وأرسل الله هودًا إلى عاد وهم باحقاف الرمل وملكهم الخلجان (١) بن الوهم، وكاونوا يعبدون ثلاثة أصنام وكذبوه، فدعا عليهم فأمسك الله عنهم
_________________
(١) ١) في ب: الخلنجان. (*)
[ ١٠٤ ]
المطر ثلاث سنين فأجهدهم ذلك فوجهوا الى مكة رجالا يستسقون لهم في الحرم.
ولم تزل العرب تعظم موضع البيت، وكان موضعه بعد الطوفان ربوة حمراء، وأهله العماليق وسيدهم معاوية بن بكر، فقدم عليه وفد عاد للاستسقاء وفيهم قيل (١) بن عمرو ويزيد بن ربيعة، ونعيم بن هذال، ولقمان بن عاد، فقدموا ونزلوا على معاوية بن بكر وأقاموا عنده شهرًا يأكلون ويشربون وتغنيهم الجرداتان وهما قينتان كانتا لمعاوية بن بكر، فلما طال أمرهم أشفق عليهم معاوية بن بكر لأنهم أخواله وخاف عليهم، فصنع شعرًا ينبههم به ويحثهم على ما قدموا له، وأمر الجاريتين فغنتاه (٢): ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمطرنا غماما فيسقي أرض عاد إن عادًا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما (٣) فانتبه القوم لما سمعوا الشعر ونهضوا يستسقون، فلما استسقوا نشأت لهم ثلاث سحائب بيضاء وسوداء وحمراء، ونودي قيل منها اختر لقومك قال البيضاء جهام قد فرغت ماءها، والحمراء ريح والسوداء غيث فاختارها فقيل
قد اخترت رمادًا رمددًا لا يبقي من عاد أحدًا، لا والدًا ولا ولدًا.
فدخلت الريح على عاد من واديهم، فأقامت سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، والحسوم الدائمة حتى هلكوا عن آخرهم، وتهدمت ديارهم ولم يمنعهم جدار ولا جبل حتى هلكوا عن آخرهم، ولم يبق إلا رسمهم.
_________________
(١) ١) في ب: قنبل. ٢) في ب: فغنيتاه. ٣) الابيات في مروج الذهب بأطول من هذا. (*)
[ ١٠٥ ]
و[روي أنه] لما استسقى وفدهم بمكة، ساروا في طريقهم فنودوا في طريقهم: إن عادًا قد هلكوا عن آخرهم، فاختاروا لأنفسكم، فاختار قيل أن يلحق بقومه، فسار نحوهم فلقيته الريح فأهلكته، واختار مزيد برًا وصدقًا وكان مؤمنًا بهود ﵇، فأعطى ما سأل.
واختار نعيم حياة ألف سنة لا يمرض ولا يهرم، ولا تصيبه حاجة فأعطي ما اختار، واختار لقمان عمر سبعة أنسر فأعطي ما اختار، وكان يأخذ النسر فرخًا يربيه حتى يهلك، ثم يأخذ عند هلاك ذلك فرخًا آخر، فيفعل به كذلك، حتى بلغ سبعة أنسر، وكان آخرها لبد، وقد ضربت العرب به الأمثال في أشعارهم قال الأعشى: ألم تر لقمان أهلكه * ما مر من سنة ومن شهر وبقي نسر كلما انقرضت * أيامه عادت إلى نسر ما مر من أمد على لبد * وعلى جميع نسوره السمر قد ابلت الأيام نضرته * وأودعت لقمان في القبر وقال النابغة الذبياني:
أمست خلاء وأمسى أهلها انقرضوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد ولما قسم نوح ﵇ الأرض بين بنيه جعل لسام وسط الأرض، والحرم وما حوله واليمن إلى حضرموت إلى عمان والبحرين إلى عالج إلى طرف بلاد الهند، وكان هذا كله مدنًا وقرى وحصونًا وقصورًا ومصانع وبساتين يتصل بعضها ببعض، الى ان سخط الله على قوم هود فأفسد كثيرًا منها.
