وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى قبل آدم يعبدون الله تعالى؟ فقال: نعم خلق الله تعالى الأرض، وخلق فيها أممًا من الجن يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، وكانوا يطيرون إلى السماء، ويلقون الملائكة، ويسلمون عليهم ويتعلمون منهم الخير، ويعلمون منهم بخبر ما يجري في السماء، ثم إن طائفة من الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله عزوجل، وبغوا في الأرض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض، حتى سفكوا الدماء، وأظهروا الفساد، وجحدوا الربوبية.
وأقام الآخرون المطيعون على دينهم وعبادتهم وباينوا الذين عتوا عن امر الله، وكان يصعد إلى السموات عنها للطاعة، وخلق الملائكة كما قدمناه ذكره روحانيين ذوي (٢) أجنحة يطيرون بها حيث صيرهم الله تعالى، وأسكنهم ما بين اطباق السموات يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، حتى اصطفى الله تعالى منهم الملائكة فكان أقربهم منه اسرافيل، ثم ميكائيل ثم جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين
_________________
(١) ١) في ب، وت: الثمانية وعشرين. ٢) فيهما ذو. (*) أخبار الزمان - م (٣) (*)
[ ٣٣ ]
فصل وأما الجن فذكرت الهند والفرس واليونان ولادات الجن وقبائلهم وأسماء ملوكهم، وزعموا أنهم مفترقون على إحدى (١) وعشرين قبيلة، وبعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكًا منهم، يقال له الملك شمائيل بن أرس جن، ثم افترقوا، فملكوا عليهم خمسة (٢) ملوك فأقاموا بذلك دهرًا طويلًا، ثم أغار بعض الجن على بعض، وكانت بينهم وقائع كثيرة وحروب شديدة، وكان إبليس منهم، وله أسماء كثيرة باختلاف اللغات غير أن اسمه بالعربية الحارث.
ويكنى أبا مرة.
عظيم الخلق مطيقًا (٣) وكان يصعد إلى السماء ويقف في صفوف الملائكة، ويجتهد في العبادة، فلما بغى بعض على بعض، وكانت تلك الحروب بينهم اهبط إلى الأرض في جند من الملائكة فهزمهم وقتلهم، وجعل ملكا على الأرض فتجبر وطغا، وكان امتناعة من السجود لآدم ﵇.
كما أنبأنا الله عزوجل في كتابه، فاهبط في أقبح صورة وأشدها (٤) تشويها فأنكره جميع قبائل الجن واستوحشوا منه.
فلما رأى ذلك سكن البحر، وجعل له عرشًا على الماء.
ثم جعل له ولادة كما جعلت لآدم ﵇.
فألقيت عليه شهوة السفاد (٥) وجعل لقاحه كلقاح الطير وبيضه كبيضه.
وذكر بعض العلماء صنوف الجن فزعم * أن الشياطين خمس (٦) وثلاثون قبيلة وأن الذين يطيرون في الجو خمس عشرة قبيلة (٧) وان الذين مع لهب النار عشر
_________________
(١) ١) في الاصلين احد. ٥) ت: الفساد. ٢) فيهما: خمس ملوك. *) ما بين هاتين العلامتين في هذه الصفحة والتي تليها ٣) في ت: مطيعا. مبتور في ت. ٤) فيهما: وأشرها. ٦) فيهما: خمسة وثلاثون. ٧) في ب: خمسة عشر، وهو خطأ عربية. (*)
[ ٣٤ ]
قبائل وأن مسترقي السمع ثلاثون قبيلة، ولهذا القبائل كلها ملوك من كل قبيلة لدفع شرهم.
وحكي أن صنفًا من السعالي يتصورون (١) في صور النساء الحسان ويتزوجن برجال الانس كما حكي عن رجل يقال سعد بن جبير، أنه تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم ما هي: فأقامت عنده وولدت عنده أولادا وكانت معه ليلة على سطح يشرف على الجبانة، إذا بصوت في أقصى الجبانة نساء يتألمن فطربت وقالت لبعلها أما ترى نيران السعالي شأنك وببنيك استوص بهم خيرًا فطارت فلم تعد اليه ومنهم من تظفر (٢) بالرجال الخالي في الصحراء أو الخراب، فتأخذه بيده فترقصه حتى يتحير ويسقط فتمص دمه ومنهم صنف لا تفارق صور الحياة وربما قتلها الرجل فهلك يحكى ان فتى من الانصار قريب عهد بعرس استأذن رسول الله ﷺ في تقدمه يوم الخندق وأن يلم بأهله فأذن له فلما انتهى إلى منزله وجد امرأته قائمة بالباب فأدركته غيرة وأهوى إليها برمحه، فقالت له لا تعجل وادخل حتى تنظر ما على فراشك فدخل فرأى على فراشه حية عظيمة، فطعنها برمحه فقتلها، فمات هو من ساعته.
