وهي صاحبة جو واليمامة، سميت بها، وصاحبة البحرين، وقيل ان امها كانت كاهنة، وكان لها رئي (١) من الجن وهي من جديس، وكانت جديس وطسم بمكان فغلبت طسم على جديس، وملك الجميع عملوق بن الطسم، وكان يفترع النساء قبل زواجهن، فاحتالت جديس عليه فقتلوه وقتلوا كثيرًا من طسم فاستنصرت بقايا طسم بحسان بن تبع الحميري، فغزا جديسًا طالبا
بثار طسم.
وكانت اليمامة الزرقاء وعينها الواحدة اكبر من الاخرى، فاذا اغلقت الكبرى ابصرت بالصغرى على الفراسخ الكثيرة والأمد البعيد، وقيل انها كانت [ترى] (٢) فلك القمر، فتخبر عنه بأشياء عجيبة.
وقد كان اتصل بجديس استنصار طسم بحسان بن تبع الحميري، فقطنوا وقالوا لليمامة: انظري فنظرت، وقالت: اقسم بمهب الرياح، والآكام والبطاح، والمساء والصباح، لياتين من حمير [الجيش] الرداح، والخيل والسلاح، فلا ترون من بعدها فلاح.
فلما اصبحوا في اليوم الثاني قالوا لها: انظري فنظرت، وكان حسان
_________________
(١) ٢) وفي ت: رئيس والصواب رئي. ٢) عن ت. (*)
[ ١٢٤ ]
لما قرب من جو بأربعة ايام قال لاصحابه ان اليمامة ستراكم على البعد الكثير فتنذر بكم، فليحمل كل واحد منكم غصنًا من شجرة اعظم ما يقدر عليه ليسدل اغصانه عليه وجوانبه، ففعلوا ذلك.
فقالت اليمامة لما رأت ذلك: يا جديس قد اتتكم الشجر، تخبط المدر، فاستعملوا منها الحذر فكذبوها، وقالوا لها: اتسير الشجر؟ فلما كان في اليوم الثالث قالوا لها: انظري، فنظرت فقالت: ارى رجلًا في كتفه كتف، او نعل يخصفه فكذبوها، وقالوا قد تغير نظرها، وكيف ترى على هذا البعد ما لم يتصل بنا خبره، فكان حسان يسير بالليل ويكمن بالنهار، إلى أن صبحهم فقتلهم أبرح قتل، وهدم منازلهم واستباح نساءهم.
وأخذ اليمامة، وقال لها ألا عرفتيهم بمسيري؟ قالت: قد فعلت لو
قبلوا، ونظر فرأى في عينها عروقًا سوداء، فقال لها: بم كنت تكتحلين؟ فقالت له: بحجر الأثمد، مربى بماء المطر.
فقيل انه قطع يدها ورجلها، وقلع عينها وصلبها، فيقال: إن رئيها من الجن لطمه فأعوره، ومنعه النوم فلم يكن ينام.
وقد ذكرت الشعراء اليمامة فأكثروا، قال الأعشى يذكرها في القصيدة التي أولها: بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا فقال يذكرها ونظرها: ما نظرت (١) ذات أشفار كنظرتها * حقًا كما نظر الربى إذا شجعا فكذبوها بما قالت فصحبهم * جيوش حسان تزجي الموت والسلعا وإياها عنى:
_________________
(١) ١) من هنا إلى ذكر عجائب مصر لا يوجد. (*)
[ ١٢٥ ]
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت * * إلى حمام شراع وارد الثمد تحفه جانبًا بير ويتبعه * مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت الا ليتما هذا الحمام [لنا] * إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت * تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة منها حمامتها * واسرعت حسبة في ذلك العدد وقصتها في حديث الحمام مشهورة، وهذا هو القول الذي سجعت هي به: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه أو نصفه قديه [تم الحمام ميه]
ذكر عجائب مصر وأخبار ملوكها وكهانها لما ذكرنا الكهان وجب علينا ان نذكر كهنة مصر، لأنهم كانوا أعظم الكهان قدرًا، وأجلهم بالكهانة علماُ (١) وكان حكماء اليونانيين يصفونهم بذلك، ويقولون أخبرنا حكماء مصر بكذا، واستفدنا منهم كذا وكذا.
وكان هؤلاء ينحون في كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبر بالغيوب، وهي التي علمتهم أسرار الطبائع، ودلتهم على العلوم المكتومة فعملوا الطلسمات المشهورة، والنواميس الجليلة وولدوا الاشكال (٢) الناطقة، وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم من الطب في الحجارة، وانفردوا بعمل البرابي، وعملوا من الطلاسم ما نفوا به (٣) الأعداء عن بلادهم وعجائبهم ظاهرة، وحكمتهم واضحة.