وجعل الله في ولد سام النبوة والبركة، وجعل لحام بعض الشام ومصر إلى أعالي النيل وبلاد النوبة والبجة، وأصناف السودان مع البحر الأحمر (١) إلى
_________________
(١) ١) في ب: الاخضر، وهو خطأ. (*)
[ ١٠٦ ]
بلد الحبشة والهند والقوط والسند.
وقسم ليافث بلاد الترك والصين، ويأجوج ومأجوج، والصقالبة والروم وإفرنجة والأعبورة والأندلس الى البحر المظلم، وسواحله.
وجعل ليحطون صين الصين إلى بلاد الشحر إلى ناحية اليمن، فكثروا من كل جانب وانبسطوا الى جهة بابل، وبورك فيهم فصاروا نيفًا من سبعين ألف بيت على خلق عظيم إلى أن ضرب بينهم إبليس، وكانت البلبلة فافترقوا.
وكان أول ملك منهم النمرود الأول بن كوش بن حام، وكان أسود أحمر العينين مشوها في جبهته كالقرن، وكان أول أسود يرى بعد الطوفان، فكان من ولده لدعاء نوح ﵇ على ابنه حام، وذلك إن نوحا ﵇ نام فانكشفت عورته، فرآها حام فضحك ولم يغطه، وسكت يافث، ولم ينكر عليه فصاح سام عليهما، وعلم ذلك نوح فدعا على حام أن يكون ولده سودًا مشوهين عبيدًا لولد سام، ودعا على يافث أن يكون ولده عبيدًا لبني سام، وأن يكونوا أشرار الناس.
وكان حام من أجمل البرية وأتمهم كمالا وأطيبهم ريحًا، فاجتنب امرأته أن يطأها خوفًا من دعوة أبيه، فلما مات أبوه غلبه ذلك على اعتقاده، فقرب منها فحملت بكوش بن حام وأخته، فلما رآهما حام فزع منهما، وأتى اخوته فأخبرهما وقال لهما قلت لامرأتي هل شيطان أو أحد غيري أتاك؟ فقال اخوته هذه دعوة ابيك فاغتم لذلك وترك امرأته دهرًا، ثم غشيها فولدت قوطا وتوأمته، فلما رأى ذلك هرب في البلاد وغاب فلم يدر أين يذهب، ولم يكن أشد تجبرا وتكبرا وعتوا من النمرود الأسود.
وكان له بعض كهان فأتاه ابليس فقال له أنا كاهن من الكهان، ولم أر أحدًا يعادلك في الكهانة وأنا معينك ومتمم أمرك، وجاعلك ملك الملوك،
[ ١٠٧ ]
على أن تذبح لي ولدك قربانًا، وتصلي لي ثلاث صلوات فأقلدك وأكون معك، وأجعلك كاهنًا كاملًا تامًا وأقيمك مقامي ففعل ما أمر به فأمر إبليس الشياطين بطاعته، وليكون معه، ثم أتوه بولد سام فحاربهم وعاونه إبليس فقهرهم واستعبدهم، فانقادوا له وأطاعوه فبنى له إبليس قصرًا وصفحه بالذهب (١) المكللة بالجوهر تضئ ما حوله ودفع اليه سيفًا يتألق نورًا في رأسه ثعبان يمتد إلى من يومئ اليه فيقتله، فلما رأى (٢) الناس ذلك أذعنوا له بالطاعة، ثم دعاهم إلى عبادته فأمر أن يبنى له صرح (٣) من الحجارة ومن الكلس فلم يبق احد إلا عمل فيه وقال يكون حصنًا لكم.
وعاونته الأبالسة فبنى صرحًا عظيمًا فبلغ ارتفاعه في الجو تسعمائة ذراع، ثم هندم أعلاه بأغرب بنيان وبنى فيه مجالس على أساطين غريبة، وكان عرض كل حائط من حيطانه الأربع ألف ذراع وما بين ذلك من الطبقات جعلها كلها مخازن وملأ جميعها من المال والطعام والشراب وجميع الآلات وكل
ما يخاف أن يحتاج اليه يومًا من الدهر بما يقوم به هو وأهله مدة من الدهر طويلة، وجعل مجلسه أعلاه وأمر الناس أن يعبدوه.
