كان قابيل ولد آدم ﵇، وأول من عصا وقتل وكفر ولما قتل أخاه هرب عن ذلك الجبل بأخته وبنى قرية يقال لها خلوا وسكنها، وقابيل
أول من عبد النار، وقيل إنه أشقى البرية وإن عليه نصف عذاب الخلق، وقيل إنه متى سفك دم بغير وجه حق كان شريكًا لصاحبه فيه.
شيث بن آدم بعثه الله الى ولد أبيه وأنزل عليه سبعًا وعشرين صحيفة عليه وعلى أبيه، وأمره ببناء البيت هو وولده بالحجاز، وأمره بالحج والعمرة، وكان أول من اعتمر، وأمر بجهاد ولد قابيل إلا أنه لا يبرح بين تهامة ومكة.
وولد الأنوش بن شيث ﵍ وهو بكره ووصيه، ومن ولد أتركين (١) ابن شيث يغوث ويعوق ونسر وسواع وود، فكان هؤلاء النفر
_________________
(١) ١) لعل الصواب انوش. (*)
[ ٧٦ ]
قومًا صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم أبناؤهم حزنا شديدًا فتمثل لهم إبليس وصور لهم صورهم من المرمر، وجعلها في بيوتهم ليتذكروا (١) بها ويتآنسوا ويخف حزنهم عليهم، فلما ملكوا ونشأ غيرهم صور عندهم إبليس أنها آلهة وأن آباءهم كان يعبدونها واستهواهم فعبدوها، وكان عمر شيث سبعمائة سنه واثنا (٢) عشرة سنة، وولد له وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأوصى الى ابنه قينان وقد كان علمه الصحف وبين له قسمة الأرض، وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج، وبجهاد ولد قابيل ففعل ما أمره به أبوه، ومات قينان وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.
وأوصى الى ابنه مهلايل ووصاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة.
وأوصى الى ابنه بوارد وعلمه الصحف وعلمه قسمة الأرض، وما يحدث في العالم ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه مهلاييل (٣) الملك لآدم ﵉ وكانوا يتوارثونه مختومًا لا ينظرون فيه.
وولد لبوادر وهو ابن مائة سنة ابنه خنوخ، ويقول بعض اهل التاريخ إنه تم للعالم في وقته ألفان وستمائة سنة وأربع سنين.
وخنوخ هو إدريس النبي ﵇ ونبأه الله تعالى وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله عزوجل، وسنن الدين وأنزل الله ﷾ عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزلة يومئذ ثلاثين صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع اليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير إدريس ﵉.
وفي بعض الاخبار أنه أول من كتب [من ولد] آدم ﵇.
وقال آخرون إنه لم يخل قط جيل ولا أمة من الكتابة لان ادريس بدت
_________________
(١) ١) ليتذكرون. ٢) ب: واثني. ٣) في ب: وابيل. (*)
[ ٧٧ ]
فيه النبوة وعلم عدة خطوط وأمر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وأمر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الأخبار انهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان.
وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم ﵇ من غزل حواء.
ويقال إنه لما ولد إدريس ﵇ ضعف أمر عبادة الأصنام من أولاد قابيل، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل، فاجتمعوا اليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم ابليس في صورة شيخ قد كثر شيبه، وكان الشيب عندهم عجيبًا لأنهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح
﵇ بعد الطوفان.
وقيل أول من شاب إبراهيم ﵇، فقال يا رب ماهذا؟ قال وقار، قال اللهم زدني وقارًا.
ويقال إنه أتاهم ابليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدوًا للآلهة وعدوًا للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه؟ قال سأحرص على ذلك.
فوكل الله بإدريس ملائكة يحفظونه، فاذا أتاهم إبليس ومن معه من جنوده منعوهم منه وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهرًا نيفًا وثلاثين يومًا، فجعله أبوه سالمًا الهيكل، وعلمه الصحف، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك يعلمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج
[ ٧٨ ]
وقيل أنه أول من نظر في النجوم بعد آدم ﵇.
وفي التوارة ان إدريس ﵇ احسن خدمة الله فرفعه الله تعالى اليه.
ولما رأى إدريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله ان يرفعه اليه، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله اليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته أربعين يومًا وأوصى إدريس الى ابنه متوشلخ لأن الله أوحى اليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فإني سأخرج من ظهره نبيًا يرتضي فعله.
فقيل انه رفع الى السماء السابعة، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضوانًا ويدخله الجنة، ففعل.
