطير في الهواء والملائكة تضربها بأجنحتها إلى أن سقطت في البحر] (٣) .
وأما شؤون الأشموني فيقال انه هرمس الاول، الذي بنى بيت التماثيل الذي
_________________
(١) ١) في ت ندورة، وفي بعض كتب التواريخ تدورة. ٢) في ت: الاصنام، وهي الصواب. ٣) زيادة عن ت. (*)
[ ١٣٢ ]
يعرف بها مقدار النيل الذي عند جبل القمر وعمل للشمس [هناك] (١)
هيكلين (٢) .
وتحكي القبط عنه حكايات كثيرة، تخرج عن العادة، وتنكرها العقول، فكان يخفى عن الانسان فلا يرونه وهو معهم، وهو الذي بنى الاشمون.
ويقال إنها مدينة في شرقي مصر كان طولها اثني عشر مبلا وجعل عليها حصنا بنى فيه قصرًا عظيمًا [يقال إنه بنى أنصنا واتخذ فيها] الاعلام والملاعب.
واتخذ في سفح الجبل مدينة يقال لها طهراطيس (٣) وجعل فيها من العجائب شيئا كثيرًا، وجعل لها أربعة ابواب من كل جهة باب واحد، وجعل على الباب الشرقي صورة عقاب وعلى الباب الغربي صورة نسر (٤) وعلى الباب الجنوبي صورة اسد وعلى الباب الشمالي صورة كلب وملك (٥) فيها الروحانيات وكانت تنطق إذا قصد اليها القاصد ولا يصل احد إلى الدخول فيها دون استئذان الموكلين بها وغرس فيها شجرة تحمل كل صنف من الفواكه.
وبنى منارا طوله ثمانون ذراعا وعلى رأسه قبة تتلون في كل يوم لونا حتى تنقضي سبعة أيام بسبعة الوان ثم تعود إلى اللون الاول وتكسي المدينة ذلك اللون وجعل حول ذلك موضع ماء فيه سمك كثير، وجعل حول المدينة طلسمات من كل صنف تدفع عن اهلها المضار.
وكانت أيضًا تسمى مدينة البوسق (٦) باسم الشجرة المنصوبة فيها.
_________________
(١) ١) زيادة عن ت. ٢) في ب: هيكلين. وفي ت: هيكلا. ٣) في ت: وعمل في الجبل الشرقي مدينة، ويقال لها أو طبراطليش. ٤) في ت: صورة ثور. ٥) في ت: واسكن. ٦) في ت: اليوس. (*)
[ ١٣٣ ]