واتخذ صاحب خبره جنيًا (٤) بينه وبين الناس، فاذا رفع اليه أن أحدًا امتنع عن عبادته أمر به فطرح من أعلى الصرح إلى أسفله.
وزعم قوم أنه يكون على السحاب ويصعد إلى الفلك، وكان يركب عجلة منصوبة على ظهور الشياطين وينحدر منها إلى الأرض ففرق الناس منه وافتتنوا به وعبده كثير منهم، وعظم أمره.
واتصل بسام أنه يريد قتله، وقد عزم عليه فأخرج سام الأسماء التي علمه نوح ﵇ إياها، وقال له
_________________
(١) ١) لعل الصواب بالمذاهب. ٢) ب: رأوا. ٣) ب: صرحا. ٤) في ب: حبشيا. (*)
[ ١٠٨ ]
لا تدع بها إلا في مهم عظيم ففيها (١) اسم الله الأعظم، وقال: اللهم أنت الداعي لعبادك وبعينك ما هم فيه وما خرجوا من الفتنة اليه بغلبة هذا الجبار الذي قد استهوته الشياطين وانقيادهم له، وإن لم تغثهم ضلوا وهلكوا، وأنت أعلم بما يصلحهم، فاحقن دماءهم وامنع هذا الجبار منهم، وخذه بجريرته واكفنا أمره.
فأمر الله عزوجل الرياح الاربع فأقبلت على ذلك الصرح من جوانبه فجعلته دكا واتبع ذلك ظلمة شديدة ورجفة عظيمة تزعزعت لها الجبال.
فنهض العالم على وجوههم لا يرى بعضهم بعضًا، ولا يدرون أين يتوجهون وضعفت ألسنتهم عن الكلام.
وهلك اللعين عدو الله النمروذ، وهلك من كان يعبده، ومشى الناس في الظلمة هاربين ثلاثة أيام ثم لاحت لهم شعوب فيها نور يسير، فتشعب كل شعب فرقة هربت نحوه طلبًا للنجاة، وتبع كل فرقة قوم يحثونهم، وهذا بلغة غير لغة الفرقة الأخرى، حتى خرجت كل فرقة إلى ناحية من الأرض وقد تبلبلت ألسنتهم وكثرت لغاتهم، فاذا وصلت فرقة منهم إلى موضع ناداهم مناد " هذا موضعكم الذي تكونون فيه فاعتمروا فيه وأثمروا ".
فخرج بنو سام لناحية اليمن إلى الشحر وحضرموت ألى آخر خط الاستواء، فمنهم العرب العاربة.
وخرج بنو حام إلى السند والهند وبلاد أسوان (٢) .
وخرج بنو يافث إلى الشمال،.
فمنهم الروم والخزر والترك والصقالبة والافرنج، ويأجوج ومأجوج.
وخرج بنو يحطون إلى الصين الاقصى وأقاصي الشرق، فنزل (٣) كل قوم في موضعهم وعمروه وتوالدوا فيه إلى اليوم.
_________________
(١) ١) في ب: منها. ٢) هكذا في الاصول. ٣) في ب: ترك. (*)
[ ١٠٩ ]
ونذكر من أخبار آدم ﵇ ما وقع إلينا في نقله بعض الخلاف، وفي ذكره فائدة.
آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته على ما تقدم ذكره، وأسكنه جنته بفضله، وأهبطه بذنبه إلى الأرض، وتاب عليه، وعلمه جميع العلوم، وملكه على الارض، وكثر في جميع العالم منه أفاضلهم وأشرارهم وهو أول من صام وصلى وقرأ وكتب.
وكان من أحسن المخلوقين وجهًا، وكان أمرد أجرد، وأنزل الله تعالى عليه إحدى وعشرين صحيفة، وتوفاه الله وهو ابن سبعمائة سنة وخمسون سنة،
وكان عمره الف سنة، فوهب لداود منها خمسين سنة لما عرضت عليه أعمارهم وصورهم فرأى عمر داود قصيرًا.
وأوصى بعده إلى ابنه شيث، وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين والعبادة والقيام بحقوق الله تعالى وشرائعه.