ولم يخرج من الجنة، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه، أمام الهيكل يعبدون الله تعالى والنقباء السبعون معهم ولما رفع الله تعالى إدريس ﵇ كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه إبليس أنه هلك، وأنه كان كاهنًا أراد الصعود إلى الفلك فأحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزنًا شديدًا، وأظهر ان صنمهم الأكبر أهلكه فزاد في عبادة الأصنام وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عيدًا لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر (١) وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات.
وانقطع الوحي بعد إدريس ﵇، ومات أولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا
_________________
(١) ١) في ب: ونسرا وودا وسواعا. (*)
[ ٧٩ ]
له، وكان متوشلخ أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى الى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد اليه أبوه ودفع اليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لإدريس ﵇، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة.
وانتقلت الوصية الى لمك وهو أبو نوح ﵉، وقد كان رأى أن نارًا أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتًا آخر كأنه على شجرة في
وسط بحر لا غير.
ولما ولد له نوح ﵇ ذكر العلماء والكهان ذلك ليمحويل الملك وعرفوه أن العالم يهلك في زمانه وأنه يكون طويل العمر.
وقد كانوا رأوا أنه طوفان يغرق الأرض، فأمر يمحويل أن يبنيا له المعاقل على رءوس الجبال، بنيانًا عاليا ليتحصنوا بها، فعملوا منها سبعة معاقل بعدة الأصنام التي كانت لهم وعلى أسمائها، وزبروا عليها شيئًا من علومهم ويقال إن الملك عملها لنفسه خاصة.
وكبر نوح ﵇ فنبأه الله عزوجل وهو ابن خمسين سنة وارسله الى قومه، وكان من نعته أنه آدم رقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم العينين رقيق الساعدين والساقين، كثير لحم الفخذين طويل اللحية عريضها، طويل، جسيم وكان حيًا بعد إدريس ﵉، وهو من أهل العزم من الرسل.
وفي بعض الأخبار أن عمره ألف ومائتين وخمسين سنة، وأنه لبث في قومه يدعوهم الى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عامًا كما قال الله تعالى، وقال من ينكر طول الأعمار على مذهب الفلاسفة ان حياته لبنيه، وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة أعداء الله من ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، ولم يكن فرضت عليه أحكام ولا مواريث ولا حدود، وأمر أن يدعو الناس الى الله تعالى، ويحذرهم عذابه، ويذكرهم آلاءه.
[ ٨٠ ]
وعلى رأس مائتي (١) سنة من عمره هلك يمحويل ملك الكفرة وملك بعده ابنه الدرمشيل، فشدد في عبادة الأصنام، وأعلى أمرها، وجمع الناس اليها، وأخذهم بالتعبد لها، فأظهر نوح ﵇ دين الله عزوجل، وكان يدور [في] محالهم وأسواقهم وهيا كلهم يدعوهم الى الله تعالى وكانوا (٢) يطوون ذلك
عن مليكهم، ويزجرون مع ذلك نوحًا ويهددونه، ويهولون عليه، إلى أن جلت قصته، وعظم أمره، وتحاماه الناس، وتخاطبوا في أمره، الى أن اتصل ذلك بمليكهم (٣) فأحضره وانتهره، وتقدم اليه أن لا يعاود.
ويقال إن الذي فعل هذا يمحويل، وإنه حبسه، وبعد ثلاث سنين من حبسه هلك يمحويل.
وولي الدرمشيل، فأخرجه من الحبس، وتقدم اليه أن ينتهي عن إفساد الدين وسب الآلهة، فكان لكل صنم من أصنامهم الكبار عيد في وقت من أوقات السنة يحضرون وينحرون له ويطوفون به، فحضر عيد يغوث، فاجتمع الناس اليه من كل مكان، فأتاهم نوح ﵇، فقام في وسطهم وناداهم أن قولوا لا إله إلا الله، فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وأدخلوا رؤوسهم تحت ثيابهم وسقطت الأصنام عند ندائه عن كراسيها، فوثبوا عليه فضربوه وشجوه، حتى سقط على وجهه وسحبوه الى قصر الملك حتى ادخلوه عليه، وكان في مجلس مزخرف بأنواع الألوان، وبدائع التصاوير والأصباغ، مفروش برفيع الحرير، على سرير مصفح بالذهب، منظوم بالجوهر.