وتذكر العرب عن عبيد بن (٣) الابرص الاسدي أنه خرج في سفر له يريد الشام مع نفر، فلما صار ببعض الطريق إذ هو بشجاع يلهث عطشًا وخلفه حية سوداء تطرده، فنزل (٤) * فقتل الحية السوداء وحل إدواته ونضح على
_________________
(١) ١) ب: يتصورون ٣) ب، ت: عبيد الابرص. ٢) ب: يظفر. ٤) ت: ثم نزل. (*)
[ ٣٥ ]
الشجاع من الماء فشرب وانساب حتى دخل جحره، ومضى عبيد حتى قضى حوائجه بالشام.
فلما انصرف أغفى وهو في مفازة فلما انتبه وجد قلوصه قد ضل، وهو على غير الطريق فأقام مكانه فلما جنه الليل إذا بهاتف يقول: يا صاحب البكر البعيد مذهبه * * ما عنده من ذي رشاد يصحبه دونك هذا البكر منا تركبه * * حتى إذا الليل تولى غيهبه واقبل الصبح ولاح كوكبه * * فبعد حط رحله تستلبه (١) فلما سمع عبيد ذلك من الهاتف التفت، فاذا عنده بكر كأحسن ما يكون فركبه فسار به بقية ليلته فاصبح في منزله، وكان بينه وبين منزله إحدى وعشرون مرحلة فنزل عنها وأنشأ يقول: يا صاحب البكر قد أنجيت من عطب * * ومن حمام يضل المدلج الهادي ارجع حميدًا فقد اوليتنا مننًا * * جوزيت من رائح بالخير أو غادي فأجابه البكر: أنا الشجاع الذي ألفيتني رمضًا (٢) في مَهْمَه نازح عن أهله صادي (٣) فجدت بالماء لما ضن حامله (٤) * * رويت منه ولم تلمم بأنكاد (٥) الخير يبقى وإن طال الزمان به * * والشر أخبث ما اوعيت من زاد ثم قال إن الاسود الذي رأيته يطردني عبد من عبيدي أراد قتلي فكفيتني شره، وأرويتني من ظمئي ولن يضيع الخير واستخلف الله عليك.
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: أكثر الحيوان الداجن صفة الجن،
وان الكلاب من الجن، فاذا راوكم تأكلون فألقوا إليهم من طعامكم، فان
_________________
(١) ١) ت: فحط عنه رحله وسيبه ٤) ب: ظن جاهله. ٢) ب: ومضا. ٥) ب: أرويت هامي ولم تهمم بانكاد. وفي ب أوتيت منه. ) * ٣) ب: ماد.
[ ٣٦ ]
لهم أنفسًا - يعني ياخذون بالعين.
والعرب تذكر راكبًا على جمل (١) في قدر الشاة وفد عليهم بسوق عكاظ [نادى] ألا من يهبني ثمانين بكرة هجانًا وأدمًا، فلم يجبه أحد.
فلما رأى ذلك ضرب جمله (٢) وطار به بين السماء والأرض كالبرق، فعجبوا منه فحدثهم رجل قال: لقيت رجلًا في بعض المفاوز راكبًا على نعامة وعيناه مشقوقتان بطول وجهه، فأخذتني منه روعة ثم استوقفته فقلت له: اتروي شيئًا من الشعر؟ قال: نعم وأقرضه، وأنشدني: أتاركة تحيتها (٣) قطام وضنا (٤) بالتحية والسلام حتى أتى على آخرها فقلت له: هيهات سبقك إليها أخو بني ذبيان، فقال: أنا والله يا أخي، نطقت بها على لسانه بسوق عكاظ، وكنت قلتها قبل ذلك بأربعمائة عام.
ويقال إن الله تعالى خلق ألفًا وعشرين أمة حذاء الكواكب الثابته (٥) منها في البحر ستمائة أمة، ومنها في البر أربعمائة أمة وعشرين أمة أحسنها الانسان وأتمها وأحبها إلى الباري ﷾ وأفضلها، فانه خلق على صورة إسرافيل ﵇ وهو أقرب الملائكة الى الله تعالى.
وفي التوراة خلق الله تعالى آدم على صورته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وفي الحديث " لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل ﵇ " وفي الحديث " تلجوا بالنظر إلى وجوه المرد فان فيها لمحات من الحور العين ".
ويقال أن في الإنسان من كل الخلق، فلذلك سخر له جميع الحيوان وسلط عليها فاقتنصها وذللها وسخر أكثرها، وجمع له المأكول من النبات
_________________
(١) ١) ب: حمل ٤) ت: وظنا ٢) في ب وت: جمله. ٢) ت: اليابانية. ٣) في ت: تدللها.