وأنزل الله تعالى على شيث تسعًا وعشرين صحيفة، وكان مسكنه فوق الجبل وسكن ولد قابيل أسفل الوادي، وكان عمره تسعمائة سنة واثنتي عشرة سنة واستخلف ابنه أنوشا وكان عمره تسعمائة وخمسين سنة، واستخلف ابنه قينان وهو الذي كانت الوصية إليه وقسم الأرض بين بني أبيه، فطاف وهو ابن تسعمائة وعشرين سنة، ودفع الوصية الى ابنه هطيل (١) وفي وقته بنيت الكعبة، وكان عمره ثمانمائة سنة وخمسًا وتسعين سنة، وأوصى إلى ابنه يرد وعلمه وضع العلوم، وأخبره بما يجري في العالم، ويحدث بنظره في النجوم، وفي كتاب سر الملوك الذي أنزل على آدم ﵇.
وولد ليرد خنوخ وهو إدريس ﵇، وقد تقدم خبره مع يمحويل
_________________
(١) ١) في مروج الذهب: مهلائيل. (*)
[ ١١٠ ]
لمللك ويقال إن يمحويل الملك بعث إلى أبيه أن يبعث اليه إدريس فامتنع، فوجه اليه جيشًا فمنعه منه أعمامه.
وجميع ولد شيث فلم يصل اليه، ولم يكن بعد شيث وحي، حتى نبأ الله تعالى إدريس [﵇] .
وكان عمر يرد سبعمائة وخمسين سنة، ويقال إنه أول من استوقد واستعبد وغزا بني قابيل، ونظر في علم الفلك، ووضع المكيال والميزان، وأوتي علم الطب والنجوم، وعلم الزيجات بحساب غير حساب الهند، وسأل ربه فأراه
الصور الفلكية العالية.
وكانت الارواح تخاطبه، وعلم أسماء الصعود والهبوط فصعد وهبط، ودار [حول] الفلك وعرف أشكال النجوم ووقف على مسير الكواكب، وعرف كل ما يحدث في العالم، فزبره على الحجارة وعلى الطين.
وزيد مع ذلك كل العلوم والصناعات، وكانت له قصص تطول مع ملك الموت ومات ثم عاش ونظر إلى النار ودخل إلى الجنة ولم يخرج عنها.
ورفع على رأس ثلاثمائة سنة من عمره، وكان يقال له هرمس باسم عطارد، وعلم ابنه صابيا الخط فقيل لكل من كتب الخط بعده صابيا.
وهو الذي أخبر بالطوفان، وما يحدث في العالم ودفع الوصية، والصحف إلى ابنه متوشلخ وأمر صابيا بمعونته.
وكان صابيا قد بلغ مبلغًا جليلًا، وعاش متوشلخ تسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة.
وانتقلت الوصية الى ابنه لمك فأخذ في البحث وجمع العلوم، وأقبل على بني أبيه فجمعهم وأمرهم ونهاهم وحضهم على الجور لولد قابيل ونهاهم عن قربهم وعن الاختلاط بهم، وهو الذي رأى نارًا خرجت من فيه، فأحرقت العالم.
[ ١١١ ]
ولما ولد له نوح ﵇ والملك يومئذ درمشيل به يمحويل بن خنوخ ابن يحمور بن قابيل بن آدم ﵇، وكان قد تجبر وقهر الملوك على ما تقدم، لكنا نعيد ذكره هنا لما ورد في هذا الخبر من الزيادة والاستقصاء.
وكان إبليس قد استمال الملك ودعاه إلى عبادة الكواكب ودين الصابئة، وقال له هو دين أجدادك، فأجابه وعمل له الشيطان هياكل واصنامًا
عبدوها.
ويقال إنه له يستخرج أحد من المعادن والجوهر واللؤلؤ والمرجان أكثر مما كان في وقت الدرمشيل، وكان شديدًا على نوح والله تعالى يحفظه منه وعاش الملك ثلثمائة سنة.
ونبأ الله تعالى نوحا ﵇ وهو ابن مائة وخمسين سنة وارسله الى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان مائة سنة، وكان أول نبي بعد إدريس ﵉.