_________________
(١) ١) في ت: حذقا. ٢) في ت: وأولدوا الدلالات. ٣) في ت: ومنعوا بها الاعداء. (*)
[ ١٢٦ ]
وكانت مصر خمساُ وثمانون كورة منها بأسفل الأرض خمس وأربعون، ومنها بالصعيد أربعون وكان في كل كورة رئيس من الكهنة، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قصة فرعون لما أشار عليه أصحابه، وقالوا (ابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم) يريد هؤلاء الرؤساء.
وكان الذي يتعبد منهم لكوكب من الكواكب السبعة المدبرة سبع سنين يسمونه ماهرًا، والذي يتعبد منهم للكواكب السبعة لكل واحد منهم سبع سنين، فمن بلغ هذه المرتبة منهم سمي قاطرا (١) وصار يجلس مع الملك ويصدر
الملك عن رأيه، وإذا رآه قام إجلالا له، وكان زيهم أن يدخل كل يوم إلى الملك فيجلس الى جانبه فتدخل الكهنة، ومعهم أصحاب الصناعات فيقفون حذاء القاطر، وكل واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعداه إلى سواه، ويسمى بعبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمي عبد الشمس، فيقول القاطر لأحد الماهرين أين صاحبك؟ فيقول في البرج الفلاني في الدرجة الفلانية في دقيقة كذا، ويسأل الآخر في حذائه، حتى إذا عرف مستقر الكواكب، قال للملك ينبغي أن يعمل الملك اليوم كذا وكذا، ويأكل كذا وكذا، ويجامع في وقت كذا، ويقول له جميع ما يراه صلاحًا، والكاتب قائم بين يديه يكتب جميع ما يقول.
ثم يلتفت الى أهل الصناعات [فيقول أنقش انت صورة كذا على حجر كذا فمتى رسم على أهل الصناعات] (٢) فيخرجون إلى دار الحكمة، فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم: ويستعمل الملك جميع ما قاله القاطر، ويؤرخ جميع ما جرى من هذا
_________________
(١) ١) في ب: ناظر، وقد رسم هكذا في كل موضع جاء فيه، والصواب ما ذكرناه. ٢) الزيادة عن ت. (*)
[ ١٢٧ ]
وشبهه في ذلك اليوم في صحيفة، وتطوى وتودع في خزائن الملك فعلى ذلك جرت أمورهم.
وكان الملك إذا حزبه (١) أمر بجمعهم بخارج مصر، ويصطف لهم الناس بخارج المدينة ثم يقدمون ركبانا، يتقدم بعضهم بعضًا، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كل واحد منهم بأعجوبة، فمنهم من يعلو وجهه نور مثل نور الشمس فلا يقدر أحدهم النظر اليه، ومنهم من يكون على
يديه جوهر أخضر واحمر على ثوب من ذهب منسوج، ومنهم من يكون راكبًا على أسد متوشحًا بحيات عظام ومنهم من تكون عليه قبة من نور أو جوهر في صنوف من العجائب الكثيرة، إلا أن كل واحد إنما يصنع ما يدل عليه كوكبه الذي يعبده، فاذا دخلوا على الملك قالوا أرادنا الملك الامر كذا، وأضمر الملك كذا، والصواب فيه كذا.
* * * وكان بمصر القديمة واسمها أمسوس ملك كاهن يقال له عيقام من ولد عرباق (٢) ابن آدم فتحكي أهل مصر عنه حكايات كثيرة تخرج عن العقل.
وكان قبل الطوفان وقد رأى في علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين الذين تطيعه أن يبنوا له مكانًا خلف خط الاستواء، بحيث لا يلحقه شئ من الآفات، فبنوا له القصر الذي [على] سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل من النحاس، وهي خمسة وثمانون تمثالًا، يخرج ماء النيل من حلوقها، وينصب الى بطحاء مصر.
فلما عمل له ذلك القصر أحب أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس في قبة،
_________________
(١) ١) في ب: إذا أحزبه، وفي ت: إذا جربه، والصواب ما ذكرناه. ٢) في ب: عراب. (*)
[ ١٢٨ ]
وحملته الشياطين على أعناقها اليه، فلما رآه ورأى حكمة بنائه، وزخرفة حيطانه، وما فيها من النقوش وصور الأفلاك، وغير ذلك من العجائب، وكانت المصابيح تسرج فيه، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة، ولا يرون من يعملها، وكذلك لا إنس به.
وفي وسط القصر بركة من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا المعنى، وإن كانت تنبو عنها العقول.
فاعجبه ما رأى ورجع الى مصر فاستخلف ابنه عرباق (١) وأوصاه بما يوجب له الملك وولده على مكانه، ورجع هو الى ذلك القصر، وأقام به حتى هلك هناك.
واليه تعزى مصاحف القبط، التي فيها تواريخهم.