[ ٣٧ ]
والحيوان [البهيمي والوحشي وغيره] (١)، وله خلقت اللذات جميعًا، وعمل بهذه جميع الأعمال.
وله المنطق والضحك، والفكر الفطنة، واختراعات الأشياء، وله خاطب الباري عزوجل، وعليه وقع الأمر والنهي والإنسان هو الذي استنبط الأشياء وجمع العلوم، وعمل الآلات، وأثار المعادن، وأخرج ما في قعور البحار، وسخر له كل شئ.
ومن العجائب خلق النسناس وهو كمثل نصف الانسان بيد واحدة ورجل واحدة، ويثب وثبًا ويعدو عدوًا شديدًا، وكان ببلاد اليمن، وربما كان ببلاد العجم، والعرب تصيده وتأكله.
وفي بعض أخبارهم أن سيارة وقعوا في أرض كثيرة النسانس، فصادوا واحدًا وذبحوه وطبخوه وكان سمينًا، فلما جلسوا يأكلونه قال أحدهم: لقد كان هذا النسناس سمينًا، فقال نسناس آخر، قد اختفى في شجرة بالقرب منهم: إنه كان يأكل السرو فلذلك سمن، فنبههم على نفسه فأخذوه وذبحوه.
فقال آخر من شجرة أخرى، قد اختفى فيها عنهم: لو كان عاقلا صمت ولم ينطق، فاخذوه وذبحوه.
فناداهم نسناس آخر تخبأ في بعض خروق الأرض: إني قد احسنت فلم أتكلم فأخذوه وذبحوه، وكان لهم فيها قوت.
وقيل إنه يغتذي بالثمار والنبات، ويصبر على العطش.
وقيل إن في شرقي القلزم مما يلي في البحر أمة متولدة من صنف من السباع وبني آدم، وجوهها عراض كثيرة الشعر مثل وجوه السباع، وعيونها مدورة بصاصة، وأنيابها بارزة طوال، وآذانها طوال، وأبدانها كأبدان الناس إلا
_________________
(١) ١) عن ت. (*)
[ ٣٨ ]
أن لهم أظفارًا كبارًا، معقفة محدودة، وليس وراءهم غيرهم.
وطعامهم دواب البحر.
ومما يشبه خلق الانسان أمه يقال لها الواق واق، وهي حمل شجر عظام لشعورها، ولها أيدي وفروج مثل فروج النساء وألوان، ولا يزلن يصحن واق واق، فان قطعت إحداهن سقطت ميتة لا تنطق.
وفي كتاب الخزانة انه من جاوز أولئك وقع إلى ما هو اعظم منهن وأحسن أعجازا وفروجا ووجوهًا، فإن قطعت أقامت يوما وبعض آخر، وربما جامعها من يقطعها، وهي تشبه النساء، وأطيب رائحة، وألذ مباضعه، وهذه الأرض أطيب رائحة من الكافور وليس بها إنس.
وإنما يحكي ذلك عنها أهل المراكب إذا سقطوا إليها، ومنها خلق بحرية على شبه النساء يقال لها بنات الماء، في صورة النساء الحسان، ذوات الشعور السبط، لها فروج عظام وثدي، كلامهم لا يكاد يفهم، ولهم قهقهة.
وحكى بعض البحريين ان الريح ألقتهم إلى جزيرة فيها شجر، وأنهار عذبة، وانهم كانوا يسمعون ضوضاة وضحكا، فكمنوا لهن وأخذوا منهن امرأتين فأوثقوهما.
وأقامتا مع اللذين أخذاهما يقعان عليهما في كل وقت ويجدان لهما لذة عجيبة، وأن احداهما وثق بصاحبته فأرسلها من وثاقها فهربت إلى البحر ولم يرها بعد
ذلك، وبقيت الاخرى، فلما حصلت في المركب رحمها صاحبها فحل وثاقها فحملت منه وولدت له ولدا ذكرا وانهم ركبوا في البحر فلما حصلت في المركب وقد انها لا تزول عن ابنها فتغفلته ووثبت في البحر، فلما كان بعد ذلك بيوم، ظهرت له وألقت اليه صدفًا فيها در نفيس.
قال المسعودي ﵀: وقد ذكرنا طرفا من أخبار الروحانية، على ما
[ ٣٩ ]
نقل ألينا والله اعلم بخلقه ومن اشياء كثيرة على طريق التعجب لا من طريق التصديق، فمن قرأ كتابنا هذا فليعلم العذر فيما أوردناه، وبالله التوفيق والتسديد والمعونه والتأييد.