وكانت شريعته التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وجهاد الأعداء، فدعا قومه الى الله تعالى وحذرهم عذابه، وكلما قام فيهم ودعاهم عنفوه وحذروه وأخفوا أمره عن الملك، وكان يحضر هياكلهم وبيوت أصنامهم، فاذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله جعلوا أصابعهم في آذانهم وادخلوا رؤوسهم في ثيابهم تبرءًا مما يقول.
ولما قال لهم يومًا قولوا لا إله إلا الله وقعت الأصنام على وجوهها فقاموا اليه فضربوه حتى سقط على وجهه، وعرف الملك خبره فأحضره وقال له ما هذا الذي بلغني عنك من مخالفتك لديني وما عليه بنو أبيك وسبك لآلهتنا؟ وما هذا السحر الذي اسقطت به الأصنام عن كراسيها؟ ومن الذي علمك ذلك؟
[ ١١٢ ]
فقال له نوح ﵇ لو كانت آلهة كما تزعم ما سقطت، وأنا عبد الله ورسوله فاتق الله تعالى ولا تشرك به شيئًا، فانه يراك فأمر بحبسه.
الى أن يحضر عيد الأصنام فيذبحه تقربا اليه.
وأمر برد الأصنام على كراسيها، وإصلاح ما تغير منها، وحان العيد
وقرب فنادى في الناس أن يجتمعوا ليروا ما يصنع به، فدعا عليه نوح ﵇ فأصابه صداع في دماغ رأسه أذهب عقله، فأقام اسبوعا ثم هلك فحمل على سرير ذهب، وطيف به في هياكل الأصنام، وهم يبكون عليه ثم دفنوه، وشتموا نوحا ونالوا منه بألسنتهم كل قبيح.
وولى الملك ابن الدرمشيل فأخرج نوحا من حبسه، وزعم أنه مجنون وتقدم إليه ونهاه أن لا يعود الى ذلك الفعل فأقام إلى أن اجتمعوا في بعض أعيادهم عكوفا على أصنامهم فخرج حتى أتى جمعهم.
فقال: قولوا لا إلا إله الله وأني عبد الله ورسوله، فتساقطت الأصنام وقاموا إلى نوح ﵇ فضربوه وشجوه وسحبوه على وجهه، ثم أتوا به الملك فقال له الملك ألم أصفح عنك، وأسرحك من حبس ابي على أن لا تعاود؟ فقال له إني عبد مأمور بما أفعله، قال ومن أمرك؟ قال إلهي، قال ومن إلهك قال اله السموات والأرض وما فيها وخالق الخلائق اجمعين، قال وبماذا أمرك؟ قال ادعو الناس الى عبادته وحده، واخلع الأصنام، واعمل بما فرضه الله تعالى من الصلاة والزكاة والصيام قال فان لم نفعل ما تقول، قال الأمر اليه إن شاء اهلككم وإن شاء امهلكم، قال فاترك إلهك وما يريده وكف أنت عنا نفسك، قال ما ينبغي لي أن أكف ولا أقدر لأني عبد مأمور، فأمر بحبسه الى أن يتقرب به إلى الأصنام.
[ ١١٣ ]
فخرج على الملك سرنديب الكاهن الجبار، وكانت بينه وبينه حروب شغل بها عن أمر نوح ﵇ وتشاءم بحبسه فأمر بتسريحه حتى يخلو له وجهه ثم صالح الكاهن على ناحية تركها له من عمله، وعاد الى ما كان فيه من ملكه.
وكان إبليس يحرضه على قتل نوح ﵇، ويزينه له فيمنعه الله تعالى منه وزاد أمر نوح ﵇، فوجه الملك إلى جميع ممالك الأرض ليوجهوا له كل كاهن، وكل عراف لمناظرة نوح ﵇ فشخصوا اليه من الآفاق، فناظروه فغلبهم نوح ﵇ بالحجة والبرهان.
فآمن منهم الكاهن فيملون المصري، واتبعه حتى دخل معه في السفينة، وأوحى الله تعالى آلى نوح ﵇ ان اصنع الفلك بأعيننا، فقال كيف أصنعه؟ فأهبط الله تعالى جبريل ﵇ حتى أراه إياها، وامره ان يبنيها على مثل صدر البطة فأقام في عملها عشر سنين، وعملها من خشب الساج، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وقيل دون ذلك، وجعل ارتفاعها من الأرض خمسين ذراعا، وجعلها ثلاث طبقات كما امر.