فلما مثل بين يديه قال له: ألم اعهد إليك وانهك عن التعرض لشئ من أمور الآلهة، و[ان] تدعوهم الى ما لا يعروفونه، وزاد أمرك حتى سجدت
_________________
(١) ١) في ب: مائتين. ٢) في ب: وكان. ٣) في ب: لميلكهم. أخبار الزمان م (٦) (*)
[ ٨١ ]
الآلهة، وألقيتها عن كراسيها، ومواضع شرفها وعزها؟ من علمك ذلك؟ ومن أين وصل إليك؟ فقال له نوح ﵇ وهو مخضوب بدمائه: لو كانت آلهة لما سقطت،
فاتق الله يا درمشيل، ولا تشرك بالله فانه يراك! فقال له الملك، فكيف قدرت أن تخاطبني بهذا الخطاب! فأمر بحبسه الى أن يحضر عيد الصنم الآخر، فيذبحه له تقربا به اليه، وأمر برد الأصنام على كراسيها.
وأن الدرمشيل رأى رؤيا هالته في أمر نوح ﵇، فأمر بإخراجه وتخلية سبيله، وأخبرهم أنه مجنون لا حرج عليه.
وكان في زمانه سويدين الكاهن فعرفهم بأمر الطوفان، وقرب زمانه، وكان يأمر بقتل نوح ﵇ والله يعصمه منهم.
فولد لنوح بعد خمسمائة سنة من عمره سام وبعده حام وبعده يام وبعده يافث، وطال أمر نوح معهم فلم يؤمن به إلا نفر يسير من العالم، وقيل له أنؤمن بك، واتبعك الأرذلون (١) .
وقيل كانوا من أهل صنعته، وكان ﷺ نجارا، ومضت لهم ثلاثة قرون، قرن بعد قرن، ونوح ﵇ يذكرهم ويدعوهم إلى الله تعالى فلا يزدادون إلا طغيانًا وعتوًا وتجبرا واستكبارًا، وقتل من كان اتبعه فكان يدعوهم الى الله سبحانه فأوحى الله اليه (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فحينئذ يئس منهم ودعا عليهم، فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) .
وأمر نوح ﵇ بعمل السفينة وقد قطع الله عن قومه النسل، وكثر عليهم القحط، وقلت عمارتهم وكانوا يستعينون على عبادتهم بأصنامهم ولا تنفعهم.
_________________
(١) ١) في الاصل: الازلون، وقد رسمناها كما وردت في القرآن الكريم. (*)
[ ٨٢ ]
وابتدأ نوح بعمل السفينة، أقام في قطع خشبها من الساج وفي عملها ثلاث
سنين، ثم صنع المسامير وأعد كل ما يحتاج اليه ونصبها في رجب، وأمر أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وعمقها سبعين ذراعا.
ويقال إنه لم يدر كيف يعملها فأتاه جبريل ﵇، وأمره أن يعملها على صورة الدجاجة وكانوا يهزؤن منه وهو يصنعها فيضحكون منه، ويرمونه بالحجارة وجعل بابها في جنبها، فأقامت بعد أن فرغ منها في البر سبعة أشهر الى أن أخذ من أصحاب نوح الذين كانوا معه ثلاثة رجال فذبحوا الأصنام تقربا ليندفع عنهم القحط فيما زعموا، فحق عليهم العذاب.
وأمر نوح ﵇ أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من جميع الحيوان، وكانت الطبقة السفلى للدواب والأنعام والوحوش، والثانية للطعام والشراب، والثالثة لهم وكانوا ثمانين نفسًا نوح وبنوه ﵇ سام وحام ويافث، وأهله وناسه، وحملت الملائكة تابوت آدم ﵇ من خشب فيه جسده، وكان معهم في السفينة، وكان التابوت بتهامة، وكان معه في السفينة (١) .
وركب معه المؤمنون من ولد أبيه وجده إدريس ﵇، فلما نزلوا من السفينة بنوا قرية وسموها سوق ثمانين، فهي اليوم تعرف بذلك هناك.
ويقال أنه لما اتصل الخبر بدرمشيل، أن نوحا قد ركب السفينة وحمل زاده قال وأين الماء الذي يحملهم؟ فركب في عدة من أصحابه وسار إلى السفينة، وقد أجمع (٢) على إحراقها، فنادى نوحا ﵇ فاستجاب له، فقال وأين الماء الذي يحمل سفينتك؟ قال هو يأتيك في مقامك هذا، فقال وهذا أعجب، إنك تقول إنه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل مثل هذه السفينة، انزل منها أنت ومن معك وإلا أحرقتكم أجمعين، فقال له نوح عليه
_________________
(١) ١) هكذا وقع التكرار بالمعني في الاصول. ٢) في ب: جمع، والاصح ما ذكرناه (*) .
[ ٨٣ ]
السلام ما أكثر اغترارك بالله عزوجل، فعجل الإيمان، واخلع أنداد الله تعالى تسلم وترشد، وإلا فالعذاب بين يديك.