وكانوا يهزؤن منه ويضحكون، وكان الرجل منهم يأتي إليه بأبنه الصغير فيحذره منه، وربما رماه الصبيان بالحجارة فآذوه، ولما فرغ من عمل السفينة جعل بابها في جنبها، وأقامت موضوعة على الأرض تسعة أشهر حتى حضر عيد لتلك الأصنام، فاجتمعوا اليه وقربوا اليه ثلاثمائة رجل ممن آمن بنوح ﵇، ذبحوهم بين أيديهم، فحق عليهم العذاب.
وأمر الله تعالى نوحا ﵇ أن يدخل في السفينة من كل زوجين اثنين، فقال يا رب من أين لي أن اجمع ذلك فامر الله تعالى الرياح فحشرت اليه كلما أراد، وأمر به فأدخل فيها من كل زوجين اثنين.
[ ١١٤ ]
وكانت السفينة ثلاث طبقات، فجعل الطبقة السفلى للبهائم والدواب والطير وجعل الوسطى لطعامهم، وجعل جسد آدم ﵇ في تابوت فيها، وجعل العليا له ولمن دخل معه.
وركب الملك إلى هيكل الأصنام فاقام فيها حينًا، ثم مشى إلى السفينة، وقد علم بما شحنت فيه وعزم على حرقها، فلما وقف عليها قال يا نوح واين الماء الذي يحملها؟ قال هو يأتيك في مكانك هذا، وأمر الملك فرميت السفينة بالنار، فرجعت عليه وعلى أصحابه فأحرقت بعضهم، وفار الماء على ما تقدم ذكره، وفتحت أبواب السماء بالمطر وحيل بينهم وبين صعود الجبال، ولم يدروا أين يتوجهون، وكانت المرأة تحمل ولدها على عنقها، فاذا لججها الغرق طرحته، فقيل لو رحم الله الكافر لرحم الصبي وأمه.
وقال أصحاب النظر في الكواكب سلمت ثلاثة مواضع، لم يدخلها الطوفان ونحن لا نقول بذلك، والفرس لعنهم الله لا يقولون بالطوفان ولا بنبوة نوح ﵇، ونحن لا نقول بقولهم، والهند يزعمون أنه لم يكن ببلدهم من الطوفان شئ وكذلك أكثر [سكان] الجزائر والبحار (١) يزعمون ذلك.
وقيل إن السفينة أقامت في الماء ستة أشهر، ويقال إنها سارت شرقا ًوغربًا وأتت موضع الكعبة، وكانت معهم خرزة يعرفون بها الليل، ومواقيت الصلوات.
ولما نزلوا من السفينة على ما تقدم ذكره أمرهم نوح ﵇ بالزراعة وغرس الشجر، وتفقد الكرامة فلم يجدها، وسأل عنها فعرفه جبريل ﵇ أن إبليس سرقها، لان له فيها شركة فاقتسمها معه، فقال نوح اعطه
_________________
(١) ١) في ب: وكذلك اكثر جزائر والتجار. (*)
[ ١١٥ ]
منها الربع، قال لا يكفيه فزده، قال فاعطه النصف، قال لا يكفيه ولكن يكون له (١) الثلثان ولك الثلث، قال فنعم إذن
قال فما طبخ من عصير الكرم بالنار حتى يذهب ثلثاه، كان حلالًا لك ولذريتك، وما نقص من ذلك كان له، ولمن كان من اتباعه.
وقال إبليس لنوح ﵇ أن لك عندي يدًا أرعاها لك قال وما مكافأتك؟ قال وصية أوصيك بها، قال وما هي؟ قال إياك والحسد والحرص والعجلة فان الحسد حملني على أن عصيت ربي، وغويت آدم حتى خرج من الجنة، والحرص حمل آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة، فغضب الله عليهما، والعجلة التي حملتك على أن دعوت على قومك فأهلكتهم جميعًا.