فهو في محاورته إذ أتاه من أخبره أن امرأة كانت تخبز في تنور لها، فنبع الماء منه، فقال وما عسى أن يكون من ماء نبع من تنور فقال له نوح ﵇ ويحك إنه علامة السخط، وكذلك أوحى إلي ربي وآية ذلك ان الأرض تتخلخل من جميعها فأزل فرسك من موضعه، فان الماء ينبع من تحت قوائمه، فأزال الملك فرسه من موضعه، فاذا الماء ينبع من تحت قوائمه، فسار إلى موضع آخر فكان كذلك، وعادت رسله تخبره أن الماء كثر وفار، فرجع الى داره ليأخذ أهله وولده ويمضي الى المعاقل التي كان عملها لنفسه وقيل إن علم الطوفان كان عندهم إلا أنه لم يأت وقته.
لما أراد الله تعالى وكان قد جعل في تلك المعاقل طعاما، فاراد الصعود الى الجبال، فاذا الصخور تنحط على رؤسهم من أعلى الجبل، وانفتحت أبواب السماء بما لا يعلم قدره إلا الله تعالى من الماء، فساروا لا يدرون أين يتوجهون ويقال انه كان الماء حارا منتنا ويقال إن يام بن نوح ممن سار الى السفينة مع الدرمشيل، فناداه أبوه (يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) مع الملك وأصحابه (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) وقد كان رأى التنور يفور وقيل إن السفينة أقامت في الماء خمسين ومائة يوم، وقال قوم من أهل الاثر إنها أقامت أحد عشر شهرا، وقال آخرون كان الطوفان في رجب ووقفت على الجودي في المحرم
وفي التوارة إن الله تعالى آلى على نفسه أن لا يعذب أمة بعدها بالغرق
[ ٨٤ ]
وكان بين مهبط آدم ﵇ وبين الطوفان وفور الماء أربعون يوما، فأمر نوح أن تفتح أبواب السفينة، ثم أرسل الغراب لينظر له فمضى ولم يعد اليه، فدعا عليه أن يكون مباعدا، وأن يكون رزقه في الخوف.
ثم ارسل الحمامة فرجعت وقد انصبغت رجلاها بالطين، فدعا لها أن تكون إلفا لبني آدم ومنقارها ورجلاها مصبوغة من يومئذ، ولم تكن كذلك قبل ثم أرسلها بعد أيام فرجعت وفي مناقرها ورقة خضراء من الزيتون، وقيل كانت من عشب الأرض.
وفي التوراة أن الأرض جفت في سبعة وعشرين من الشهر الحادي عشر، ولما تغيب الماء ووقفت السفينة على الجودي أوحى الله تعالى آلى نوح ﵇ أن يخرج من السفينة هو ومن معه، فأخرج البهائم والهوام.
وقالوا هم الاسد أن يعبث في السفينة فصاح به نوح ﵇، فألقى الله الحمى في جسده، وأن النجو آذاهم فلطم الفيل فعطس خنزيرا، فالتقط ذلك النجو [فهو] يعيش منه، وأن الفأر أذاهم فلطم الأسد فعطس هرًا.
ونزل نوح ﵇ من السفينة وبنوه سام وحام ويافث ويحطون، وهو الذي ولد له في السفينة، ولما خرجوا ليستقروا على الارض بنوا قربة سموها سوق ثمانين فسكنوها، فقال لهم الله اكثروا واملأوا الأرض واعمروها فقد باركت فيكم، ورفعت اللعنة عن الأرض، وآذنت بركاتها وأخرج ثمرها وكلوا مما رزقناكم حلالًا طيبًا، واجتنبوا الأوثان والميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق.
ووجه نوح التابوت الذي فيه جسد آدم ﵉ الى غار الكنز بمكة
فدفن فيه.
ولما كثر ولد نوح ﵇ قسم الأرض بينهم، فدب إبليس اليهم ليرمي بينهم العداوة والبغضاء فقال لبني حام ويافث إن اباكم أعطى ساما وولده خير
[ ٨٥ ]
الارض ومنعكم منها وأعلاهم عليكم، ولم يزل بذلك فيهم حتى قتل بعضهم بعضا.
فالآن نبدأ بذكر بني نوح ﵇ وأنسابهم وتفرقهم في البلدان، وما ولد كل واحد منهم من الأمم، فنبدأ بذكر حام، وبعده بذكر يافث، وبعده بذكر يحطون، وبعده بذكر سام، متصلا بالعرب والأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين.