أجمع اهل مصر (١) إن أول من ملك مصر بعد الطوفان مصرايم بن بيصر (٢) ابن حام بن نوح ﵇ وذلك بدعوة سبقت له من جده.
والسبب في ذلك إن فيلمون الكاهن سأل نوحًا أن يخلطه بأهله وولده، وقال له: يا نبي الله إنني تركت أهلي وولدي فاجعل لي رفقة أذكر بها بعد موتي، فزوج ﵇ مصرايم بن بيصر بن حام بنت فيلمون، فولدت له ولدا فسماه فيلمون باسم جده.
فلما أراد نوح ﵇ قسمة الأرض بين بنيه، قال له فيلمون: ابعث معي يا نبي الله ابني، حتى أمضي به الى بلدي وأظهره على كنوزه، وأوقفه على علومه وأفهمه رموزها، فبعثه مع جماعة من أهل بيته، وكان غلامًا مراهقًا.
فلما قرب من مصر بنى له عرشًا من أغصان الشجر، وستره بحشيش ثم بنى له بعد ذلك مدينة في الموضع بنفسه وسماها درمان (٣) أي باب الجنة وزرعوا وغرسوا الاشجار.
_________________
(١) ١) في ق: أهل الاثر. ٢) في ب: مصريم بن تنصر، والتصحيح عن ق. ٣) في ق: درسان. (*)
[ ١٨٠ ]
وكان بين درمان الى البحر زروع وأجنة وعمارة، وكان القوم الذين كانوا مع مصرايم جبابرة، فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وأقاموا
في ارغد عيش.
ونكح مصرايم بنتًا من بنات الكهنة، فولدت له ولدا فسماه قبطيما، وتزوج بعد تسعين سنة من عمره مرأة أخرى فولدت له أربعة نفر: يقطويم، واشمون، وابريت، وصابي، فكثروا وعمروا الأرض وبورك لهم فيها.
وقيل ان عدد من كان مع مصرايم ثلاثون رجلًا من الجبابرة، فبنوا مدينة سموها ناقة، بلغتهم معناها ثلاثون، وهي مدينة منف.
وكشف فيلمون الكاهن لمصرايم عن كنوز مصر وعلمه قراءة خط البرابي وما زبر على الحجارة، وعرض عليهم معادن الذهب والفيروزج والزبرجد وغير ذلك، ووصف لهم عمل الصنعة فجعل الملك أمرها الى رجل يقال لسنطاس (١) ثقة من اهل بيته، فكان يعملها في الجبل الشرقي، فسمي الجبل به المقطم.
وعلمهم أيضًا عمل الطلسمات وكانت تخرج من البحر دواب وتفسد زروعهم، وما قارب البحر من جهاتهم فعملوا لها الطلاسم فغابت ولم تظهر بعد.
وبنوا على غير البحر مدنًا منها رقوده بمكان الاسكندرية، وجعلوا وسطها قبة من نحاس مذهب والقبة مذهبة.
ونصبوا فوقها مرآة معموله من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة من الأرض خمسمائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصديهم بأذاهم
_________________
(١) ١) في ق: وكان عنده رجل ماهر يقال له مقيطام يعمل لهم الكيمياء والطلسمات الغريبة. (*)
[ ١٨١ ]
من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها إلى ذلك القاصد ومراكبه فأحرقتهم اجمعين، ولم تزل على حالها حتى غلب عليها البحر فهدمها.
ويقال ان منارة الاسكندرية إنما عملت تشبيها بها، وقد كانت أيضًا عليها مرآة يرى فيها من يقصدها من بلاد الروم، فاحتال عليها بعض الملوك، فوجه اليها من أزالها، وكانت من زجاجة مدبرة.
ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد الى ابنه، وقد كان قسم أرض مصر بين بنيه فجعل نم قفط الى اسوان لقبطيم، وجعل لا شمون من أسوان الى منف، ولا بريت الحوف كله، ولصابي ناحية البحر إلى قرب برقة والغرب، فهو صاحب افريقية وولده الافارق، وأمر كل واححد من بنيه أن يبني مدينة لنفسه في موضعه وأمرهم عند موته أن يحفروا في الأرض سربًا ويفرشوه بالمرمر، ويدفنوه فيه ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والفضة والجوهر.
ويزبروا على ذلك أسماء الله العظام المانعة من الحوادث.
فحفروا له سربًا، طولًا مائة وخمسون ذراعًا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصحفا بصفائح الذهب، وجعلوا للمجلس أربعة أبواب على كل باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قدامه آنية زبرجد، ونقشوا في صدر كل تمثال آيات مانعة، وأجلسوا جسده في مجلس زبرجد أخضر، وزبروا عليه " مات مصرايم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت لايام الطوفان، مات ولم يعبد الأصنام، فصار الى حيث هو لا يوم هرم ولا سقم ولا حزن، وجعل جسده وماله في هذا السرب وحصنه باسماء الله العظام، وبما لا يصل اليه بعده إلا ملك له من جدوده سبعة ملوك يأتي في آخر الزمان، يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعي الى الايمان في عواقب الأزمان ".
[ ١٨٢ ]
وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف
تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية ذهب مملوءة درايق سمًا، وألف آنية مملوءة بالصنعة الإلهية والعقاقير السرية، وجعلوا مع ذلك طلسمات عجيبة، وسبائك ذهب مكدسة بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام، وهالوا عليه التراب والرمال حتى سدوا ما بين جبلين متقابلين، وجعلوا عليه علامات لا تخفى.
وولي الملك بعده ابنه قبطيم الملك، ويقال إن القبط منسوبون اليه وهو أول من عمل العجائب، واثار المعادن، وشق الأنهار، ويقال انه [لحق] (١) البلبلة، وخرج منها بهذا اللسان القبطي، وعمل ما لم يعمله أبوه من العمارات، ونصب الاعلام والمنارات والعجائب والطلسمات.
وملكهم قبطيم ثمانين سنة، وهلك فاغتم عليه بنوه وأهله، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفح بالمرمر الملون، وجعل فيه منافذ للريح فهي تتخرق فيه بدوي عظيم هائل، وجعل فيه كروس نحاس مطلية بأدوية تضئ أبدًا كأنها سرج لا تطفأ، ولطخوا جسده بالمرمر والكافور والمومياء وجعلوه في جرن من ذهب وثياب منسوجة بالمرجان والدر، وكشفوا عن وجهه في جرنه تحت قبة على عمد من مرمر ملون وفي وسط القبة جوهرة معلقة تنير كالسراج، وبين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعل تحت الجرن توابيت حجارة مملوءة جوهرًا وذهبًا وغير ذلك من التماثيل والصنعة، وحول ذلك مصاحف الحكمة، وسدوا عليه، وزبروا عليه كما زبروا على تابوت أبيه.
وتولى الأمر بعده ابنه قفطويم الملك، وكان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا
_________________
(١) ١) زيادة عن ق. (*)
[ ١٨٣ ]
عظيم الخلق، وهو الذي وضع أسرار الأهرام بالدهشور وغيرها، ليعمل ما عمله الأولون، وهو الذي بنى مدينة زرنده.
وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره أحد، وكان يجد الذهب على قدر الرحى والزبرجد مثل الاسطوانة، وغرس الا سارح في صحراء الغرب مثل النخلة.
وعمل من العجائب كثيرًا، وعمل منارًا عاليًا في جبل قفط يرى منه البحر الشرقي، ووجد هنالك معادن زئبق فعمل منه بركة عظيمة، فقيل إنها هناك الى اليوم.
وفي زمانه أثار ابليس وأعوانه الأصنام التي كان الطوفان أغرقها، وزينوا أمرها وعبادتها.
ويقال ان قفطويما بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائبًا، منها الماء الملفوف القائم كالعمود ولا ينحل ولا يذوب ويسمى فلطيس، وصيادة الطير (١) اذا نصبها ومر عليها الطير سقط فيها ولم يقدر أن يبرح منها حتى يؤخذ.
وعمل بها أيضًا عمودًا من نحاس عليه صورة طائر، فاذا قرب الوحش والأسد والحيات من المدينة صفر ذلك الطائر صفيرًا عاليًا، فترجع تلك الدواب هاربة.
وكان للمدينة أربعة أبواب جعل لها أربعة أصنام، على كل باب صنم من نحاس لا يعبر غريب الا ألقى عليه النوم والسبات، فينام عند الباب فلا يبرح نائمًا حتى يأتيه أهل تلك المدينة، فينفخوا في وجهه فيقوم، فان لم يفعلوا ذلك لم يزل نائمًا حتى يهلك.
وعمل منارًا لطيفًا من زجاج ملون على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة
_________________
(١) ١) في ق: والبركة التي تسمى فلسطين أي صيادة الطير، لا يمر عليها طير الا سقط فيها. (*)
[ ١٨٤ ]
صورة صنم من زجاج كبيرة، وفي يده كالقوس، وكأنه يرمي به، فان عاينه غريب وقف في موضعه ولم يبرح حتى يجيئه أهل المدينة.
وكان ذلك الصنم يتوجه من ذات نفسه الى مهب الرياح الاربع، وقيل ان هذا الصنم على حاله الى اليوم، وإن الناس تحاموا تلك المدينة على ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفًا من ذلك الصنم، فاذا وقع عين انسان عليه لا يزال نائمًا حتى يهلك.
وقد كان بعض الملوك عزم على قلعه بما أمكنه، فهلك في ذلك خلق كثير، ولم يقدر عليه.
وقيل إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة يرى الانسان فيها جميع ما يسأل عنه.
وعمل من خلف الجبل وبين الواحات الداخلة مدنا، وعمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فلا يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها حتى يعمل عقدًا بين أولئك الروحانيين، فيصل حينئذ اليها وياخذ من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر.
فأقام قفطويم ملكًا أربعمائة سنة، وأكثر العجائب انما عملت في وقته ووقت أبيه.
وأمر قفطويم فعمل له ناووس في الجبل الغربي قريب من المدينة مدينة العمد، وقد كان عمل لنفسه قبة قبل موته في سرب تحت الأرض معقود على أرج تحت الأرض على هيئة الدار في سعة كثيرة، وعمل حول دورها خزائن واسعة منقورة في الجبل أيضًا، وجعل في سقوفها مسارب للريح، وبلطت مع السرب وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلسًا على ثمانية
[ ١٨٥ ]
أركان مصفحًا بالزجاج الملون المسبوك، وجعل في سقفه جواهر وحجارة تسرج.
وفي كل ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبرق الذي يبرق، وعمل في وسط المجلس بركة مصفحة بالذهب، وعمل لها حواشي زبرجد وفرش حرير، وجعل على جسده بعد أن لطخ بالأدوية المجففة، وجعل حواليه ألف آنية من كافور، وأسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب ووجهه مكشوف، وعلى رأسه تاج مكلل، وعن جوانب البركة أربعة تماثيل من زجاج مسبوك في صورة النساء وفي ألوانهن، وبأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف فاخر من أفخر الحديد قائمه من زبرجد.
وجعل في تلك الخزائن من الذخائر وسبائك الذهب والتيجان والجواهر، وأواني الحكم وأصناف العقاقير، ومن الطلسمات العجيبة، والمصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة.
وجعل على باب المجلس صورة ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر، وهو ناشر الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على كل مدخل أزج صورتين من نحاس مشوهتين، بأيديهما سيفان كالبرق وبين أيديهما بلاطة تحتها لوالب لابد من وطئها إذا أراد أن يدنو منها، فاذا وطأها ضرباه بسيفهما فقتلاه.
وفي كل أزج كوة فيها لطوخ مدبرة تسرج وتضئ طول الزمان، وسدت أبواب الأزج بالاساطين المرصعة ورصوا على السقف البلاطات العظام، وردموا فوقها بالرمال.
وزبروا على باب الأزج الأول في حجر عظيم " هذا المدخل الى جسد
الملك العظيم المهيب الكريم قفطويم ذي الايد والقوة والفخر والغلبة والقهر،
[ ١٨٦ ]
حل هذا الموضع بجسده وبقي ذكره وعلمه فلا يوصل اليه، ولا يقدر عليه بحيلة إلا بعد مدد ودورات تمضي من السنين ".
وملك بعده ابنه البودشير (١) الملك فتجبر وتكبر، وعمل بالسحر، واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه صابي وأبريت ملوكا على مواضعهم، إلا أنه كان أكبرهم سنًا، فلذلك أذعنوا له.
فيقال إنه أرسل إلى هرمس المصري فبعثه الى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته، حتى عمل له هناك هيكلًا للتماثيل من نحاس، وعمل البطيحة التي ينصب عليها ماء النيل.
ويقال انه هو الذي عدل جنبي النيل، وقد كان يفيض في بعض مواضع وربما انقطع في مواضع، وأمره البودشير أن يسير مغربًا لينظر ما هناك، فوقع إلى أرض واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى بها منائر ومتنزهات واقام بها، وحول البودشير جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرضًا عامرة كلها، وأقاموا بذلك مدة كبيرة، وخالطهم البربر ونكح بعضهم في بعض.
ثم أنهم تحاسدوا وتباغوا وكانت بينهم حروب افنتهم، فحينئذ خرب البلد وباد أهله الا بقية منازل تسمى الواحات.
ويقال إنه عمل في وقته كثيرًا من العجائب، فمنها قبة لها أربعة أركان في كل واحد منها كوة يخرج منها دخان ملتف (٢) في ألوان شتى في يوم معلوم في السنة من أول سنتهم.
فاذا خرج الدخان أخضر دل على العمارة والخصب وحسن الزرع وصلاح
النبات، وإن خرج الدخان أبيض دل على الجدب وقلة الخيرات، وإن خرج
_________________
(١) ١) في ق: البودسير. وفي ب: في هذا الموضع فقط البودشيم. ٢) في ق: ملفف. (*)
[ ١٨٧ ]
أحمر دل على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دل على كثرة الأمطار والسيول وفساد بعض الأرض بذلك، وان كان أصفر دل على النيران وعلى آفات تحدث في الفلك.
وما كان منه يخرج مختلط اللون دل على مظالم الناس وفساد بعضهم لبعض وإهمال ملوكهم الأمور، وأشياء تدل على هذا الضرب، وكانت هذه القبة على منارة أقامت زمانًا من ملكه ثم هدمها.
ومما عمل له أيضًا بالغرب في الصحراء التي تقرب منه، وكانت الوحوش قد كثرت عليهم وأفسدت زرعهم، وكذلك خنازير الماء، فعمل شجرة من نحاس أقامها في موضع فما وصل اليها من الوحش لم يستطع الحركة ولا البراح من عندها حتى تؤخذ قبضًا فيقتل، فاتسع الناس في لحوم تلك الوحوش، فوجه بعض الملوك المجاورين لمصر عن احتيال لتلك الشجرة فقلعها واحتملها ليضعها في بلده فيعمل له مثلها، فلما قلعت من موضعها بطل عملها فلم ينتفع بها، لآنهم كانوا يعملون ما يعملونه من ذلك بطالع يأخذونه فلا يزال مستقيمًا الى أن يغير مكانه وينقل عنه.
ومما عمل في وقته أن غرابًا نقر عين صبي من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل أبوه شجرة من نحاس عليها غراب في منقاره حية بادية الطرفين، وهو ناشر الجناحين، وكتب على ظهره كتابًا، فكان الغربان يقعن على تلك الشجرة حتى يمتن أو يؤخذن فيقتلن، فهلك كثير منها وانتفى الى الشام وغيرها من
النواحي.
ولم يزل الأمر كذلك إلى ان صار لبعض ملوكهم داء لم يكن له دواء إلا أن يطبخ له غراب فيأكل من لحمه ويشرب مرقه، فطلب له غراب فلم يكن في وجوده حيلة، فوجه الى ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ وزادت علته
[ ١٨٨ ]
فاغتاظ، وأمر بنزع الشجرة فنزعت فرجعت الغربان فأخذ منها الملك ما يعالج به، فلم يعد رسوله من ناحية الشام حتى خرج الملك من علته.
ومما عمل في وقته، وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ربما طمت زروعهم، فعمل لذلك صنم من صوان أسود على قاعدة منه وفي يده كالقفة فيها مسحاة ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه كتابات، ووجه به إلى المغرب، وجعل هناك فانكشفت تلك الرمال وزحفت بها الرياح إلى ورائها لتلك الآكام العالية في صحراء المغرب، فلم يزل الرمل يندفع عنهم إلى وراء ذلك الصنم حتى صار بحيث لا يؤذيهم منه شئ ولا يضرهم.
فأقام البودشير مدة ثم احتجب عن الناس [وكان يتجلى لهم في صورة وجه عظيم يكون ذلك في النادر] (١) وربما خاطبهم من حيث لا يرونه وصبروا وهم في طاعته مدة طويلة، إلى أن رآه عديم ابنه وهو يامره بالجلوس مكانه على سريره [فجلس] (١) فتولى الأمر بعده وجلس على سرير ملكه ابنه عديم الملك، وكان جبارًا لا يطاق عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ونحتها ليبني هرمًا كما فعل الأولون.
وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، ويقال إن عديمًا استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل.
وأهل مصر والقبط يقولون إن هذين شيطانان يقال لهما مهلة ومهالة، وإن الملكين ببابل في بئر هناك يغشاها كثير من السحرة إلى أن تقوم الساعة ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام، واتخذت الأوثان، وقال قوم كانت
_________________
(١) ١) زيادة عن القرماني. (*)
[ ١٨٩ ]
الشياطين تظهر فتنصبها لهم، وقال قوم بل النمرود الأول أمر بنصبها وعبادتها.
وعديم الملك أول من صلب، وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات وكان لها زوج فأمر بصلبهما، على منابر وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنابر اسميهما وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنا.
وبنى أربع مدائن وأودعها كثيرا ًمن صنوف العجائب والطلسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزًا كثيرة وعمل على البحر الشرقي منارًا، وأقام على رأسه صنمًا موجهًا إلى الشرق، باسط اليدين يمنع جميع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حده، وزبر على صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه.
ويقال إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا، ولولا هذا المنار لغلب الماء المالح على ارض مصر من البحر الشرقي.
وعمل قنطرة على النيل في ارض النوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلى أربع جهات، في يد كل صنم منها سيف يضرب به إذا أتى آت من تلك الجهة، فأقامت على حالها مدة إلى أن تهدمت.
وهو الذي عمل البربا، وهي هناك إلى اليوم، ويقال إنه عمل في إحدى
المدائن الأربع التي ذكرنا [ها] حوضًا من صوان اسود على ماء لا ينقص مدى الدهر، ولا يتغير بما اجتلب اليه من رطوبة الهواء والماء.
وعمل فيه حيلًا عجيبة، وكان أهل تلك الناحية، وأهل تلك المدينة يشربون وينفقون منه، ولا ينقص ماؤه، وعمل ذلك لهم لبعدهم من النيل وقربهم من البحر المالح.
وذكر بعض كهنة مصر أن ذلك إنما تم لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا يرتفع نحوها بخار البحر وعذوبة ما فيه.
[ ١٩٠ ]
فحبس هو من البخار جزءًا بالهندسة وبالطلسمات السحرية، وجعله ينحط في ذلك الحوض، ويمده الهواء برطوبته فلا ينقص ماؤه على الدهر، ولو شرب منه العالم.
وقد عمل أمام البربا حوضًا لطيفًا مدورًا وجعله على قاعدة وملأه ماء، وحبس عليه جزء من البخار الرطب، فالخلق يشربون منه ولا ينقص وهو هناك إلى هذا الوقت.
وعمل أيضًا قدحًا لطيفًا على مثل العمد، وأهداه حويل الملك إلى الاسكندر اليوناني، وملكهم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن تسعمائة سنة وثلاثين سنة.
وقيل إنه دفن في إحدى المدن ذوات العجائب في أزج من رخام ملون مبطن بزجاج أصفر، وطلي جسمه بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك في وسط المدينة وهي محروسة بمن يمنع منها من الروحانيين.
وذكر بعض أهل القبط أن ناووس عديم عمل له في صحراء قفط على وجه الأرض، وهو قبة عظيمة من زجاج أخضر براق معقود على ثمانية آزاج
من صنفها، وعلى رأسها كرة من ذهب عليها طائر من ذهب ناشر الجناحين موشح بجواهر تمنع من الدخول، وفي قطرها مائة ذراع في مثلها.
وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك بجوهر عقيق، وعليه ثياب منسوجة بالذهب مكشوف الوجه.
والآزاج مفتوحة، طول كل أزج منها ثمانية أذرع، وارتفاع القبة أربعون ذراعًا، يلقي نورها على ما حولها من الأرض، لصفاء لونها وبريقها، وجعل معه في القبة مائة وسبعون مصحفًا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها منها.
[ ١٩١ ]
ومنها مائدة من ذهب عليمون أحمر يخطف الأبصار، وهو الذي يعمل منه تيجان الملوك وأوانيها منها، ومائدة من حجر الشمس المضئ وأوانيها منها، ومائدة من الزبرجد الأخضر الذي يخطف لونه البصر وله شعاع أصفر، وهو الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها وآنيتها منها، ومنها مائدة من كبريت أحمر مدبر على ما ذكروه من تدبيرهم في مصاحف كتبهم وأوانيها منها، ومنها مائدة من ملح أبيض براق صاف يكاد لونها يعشي البصر وأوانيها منها، ومنها مائدة من زئبق معقود حافتاها وقوائمها زئبق اصفر معقود، وأوانيها عليها من زئبق أحمر معقود، وجعل معه في القبة جواهر كثيرة وبراني بلور مملوءة بغرائب مدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية، وأتراس حديد مدبر أبيض، وجعل معه تماثيل افراس سبعة من ذهب عليها اللجم، وسروج من ذهب، وسبعة توابيت من صوان أسود مملوءة من الدنانير التي كان ضربها، وصور عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقيق والسموم والأدوية المدبرة في أواني الحنتم والحجازة على ضروبها شئ
كثير.
وقد ذكر من رأى القبة أنه مشى اليها مع جماعة وأقاموا عليها أيامًا، فما قدروا على دخولها، وأنهم إذا وصلوا اليها على ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم من شمائلهم، وقد رأوا ما فيها، ومتى دنوا منها دارت إلى جانب آخر.
ومن عجائب شأنها أنهم كانوا يحاذونها من كل أزج، ويتأملونها أزجًا أزجًا، فلا يرون من أزج إلا ما يرون من أزج آخر على شكل واحد، ومعنى واحد وذكروا انهم راوا وجهه على قدر الذراع والنصف، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقد رأوا بدنه بطول عشرة أذرع وزيادة، وذكروا انهم راوا
[ ١٩٢ ]
فيها عجائب كثيرة وصنوفًا من الوحش لم ير مثلها.
وفي كتاب القبط أنه لا يوصل اليها إلا ان يذبح لها ديك أبيض أفرق، ويبخر بريشه على بعد، وترسل البخور مع الريح على بعد حتى يصل اليها، ويكون بالكواكب النيرة على ما كانت عليه وقت نصبها، ويكون زحل والمشتري والمريخ في برج واحد والزهرة وعطارد في برج، ويتكلم عليها بصلاة الكهنة سبع مرات، فاذا وصل اليها لطخ حائطها بدم الديك الذي ذبح ويأخذ عند دخولها من المال والتماثيل ما استحسن ولا يكثر فيها من الجلوس وذكر ان هؤلاء الذين رأوها لم يكونوا من أهل الناحية، وإنما خرجوا يطلبون غيرها، وأنهم سألوا أهل قفط عنها، فما وجدوا أحدًا يعرفها ولا رآها غير شيخ منهم.
فانه ذكر أن ابنا له خرج في بعض الامور، ومعه جمل، وأنه رآها ولم يصل اليها فبحث عن أمرها، فعرف أن قوما من أهل المشرق جاءوا في طلب هذه القبة وأنهم أقاموا بقفط أياما وخرجوا يريدونها، فما رجع منهم أحد ولا عرف لهم خبر.
وكان عديم الملك قد أوصى ابنه قبل موته أن يطوف ماشيا على أعمال بلاده، وأن ينصب في كل جزء من أجزاء عمومته منارا، ويزبر عليه اسمه ويعمل له علامات وملاعب.
وعمل في صحرائها منارا، وعمل عليه صنما ذا رأسين مقترنين، وسار الى جزء إبريت فبنى به قبة على عمد وعلى أساطين بعضها فوق بعض وجعل على أعلاها صنما صغيرًا من ذهب.
أخبار الزمان م (١٣)
[ ١٩٣ ]
وعمل هيكلا للكواكب، وكان أبوه البودشير أول من أقام للكواكب هيكلا، فتبعه ابنه على ذلك، ومضى الى جزء صابي فعمل به منارة على رأسها امرأة من أخلاط ترى الناظر اليها جميع الاقاليم.
ثم رجع الى أبيه فولاه الملك بعده وعهد اليه بما أراد ووصاه، ثم مات أبوه فلما أودعه الناووس، وفرغ منه جلس على سرير الملك شدات (١) الملك، وهو الذي بنى الاعلام بالدهشور بالاحجار التي قطعت في زمان ابيه.
وقال الذين ينكرون أن العادية دخلت مصر انما غلط الناس في اسم شدات فقالوا شداد بن عاد لكثرة ما يجري على ألسنتهم شداد وقلة ما يجري شدات.
وما قدر أحد قط من الملوك أن يدخل مصر الا عبد لبخت نصر بما قدمه من الحيل في افساد طلسماتها.
وشدات الملك هو الذي عمل مصاحف الزيجات التي يذكر فيها الملوك، ويقال انه وجد في بعض رموزهم ومصاحف كهانهم أن الملك بودشير بن قفطويم لما أجهد نفسه في عبادة الأنوار العلوية، وعرف أن روحانياتها قد صارت فيه حبب اليها نفسه، وجوعها واستغنى جسده عن الطعام والشراب، فلما أدمن ذلك اشتاقته الأنوار العلوية واشتاقها، فرفعته إلى مواضعها، وبرأته من شرور الأرض المؤلمة، وجعلته نورا سابحا داخلا في نورها، يتصرف بتصرفها، فطوبى له من كاهن عرفت له كهانته، وأكرم بها وصير ملكا، فسبيل من بعده أن يبلغ خطته ويجعل بمثابته.
وهذا الكلام وشبيهه تضليل للناس لانهم كانوا يتعبدون للكواكب، فيقولون مثل هذا ترغيبا في دينهم.
_________________
(١) ١) في ق: شداد. (*)
[ ١٩٤ ]
وقد قالوا أيضًا انهم على توحيد الله وان مدحهم لهذه الوسائط المدبرات لا يضر خالقها، وانهم يعظمونها تقربا اليه، كما قالت الهند والعرب وكثير من الامم.
وعمل شدات هيكل أرمنت وأقام فيه أصناما للكواكب من ذهب وفضة وحديد ابيض ورصاص مصفى وزئبق معقود، وهذه الاجساد المعدنية في طباع الكواكب وقسمتها.
فلما فرغ منه زين بأحسن الزينة، ونقش باحسن النقوش، وأمر فزين بالجواهر الملونة، والزجاج الملون، وكسي بالوشي والديباج، ولم يترك شيئًا من الغريب الا عمله فيه، وكذلك عمل في المدن الداخلة من جزء صابي هيكلا مثله، والقبة التي عملها بجزء ابريت، وعمل هيكلا بشرف الاسكندرية، وعمل
لزحل صنما من صوان اسود على عبر النيل من الجانب الغربي.
وبنى شدات في الجانب الشرقي مدائن، وجعل في أحدهما صورة صنم قائم له احليل ظاهر اذا اتاه المعقود والمسحور والعنين الذي لا ينتشر احليله بكلتا يديه زال عنه ذلك وانتشر وقوي على الباه.
وعمل في احداها بقرة لها ضرعان كبيران اذا مسحتهما المرأة التي نقص لبنها وتعقد ضرعها در وصلح.
وفي أيامه بنيت العالية، بناها لابن له كان سخط على أمه فحولها إليها، وأسكنها قوما من أهل الحكمة ومن أهل الصناعات.
وقيل ان سفط بنيت في أيامه والصورتين اللتين بها الملتصقتان للمهل، وكانت الحبشة والسودان عاثوا في بعض بلده فأخرج ابنه منقاوس (١) في جيش
_________________
(١) ١) في ق: منقاوش. (*)
[ ١٩٥ ]
عظيم اليهم فقتل منهم وسبا، وكل من سباه استعبده فصار ذلك سنة فيهم.
واقتطع معدن الذهب، وأقام فيه من سباه منهم يعملون الذهب ويحملونه اليه، وألزم المقام معهم من يحرسهم من جيشه.
وهو أول من احب الصيد واتخذ الجوارح وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وجميع ما يعالج به الدواب، وعمل من العجائب والطلاسم لكل شئ ما لا يحصى كثرة.
وجمع التماسيح في بركة في ناحية اسيوط بطلسم لها، وكانت تنصب اليها من النيل انصبابا فيقتلها، ويستعمل جميع جلودها في السفن وغيرها، ويدخل لحومها وشحومها في الاغذية ومؤلفات العقاقير.
والقبط تحكي انه عمل بمصر اثنتي عشرة اعجوبة وطلسما، ولم يعمل في بلد
ما عمل فيها ولا تهبأ ذلك له، وقد بقيت آثار أكثرها قائمة بعد خرابها وأفساد معالمها.
واقام شدات بن عديم تسعين سنة ملكا، وخرج فطرد صيدا فاكب به فرسه في هوة فقتله.
وفي بعض كتبهم أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه في أمر من الأمور، فألقاه من اعلى الجبل الى اسفله فتقطع ثم ندم على ذلك من فعله، ورأى انه سيصيبه مثل ذلك، وكان يتوقى ان يصعد جبلا، وأوصى ان اصابه شئ ان يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه، وان يزبر عليه " ليس ينبغي لذي القدرة ان يخرج عن الواجب، وان لا يفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدات بن عديم بن قفطويم الملك، عمل ما لا يحل فكوفئ عليه ".
ولما هلك عمل سرب في سفح الجبل عليه قبة على مجلس قد صفح بالفضة
[ ١٩٦ ]
واجلس فيه على سرير ملكه، وجعل معه من المال والجوهر والتماثيل واصناف الحكم والمصاحف شئ كثير، ومات وله أربعمائة واربعون سنة.
وولي الأمر من بعده ابنه منقاوس الملك فقام مقام أبيه، وملك بحزم وحكمة فاظهر مصاحف الحكمة، وأمر بالنظر فيها وان تنسخ بخط العامة ليفهموها، ورد الكهنة إلى مراتبهم.
وهو أول من عمل الحمام من ملوك مصر وكان كثير النكاح، وتزوج عدة نسوة من بنات عمه ومن بنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا قد أصلحه بالبنيان العجيب والصور المونقة والفرش الحسنة، والآلات العجيبة، وأسكنهن فيها.
وقال بعض أهل الأثر إنه هو الذي بنى منف لبناته، وكن ثلاثين بنتًا
ورحلهن إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وبنى هيكلًا لصور الكواكب واصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلسمات كثيرة وغرائب أغرب فيها بفضل حكمته على أبيه وجده، وعمل للسنة اثني عشر عيدًا يعمل في كل عيد من الأعمال ما كان موافقًا لبرج الشهر، وكان يعظم الناس في تلك الأعياد ويوسع عليهم في أحوالهم وأرزاقهم، ورأوا معه من الخير ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد قبله.
وألزم أصحاب الكيمياء العمل، فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا، فاجتمعت عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج مسبوك من الأدرك وغيره، فأحب كنزها، فدعا أخا له كان يكرمه ويحبه، فقال له قد كثر ما عملناه من التماثيل، وعظم ما ادخرناه من الذهب والجواهر، ولست آمن أن يتسامع الملوك بكثرة ذلك، فيتألفوا على غزونا فخذ ذلك كله، وتوجه به
[ ١٩٧ ]
فأمعن في أرض الغرب، ثم انظر مكانًا حريزًا خفي الأثر فأحرزه فيه.
وأسس عليه وعلمه بعلامات واكتب صفة المكان وعلاماته ومن أين الطريق اليه، وعد إلى إن شاء الله تعالى.
فيقول أهل الأثر انه حمل مع نفسه إثنا عشر الف عجلة، منها من الجواهر النفيسة ثلاثمائة، وسائرها ذهب إبريز، وصفائح مضروبة، وطرائف الملوك من آلاتهم وسلاحهم وأوانيهم، وسار في الجنوب يومًا واحدًا، ثم سار في الغرب يومًا كاملًا وبعض آخر، فانتهى في اليوم الثالث إلى جبل أسود منيع ليس له مصعد بين جبال مستديرة به، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابًا ومغاير فدفن فيها ما كان معه، وردم عليه كما أمره أخوه، وعلم وزبر
وأتقن ذلك جهده، ورجع إلى أخيه فأعلمه.
فمكث بعد ذلك أربع سنين يبعث في كل سنة عجلًا كثيرًا فيدفن فيها في أكواخ شتى، وهو الذي عمل بيتًا فيه تماثيل تنفع من جميع العلل، وكتب على رأس كل هيكل تمثال ما يعالج به، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك بالحكمة.
وفي هذه المدينة صورة امرأة من حجر مبتسمة لا يراها مهموم إلا تبسم ونسي همه، وكان الناس يتناوبونها، ويطوفون حولها، ثم عبدوها من بعد.
وعمل تمثالًا طائرًا روحانيًا من ظفر مذهب كأنه يشير بجناحيه، ووضعه على اسطوانة في وسط المدينة، وكان لا يمر به زان ولا زانية إلا كشف عورته بحضرته، وكان الناس يمتحنون به فامتنع الناس من الزنا فرقًا منه، فاقاموا كذلك إلى زمان فاكن (١) الملك ففسد امره وبطله.
_________________
(١) ١) هكذا في الاصل، ولعله كلكن. (*)
[ ١٩٨ ]
وذلك أن امرأة من نسائه وكانت حظية عنده عشقت رجلًا من خدام الملك وخافت أن يرقى ذلك الى الملك فيمتحنها من ذلك الصنم فتفتضح فيقتلها، فأقامت مفكرة في الحيلة في ذلك، الى أن خلا بها في بعض الليالي وهما يشربان فأخذت في ذكر الزواني وسبهن وذمهن، فذكر الملك ذلك للصنم، وما فيه من المنافع للناس وما يستحق من فعله من الثناء والذكر الحسن، فقالت له إنه لكذلك وقد صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب الرأي في أمره، فقال: وكيف؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح أمر العامة دون أمر نفسه، وهذا أكبر العجز، وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فان اقترفت إحداهن
ذنبًا علم الملك به وجازى عليه في ستر، ولم تعلم العامة شيئًا منه، فيكون ردعًا لمن في قصره عماتهم به مغتلمة، وقد غلبتها شهوتها مرة ربما في عمرها لأن شهوات النساء أكثر من شهوات الرجال، وأغلب لنقصان عقولهن عن عقول الرجال، وأما الآن فلو حدث شئ من ذلك في قصر الملك، وأعوذ بالنور الأعلى منه، وأحب امتحانه فضح نفسه، وشاع في العامة والخاصة امره، فان عاقب بغير امتحان كان متعديًا، وإن صبر صبر على المكروه.
قال الملك صدقت فيما قلت وأنزل قولها على النصيحة والصدق، وعلم أنها لم تشر بذلك إلا لأمر وقفت عليه، ولم ترد كشفه، فلما أصبح نزع الصنم من موضعه ووضعه في قصره في مكان أعد له بلا مهلة ولا مشاورة حكيم ولا عالم، فلما نصب في القصر امتحن مرارًا فلم يصنع شيئًا عند الامتحان.
وندم الملك على تحريكه وأقبلت جارية الملك على ما كانت همت به من الفجور وانهمكت فيه.
وهذه الأعمال إنما تعمل بعد رصد الكواكب واختبارات أماكنها في الواجب من أوقات المعمول له ذلك.
[ ١٩٩ ]
وقد ذكر أهل اخميم أن رجلًا من أهل المشرق، وكان يلزم البربا ويأتي اليه كل يوم ببخور وخلوق فيبخر ويطيب صورة كانت في عضادة باب البربا فيجد تحتها عند رجليها دينارًا فيأخذه وينصرف، ففعل ذلك وأقام عليه مدة طويلة، حتى وشى به غلام إلى عامل البلد، فقبض عليه فبذل له الرجل مالًا، وخرج عن البلد.
ويقال إن منقاوس بنى هيكلا للسحرة على جبل القمر، وقدم عليه رجلًا منهم يقال له مستهمس، وكانوا لا يطلقون الريح للمراكب المقلعة إلا
بغرامة يأخذونها منهم، وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التماثيل الهائلة فيجتمع الناس ويتعجبون من أعمالهم وأمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له خصوصًا، ويجعل فيه صورة الشمس والكواكب، وجعل حوله أصنامًا وعجائبًا، فكان الملك يركب اليه ويقيم فيه سبعة أيام وينصرف، وجعل فيه عمودين، وزبر عليهما تاريخ الوقت الذي عملا فيه وهما باقيان إلى اليوم، وموضع ذلك يقال له عين شمس.
ونقل منقاوس إلى عين شمس كنوزًا وجواهر وطلسمات وعقاقير ودفنها بنواحيها.
وكان قد قسم خراج البلد أرباعًا، فربع منها للملك خاصة ينفقه فيما يشاء ويفعل به ما يريد، وربع لأرزاق الجند، وربع ينفقه في مصالح الأرض، وما يحتاج اليه من عمل جسورها وحفر خلجانها وأجبر أهلها على العمارة، وربع يدفن لحدث يحدث.
وكان خراج البلد يومئذ مائة الف ألف وثلاثة آلاف ألف (١) وقسمتها على ثلاثمائة كورة وثلاث كور.
_________________
(١) ١) في ق: وكان خراج مصر إذ ذاك مائة الف ألف الف وثلاثمائة دينار. (*)
[ ٢٠٠ ]
وهي اليوم خمسة وثمانون كورة، أسفل الأرض خمسة وأربعون كورة، والصعيد أربعون كورة.
وكان في كل كورة كاهن يدبر أمرها، وصاحب حرب، وأقام ملكًا إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل إنه سم في طعامه، وعمل له ناووس في صحراء القبط، وقيل في غربي قوص، ودفن معه من المصاحف وأكاسير الصنعة المعمولة وتمثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب
المضروب شئ كثير.
وقد كانت ماتت له قبل موته جارية كانت أحظى نسائه عنده، وكان يحبها حبًا شديدًا، فأمر بعمل صورتها في جميع الهياكل، وعمل له تمثالها بذؤابتين من ذهب اسود، وألبسه حلة من جوهر منظوم، وجعلت جالسة على كرسي من ذهب، وكانت تحمل بين يدية في كل موضع يجلس فيه ليتسلى بذلك عنها، فدفنت تلك الصورة عند رجليه، كأنما يخاطبها.
ولما فرغ من أمره جلس ابنه مناوس الملك بعد أبيه على سرير الملك فطلب الحكمة بعد، مثل أبيه وأكرم أهلها، وبذل الجوائز على الغرائب التي لم يتقدم عملها لمن تقدم قبله، وأثبت كل ما عمل من ذلك في كتب تواريخهم، وزبر على الحجارة في هياكلهم.
ومناوس أول من عبد البقر، وكان السبب في ذلك انه اعتل علة فيئس فيها من نفسه، وأنه رأى في منامه روحانياُ عظيمًا يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علتك إلا عبادتك البقر، لان الطالع كان وقت حلولها، فلك الثور، وهو في صورة ثور بقرنين فأمر عند انتباهه، فأخذوا ثورًا أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسًا في قصره وسقفه قبة مذهبة، وكان يبخره ويطيبه ويحسن علفه، ووكل به سايسًا من خدمه يقوم به وينظفه ويكنس
[ ٢٠١ ]
تحته، وكان يتعبد له سرًا من أهل مملكته فبرئ من علته وعاد الى أحسن أحواله.
وقيل أنه أول من عملت له عجل مموهة بالذهب، وعليها قباب من خشب مذهب، وكانت تفرش بأحسن الفرش وتساق الى موضع المتنزهات، وقيل إنه عملت له في علته لانه كان لا يقدر على الركوب، وكانت البقر تجره في
العجلة فكان إذا مر بمكان نزه أقام به، وان مر بمكان خرب أمر بعمارته.
وقيل انه نظر يومًا الى ثور من البقر التي تجره أبلق حسن الخلقة والقرنين، فأمر بتوقيفه والتعريض منه، وساقه بين يديه الى موضع نزهته إعجابا به، وجعل عليه حللا من حرير منسوج بالذهب، فلما كان في بعض الأيام خلا في موضع، وقد تفرد عن عبيده سار اليه وسجد بين يديه.
فقال له: لو دام الملك على تربيتي واكرامي، وتعبد لي كفيته مهمه على ما يريده، وقويته في جميع أموره، وأزلت عنه جميع علله.
فارتاع الملك لقوله، وأمر بأن يغسل ويطيب ويكسى بالحرير المذهب ويوقف في الهيكل، ووكل به من يخدمه في جميع أموره ويتعاهده بالمسح والتطييب وأمره بعبادته.
وأقام ذلك الثور يعبد مدة طويلة، وافتتن الناس به، وصار ذلك اصلا لعبادة البقر، وبنى مواضع كثيرة في الصحراء والجبال وكنز فيها كنوزًا كثيرة وأقام عليها أعلامًا.
وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وأقام بها منارًا، وكنز حولها كنوزًا، ويقال ان هذه المدينة قائمة الى الآن، وان قومًا جازوا بها من ناحية الغرب فسمعوا فيها عزف الجن ورأوا نيرانهم.
وفي بعض كتبهم أن ذلك الثور بعد مدة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا
[ ٢٠٢ ]
صورته من ذهب ويعملوه أجوف، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه، ويؤخذ من نحاتة قرنه وأظلافه ويجعل في ذلك التمثال، وعرفهم أنه يلحق بعالمه، وأن يجعلوا جسده في جرن من حجارة، وينصب في الهيكل، وينصب تمثاله عليه، وزحل في شرفه والشمس ناظرة اليه من تثليث، وأن ينقش في التمثال،
علامات صورة الكواكب السبعة ففعلوا ذلك.
وعملت الصورة من ذهب وكللت بأنواع الجوهر، وأدخلت صنعتها سواد في بياض، وجعل جسد الثور في الحدود التي حدها، ونصب عليه التمثال فكان يخبرهم بالعجائب وبما يحدث وقتًا بعد وقت، ويجيبهم بكل ما يسالونه عنه.
وعظم أمر ذلك التمثال ونذرت له النذور وقربت له القرابين، وقصده الناس من جميع أعمال مصر وما قرب منها، فكان يخبرهم بما يريدون.
وأقام مناوس ملكًا خمسًا وثلاثين سنة، وهلك من سل أصابه، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربي وجعل في جرن من حجارة.
وجعل وصيه من بعده ابنه مريدس الملك، فجلس على سرير ملكه بعد أبيه وملك احدى وعشرين سنة، وكان مضعفًا فلم يبن بنيانًا ولا ينصب منارا، ولا عملت في وقته أعجوبة، فمات ودفن مع أبيه في جرن من رصاص.
وولي بعده اشمون الملك، واشمون أخو قبطيم الملك وكان وحده من اشمون الى منف، وفي الشرق الى البحر المالح الى ما حاذى برقة الحمراء، وهي آخر حد مصر، وفي الصعيد الى حدود اخميم.
وكان ينزل اشمون لانه سماها باسمه عند بنيانها، ونقل اليها أهله وولده وطولها اثنا عشر ميلاُ في مثلها.
وأشمون أول من أتخذ الملاعب بالكرة والصولجان وغير ذلك، وبنى
[ ٢٠٣ ]
القصور وغرس الأجنة وأقام المنائر ونصب الأعلام وبنى المدن وأكثر فيها من العجائب.
والقبط تزعم ان خبر اشمون كان اكثر الأخبار ذكرًا وعجائبًا وسحرًا.
منها أنه بنى مدينة في سفح الجبل سماها أفطراطس وجعل لها أربعة أبواب جعل على الشرقي صورة عقاب، وعلى الغربي صورة ثور، وعلى الجنوبي صورة كلب، وعلى الشمالي صورة أسد.
وأسكن الكهنة بسحرهم في تلك الصور روحانية، وكانت تنطق إذا قصدها القاصد الغريب، ولا يقدر على الدخول إليها إلا بإذن الموكلين بها، وجعل فيها شجرة تثمر كل لون من الفاكهة.
وجعل فيها منارًا طوله ثمانون ذراعا، على رأسه قبة تتلون كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام بسبعة الوان، ثم تعود إلى اللون الاول.
وكانت تلك الألوان تكسو المدينة لونًا شعاعيًا، وأجرى حول ذلك المنار ماء ساقه من النيل وجعل في ذلك الماء سمكا من كل لون.
وجعل حول المدينة طلسمات رؤسها رؤس القرود وأبدانها أبدان الناس، كل منها لدفع مضرة واجتلاب منفعة.
ودفن تحت كل صنم من الأصنام المبنية الأربعة على أبوابها صنفًا من الكنوز ولكل واحد منها قربان وبخور، وكلام يوصل به اليه، وأسكن فيها السحرة.
وبنى بالقرب منها مدينة تعرف في كتبهم ذات العجائب في وسطها قبة عليها أبدًا مثل السحابة تمطر مطرًا خفيفًا شتاء وصيفًا، وتحت كل قبة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبريه.
[ ٢٠٤ ]
وفي شرقها بربا لطيف له أربعة أبواب لكل باب منها عضادتان، في كل عضادة منها صورة وجه كأنه يخاطب صاحبه، وهو يكلمه بكلام يفهمه، ويخبره بما حدث في يومه.
ومن دخل ذلك البربا على غير طهارة نفخا عليه فأصابته فظيعة لا تفارقه أبدًا إلى أن يموت.
ويقال أن في وسطها ابدا مهبط نور كأنه عمود من اعتنقه لم يعزب عن نظره شئ من الروحانيات، وسمع كلامهم ورأى ما يعملون.
وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده كالمصحف فيه علم من العلوم، فمن أحب ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيده وأمرها على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره.
ويقال ان هاتين المدينتين سميتا على اسم هرمس وهو عطارد وأنهما إلى الآن على حالهما.
وحكي عن رجل أتى عبد العزيز بن مروان وهو والي مصر، فعرفه انه رأى في صحراء الغرب وقد أوغل في طلب جمل له ضل، فوقع إلى مدينة خراب وانه وجد منها شجرة عظيمة تحمل من كل صنف من الفاكهة، وانه قد أكل منها وتزود، فقال له رجل من القبط هذه إحدى مدن (١) هرمس وفيها كنوز كثيرة، فوجه عبد العزيز جماعة من ثقاته، ووجهه معهم، وتزودوا زاد شهر ومشوا يطوفون تلك الصحارى زمانا، فما وجدوا لها أثرًا.
وكان أشمون أعدل ولد أبيه وأرغبهم في صنيعه، وأحبهم في عمل يبقي ذكره وهو الذي بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملون في وسط النيل.
_________________
(١) ١) في ب: احدى مدينة. (*)
[ ٢٠٥ ]
وتقول القبط أنه بنى سربًا تحت الأرض من اشمون الى انصباب النيل، وقيل إنه عمله لنسائه لأنهن كن يمضين إلى هيكل الشمس، وكان هذا السرب مبلط الأرض، والحيطان بالزجاج الملون العجيب.
وقيل إن أشمون كان اطول إخوته ملكا، وقال أهل الأثر أن ملكه ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انتزعوا الملك منه بعد ستمائة سنة من ملكه، وأقاموا تسعين سنة ثم كرهوا البلد واستوبؤوه (١) فرحلوا عنه إلى الراهبة من طريق الحجاز إلى وادي القرى، فعمروها واتخذوا المنازل والمصانع والقرى، وسلط الله عليهم القر فاهلكهم.
وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد، ويقال إنه عمل في وقته وزة من نحاس، وكان الغريب إذا جاء ليدخل صاحت الوزة وصفقت بجناحيها فيعلم به أهل البلد، فان أحبوا أدخلوه، وأن أحبوا تركوه.
وكثرت الحيات في وقته فاحتال لها بحيلة كانوا يأخذونها بأيديهم، ويعملون من شحومها ولحومها أدوية ودرياقات.
وهو أول من عمل النيروز بمصر، يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكرامًا للكواكب بزعمهم.
وفي زمانه بنيت البهنسا، وأقام بها مطرانًا، وجعل فوقها مجلسًا من زجاج أصفر وعليه قبة مذهبة، وكانت الشمس إذا طلعت ألقت شعاعها على المدينة.
ويقال إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ومات ودفن في احدى الاهرامات الصغار [القبلية] (٢) .
_________________
(١) ١) في ب: واستوزروه. ٢) زيادة عن ق. (*)
[ ٢٠٦ ]
وقيل بل عمل له طاووس في آخر أشمون ودفن معه مال كثير وعجائب كثيرة ومن الذخائر ما لا يحصى كثرة، ودفنت معه أصنام الكواكب السبعة التي كانت في هيكله، وعشرة آلاف سرج من ذهب وفضة وعشرة آلاف جام
ونضار من ذهب وفضة، وزجاج مسبوك وألف برنية من العقاقير المدبرة لقبول الأعمال، وزبر على ذلك كله اسمه ومدة ملكه.
وخلف على الملك ابنه الشاد الملك، فولي وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة وكان متجبرًا معجبًا طماح العين، فابتز امرأة من نساء أبيه، فانكشف أمره وعرف خبره، وكان أكبر همه اللهو واللعب، فاجتمع اليه كل مله كان في ملكه وقصده كل من كان في يده شئ من أنواع الملاهي والملاعب، وانفرد للعب بهم وترك النظر في أمور الناس.
وعمل قصورًا من خشب عليها قباب منقوشة مموهة بالذهب، وكان يحملها على المراكب في النيل ويتنزه فيه مع من يحب من نسائه وخدمه ومن يلهيه.
وعمل عليه الأروقة المذهبة وفرشها بأحسن الفرش وفاخره، وكان يتنزه عليها وتجرها البقر، ويقيم في نزهته شهورًا لا يمر بموضع إلا أقام فيه، وولد من السحر توليدًا كثيرًا واستنفذ أكثرها في خزائن أبيه، وذهب خراجه في جرائد الملهين والنفقات في غير وجوهها، فلما اسرف في ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فانكروا حاله عنده، وسألوه مسألته والاشارة عليه بالاقلاع عما هو عليه، فضمن لهم ذلك، ثم فاوضه فيه وبين له ما يجب تبينه وحذره من العواقب اللاحقة من التفريط بما يكره فلم ينته، وسلط أصحابه على الناس فأساؤا إليهم وأضروا بهم.
وخرج الملك ذات يوم إلى متنزه له قد صفح مجالسه بصفائح الذهب والفضة
[ ٢٠٧ ]
وغرائب الجوهر الملون، وأجرى اليه المياه وغرس فيه نفيس الرياحين، وفرشه بأصناف الفرش الملونة.
وكان إذا أحب ان يخلو بامرأة من نسائه خلى بها هناك، وأنه في ذلك المتنزه، وقد أقام فيه أيامًا إذ خرج غلام من بعض خدمه، فأتى بعض التجار في حاجة له، وكانت له خادم فأراد أخذها منه بغير ثمن فمنعه منها فوثب عليه يريد ضربه، فاجتمعوا عليه وضربوه حتى أسالوا دمه وحمل وقيد.
واتصل خبره بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وانكرا على الناس ما فعلوه وأسمعاهم فأغلظوا لهما وأسمعوهما، فانصرفا مغضبين وقالا ما نرى ستر هذا عن الملك وعرفاه الخبر، فلم يحفل بهما وأمر بالنداء في الناس من تعرضكم من خدم الملك وأصحابه فاقتلوه، فحمد الناس أمره وشكروا فعله وتواصوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك اسبوع وجه إلى وزيره وصاحب جيشه أنه عزم أن يركب إلى صحراء الغرب يتصيد هناك، وأمر أن يركب معه جيشه، وأن يتزودوا لثلاثة ايام ففعلوا، واجتمعوا إلى بابه فاستدعى الوزير، وأسر اليه انه يريد الانتقام من العامة، وخرج الملك وجيشه في أحسن زي وهيئة وسار إلى موضع غير بعيد.
فلما اختلط الظلام رجع بالجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أن يضعوا أيديهم في الناس فقتلوا خلقًا كثيرًا، وأمر بحرق الموضع الذي قتل فيه الغلام.
ثم أمر ان ينادى: هذا جزاء من أقدم على الملك من رعاياه وأصحاب مهنتهم من العامة وغيرهم، فاستغاث الناس، فأسر إلى وزيره ان يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم ففعل فامنهم، وقال لهم، من عاد منكم فقد أحل دمه
[ ٢٠٨ ]
فشكروا فعله وانصرفوا ورجع إلى ما كان عليه وأعظم.
واحتجب عن الناس واستحلت الهياكل والكهنة فأبغضه العامة والخاصة وابتغوا له الغوائل، فاحتال عليه خاصته بطباخه وسقاته فسماه، فمات وهو ابن مائة وعشرين سنة، فكان ملكه خمسًا وسبعين سنة.
وصار الملك بعده إلى ابنه صاصا، وأكثر القبط تزعم ان صاصا هذا اخو الشاد وانه ابن مربيس الملك.
ولما جلس صاصا على سرير الملك دخل الناس عليه يهنئونه، فوعدهم العدل فيهم وحسن النظر لهم، وسكن منف ونفى الملهين وأهل المجالات وأهل الشر ومن كان يصحب أباه.
وأصلح الهياكل ورد الكهنة الى مراتبهم، وعمل بمنف عجائب كثيرة وطلسمات، وأجرى فيها الأنهار، ونصب العقاب الذي كان عمل قبله على موضعه وشرف هيكله ودعى اليه.
وعمل بمنف مرآة يعرف بها زمان الخصب والجدب وما يحدث ببلده، وبنى داخل الواحات مدائن، وغرس فيها نخلا كثيرًا، ونصب غرب البحر أعلامًا كثيرة، وعمل خلف المقطم صنمًا يقال له صنم الحيلة، فكان كل من أعجزه امر أتاه يسأله، فيخبره ويبين له ما عزب عن معرفة منه.
وجعل على أطراف مصر أصحابًا يرفعون له ما يجري في حدود أرضه، وعمل على غربي النيل منابر إذا قصدهم قاصد يوقد عليها فيصل اليه الخبر من ليله أو من يومه، وجعل على البحر المالح مثل ذلك، ووكل بجمعها جماعة يحرسونها.
أخبار الزمان - م (١٤)
[ ٢٠٩ ]
وهو أول من اتخذها، ويقال إنه بنى أكثر منف، وكان له بنيان عظيم
بالاسكندرية.
ولما ملك واستولى على البلد بأسره، جمع اليه حكماء أهل بلده ونظر في النجوم وكان بها حاذقًا، ورأى أن بلده لابد له من أن يدخل اليه طوفان عظيم من نيلها فيكاد يغرقها، ورأى أنه يحدث على يدي رجل يأتي من ناحية الشام.
فجمع كل فاعل بمصر وجهاتها وبنى في ألواح الأقصى مدينة، جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعًا، وأودعها جميع الحكم والأموال، وهي المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني أمية لما قلد المغرب، لانه لما دخل مصر، أخذ على الواح الأقصى بالنجوم وكان عنده علم منها.
فأقام سبعة أيام يسير في رمال بين سمت الغرب والجنوب، إلى ان ظهرت له مدينة فيها حصن وأبواب حديد، فرام أن يفتح باباُ من أبوابها، فأعياه ذلك لغلبة الرمل عليها، وعلى ما حولها، فأصعد اليها الناس، فكل من صعد منهم وأشرف، وثب داخلها لا يعلم كيف يقع، ولا على ما يسقط، ولا ما يصيب.
ولما لم يجد فيها حيلة تركها ومضى، وقد فقد فيها جماعة من أصحابه، وحرروا عرض حصنها عشرين ذراعًا، وهلك في طريقه منصرفا عنها جماعة من أصحابه، ولم يسمع أن أحدًا قبل موسى بن نصير، ولا بعده وقع عليها.
وفي تلك الصحارى اكثر متنزهاتهم ومدائنهم العجيبة وكنوزهم العظيمة، إلا أن الرمان غلبت عليها.
[ ٢١٠ ]
ولم يكن لمصر ملك، الا وقد عمل للرمل طلسما يبعدها ويوقفها، ثم تفسد
طلسماتها على تقادم الأيام ولا ينبغي لأحد أن ينكر كثرة بنيانهم ومدائنهم.
وما نصبوه من الأعلام العظام.
فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم، وفيما يظهر من آثارهم بيان تحقيق ما يذكر عنهم.
من ذلك مثل هذه الأهرام والأعلام العظام المشهورة بالاسكندرية، وفي صحراء الغرب عجائب باقية من ذلك، وما لهم من الجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فوقها، فلا يصل أحد اليها، وكذلك الأودية المنحوتة، ومثل ما بالصعيد من مدائنهم، وما نقشوه عليها من حكمهم، فانه لو تعاطى أحد من ملوك الأرض أن يبني مثل الهرمين، أو جميعهم ما تهيأ لهم ذلك، وكذلك لو أرادوا أن ينقشوا ثوبًا واحدًا لطال عليهم الأمر وتركوه.
وحكي عن قوم في ضياع الغرب، ان عاملًا من عمالهم عنق بهم، فدخلوا في صحراء الغرب، وحملوا معهم زادًا إلى أن تصلح أمورهم ويرجعوا إلى منازلهم، وكانوا على يوم وبعض آخر، فدلجوا الى جبل، فوجدوا عيرا أهليًا قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجه إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه وناس، فهم يسكنون تلك الناحية، ويتناسلون ويزرعون، ولا يطالبهم أحد بخراج.
وأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب، فصاروا نحوهم بأهليهم ومواشيهم وجميع أموالهم، فأقاموا مدة يطلبون الطريق فما وجدوه، ولا عرفوه، ولا وقفوا له على خبر، ولا تأتى لهم لوصول اليهم، فرجعوا آيسين على ما فاتهم من ذلك الموضع.
[ ٢١١ ]
وحكي أيضًا عن آخرين انهم ضلوا في طريق الغرب، فوقعوا إلى مدينة كثيرة الماء والشجر والناس والمواشي والنخل والزرع، فأضافوهم وأكلوا عندهم وأباتوهم في دار فيها طاحونة يعمل فيها الخمر، فشربوا معهم حتى سكروا وناموا، فلما انتبهوا عند طلوع الشمس وجدوا أنفسهم في مدينة خراب ليس فيها أنيس ولا عمارة، فارتاعوا وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الأولى، وأعمر وأكثر أهلًا ودوابًا ونخلًا وشجرًا وزرعًا ومواشي، فأنسوا بها، ونزلوا عندهم فأخبروهم بخبر المدينة الأولى.
فجعلوا يعجبون من ذلك ويضحكون منهم، وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم اليها فأطعموهم بها، وسقوهم وغنوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم أنهم ضلوا عن الطريق في بعض هذه الصحاري، فقالوا لهم الطريق بين أيديكم واضح، ولا يمكن أن تغلطوا فيه فان أحببتم المسير وجهنا معكم، من يوقفكم على سمت الطريق الكبير الذي يؤديكم إلى مكانكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا، أرفدناكم وزوجناكم عندنا، وكنتم أصهارنا وإخواننا، فسروا بذلك من قولهم.
فأجمع بعضهم على المقام معهم، وأجمع أكثر من كان منهم له أهل وولد على أن يأخذ أهله وولده فيسير نحوهم قالوا فبتنا معهم خير مبيت، ثم نمنا فلما كان في الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة خراب قد تشعث بعض حصونها، وليس بها احد من الناس إلا أن حولها نخلا كثيرا قد تساقط ثمرها، وتكدس حولها.
فلحقنا لذلك من الخوف والارتياع والوحشة ما كاد يتلفنا.
فخرجنا منها مفكرين فيما عايناه، وإنا لنجد روائح الخمر معنا ومعاني السكر فينا ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع، وليس بنا جوع ولا عطش،
[ ٢١٢ ]
حتى إذا كان المساء وافينا راعيًا يرعى غنما له، فسألناه عن العمارة والطريق، قال إن العمارة قريب منكم، فاذا نحن بأنهار فيها الماء، فنزلنا وشربنا منها وبتنا ثم أصبحنا، فاذا نحن في غير موضعنا الذي كنا فيه، وإذا معنا الناس والعمران، وما مشينا إلا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمون في الصعيد، فكنا نحدث الناس فلا يقبلون منا.
وهذه مدائن القوم الداخلة القديمة قد غلبت عليها الجن، ومنها ما قد ستر عن العيون فلا يراه أحد.
وذكر بعض القبط، أن رجلًا من بني الكهنة الذين قتلهم الشاد سار إلى الافرنجة فذكر لملكهم كثرة كنوز مصر وعجائبها، وضمن له أن يوصله إليها وإلى ملكها وأموالها، ويدفع عنها طلسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده، ويعرفه مواضع الكنوز.
فعزم ملك الافرنجة على غزو مصر وجهاتها، فلما اتصل بصاحب مصر أن ملك الافرنجة تجهز إليها، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقي النيل، فأصعد إليه أكثر كنوزه، وما كان في خزائنه، وصفح ظاهرها بالرصاص.
وأمر فنحتوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعًا، وجعلوا في آخر المنحوت منه الصور البارزة خارجة في النحت بقدر ذراع، وهو جبل مدور في جرمه إلا أنه رفيع السمك.
ثم انصرف الملك إلى مصر، وتأهب بما قدر عليه، واستظهر بما أمكنه، وجعل ينتظر ملك الافرنجة.
وان ملك الافرنجة حشد وجيش ما امكنه وقصد مصر، وكان لا يمر بشئ من عجائبها وطلاسمها وغرائب أعمالها ومناراتها إلا قدر عليه وغيره
وأفسد ما صادف من أصنامها، وذلك كله أمكنه بمعونة ذلك الكاهن.
[ ٢١٣ ]
حتى أتى الاسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا منها وغير معالمها، إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد، وصعد إلى منف، وأهل تلك البلاد يحاربونه وهو ينتهب ما مر عليه، فوجد منفا ممتنعة بالطلسمات الشداد، والمياه العميقة والسرادقات العالية فأقام عليها أياما كثيرة فحاربها طمعًا أن يصل اليها، فلم يقدر ورأى كثرة الناس عليها، وأنهم كل يوم يزيدون وأصحابه ينقصون، فاغتاظ على الكاهن وأراد قتله فلم يمكنه.
وفر إلى أهله فسيروه حتى أمر الكهان إلى أوله من الظهور فرجع إلى حاله (١) وهلك من أصحابه خلق كثير، واجتمع أهل النواحي فقصدوا مراكبه، فأحرقوا أكثرها فأجمع هو ومن معه على الهروب.
ولما علم أهل مصر بذلك الكاهن الذي كان معه، انحشدوا اليه بما قدروا عليه من المراكب، وظفروا بأكثر أصحابه فقتلوهم وغرقوا مراكبهم، فكان أعظم مطالب ملكهم أن يخلص نفسه، فأسرع الهرب في مركب استجاده لمثل ذلك الحال.
ففر وسلط الله على مراكبهم رياحا غرقت كثيرا منها، فما عادوا إلى الافرنجة إلا وملكهم قد ثقل بالجراحات التي أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقرارهم ورجع الملك إلى مصر وترك ما كنزه في موضعه عتيدًا له.
ويقال انه كان هناك إلى هذا الوقت، ولم يزل بعد ذلك الوقت يغزو بلاد الروم، وأهل الجزائر، ويعيث فيها ويخربها، فهابته الملوك.
وأقام ملكا سبعا وستين سنة، وهلك ودفن بمنف في ناووسه الذي كان عمل له في وسط المدينة من تحت الأرض، وجعل الدخول اليه من خارج
_________________
(١) ١) هكذا في الاصول، ولم نغير فيها شيئا. (*)
[ ٢١٤ ]
المدينة من الجهة الغربية، وحمل اليه أموالا عظيمة، وجواهر كثيرة وطلسمات وتماثيل كما فعل أجداده من قبله.
وكان فيه أربعة آلاف تمثال على صور شتى برية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر عند رأسه، وتمثال تنين أخضر من ذهب مسبوك عند رجليه، وزبر عليه اسمه وسيرته وجميع أموره.
وعهد ابنه إلى بداونس الملك وهو أول من ملك الأجناد وصفا له ملك مصر وكان بداونس الملك محنكا مجربا ذا أيد وقوة ومعرفة بالأمور، فأظهر فيهم العدل، واقام الهياكل ورد أهلها وأكرم الكهنة، وزاد في ألطافهم، وبنى بغربي منف بيتًا عظيمًا للزهرة، وزبر فيه كتبا كثيرة من العلوم وكساه الحرير وعمل عيدًا كبيرا اجتمع اتليه جميع الأجناد.
وكان صنم الزهرة من اللازورد موشحا بذهب يبرق مسورا بسواري زبرجد أخضر، وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر كالياقوت، ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان وهي تشير بسبابتها كالمسلمة على من في الهيكل.
وجعل حذاءها من الجانب الآخر بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموه بالذهب موشحة بحجر اللازورد ووجه البقرة محاذ إلى وجه صنم الزهرة، وجعلوا بينهما مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود رخام مجزع فيها ماء مدبر بقوة من الزهرة يستشفى بها من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة تنالوها في كل سبعة أيام.
وجعل فيها كراسي الكهنة مصفحة بالذهب والفضة، وقرب فيها ألف
رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضره يوم الزهرة ويطوف به، وكان قد فرش الهيكل وستره ععن يمين الزهرة وشمالها.
[ ٢١٥ ]
وكان في أعلى قبة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة سنانها رأس إنسان معلق، وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه.
ويقال ان بداونس هو الذي حفر خليج بخارى (١) فارتفع له من الخراج في بلده مائة الف الف وخمسون الف الف.
وقصده بعض العمالقة غازيا له من الشام، فلما سمع به جيش وخرج اليه، ولقيه وهزمه ودخل فلسطين فقتل فيها وسبا خلقا كثيرا، وسبا بعض حكمائها واسكنهم مصر فهابته الملوك.
وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في ارضه، فهجموا على بعض الاطراف فعاثوا وافسدوا.
فأمر بجمع الجيوش من اعمال مصر، وأعد المراكب ووجه قائدا من قواده يقال له بلوطس.
وفي ثلاثمائة ألف بين راكب وراجل، واتبعه بقائد آخر في مثلها ووجه في البحر ثلاثمائة سفينة وجعل في كل سفينة كاهنا يعمل أعجوبة.
وسار هو في أثرهما فيمن بقي من الجيوش، فلقوا جيوش السودان وكانوا زهاء الف الف فهزموهم وقتل اكثرهم، فأسر منهم كثيرا، وتبعهم الجيوش حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من أرض الزنج فأخذوا منها عدة كثيرة، وأخذ معها كثيرًا من النمور والوحش وسيقت الى مصر.
ونصب على حدوده منارات وزبروا عليها مسيره وظهوره والوقت الذي
غزا فيه السودان، وذكر كل ما عمل في أيامه.
_________________
(١) ١) هكذا في الاصول. (*)
[ ٢١٦ ]
ولما انصرف الى مصر واستقر بها، اعتل ورأى رؤيا تدل على موته، فعمل لنفسه ناووسًا ونقل اليه من أصنام الكواكب كثيرًا، ومن الذهب والجوهر الملون والتماثيل الغريبة الصنعة والآلات والذخائر ما لا يعلم جودته وكثرته، فلما هلك دفن فيه وزبر على بابه في الحجارة اسمه وتاريخ الوقت الذي مات فيه، جعلت عليه طلاسم تمنع منه.
وكان قد عهد الى ابنه بعده مماليك الملك، وكان أديبًا عاقلًا كريمًا حسن الوجه مجربا مخالفا لأبيه في عبادة الكواكب والبقر، ويقال إنه موحد على دين قبطيم ومصرايم، فكانت القبط تذمه بذلك.
وكان سببه فيما ذكر، أنه رأى رؤيا فيما يراه النائم، كأنه أتاه رجلان لهما أجنحة فاختطفاه واحتملاه إلى الفلك، وأوقفاه حذاء شيخ أسود أبيض الرأس واللحية، فقال له هل تعرفني؟ فدخلته منه روعة لحداثته، وكان سنه نيفًا وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك، فقال له أنا بشر، يعني رجلًا، فقال قد عرفتك، قال أنت إلا هي، فقال إنك وإن كنت تدعوني إلهًا فاني مربوب ملك، وإلهي وإلهك الذي خلق السموات والأرض وخلقني وخلقك، قال: فأين هو؟ قال: في العلو الاعلى، [تعالى] لا تلحقه الظنون ولا تراه العيون، ولا يشبهه شئ، وهو الذي جعلنا سببا لا قامة العالم الأسفل وتدبيره، قال: كيف نعمل إذًا؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيته وتخلص وحدانيته تعترف بأزليته، ثم أمر الرجلين فأنزلاه الى موضعه، فاستيقظ مذعورًا وهو على فراشه.
فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه، فقال له: عاهدتك أن لا تتخذ الأصنام آلهة فانها لا تضر ولا تنفع، قال فمن أعبد؟ قال: الله الذي خلق السموات والأرض وخلق جميع ما فيها من أموال وغيرها.
[ ٢١٧ ]
قال وكيف أقدر على رد نفوس العالم عما هم عليه؟ قال اعقد على ذلك نيتك، وأخلص ضميرك وصف به قلبك، وإذا غبت عن عيون الناس وانفردت فاعمل ما أمكنك، ودم للناس في الظاهر على ما كان عليه جدودك، فقبل الملك ذلك القول منه واعتقده وعمل به.
فكان يحضر للهيكل ويسجد للصنم، منحرفًا عنه بقلبه مبغضًا له كافرًا به، وهو يضمر أن سجوده لله عزوجل.
واستعمل كثرة الغزوات وموالاة الأسفار والجولان في البلاد، وكل ذلك لتطول غيبته عن مصر ويبعد عن الهيكل.
وقال بعض أهل مصر إن الله أيده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأمره ونهاه، وأخبره بما يريد معرفته، فأمر الناس عند ذلك باتخاذ كل جادة من الخيل وكل جيد وجميل من السلاح، وأعد الزاد، واتخذ في بحر المغرب مائتي سفينة.
وخرج في جيش عظيم في البر وفي البحر، فلقيه جموع البربر فهزمهم وقتل أكثرهم.
وبلغ أفريقية، واستأصل أكثرها، وخرج منها، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى ان غزا من ناحية الأندلس يريد الافرنجة.
وكان بها ملك عظيم يقال له افريوس، فحشد اليه من كل النواحي، فأقام يحاربه شهرًا ثم طلب صلحه، وأهدى اليه هدايا كثيرة، فقبل ذلك منه وسار
عنه ودعا الأمم المتصلة بالبحر الأخضر فأطاعوه، ومر بأمة لها حوافر ولهم قرون صغار، ولهم شعور كشعور الذئبة، ولهم أنياب دلف بارزة من أفواههم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى اثخنهم، فنفروا عنه الى غيران لهم مظلمة، فلم يمكن لهم دخولها عليهم.
[ ٢١٨ ]
والقبط تزعم أنه رأى سبعين اعجوبة سنذكر منها بعد هذا، وعمل على البحر أعلامًا وزبر عليها اسمه، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجأهم إلى قرون الجبال، ورجع فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين، وفرشوا له الطرق، ودخل قصره موفورًا ظاهرًا، وأخرج إليه ابنه، وكان ولد له من بعده فسر به وابتهج وكمل فرحه، واتصل خبره بالملوك فهابوه، وحملوا اليه الهدايا من كل جهة.
وبلغه ن قومًا من البربر والسحرة لهم تماثيل وبخورات عجيبة يضلون بها، وتخاييل وهم في مدينة لهم يقال لها قرمودة في المغرب من أرض مصر، وقد ملكوا عليهم امرأة منهم ساحرة يقال لها سطا.
واتصل به كثرة أذاهم للناس، فعزاهم حتى إذا قرب منهم ستروا عنهم مدينتهم وسحروه، فلم يرها وطمسوا مياههم، فلم يعرفها، فهلك كثير من أصحابه عطشًا، فلم يجد لهم حيلة في الوصول اليهم، فزال عنهم ثم صعد إلى ناحية الجنوب.
ثم رجع اليهم على غير الطريق الذي سار اليهم عليها أولا، فمر بهم بهيكل كانوا يحضرونه في بعض أعيادهم، فأمر بهدمه فهدم بعضه، وسقط منه موضع على جماعة من أصحابه ممن تولى هدمه فاهلكهم، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف عنهم، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوه وأصلحوا ما فسد منه وحرسوه
بطلسمات محكمة، ونصبوا في قبته صنما من نحاس مذهب.
وكان إذا قصدهم أحد صاح الصنم صياحًا عظيمًا منكرًا يرعب منه كل ذي روح ويبهت، فيخرجون اليه فيصطلمونه.
وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالوا لها نعمل الحيلة في افساد
[ ٢١٩ ]
مصر وأيذاء أهلها؟ فقالت لهم نعم، فقالوا أنت أقدر منا، فاعملي فيها ما رأيتيه.
فعملت لهم أدوية سحرت فيها النيل ودفعتها إلى بعضهم، وأمرتهم أن يمضوا بها الى مصر، والزرع في حقله على أن تؤخذ فيطرحون منها في النيل في أعلى مصر، ويغرق بعضهم على أقطار مصر، وحيث زروعهم الكثيرة، فيفرقونها في كل جهة، قليل غبار في كل جهة.
فلما فعلوا ذلك فاض النيل في غير وقته وزاد على المعهود، وأقام الماء طويلًا على مزارعهم، وأفسد زروعهم وغلاتهم، وكثر فيه التماسيح والضفادع وكثرت العلل في الناس وانبثت فيهم الثعابين والعقارب.
فأحضر الملك الكهنة والحكماء، وقال لهم أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا، ولم تذكروه في الطالع الذي وضعتموه لهذه السنة، فكنا نتأهب لها.
فاجتمعوا في دار الكهنة، ونظروا وبحثوا حتى علموا أنهم أوتوا من قبل ناحية المغرب، وأن امرأة عملته وألقته في النيل، وفرقته على الجهات.
فعلم الملك أنه من قبل تلك الساحرة، فقال لهم أجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم من أذائها.
فاجتمعوا إلى الهيكل الذي فيه صور الكواكب وسألوه أن يحضر معهم
فلم يمكنه الخلاف، فلما أمسى لبس مسحًا، وفرش رمادًا، واستقبل مصلاه، وأقبل على الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله تعالى، وقال: يا رب أنت إله الآلهة وملك الملوك، وخالق الكل، ولا يكون شئ مما دق وجل إلا بأمرك وحولك، أسألك بجميع فضائلك وآياتك وأسمائك أن تكفينا أمر هؤلاء القوم.
[ ٢٢٠ ]
فلم يزل كذلك حتى غلبته سنة من النوم، فنام مكانه فرأى كأن آتيا أتاه، فقال له قد رحم الله تضرعك، وعلم ضميرك وأجاب دعوتك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمرهم وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة، والأمراض المهلكة.
فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم على ما وجههم به.
فقال لهم قد كفيتم أمر عدوكم، وأزيل الماء المفسد والدواب المضرة عنكم، ولن تروا بعدها شيئًا تكرهونه، فسكتوا ونظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لما سمعوه، ثم قالوا له قد سررنا بما ذكره الملك دام عمره، وهم يضمرون التكذيب والاستهزاء.
وخرجوا عنه فقال بعضهم لبعض الرأي أن لا تقولوا شيئًا في هذا، فان كان حقًا ظهر سريعًا، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في ذمه، وسيتبين أمره.
فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء المفسد، وجففته الشمس، وهلكت تلك الدواب المضرة فعلم القوم صدق ما أخبرهم به.
وأمر الملك قائدًا من قواده ورجلًا من الكهنة أن يمضوا بجيش حتى يعلموا علم تلك المدينة، فخرجوا اليها فأتوها، فلم يروا مكروهًا ولا وجدوا
مانعًا.
فلما وصلوا اليها وجدوا حصنها قد سقط، وأهلها عن آخرهم موتى، واحترق بعضهم، واسودت وجوههم، ووجدوا بعض الأصنام ساقطة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم.
فطافوا المدينة وفتشوها فلم يجدوا فيها غير رجل واحد حيًا، كان مخالفًا
[ ٢٢١ ]
لدينهم بسبب رؤيا رآها، ووجدوا من الأموال والجواهر وأصناف الذهب والتماثيل ما لا يحصى كثرة، ولا يعرف له قيمة.
ووجدوا صورة كاهن لهم كانوا يتعبدونها، وهي من زبرجد أخضر على قائمة من حجر البسد، ووجدوا صورة روحاني من ذهب ورأسه من جوهر أحمر وله جناحان من در، وفي يديه مصحف فيه كثير من علوم مصر في دفتين من ذهب مرصعتين بذهب ملون.
ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك، وفيها فضلة من الماء الدافع للأسقام.
ووجدوا فرسًا من فضة من عزم عليه بعزائمه ودخنه بدخنه وركبه طار به فيما زعموا.
ووجدوا غير ذلك من العجائب والآلات التي يستعملها السحرة والأصنام التي يتخذونها، فجمعوا من ذلك ما خف حمله وثقل ثمنه، وأوقروا به دوابهم من جميع العجائب والتماثيل وغرائب ما كان فيها من الأشكال، وحملوا جميعه إلى الملك، وحمل الرجل الذي وجد حيًا، ووصلوا بذلك كله إلى الملك، فابتهج بذلك وحمد الله تعالى على ما أولاه، وسر الناس.
وبهت منه كهنة مصر، ولم يعرفوا أصله، فوجه الملك دوابًا وعسكرًا
ونهض معهم من شاء من العامة بأشمون ومصر، فنقلوا جميع ما كان تبقى في المدينة من شئ له خطر، فصار بأيدي الناس منه شئ كثير، واستغنى فيها كثير من مساكين العامة وسوقتهم وسيق منه إلى الملك شئ كثير جدا.
وصار الموضع بعد ذلك زمانًا طويلًا مطلبًا لمن أمكنه المسير اليه، وقل من مشى اليه ورجع خائبا.
[ ٢٢٢ ]
واستحضر الملك ذلك الرجل الذي وجد حيًا فاستخبره عن احاديثهم، فحدثه بأشياء معجبة، ثم قال: وأعجب ما رأيت منهم انه قصد المدينة منذ دهر ملك من ملوك البربر جبار من أهل بيت تجبر، فجاء بجموع كثيرة وجيوش كثيفة وتخاييل هائلة فأغلق أهل مدينتنا حصنهم، ورتبوا المراهقين على أسوارها ولجأوا ألى أصنامهم وشيوخهم وكهنتهم يخضعون لها ويتضرعون اليها.
وكان لهم كاهن عظيم الشأن لا يكاد أن يخرج من منزله، فسار اليه رؤساؤهم، وشكوا اليه ما دهاهم من عدوهم، فخرج معهم الى بركة لهم عظيمة بعيدة القعر، كانوا يشربون منها الماء، فجلس على حافتها، وأحاط الكهنة بها، وأقبل يزمزم على ماء البركة، فلم يزل كذلك حتى فاض الماء وفار، وخرج من وسطه نار تتأجج وخرج من وسطها وجه كدائرة الشمس وعلى ضوئها فخرت الجماعة سجودا لذلك الوجه وجللهم نوره، وجعل يعزم حتى ملأ البركة وارتفع حتى صعد على أعلى القبة ثم ارتفع الى السماء فسمعوه يقول قد كفيناكم أمر عدوكم، فاخرجوا فخذوا أموالهم.
فخرجنا بأجمعنا متخوفين حتى وصلنا مضربهم، فوجدناهم أمواتا لم يبق منهم حي، فأخذنا جميع ما تركوه من مال وثياب ودواب، وآلة وانصرف أهل المدينة إلى مدينتهم فرحين، وكانوا يأكلون
ويشربون، فقلت لبعض الكهنة لقد رأيت عجبًا من ذلك الوجه فما هو؟ قال ملك الشمس تبدت فماتوا عن آخرهم كما رأيت، قال له الملك فما الذي أهلكهم الآن؟ قال لا أدري، غير أني أفقت من نومي في الليل فسمعت هدة عظيمة إذ تهدم الحصن فأردت الخروج ولا علم لي بذلك فاذا بأصوات انكرتها وضوء نار وروائح حريق، وكنت ساكنًا في موضع كالخان فيه خلق كثير، فصحت بكثير منهم فلم يستجب لي أحد، فسرت أفتقد باب المنزل فوجدته
[ ٢٢٣ ]
مغلقا فدخلت بيتي وأوقدت سراجا بنار كانت عندي، ثم مشيت على جميع من في الدار رجالا ونساء صغارا وكبارا، فلم أجد احدا منهم حيا فاقمت في نهاية من الرعب ابتهل إلى الله عزوجل وأدعو، فلما أصبحت أقمت حتى طلعت الشمس و[بدا] النهار، فلم أسمع صوتا ولا حركة، فخرجت فوجدت المدينة على ما وجدها أصحاب الملك.
وكان هذا الرجل عاقلا مجربا فاتخذه الملك صاحبًا ووزيرا وأنيسا، ولم يزل مماليك الملك على التوحيد لله تعالى والايمان به، وهو يسايس أهل بلاده ويداريهم عما في نفسه خوفا من اضطراب ملكه عليه.
وأمر فبني له ناووس، وأمر أن يدفن فيه إذا مات وحده ولا يدفن معه أحد من أهله، وأمر أن لا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا تمثال، وكتب بخطه صحيفة " هذا ناووس مماليك الملك، ملك مصر وأعمالها، مات وهو يؤمن بالله لا يعبد معه غيره، ومتبرئ من الأصنام وعبادتها، ومؤمن بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال عاش بكذا وكذا، فمن احب النجاة من عباد الله، فليدن بما دان به "، وقد كان دفن بموضع آخر كنوزا كثيرة وزبر عليها انه لا يخرجها إلا أمة النبي المبعوث في آخر الزمان يعني محمدا [عليه
الصلاة والسلام] ودفع الصحيفة التي كتبه إلى الآمر بعده وأمره بسترها والاحتفاظ بها فاذا هو مات زبر ما فيها على ناووسه.
وكان طول حياته يقصد ناووسه يتعبد فيه مستترا عن جميع العالم ولما أيقن بالموت دعا ابنه فأسر إليه التوحيد وأعلمه انه دينه، ولم ير منه إلا الخير وأمره أن يدين به ونهاه عن عبادة الأصنام، فدان بذلك مدة حياة أبيه، ومات فدفنه ابنه في ناووسه وزبر عليه ما في الصحيفة.
فلما فرغ من أمره جلس على سرير الملك ابنه اخريتا الملك، وتقلد الأمر
[ ٢٢٤ ]
* (يوجد نقص في أصل الكتاب من صفحة ٢٢٥ إلى صفحة ٢٤١) *
[ ٢٢٥ ]
وضعف أصحاب دليفة عنهم لكثرتهم وشدة صبرهم، فاستنصرت بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمن، فأزالوهم عن منف، وقد كانوا ظفروا بها وعاثوا فيها فهزموهم حتى ركبوا المراكب، وعدوا الى ناحية الشمال، وكان معهم ساحر من أهل قفط، فأظهر سحره نارًا أحالت بينهم وبين أصحاب دليفة فانحازوا عنهم واستعدوا، وعادوا لما كانوا فيه من الجد والطلب.
وفزع أهل مصر لطول المدة وعجز الجيوش عن مقاتلتهم، وأشفقوا من خروج مصر من أيديهم، فوجهوا سفراء بينهم على أيجعلوا البلد قسمًا بينهم فأجاب كل واحد منهم الى الصلح وأن دليفة بعد إجابتها إلى الصلح غدرت وخالفت، وأخرجت الأموال والجواهر ففرقتها في الناس، وقد كان بعضهم لامها في الصلح، فرجعت الى الحرب، واشتد الأمر بين الفريقين ثلاثة أشهر، ثم ظهر أيمن عليها وهزمها.
ولجأت الى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت حقيقة الأمر ونكول جندها وعجز كهنتها وسحرتها وأنها لابد لها أن تغلب سمت نفسها فهلكت.
وملك بعدها أيمن الملك صاحب الاندلس ملك مصر، فتجبر وعتا وقتل خلقًا ممن كان مع دليفة.
وكان الوليد بن دومع العملاقي قد خرج في جيش عظيم يتنقل (١) في البلدان، ويغلب ملوكها ليسكن ما يوافق غرضه منها، ويعتدل [حال] (٢) جسمه فيها على ما تقدم من ذكر علته.
فلما انتهى الى الشام، انتهى اليه خبر مصر وجلالة قدرها، وأن أمرها قد صار الى النساء وباد ملوكها، فوجه اليها غلامًا له يسمى عونا بجيش عظيم، فوصل الى مصر وأيمن ودليفة يقتتلان، ففتحها وحوى أموالها وكنوزها،
_________________
(١) في ب: نبتهل والتصحيح عن ق.
(٢) في ب: صلاح. أخبار الزمان م (١٦)
[ ٢٤١ ]
وغاب خبره عن الوليد، فلم يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي كان معه، لما كان يعلمه من طلاسم مصر ومكر كهنتها.
ثم اتصل به ان عبده قد ملكها، فسار الى مصر وتلقاه العبد وعرفه أنه كان يسير إليه، وإنما أخره ما أراد من تعديل الملك وإصلاحه فقبل قوله.
ودخل مصر الوليد بن دومع العمالقي وملكها فاستباح أهلها وأخذ أموالها، وتتبع ما أمكنه الوصول اليه من كنوزها، وهبط اليه أيمن بالطاعة من الصعيد ومدنها سامعا له إذ كان عسكره من قبله، ومن أعانه بملكه وجيشه حتى أخذ بثأر خاله انداحس وتم الأمر للوليد على أعظم أمر.
ثم سنح له ان يمشي حتى يقف على مخرج النيل، ويغزو من بناحيته من الامم فأقام ثلاث سنين يستعد لذلك، حتى اصلح جميع ما احتاج اليه.
واستخلف عبده عونًا على البلد وخرج في جيش كثيف، وعدد عظيمة، فلم يمر بأمة إلا أبادها.
فيقال انه اقام في سفره سنين كثيرة وأنه مر على امم السودان وجاوزهم ومر على ارض الذهب، فوجد فيها مواضع فيها قضبان ثابتة وهي بلاد عانة.
ولم يزل الوليد يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصب ماء النيل إليها من الانهار التي تخرج من جبل القمر، وجبل القمر جبل شامخ عريض طويل، وإنما سمي جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لأنه خرج كثيرا عن خط الاستواء، ونظر إليه كيف يخرج النيل من تحته فيمر في طرائق كثيرة كالانهار الرقاق، فيصير بعضها إلى حظيرة عظيمة يجتمع فيها، ويصير بعضها الى حظيرة عظيمة، ثم يخرج من كل حظيرة نهر عظيم ينصب إلى حظيرة عظيمة يجتمع النهران فيها وهي البطيحة الكبيرة، وهي بعد خط الاستواء، وقبل الاقليم الاول، ويخرج من تلك البطيحة نهر واحد، ويجوز خط الاستواء ويجري إلى مصر ويمده نهر آخر من ناحية مكران يصب فيه عند اول جبل معظم في ثلث الاقليم الأول.
[ ٢٤٢ ]
ويذكر أن هذين النهرين يزيدان وينقصان، فيهما التماسيح وسمك كأمثال سمك النيل، ويخرج منه نهر عظيم على مقربة من آخر شرقي جبل القمر.
وحكي عن الوليد أنه وجد القصر الذي فيه قماقم النحاس الذي عملها هرمس الاول في وقت البودشير الاول بن قفطويم بن مصرايم بن حام بن نوح ﵇، وهي خمس وثمانون صورة جعلها جامعة لمن يخرج من الماء من
الجبل، وبمعاقد وبمصاب مدبرة، يجري منها الى تلك الصور، ويخرج من حلوقها على قياس معلوم واذرع معدودة معلومة.
ثم ينصب في أفواه الصور في انهار كثيرة ويتصل بالبطيحتين، ويخرج منها كما قلنا الى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج من جبل القمر، وقد هندس في تلك ورتب مقدارا ًمن الماء في كل صورة [ما] معه صلاح البلدان التي يمر بها، وينفع أهلها دون الفساد، وسطح قبل انتهاء المسطح ثمانية عشر ذراعا بالذراع التي ذرعها مقدار اثنين وثلاثين أصبعا، فما فضل عن ذلك عدل به عن يمين تلك الصور ويسارها الى مسارب تخرج عن يمين القصر ويساره، تنصب إلى غياض ورمال لا عمارة فيها.
وقد ذكر قوم من أهل الاثر أن الانهار الاربعة تخرج من أصل واحد من قبة في ارض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحان وجيحان والنيل والفرات.
وذكر بعضهم أنها من الجنة وأن تلك القبلة من زبرجد، وأن جميع هذه الانهار قبل أن يسلك الى البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك.
وممن جاء بهذا وذكره أبو صالح كاتب الليث وغيره من المحدثين ذكروا أن رجلًا من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ يقال له حايد وصل إلى القبة، وله خبر يطول ذكره.
(١) [هذا الخبر الذي قال المسعودي إنه يطول ذكره أثبته هنا، وإن لم يكن
_________________
(١) ١) هذا الكلام وجد بالاصول وهو فيما يظهر زيادة وتعليق من الناسخ أو الراوي، وقد وضعناه لذلك بين قوسين. (*)
[ ٢٤٣ ]
هو ذكره لانه بموضعه وهو من كتاب العظمة رواه ببغداد الفقيه أبو الحسن عباد بن سرحان وهو يحدث به إلى الآن عن شيوخه ببغداد بأسانيد ذكرها عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إن النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يمج لوجدتم من ورقها.
حدثني أبو الطيب أحمد بن روح، قال حدثني علي بن داود، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث بن سعد قال زعموا والله اعلم أنه كان رجل من بني العيص، يقال له حايد بن أبي سالوم من العيص بن إسحق بن إبراهيم ﵉ أنه خرج هاربًا من ملك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر فأقام بها سنين.
فلما رأى عجائب نيلها وما يأتي به جعل لله تعالى أن لا يفارق ساحله حتى يبلغ منتهاه من حيث يخرج أو يموت قبل ذلك، فسار عليه - قال بعضهم ثلاثين سنة في عبر الماء، وقال بعضهم خمس عشرة سنة كذا وخمس عشرة سنة كذا - حتى انتهى إلى بحر فنظر إلى النيل مقبلا فصعد على ساحل البحر، وإذا هو برجل قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فلما رآه استأنس به وسلم عليه، فسأله الرجل صاحب الشجرة وقال له من أنت؟ فقال أنا حايد بن أبي سالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ومن أنت أصلحك الله؟ قال له أنا عمران، فما الذي جاء بك هاهنا يا حايد حتى انتهيت إلى هذا الموضع، فان الله تعالى أوحى إلي أن أقف في هذا الموضع حتى يأتي أمره؟ فقال له حايد أخبرني يا عمران ما انتهى اليك من خبر هذا النيل، وهل بلغك أن احدًا من بني آدم يبلغه؟ فقال عمران قد بلغني ان رجلًا من ولد العيص يبلغه، ولا أظنه غيرك يا حايد، فقال حايد يا عمران كيف الطريق اليه؟ فقال له عمران لست أخبرك إلا أن تجعل لي ما سألتك قال وما ذلك يا عمران؟ قال إذا رجعت إلي وأنا حي أقمت عندي، حتى يوحى إلي بأمرك أو يتوفاني
الله تعالى فتدفنني، قال له لك ذلك علي، قال سر كما أنت على هذا البحر، فإنك تصل إلى موضع فيه دابة ترى أولها ولا ترى آخرها فلا يهولنك أمرها، فاركبها فإنها دابة معادية للشمس، إذا طلعت اهوت اليها لتلتقمها، حتى
[ ٢٤٤ ]
يحول بيتها حجبتها، فاذا غربت أهوت إليها لتلتقمها، فإذا ركبتها فسر راجعا عليها حتى تنتهي إلى النيل فانزل عنها، فإنك ستنزل وتبلغ أرضا من حديد جبالها وأشجارها وسهلها من نحاس، فان جزتها وقعت في أرض من فضة، جبالها وأشجارها وسهلها من فضة، فان جزتها وقعت في أرض من ذهب، جبالها وسهلها من ذهب، فيها ينتهي إليك علم النيل.
فسار حتى انتهى إلى أرض الحديد، ثم منها إلى أرض النحاس، ثم منها إلى أرض الفضة، ثم منها إلى أرض الذهب، فسار فيها حتى انتهى إلى سور من ذهب وشرفه من ذهب، فيه قبة من ذهب لها أربعة ابواب، ونظر إلى الماء ينحدر من ذلك السور، حتى يستقر في القبة، ثم يفرق فيخرج على الانهار الاربعة.
وأما ما يخرج من الثلاثة فيفيض في الارض، وواحد يشق على وجه الأرض وهو النيل، فشرب منه واستراح وأهوى إلى السور ليصعد، فأتاه ملك، فقال له يا حايد مكانك فقد انتهى اليك علم هذا النيل، وهذه الجنة والماء ينزل من الجنة.
فقال إني أريد أن أنظر إلى ما في الجنة، قال إنك لن تسطيع دخولها اليوم يا حايد، فقال أي شئ هذا الذي أراه؟ قال هذا الفلك الذي تدور فيه الشمس والقمر وهو شبه الرحى، قال إني أريد أن أركبه وأدور فيه، فقال بعضهم إنه ركبه في دار الدنيا، وقال بعضهم إنه لم يركبه، فقال له الملك
يا حايد إنه سيأتيك رزقك من الجنة فلا تؤثر عليه شيئًا من الدنيا، فانه لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ فإنه يبقى ما بقيت.
قال فبينما هو كذلك إذ نزل عليه عنقود من عنب فيه ثلاثة الوان لون كالزبرجد الأخضر، ولون كاللؤلؤ الابيض، ولون كالياقوت الاحمر، ثم قال يا حايد قد انتهى إليك علم هذا النيل.
فقال ما هذه الثلاثة التي تفيض في الارض؟ قال أحدها الفرات، والثاني سيحان والثالث جيحان.
[ ٢٤٥ ]
فرجع حايد حتى انتهى إلى الدابة فركبها، فلما أهوت الشمس للغروب قذفت به في الموضع الذي ركبها فيه، فاقبل حتى انتهى إلى عمران فوجده قد مات.
فأقام على قبره ثلاثًا، فأقبل شيخ متشبه بالناس أغر من السجود، فبكى على عمران ثم أقبل إلى حايد فسلم عليه، ثم قال له يا حايد ما الذي انتهى إليك من علم النيل؟ فأخبره، فقال له الرجل هكذا نجده في الكتب.
وكان التفاح قد ظهر في تلك الشجرة من أحسن شئ، فأغراه الشيخ وقال لحايد ألا تأكل منه شيئًا؟ قال معي رزقي قد أعطيته من الجنة ونهيت أن لا أؤثر عليه شيئًا من الدنيا، قال صدقت يا حايد لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح؟ وإنما هذه الشجرة أخرجها الله من الجنة لعمران ليعيش منها فانبتها له في هذه الآرض، وليست من الدنيا وما تركها إلا لك، ولو وليت لرفعت، فلم يزل به حتى اخذ منها تفاحة فبعضه عليها عض الملك على يديه، وقال له أتعرفه؟ هو الذي أخرج أباك من الجنة، أما أنه لو سلمت بهذا العنقود الذي معك لأكل منه أهل الدنيا فلم ينفد فهو الآن مجهودك ان يبلغك، فكان مجهوده أن بلغه.
فأقبل حايد حتى بلغ مصر فأخبرهم بهذا الخبر، ومات ﵀، وتم الخبر الذي اثبته وليس من الأم، ورجع الكلام الى حيث انقطع] (١) .
وقال آخرون تنقسم هذه الأنهار الى اثنين وسبعين قسمًا، حذاء اثنين وسبعين لسانًا للأمم المذكورة.
وقال آخرون إنما هذه الأنهار من ثلوج تنزل في أيامها، وتتكاثق هناك فتحملها حرارة الشمس مرة بلطف ومرة بقوة، فتسيل إلى هذه الأنهار، فتسقي لما أراد الله جل وتعالى من تدبير خلقه.
ونرجع إلى ذكر الوليد لما بلغ جبل القمر رأى جبلًا عظيمًا، فاعمل الحيلة إلى أن صعد عليه ليرى ما خلفه فأشرف منه على البحر الأسود الزفتي النتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالانهار الرقاق، فأتته من ذلك البحر
_________________
(١) ١) إلى هنا ينتهي الكلام الذي زاده الناسخ في النسخة الاصلية. (*)
[ ٢٤٦ ]
روائح منتنة، هلك بها كثير من أصحابه فأسرع بالنزول بعد ان كاد يهلك.
وذكر قوم أنه لم ير هناك شمسًا ولا قمرًا الا نورًا أحمر كنور الشمس عند غروبها وقالوا إنه أقام في غيبته مدة عشرين سنة.
وان عونا علامة تجبر بمصر بعد سبع سنين من مسيره، وادعى انه الملك، وادعى انه لم يكن عبد الوليد، وانه أخوه وله الملك من بعده وريب على الناس، واستعان بالسحرة عليهم وأسنى جوائز السحرة والكهنة، ولم يمنعهم محابهم، فمال إليه الناس ووثقوا بأمره ولم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالًا إلا أخذه وقتل صاحبه.
وكان مع ذلك يكرم الهياكل والكهنة، فكان الناس يمسكون عنه اشفاقًا
منهم من السحرة الذين أطافوا به الى ان رأى في منامه الوليد، وكان يقول له من أمرك أن تتسمى باسم الملك؟ وقد علمت انه من فعل استحق القتل، ونكحت إلى ذلك بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب، وكأنه أمر بقدور فملئت زفتًا ثم غليت على النار وأحميت، وكأنه يغمسه فيها فلما غليت أمر بنزع ثيابه، فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من ايديهم وعلق به في الجو، فجعله في هوة على رأس جبل، وكأنه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حمأة منتنة.
فانتبه مذعورا طائر القلب، وكان في طول فعله ذلك في تملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة يكاد عقله أن يزول فرقًا منه، لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته.
وكاد مرة يوقن بهلاكه لطول غيبته وانقطاع خبره، وكان مرة يخاف أنه حي.
فلما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد، فاضمر في نفسه الهرب من مصر في الأموال، فأطلع بعض السحرة ممن كان يثق به على أموره.
[ ٢٤٧ ]
وقال له إني خائف من الوليد، وقد عزمت على الهرب من مصر، فما عندكم؟ قالوا له نحن نحميك على أن تقبل منا، قال قولوا، قالوا له نعمل عقابًا وتعبده، فان الذي خلصك منه في نومك هو بعض الروحانيين، وهو يريد منك أن تعمل صورته فتعبده.
قال عون أشهد لقد قال لي وأنا أسمع: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه.
قالوا لقد بينا نحن لك ذلك.
فسمع منهم وعمل عقابًا من ذهب، وعجل عينيه من جوهرتين موشحتين بأصناف العمل الغريب.
وعمل له هيكلًا لطيفًا وجعله في صدره، وأرخى عليه ستور الحرير، فأقبل عليه السحرة على خدمته بالبخور والقربان، الى أن نطق لهم، فأقام عون على عادته ودعى الناس الى ذلك فأجابوه، فلما مضت لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله اليها فتكون حرزًا له ومعقلًا من كل أحد، فأمر عون كل فاعل بمصر أن يجتمعوا له، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا اليه ارضا حسنة الاستواء، ويكون المدخل فيها بين فجوج صعبة وجبال وعرة، ويتوخى ان تكون تلك الأرض قريبة من مغاض المياه، فكان مغيض الماء هو اليوم الفيوم وكان مغيضا لمياه النيل، حتى أصلحه يوسف ﵇، وأنما أراد عون قرب مكان المدينة من مغيض المياه ليجري اليها الماء منها، فخرج أصحابه يطوفون في الأرض، فأقاموا في ذلك شهرًا حتى وجدوا له بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس ممن كان يفتت الصخور ويقطعها ويعمل شيئًا مما يصلح للبنيان إلا وجهه، وأنفذ معهم ألف فارس في طاعتهم، وانفذ معهم جميع الآلات، وأقام في توجيه الزاد اليهم شهرا على العجل، وطرق العجل اليوم ظاهرة واضحة في صحراء الغرب من خلف الأهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب وهي بنية مشهورة.
[ ٢٤٨ ]
فلما تكامل لهم ما يريدونه من قطع الحجارة ونحتها أعدوا من العدد، وخطوا موضع المدينة وجعلوه فرسخين في مثلهما، وحفروا في وسطها بئرًا، وجعلوا في تلك البئر تمثالًا من نحاس صورة خنزير ونحاسة بأخلاط، وجعلوا وجهه إلى الشرق.
وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له وهو في شرفه.
واخذوا خنزيرًا فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئًا من شعره وعظامه ولحمه ودمه ومرارته، فجعلوا ذلك في جوف خنزير من النحاس ونقشوا عليه آيات زحل.
ثم شقوا في البئر أخدودًا من أربعة أوجه المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع فيها بباب من أبواب المدينة، ووصلوا ما بينها بالمنازل الحسنة والطرقات، وجعلوا حول القبة تماثيل من نحاس بأيديهم حراب، ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب.
وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، وفوقه حجر أحمر، وفوقه حجر اخضر، وفوقه حجر أصفر، وفوق الكل ابيض شفاف، مثقبة كلها بالرصاص المصبوب بينها، وفي قلوبها أعمدة الحديد على صفة بناء الأهرام.
وجعل طول حصنها ستين ذراعًا ونصف ذراع، وعلى كل باب من أبوابها على أعلى الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، أجوف ناشر الجناحين، وعلى كل من أركان المدينة صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبيب الى الباب البحري، ويخرج إلى بطائح هناك، وكذلك من الباب الجنوبي الى الشمالي.
وقرب لتلك العقبان عقبانا ذكرا ولطخها بدمها، واجتلب الرياح الى أبواب التماثيل فكانت الرياح إذا دخلتها يسمع لها أصواب شديدة، لا يسمعها أحد إلا هالته، وضمدها بعقارب مطلسمة تمنع الناس من دخولها إلا أن يكون مع الغريب الداخل إليها أحد من أهلها، ونصب العقاب الذي يتعبد
[ ٢٤٩ ]
له تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها شيطان مشوه، وجعلها على عمود زبرجد، فكان العقاب يدور على كل جهة من الجهات الأربع، ويقيم كذلك ربع السنة يقرب اليه من جهته.
فلما فرع من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر، وما وجد في خزائن الملوك من التماثيل والحكم، وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك.
وحول اليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والمهن، وقسم المساكن التي بناها بينهم، لا يختلط بعضهم ببعض، وبنى حول سورها ربضا يحيط بها، وبنى فيه مساكن لأصحاب مهن الحرث والزرع وغير ذلك، وما يتعلق بالعمارة.
وعقد على ما أجراه من الأنهار قناطر يجوز عليها الخارج من المدينة والداخل اليها، وجعل الماء يدور حول الربض، ونصب عليه أعلامًا ثم غرس ما وراء ذلك كله بأجناس الأشجار وغرائبها، فأقام بها من الجنات كل غريبة حسنة كثيرة الفوائد، ثم جعل ما وراء ذلك مزارع لكل نوع من الحبوب، فاستغل بذلك كله أعظم الغلات.
وكان يرتفع اليه منها في السنة ما يكفيه عشر سنين، وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام، فكان يخرج اليها فيقيم بها عشرة أيام، ثم يعود إلى منف.
وكان لتلك المدينة أربعة أعياد في السنة في كل وقت يتحول فيه العقاب إلى الجهات الأربع، فلما تم لعون ذلك اطمأن قلبه وسكنت نفسه.
الى ان وافاه كتاب الوليد من ناحية النوبة، يأمره أن ينفذ اليه الأزودة، وينصب له الأسواق، فوجه عون ذلك كله من أحسن شئ وأتمه في المراكب
وعلى الظهر.
وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات الملوك من مصر وكبرائها إلى
[ ٢٥٠ ]
المدينة المبنية، فلما قرب دخول الوليد مصر تحول هو الى مدينته فتحصن بها وخلف للوليد خليفة يكون بين يديه.
فدخل الوليد مصر فتلقاه الناس، فشكوا إليه عونا، وما حل بهم منه، فقال: وأين عون؟ قالوا: فر عنك وتحصن دونك.
فاغتاظ وأمر أن ينفذ اليه جيش كثيف، فعرفوه كيف بنى مدينته وأسكن فيها معه من السحرة، وأن امره صعب فما يكون إلا بعد نظر شاف واستعداد كاف، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، ويحذره التخلف عنه، ويقسم عليه إن لم يفعل وظفر به يبضع لحمه بعد المبالغة في عذابه.
فرد عليه عون جوابا يقول فيه: ما على الملك مني في هذا الموضع؟ ولا أتعرض لبلده، ولا أعبث في شئ منه لأني عبده، وأنا في هذه الجهة حام له من كل عدو يقصده من ناحية من نواحي الغرب، ولا أقدر على المسير اليه لخوفي منه على نفسي، فليقرني الملك على حالي كأحد عماله، وأوجه اليه في كل وقت ما يلزمني من خراجه ومن هداياه، ووجه مع الجواب أموالا جزيلة جليلة وجوهرا نفيسًا، فلما رأى الملك ذلك قنع به، وكف عنه.
فأقام الوليد بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم واموالهم مائة سنة وعشرين سنة، فأبغضوه وشتموه.
وأنه ركب في بعض الايام متصيدًا، فألقاه فرسه في هوة من الأرض فقتله، وأراح الله الناس منه.
وكان ابنه الريان ينكر فعله ولا يرضاه منه، فلما هلك عمل له ناووسًا
قرب الاهرام، وقيل إنه دفن في أحد الأهرام.
ثم ملك بعده ابنه الريان الملك، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه نهراوس، فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه، عاقلا متمكنا من العلم، فدخل عليه الناس وهنأوه ودعوا له، فتكلم بجميل، ومنى الناس ووعدهم بالاحسان، وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فدعوا له وأثنوا عليه وشكروه.
[ ٢٥١ ]
فأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ممن حضر مجلسه، فخرجوا عنه شاكرين له محبين فيه، فملك وأحسن.
وتمكنت منه أريحية الصبا، فملك على البلد رجلًا من أهل بيته يقال له المعين (١) وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز، وكان من أولاد الوزراء عاقلا متمكنا من عقله حصيف الرأي، كثير نزاهة النفس، مستعملًا للعدل والصلاح، وأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه.
وكان يغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمال وجميع الوزراء والكتاب بين يديه عند مسيره وعند رجوعه.
فقام بالملك، وكفى الملك مهمه، وأصلح جميع الأمور، ووطأ البلاد، وأمن الناس، وأقام سوق العدل.
والملك نهراوس منغمس في لذاته، معتكف على لهوه، لا ينظر في عمل ولا يفكر في أمر ولا يخاطبه أحد، فأقاموا لذلك حينًا من الدهر، والبلد عامر، والخراج مدر.
يقال إنه بلغ في وقته تسعة وتسعون الف ألف مثقال (٢) فجعلها أقسامًا فما كان له ولنسائه ولمائدته حمل اليه، وما كان في أرزاق الجيوش والكهنة
والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصانع البلد وإصلاح العقار والحرث والغرس وأصحاب المهن حمل اليهم، وما فضل عن ذلك كله حمل إلى خزائن الملك في قصره.
ونهر اوس مع ذلك غير ناظر في شئ من ذلك ولا سائل عنه، وقد عملت له عدة متنزهات على عدة أيام السنة، فكان في كل يوم في موضع منها، فاذا كان من الغد انتقل الى موضع آخر في كل يوم في موضع من الفرش والآنية ما ليس في غيره.
فلما اتصل ذلك بملوك النواحي طمعوا فيه واستضعفوه، فقصده رجل من
_________________
(١) ١) في ق: يقال له قطفير. ٢) في ق: سبعة وستين ألف ألف مثقال من الذهب. (*)
[ ٢٥٢ ]
العمالقة يقال له عابد بن سجوم، ويكنى بأبي قابوس، فسار قاصدًا الى مصر حتى نزل على حد من حدودها.
فأنفذ اليه العزيز جيشًا وجعل عليه قائدًا يقال له دوناس، فقتله ذلك الملك وهزم عسكره، ودخل حدود مصر فهدم أعلامًا ومصانع كثيرة، واشتد طمعه في مصر وجهاتها.
واتصل خبره بأهل مصر فاعظموا ذلك وأكبروه واجتمعوا إلى العزيز، فأمرهم أن يسيروا الى قصر الملك، فأتوا الى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون، فسمعهم نهراوس، فسأل عن حالهم، فأخبر خبر العمالقي وأنه قد دخل حدود مصر وعاث فيها، وأفسد مزارعها وغير مصانعها، وهدم أعلامها وأنه مقبل بجيوشه يريد قصر الملك، فارتاع لذلك وأنف منه، وانتبه من غفلته.
وتذكر القبط أنه سمع نياح الجن على أبيه، فارتاع لذلك فعرض جيشه
وأصلح أمره، وخرج إلى العمالقي واتبعه الى حدود الشام.
وقتل أكثر اصحابه، وأفسد الزرع وقطع الأشجار، وأحرق الديار، وصلب من أسره من الجيوش، ونصب أعلامًا على الموضع الذي بلغه أي لمن جاوز هذا المكان.
وقيل إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجًا، وبنى عند العريش مدينة عظيمة وشحنها بالرجال وملأ تلك النواحي بالجنود، وانصرف إلى مصر، فلما فعل ذلك هابته الملوك، وفزعوا منه وأعظموه وهادوه وصالحوه.
ولما استقر بمصر حشد جنوده من جميع الأعمال، واستعد لغزو ملوك الغرب، فخرج في تسعمائة ألف [مقاتل] واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل في طاعته، ومنهم من بذل الأموال والذخائر وصالح بلده، ومنهم من قهره واستباحه.
[ ٢٥٣ ]
ومر بأرض البربر فأخذ كثيرًا منها، ووجه قائدًا يقال له مريطس، فركب في سفن كثيرة، وأخذ سواحل البحر فقتل بعض البربر، ودخل أرضهم وصالحه بعضهم، وحملوا اليه الأموال.
ومضى الملك إلى إفريقية وقرطاجنة، فصالحوه على ألطاف وأموال كثيرة حملوها اليه.
ومر حتى بلغ مصب البحر الأخضر إلى بحر الروم، وعمل هناك صنما من نحاس وهو الموضع الذي فيه الأصنام القديمة، وأقام تحته علمًا عظيمًا زبر عليه اسمه وتاريخ الوقت، وصفة الأمر الذي خرج اليه، وضرب على أهل تلك النواحي خراجًا.
وعبر إلى الأرض الكبيرة وسار إلى الافرنجة وسار إلى الأندلس، وصاحبها عند ذلك اللاذريق، فحاربه أيامًا، وقتل من اصحابه خلقًا كثيرًا.
وصالحوه بعد ذلك على ذهب كثير في كل سنة يحمل اليه، وعلى ان لا يغزو أحدًا في البحر ولا في البر شيئًا من حدوده، من جميع من في تلك النواحي، وعلى أن يمنع من رام شيئًا منهم من ذلك ويغالبهم عنه.
وانصرف راجعًا عنه، فسار على عبر البحر مشرقًا على بلاد البربر.
فلم يمر بموضع إلا خرج اليه أهله وأهدوه ودخلوا في طاعته، ومشوا بين يديه.
وأخذ إلى ناحية الجنوب، فمر بناحية الكوفاس (١) وهي أمة عظيمة فحاربوه فقتل منهم خلقًا كثيرًا.
وبعث قائدًا له إلى مدينة على ساحل البحر المظلم، فخرج اليه ملك المدينة وأهلها يسألونه ما هو وما قصده؟ فعرفهم القائد بحال الملك الريان وإذعان الملوك له ومصالحتهم إياه.
فقالوا له أما نحن فما بلغنا أحد قط ولا رأيناه ولا ضرنا أحد ولا ضاررناه.
وأخرجوا اليه مالا وجوهرًا.
وصالحوه على
_________________
(١) ١) في ق: الكوشانيين على معبر البحر الاسود. (*)
[ ٢٥٤ ]
مدينتهم.
فقبل ذلك منهم.
وسألهم هل ركب هذا البحر أحد قط؟ فقالوا جميعهم إنه ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أيامًا.
ثم أتاهم الملك الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها التوت وحجارة سود.
فاذا جعلت في الماء صارت بيضاء.
وسار على امم السودان حتى بلغ إلى مملكة الزموم (١) الذين يأكلون
الناس، فخرجوا اليه عراة بأيديهم حراب الحديد، وخرج ملكهم على دابة عظيمة الخلق لها قرون، وكان جسيمًا أحمر العينين فصبر للحرب صبرًا عظيمًا ثم ظفر به الريان، فانهزموا في أوحال وأدغال وغيران وجبال وعرة، فلم يتهيأ له أتباعهم فيها.
فجاوزهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة خفاف يلتفون بها من غير ريش، ومر على البحر المظلم، فلما أمعن في السير فيه غشيهم منه غمام فرجع متيامنا، حتى انتهى إلى جبل نبارس، فرأى فوقه تمثالًا من حجر أحمر يومئ بيده، أن ارجعوا وعلى صدره مزبورًا " ما وراثي احد ".
وانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل اليها، ثم مضى في الوادي المظلم، فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون شيئًا منه لشدة ظلمته.
ثم سار حتى انتهى إلى وادي الرمل فرأى على عين أصنامًا عليها اسماء الملوك قبله، فأقام صنمًا وزبر عليه اسمه، فلما عدا وادي الرمل جاز إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود المظلم، فسمع جلبة وصياحًا هائلًا، فخرج في شجعان من أصحابه يتبعون ذلك الصياح حتى أشرف على سباع عظيمة غريبة الخلق مخزمة الأنوف وبعضها يغير على بعض فيأكل بعضها بعضًا، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع وعدى وادي الرمل، فمر بأرض العقارب فأهلكت بعض أصحابه فرجعوها عن أنفسهم بالنار وبالرقا والعزائم التي كانوا قد عرفوها حتى جاوزها.
_________________
(١) ١) في ق: الدمدم. (*)
[ ٢٥٥ ]
وسار حتى انتهى إلى أرض سلوقة (١) وكانت بها حية تخرج عن الحد والمقدار، فرأوها ممتدة فظنوها ميتة، فهمموا عليها فوجدوها حية.
فرجعوا عنها هاربين وتعوذوا منها بالرقا.
وتزعم القبط أنه سحرها، ومنعها من الحركة، وتركها على حالها، فلم تتحرك حتى هلكت ويقال إن طول هذه الحية ميل وإنها كانت تبتلع الفيلة.
وسار إلى مدينة الكند وهي مدينة الحكماء، فهربوا إلى جبل وعركان لهم صعدوا اليه من داخل مدينتهم من مواضع لا يقدر هو ولا أصحابه على الصعود فيها، فأقام على تلك الطريق يحرسها حتى عدم الماء، ولم يجد منه شيئًا وضاع أصحابه، وكادوا أن يهلكوا عطشًا.
فنزل اليه رجل منهم يقال له ميدوش وكان من أفاضل الحكماء وقد غطى شعره جسده، فقال له أيها الملك المغرور أين تريد، وقد مد لك في الأجل، ورزقت فوق الكفاية؟ ففيم تتعب نفسك وجيشك، هلا قنعت بما تملكه، واتكلت على خالقك الذي وهبك الغنى، وأعانك بهذا الخلق! فعجب نهراوس من قوله وسأله عن الماء فدله عليه.
وسأله عن موضعهم إذ لم يكن أصاب في جيشهم أثرًا لسكناهم.
قال نحن في موضع لا يصل اليه أحد.
قال فما معاشكم؟ قال من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع فيقيتنا ويكفينا اليسير منه.
قال فمن أين تشربون؟ قال من غدران لنا في الأرض يجتمع اليها الماء من الامطار والثلوج.
قال فلم هربتم عنا؟ قال رغبة عن جواركم، وزهادة في خلطتكم وكراهة لقربكم، وإلا فليس لنا ما نخافكم عليه.
قال فأين تكونون إذا حميت الشمس؟ قال في غيران لنا تحت هذا الجبل.
قال فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم؟ قال إنما يحتاج إلى هذا المال أهل
_________________
(١) ١) في ق: صلوفه. وهي حية عظيمة كأنها جبل. (*)
[ ٢٥٦ ]
البذخ.
ونحن لا نستعمل شيئًا منه فاستغنينا عنه بما قد اكتفينا به.
ومع ذلك فإنا قد رزقنا منه ما لو رأيته لحقرت ما عندك.
قال فأرنيه! قال فسر معي، قال فانطلق الملك ونفر من أصحابه معه إلى أرض في سفح جبل يتصل بهم فرأوا فيه قضبان الذهب نابتًا، وأروه واديًا لهم على حافتيه حجارة الزبرجد والفيروزج.
فأمر نهراوس أصحابه أن يتخيروا من جياد تلك الحجارة، ويحملوا منها ما يقدروا عليه ففعلوا، ورجع بهم إلى مصر فرأوا قوما من أهل العسكر يحملون صنما لهم ويعظمون امره، فجزع من ذلك، وسأل [الرجل] الملك أن يقيم بأرضهم، ونهاه عن عبادة الأصنام وخوفهم منها.
فسأله نهراوس أن يدله على الطريق، ففعل وودعه وسار على السمت الذي وصفه له، فلم يمر على امة إلا أثر فيها أثرًا إلى أن بلغ الى ارض النوبة، فصالح أهله على ما يحملونه اليه ثم أتى إليه دنقلة فأقام بها علما وزبر اسمه عليه ومسيره وجميع ما عمله في سفرته تلك.
ثم سار منها يريد منف فلم يبق احد إلا خرج إليه مع العزيز، وتلقوه بأصناف الطيب والرياحين والبخورات والملاهي وغرائب الالعاب.
وكان العزيز قد بنى له مجلسا من الزجاج الغريب الابيض الصنعة الملون، وجعل فيه صهريجًا من زجاج سماوي، وجعل في ارضه سمكا من الزجاج الغريب فلما دخل منف أنزله العزيز في ذلك المجلس، وأقام الناس أيامًا في لهو وسرور يأكلون ويشربون.
وأمر بعرض جيشه ففقد سبعين ألفًا، وقد كانوا خرجوا في ألف ألف، وكانت غيبته أحد عشر عامًا.
ولما سمع الملوك بذكر ما عمل في سفره، وما غلب من الأمم، وما فتح من البلاد، وقتل وأسر من الخلق هابوه وخافوه، لشدة بأسه وعظيم سلطانه.
أخبار الزمان - م (١٧)
[ ٢٥٧ ]
وتجبر نهراوس فبنى في الجانب الغربي قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما فكان يغشاها أبدًا، ويقيم فيها اياما كثيرة، وكان الخراج في وقته تسعة وتسعين ألف ألف، فامر بالزيادة في طلب العمارات، وطلب وجوه الزيادة فيها من احسن الطرقات لا من رديئها.
وأمر باصلاح الجسور في الجهات، والتحمل في أن يزيد الماء في انبساطه في الأرض، ففعل ذلك كله حتى وافى الخراج مراده وزاد عليه.
وقالت القبط: إن في مدته دخل البلد غلام من الشام له أخوة يحسدونه، فاحتالوا عليه حتى بيع من تجار يقصدون مصر، وكانت قوافل الشام تعرس بمصر بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام للبيع ونودي عليه، وهو يوسف الصديق ﵇، فبلغ وزنه ذهبا ووزنه فضة، فاشتراه العزيز ليهديه للملك، فلما أتى به إلى منزله رأته زليخا امرأته، وكانت ابنة عمه فقالت له اتركه عندنا نربيه ففعل، وكان من أمره معها وعشقها له ما قصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم حبها عنه، حتى غلبها الأمر، فتزينت له وجاءته فعرفته عشقها له، وأنها مطاوعة له في كل ما يريده منها، وأنها لابد لها منه، وحبته بمال عظيم، فامتنع عليها، ولم يجد عنها مهربا، فرامت تقبيله فأبى عليها، فهجمت عليه ولم تزل تعاركه وهو يمتنع إلى ان دخل زوجها فوجده هاربا
عنها وكان عنينا لا يأتي النساء، فقال لهما ما هذا فجعل يوسف ﵇ يعتذر اليه، وقالت هي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر كان منها.
فقال ليوسف ﵇ أعرض عن هذا أي عن اعتذارك، وقال لزليخا استغفري لذنبك، فانك قد أخطأت.
واتصل خبر الغلام وجماله بالملك، وأن العزيز ابتاعه له، فلما لم يره سأله عنه انكر المعين أمره وغير له خبره، وغلظ فيه عليه، وثقف الغلام عنده في القصر ومنعه الخروج فنسي خبره.
[ ٢٥٨ ]
وكان نهراوس قد عاود الانعكاف على اللذات، والاحتجاب عن الناس لما كان العزيز كفاه من أمر الملك والرعية.
واتصل خبر زليخا مع يوسف ﵇ بنساء من نساء اصحاب الملك فعيرنها بذلك.
فأحضرت منهن جماعة وعملت لهن طعامًا، فلما أكلنه أحضرت لهن شرابًا، وأجلستهن مجلسين مجلسًا حذاء مجلس، مذهبين جميعًا، وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب، وأرخت عليهما ستور الحرير والديباج.
وجلسن فيهما للشراب وقدمت بين ايديهن فاكهة كثيرة، وسكاكين أنصبتها من الجوهر، وقالت لهن اقطعن من هذه الفاكهة بهذه السكاكين، ويقال إن الذي كان ينزل بين ايديهن أترج وهو المتكأ، فأمرت المواشط بتزيين يوسف ﵇.
وإخراجه إلى المجلس الذي كانت تجلس هي فيه والنسوة للشراب.
وكانت الشمس ذلك الوقت محاذية لذلك المجلس.
فأخذته المواشط ونظمن شعره باصناف الجوهر.
وألبسنه ثوب ديباج اصفر منسوج
بدوائر مذهبة.
وفيها صور خضر صفار.
وعدلن شعره على جبينه إلى قرب حاجبيه.
ووصلن جبهته، وعقربن على خديه صدغيه، ورددن ذؤابته على صدره.
ودفعن اليه بمذبة ذهب شعرها أخضر.
فلما فرغ النسوة من أكلهن وجلسن للشراب، وأحضرت الفواكه وسقتهن أقداحًا دفعت اليهن السكاكين، وقالت لهن قد بلغني ما أخذتن فيه من أمري مع عبدي.
فقلن لها إن الامر على ما بلغك إلا أنك أعلى عندنا قدرًا من هذا ومثلك يرتفع عن اولاد الملوك لحسنك وشرفك وعقلك، فكيف كنت ترضين بعبدك؟ قالت لم يبلغكن الصدق عني.
ولم ارض لنفسي بذلك، فلو رضيته لكان هو اهلا لذلك، وشارت إلى المواشط باخراجه، فرفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها
[ ٢٥٩ ]
واقبل يوسف ﵇ والمذبة بيده، وهن يرمقنه، محاذيا للشمس.
فأشرق المجلس وما فيه بوجه يوسف ﵇ وارسل مع نور الشمس شعاعا فكاد يخطف ابصارهن.
واقبل يوسف ﵇ والمذبة بيده وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذب عنها، وهن لا يعقلن، وقد وضعن تلك السكاكين على أيديهن وأصابعهن، فقطعنها مكان الفاكهة ولا يشعرن بذلك ولا يجدن ألما وهي تخطبهن فلا يفهمن خطابها للذي أدهشهن من النظر إلى وجه يوسف ﵇.
فقالت لهن زليخا ما لكن قد اشتغلتن عن فهم خطابي بالنظر إلى عبدي؟ فقلن معاذ الله أن يكون هذا عبدك أو يكون هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم، ولم تبق منهن واحدة الا أنزلت وحاضت من محبته.
فقالت لهن زليخا عند ذلك فهذا الذي لمتنني فيه، فقلن لها ما ينبغي لأحد أن يلومك بعد هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، وقالت قد فعلت فأبى على فخاطبنه إن قدرتن وأعدنه الخير مني وحذرنه عقوبتي على رده لي، فكانت كل واحدة منهن تدعوه إلى نفسها سرًا، وتبذل له ما قدرت عليه وهو يمتنع، فاذا قطعت رجاءها منه لنفسها حينئذ خاطبته عن زليخا، وقالت له مولاتك تحبك وأنت تكرهها، وما ينبغي أن تخالفها وهي تبلغك إلى افضل المنازل، وتعطيك من الأموال والجواهر فوق ما يرضيك، فيقول ما لي بذلك من حاجة، فلما رأين ذلك منه أجمعن على أخذه غصبًا.
فقالت زليخا ما يجوز ذلك ولا يمكن، ولكنه ان لم يفعل لامنعنه اللدات، ولأنزعن عنه جميع ما أعطيته ولأسجننه.
فقال يوسف ﵇ رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، فأقسمت بالهها، وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد أنه إن لم يجبها إلى ما تريده لتعجلن له ذلك وكشفت عن الصنم واستعانته على أمره، ثم أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يحبسه لها ليزول عنها ذكرها به فمال إلى قولها لئلا يظن الناس بأهله القبيح، وعسى [أن] ينفي عنها القالة بذلك.
[ ٢٦٠ ]
فأمر بحبسه فحبس.
فأقام في السجن بضع سنين.
ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال له إن فلانا [وفلانا] (١) قد عزما على قتلك، وكان صاحبي طعامه وشرابه.
وفي غد تقف على أمرهما.
فلما أصبح قررهما فاعترفا وقيل اعترف احدهما، وأنكر الآخر فامر بحبسهما وكان اسم صاحب الشراب مرطيس.
وكان يوسف ﵇ برا رؤفا بأهل السجن، يصبرهم ويعظهم ويعدهم
بالفرج، ويفسر احلامهم.
إلى أن اخبره صاحب طعام الملك وصاحب شرابه برؤياهما كما جاء به القرآن، فأخرجا من السجن.
وكان كما أخبرهما ان قتل أحدهما وهو الذي اقر ونجا الآخر الذي لم يقر.
وهو صاحب الشراب.
ولما رأى الملك في نومه البقرات والسنابل وأراد أن يعبر رؤياه عرفه الساقي خبر يوسف ﵇.
فأرسل إليه الى السجن ففسرها له وقيل إن الملك قال للرسول سله عن الرؤيا قبل أن تقصها عليه ففعل.
فقال الملك عند ذلك فجئني به.
فرجع الرسول إليه ليخرجه ويحمله إلى الملك.
فقال له يوسف ﵇ لست أخرج حتى يكشف الملك عن امر النسوة اللاتي قطعن ايديهن وحبست من اجلهن.
فأمر الملك في الوقت، فأحضرت زليخا والنسوة وكشف عن حقيقة الأمر فوقف عليه، وأقرت زليخا والنسوة بما كان منها.
فوجه الملك إليه وأخرج من السجن وغسل من دونه ونظف وألبس من الثياب ما يليق به مثله على الملك.
فلما دخل على الملك ورآه امتلأ قلبه من حبه.
فانزله وأكرمه وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما قال الله عزوجل في كتابه.
فقال الملك ومن يقوم بذلك؟ فقال له يوسف ﵇ أنا فإني به عليم.
فخلع عليه خلع الملك وألبسه تاجا.
وأمر أن يطاف به، ويركب الجيوش
_________________
(١) ١) في ب: ان فلانان. (*)
[ ٢٦١ ]
معه.
ويرد إلى قصر الملك، ويجلس على سرير العزيز، فكان ذلك واستخلفه الملك مكانه وسماه العزيز.
وقال قوم كان العزيز قد هلك، فتزوج يوسف ﵇ امرأته، فلما
خلا بها قال لها هذا أفضل مما كنت أردت؟ فقالت له إن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيبتك إلا صبا قلبها إليك.
فأقام يوسف ﵇ يدبر ملك مصر كيف شاء، وجاءت سني الخصب فاخذ يوسف غلاتها فخزن اكثرها في سنابلها، واشترى الغلات الجسيمة، وأكثر غلات الناس، وخزن من ذلك ما لا يحصر قدره.
ثم جاءت سني الجدب وبدأ النيل في النقصان، فكان ينقص في كل سنة اكثر من نقصانه في السنة التي قبلها، فغلا السعر حتى بيع المأكول بالجوهر والمال والثياب والآنية والعقار.
وكاد أهل مصر أن يرحلوا عنها لولا تدبير يوسف ﵇، وقحط أهل الشام، فكان من قصة إخوة يوسف ما قصه الله تعالى في كتابه.
ووجه يوسف إلى أبيه فحمله إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر، فتلقاه وأدخله على الملك، فأحبه الملك وعظمه.
فقال له يا شيخ كم سنك، وما صناعتك، وما الذي تعبده؟ فقال له أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها فنحن ننتفع بها ونعيش منها، وأما الذي أعبده فرب العالمين، وهو رب آبائي وآبائك وإلهي وإلهك وإله كل مخلوق وخالق كل شئ.
وكان في مجلس الملك كاهن عظيم القدر عندهم، يقال له فيناس، فلما سمع قول يعقوب ﵇ ضاق به ذرعا، وقال لنهراوس بلغتهم إنه يجري خراب مصر على يد ولد هذا فقال له نهراوس، فبين لنا خبره.
قال فيناس ليعقوب ﵇ إن كل إله لا تراه العيون فليس بشئ، فغضب يعقوب ﵇، وقال كذبت أي عدو الله، وطغيت في هذه الدنيا، إن الله تعالى شئ وليس كالأشياء، وهو خالق كل شئ لا إله غيره.
[ ٢٦٢ ]
قال فصفه لنا، قال إنما يوصف المخلوق لا الخالق عزوجل، لأنه ارتفع عن الصفات، فهو واحد قديم أول أزلي قاض بكل شئ مدبر لكل شئ بلا كيف هو، حاضر في كل مكان لم يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات البحر، ولا اعماق الأرض، ولا في اطباق السموات وهو يرى ولا تراه العيون ولا يحيط به فكر ولا يحويه مكان، وكان قبل المكان والزمان، وخلق المكان والزمان.
ثم قام يعقوب ﷺ مغضبا ليخرج، فأجلسه الملك وأمر فيناس ان يكف عنه، ويأخذ في غير ذلك، قال كم عدة من دخل معك من الرجال؟ قال ستون رجلا.
قال فيناس للملك كذلك نجد في كتبنا ان خراب مصر يجري على يد قوم يدخلون مصر في هذا العدد من الشأم من صنف هؤلاء.
قال الملك أيكون ذلك في ايامنا؟ قال لا ولكن إلى أمد بعيد، ولكن الصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا.
قال الملك نهراوس إن كان الأمر كما تقول فلا يمكننا دفعه ولا علينا منه ضرورة إذا لم نخف أن يجري ذلك في مدتنا أن نقتل هؤلاء القوم، وهم يذكرون أمر إله عظيم.
وغيرنا ممن يخاف أن يدور ذلك عليه أحق بالنظر فيه، وقد قبل قلبي قول هذا الرجل، وأعجبني امره، وهو شيخ جليل القدر، وليس إلى إذايته سبيل، فخاطبه بألين كلام وناظره إن شاء مناظرتك.
فجرت بين يعقوب ﵇ وبين فيناس بعد ذلك مخاطبات لين له فيها القول، وظهر فيها يعقوب ﵇ [عليه] .
وأحب يعقوب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وعجائبها وسحرها وطلسماتها، فسأل عن قليل ذلك وكثيره فيناس عند خلوته به.
واستحلفه بحق فرعون أن لا يكتمه شيئا منه، فوصف له ذلك كله وبينه وشرح غرائبه، حتى لم يخف عن يعقوب ﵇ شيئا منها.
[ ٢٦٣ ]
فأقام يعقوب بمصر ونهر اوس يجله ويعظمه إلى ان حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشام، فجعل في تابوت، وخرج معه يوسف ﵇ ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه، ودفن فيه ﵇، وقيل إن عيصو منعه من دفنه هناك لأن إسحق ﵇ وهبه الموضع، فاشتراه يوسف ﵇ منه بحكمه، ودفنه فيه.
وأقام يوسف بمصر وولد له فيها، ويقال إن نهراوس آمن بيوسف ﵇، وكتم أيمانه خوفا من فساد ملكه.
وملك نهراوس مائة وعشرين سنة، وفي وقته عمل يوسف ﵇ الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد تنقصوا الملك، وقالوا قد كبر وذهب عقله، فاخبهر يوسف ﵇، فقال نهراوس ما أبالي ولكني قد وهبت لابنتي ناحية كذا وكذا، وهي مغايض مياه ومروج، وأحب أن أدفع عنها صبيب المياه وأخرج عنها ما حصل فيها حتى ترجع ارضا عامرة مغلة، فاعمل في ذلك واحكم ما يمكن.
فخرج يوسف ﵇ فدبرها وأخرج المياه منها، وقطع مادتها منها، وبنى جسورها وقلع أدغالها وردها ارضًا عظيمة العمارة جسيمة الغلة، وهي أرض الفيوم، وفرغ من ذلك كله في مدة قريبة، فعجب الناس من فطنة الملك وحكمة يوسف ﵇.
ويقال أن نهراوس أول من بنى بمصر (١) وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسومًا موزونًا، ثم مات نهراوس.
واستخلف ابنه دريموس، ويسميه أهل الأثر داروم (٢) بن الريان وهو الفرعون الرابع عندهم.
ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، لأن أباه أمره بذلك وأكد عليه فيه، فكان يوسف ﵇ يسدده فربما قبل منه وربما خالفه.
_________________
(١) ١) هكذا بالاصول، ولعل الصواب من بنى الجسور بمصر، أو بنى خزانا بمصر. ٢) في ق: دارم. (*)
[ ٢٦٤ ]
وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أميال من النيل، فأثار منه شيئًا عظيمًا، وعمل منه صنمًا على اسم القمر، لأن طالعه كان على السرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان ابوه بناه في شرقي النيل.
ونصب حوله أصنامًا كلها من فضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيدًا في كل شهر، وهو إذا دخل القمر بالسرطان.
وكان ينتقل إلى مواضع شتى يتنزه، وكلما أراد أن يضر الناس منعه يوسف ﵇ من ذلك ودفعه عن رأيه بأي وجه أمكنه، إلى ان مات يوسف ﵇ وله مائة وثلاث وعشرون سنة، فأمر به داروم فكفن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت رخام، ودفن في الجانب الغربي من النيل وخصب، ونقص الجانب الشرقي.
فاخرج تابوته من الجانب الغربي ونقل إلى الجانب الشرقي فدفن فيه ونقص الجانب الغربي.
فاتفق رايهم أن يجعلوه في الجانب الغربي سنة وفي الشرقي سنة، ثم حدث
لهم من الرأي أن شدوا حول التابوت حلقا من نحاس وثاقا ثم ربطوه بحبال وشدوه شدا وثيقا محكما ولووه لويا وثيقا ثم دلوه في وسط النيل، وتركوه هناك فأخصب الجانبان جميعًا وقيل إن داروم استوزره بعد بلاطس (١) الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف ﵇ منعه عنه، وعمله على أذى الناس وأخذ أموالهم، فبلغ بهم من ذلك مبلغًا كبيرا.
فكان لا يسمع بامرأة حسناء إلا وجه إليها فحملت إليه.
وفشا ذلك في المملكة وأضطرب الناس من فعله.
فخاف بلاطس ان يفسد أمن المملكة، ويتلف الملك من فعله، فدخل اليه وأشار عليه أن يتودد الى الناس، ويعتذر منهم ويرد نساءهم، فأمره
_________________
(١) ١) الصواب: استوزر بعده بلاطس. أخبار الزمان - م (١٨)
[ ٢٦٥ ]
الملك أن ينادي في الحضور ثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس اليه فشكوا اليه ما حل بهم، فاعتذر اليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل.
إلى أن ركب في ذلك القصر يومًا، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل الى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركبًا لطيفًا مع ثلاثة نفر من خدمه
وامرأة أبيه الساحرة.
فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة، فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره الى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف.
وقدم الوزير ابنه معازيوس (١) وأجلسه على سرير الملك، وكان صبيًا فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد.
وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهنًا يقال له أملادة، فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد [مكانا لئلا] بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعًا من قبلي منف، وعملوا لأنفسهم متعبدًا كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم ﵇.
وان رجلًا من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.
_________________
(١) في ق: معدان. (*)
[ ٢٦٦ ]
وتغلب احد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس ان يسموه ربًا، وترفع أن ينظر في شئ من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الأمر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق
أن يرضوه ولا يخالفوه.
فأقام ابنه أقسامس (١) الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون (٢) بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، نوأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرة أسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول ذكرها، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين باجمل أمر وأصلح حال.
ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من اهل بيت المملكة، يقال له طلما (٣)
_________________
(١) ١) في ق: كاشيم. ٢) لعل الصواب وأقام القاطرون، وقد تقدم معنى ذلك في صدر الكتاب. ٣) في ق: ظلما، وقد جاء فيه زيادة لا بأس من ايرادها ههنا وهي " وكان يقال له ظلما، وكان شجاعا كاهنا حكيما متصرفًا في كل فن، وكانت نفسه تنازعه الملك، قيل هو من ولد اشمون وقيل من ولد صاو، وقيل من العمالقة. وكان يقوم بأمر البلد كما كان العزيز مع الوليد. وقيل سبب استخلافه الملك أنه كان عطارا بأصبهان فأفلس وركبه الدين فخرج هاربا من الدين واتى الشام فلم يستقم حاله، فجاء إلى مصر فرأى على باب المدينة حمل بطيخ فسأل عن سعره فقيل بدرهم، فدخل المدينة فسأل عن سعره فقيل كل بطيخة بدرهم، فقال: من هنا أقضي ديني! فاشترى حملا بدرهم وأتى المدينة فنهبه البوابون فما بقي منه الا بطيخة واحدة فباعها بدرهم، فقال ما هذا؟ ما هنا أحد ينظر في مصالح الناس؟ فقالوا: ملكنا مشغول بلذات نفسه وفوض الامر إلى الوزير، ولا ينظر في شئ فخرج فرعون إلى المقابر، فجعل لا يمكن احدا من الدفن الا بخمسة دراهم فأقام على ذلك مدة لم يتعرض له أحد فماتت بنت الملك، فقال: هاتوا خمسة دراهم، فقالوا ويحك هذه بنت الملك، فقال: هاتوا عشرة درهم، فلم يزل يضاعفها إلى أن وصلت إلى مائة درهم، فأخبروا الملك بحديثه، قال: ومن هذا؟ قالوا: عامل الاموات فأرسل (*)
[ ٢٦٧ ]
ابن قومس، وكان شجاعًا ساحرًا كاهنًا كاتبًا حكيمًا ذهنيًا متصرفًا في كل فن.
فصلح أمر المملكة بمكانه واحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره.
وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والأخبية والمصانع.
وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن.
ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لابد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح.
وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئًا معجبًا خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.
_________________
(١) إلى الوزير فسأله عنه، فأنكر حاله فأحضره الملك وقال: من أنت؟ فاخبره بخبر البطيخ، وقال ما عملت عامل الموتى الا حتى يصل خبري اليك وتحضرني لانصحك لتستيقظ من نومك، وتحفظ ملكك والا ذهب عنك، فاستوزره فسار في الناس سيرة حسنة، وفي زمانه شكى القبط إليه حال الاسرائليين، فقال: هم عبيدكم فافعلوا بهم ما بدا لكم. فكان القبطي يضرب الاسرائيلي فلا يقدر ان يغير عليه احد، وان ضرب الاسرائيلي القبطي قتل. وبنى في زمانه مدنا كثيرة، وأعلاما ومصانع وطلسمات، ومن أعجب ما عمل التنور الذي يشوى فيه بغير نار، والسكين تنصب فإذا رآها شئ من البهائم أقبل عليها حتى يذبح نفسه بها، والماء الذي يستحيل هواء وأشياء من النيرنج. (*)
[ ٢٦٨ ]
واستخلف رجلًا يقال له لا هوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع اليه خاتمه، وكان كاهنًا وأنفذ طلما عاملًا على الصعيد، وأنفذ مع جماعة من الاسرائيليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز.
وكان محبًا [للخلق] (١) ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على ارجلهم إلى ان ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقًا كثيرًا، وقصد الناس بسطوته وفظاظته.
واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج اليه بلاطس (٢) الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها.
ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم، فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وأما أهل الأثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا ان الفراعنة سبعة.
وكان طلما فيما يحكى عنه قصيرًا طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج.
وزعم قوم أنه كان لقيطًا، والدليل على ذلك ميله اليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الأموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره.
وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الأعلام وبنى المدن، وخندق
_________________
(١) ١) في ب: للحكم. ٢) في ق: لا طيس. (*)
[ ٢٦٩ ]
الخنادق، وعمل بناحية العريش حصنًا، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه.
وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجانًا كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل اليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله.
وبلغ الخراج في وقته سبعًا وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس.
وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى ﵇، فجعله حرسًا لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل.
وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشئ أصلحته له فواقعها فحملت بهارون،
ثم واقعها في السنة الثالثة فحملت بموسى ﵉، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لأمرى لقربه منه، ولحراسته قصره.
الا أن موسى كان من أمره ما قصه الله عزوجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى ان صار الى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لأمه.
وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقًا وأسر خلقًا وانصرف غانما سالمًا، فسر به فرعون وامرأته.
فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلًا من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.
[ ٢٧٠ ]
وخرج الى ناحية مدين، وتزوج ابنة ثيرون، وهو شعيب ﵉، على ان يرعى غنمه وأنسأه بأجلين فقضى أتمهما وأرسله الله الى فرعون.
وولدت امرأته فذهب يقتبس لها نارًا، فكلمه الله تعالى في جبل الطور، وقال له: أمض الى فرعون، وايده باخيه فترك امرأته محلها ومضى لرسالة ربه.
وولدت امرأته فأرسل الله تعالى جبريل بما يصلحها من آلة الولادة وختن ابنها، وكانت الغنم تغدو من عندها وترجع اليها بغير راع.
وحمل جبريل ﵇ الغلام حتى أراه موسى وهو سائر الى مصر فقبله، وتفل في فيه ورده الى امه، ومر بها رجل من آل شعيب فردها الى
مدين، وصار موسى إلى مصر ولقي اخاه هارون ولم يثبته لطول غيبته، وكان يغتسل على شاطئ النيل، فاستضافه فأضافه وأطعمه جلبانا مطبوخًا قد ثرد فيه ثريد، وتعارفا وسر بعضهما ببعض وعرفه ان الله عزوجل أرسله ونبأه هو واخوه، وجعله له عضدًا.
وغدوا الى فرعون وأقاما اياما، وعلى كل واحد منهما جبة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب ﵉ ومنها كانت احدى آياته، فكانا يأتيان في كل يوم ويجلسان ببابه فلا يصلان الى فرعون لشدة حجابه، إلى أن دخل اليه مضحك كان له فعرفه حالهما، وقال بالباب رجلان يطلبان الاذن عليك، ويزعمان أن إلههما أرسلهما اليك، فأمر بإدخالهما وخاطبه موسى وأراه آية العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع، وكان من خطابه إياه ما قصه الله في كنابه.
فغاظ فرعون أمره وهم بقتله، فمنعه الله تعالى منه وشغله عنه، ورأى طلما فرعون كأن على صورة غمامة قد اقبلت، فمسحت على عيونهم فعموا.
[ ٢٧١ ]
ثم أمر قوما آخرين بقتله، فرأى كأن نارًا قد أتت فاحرقتهم، فازداد عليه غيظًا، وقال له من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علموك هذا، أم تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ قال هذا من ناموس السماء، وليس من نواميس الأرض.
قال ومن صاحبه؟ قال صاحب البنية العليا، قابل بل علمتها من بلدي، وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس فقال أخرجوا عليّ أرفع اعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدًا، فعرضوا عليه اعمالهم فسره ذلك، وأحضره وقال له فقت على سحرك وعندي من يوفي عليك، فواعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم، على ان
من غلب منهما اتبعه الاخر، وكان جماعة من أهل البلد اتبعوا موسى ﷺ، وكانت السحرة مائة الف وأربعين ألفًا، فعملوا من الأعمال ما يرى الوجوه ملونة ومشوهة، ومنها الطويل ومنها العريض، ومنها المقلوب جبهته إلى اسفل ولحيته الى فوق، ومنها ما له قرون ومنها ما هو عظيم على قدر الترس ومنها ما له آذان عظام، ومنها ما يشبه وجوه القرود.
وفي كل فن وفي كل صورة، وأجسامًا عظامًا ما تبلغ السحاب، وحيات عظيمة بأجنحة تطير الى الهواء، ويرجع بعضها على بعض.
وحيات يخرج من أفواهها نار يخيل للعالم انها تكاد تحرقه، وحيات برؤس وشعور، وأذناب فيها رؤس، وتماثيل في طرق الشياطين.
ثم عملوا دخانًا يغشى أبصار الناس، فلا يرى بعضم بعضًا، ودخانًا يظهر صورًا مثل النيران في الجو، على دواب مثل ذلك يصدم بعضها بعضًا، وتسمع لها قعاقع وضجة، وصورًا اخرى على دواب خضر، وصورًا سودًا على دواب سود.
فلما رأى فرعون ذلك سر هو وجماعته ممن حضر معه، واغتم موسى
[ ٢٧٢ ]
ﷺ، ومن كان آمن به وكفر [بفرعون] (١) خوفا على فتنة الناس بذلك وضلالهم.
وكان للسحرة ثلاث رؤس، فلما رأى موسى صلوات الله عليه ذلك وضاق به ذرعا أتاه جبريل ﵇، وقال له لا تخف إنك انت الأعلى وألق ما في يمينك، فسر بذلك موسى ﵇، وطمع في إيمان الناس وسكن خوفه فأسر إلى عظماء السحرة وقال قد رأيت ما صنعتم، فان قهرتكم أتؤمنون بالله؟ قالوا نشهد لنفعلن، فرآه فرعون، وقد اسر اليهم
فغاظه وهم بمعاجلة (٢) الجميع، ثم توقف ليعلم آخر القضية، والناس يهزؤون منه ومن أخيه وعليهما دراعتان من صوف، وقد احتزما بالليف، ومع موسى ﵇ عصاه.
فسمى موسى ععليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثم حلق العصا ورفعها في الجو ورفعها جبريل ﵇ حتى غابت عن عيونهم، ثم اقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترس تتوقدان نارًا، وتخرج من فيه ومن منخره، وهو يزيد غضبًا لله تعالى، فلا يقع من زبده شئ على أحد إلا أبرصه، وبرصت من ذلك ابنة فرعون والثعبان فاتح فاه.
وذكر أن امه كانت حاضرة قريبا منهم، فابتلع الثعبان جميع ما عملته السحرة ومائتي مركب كانت مملوءة عصيا وحبالا، وجميع من كان فيها من الملاحين.
وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كبيرة وحجارة، وكانت قد حملت إلى هناك ليبنى بها، وأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبلعه، وكان في قبة له على جانب القصر يشرف على عمل السحرة، فوضع الثعبان نابه تحت
_________________
(١) ١) في ب: وكفر ايمانه. ٢) في ب: بمعالجة. (*)
[ ٢٧٣ ]
القصر، ورفع بابه الآخر إلى اعلى القبة ولهب النار يخرج من فيه، وقد احرق مواضع من القصر، فصاح فرعون عند ذلك، واستغاث بموسى ﷺ فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم، وبلع بعضهم فسقط بعضهم على وجوه بعض.
وذهب ليبتلعهم فأمسكه موسى ﵇، وعاد في يده عصا كما كانت ولم يروا لتلك المراكب أثرا، وكان فيها من الحبال والعصي والناس والأعمدة والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه ترابا.
فلما رأى السحرة ذلك، ولم يروا لتلك الأعيان اثرا قالوا ما هذا عمل الآدميين! وانما نصنع مخاييل لا تغيب عن الأعيان، فقال لهم موسى أوفوا يوعدكم وإلا سلطته عليكم فيبتلعكم كما ابتلع غيركم.
فعندها آمن السحرة بموسى ﵇، وجاهروا فرعون،، وقالوا هذا من فعل إله السموات وليس من فعل إله الارض.
(١) فقال فرعون قد علمت أنكم واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر مثل ذلك، وجاهره فقطعت ايديهم وأرجلهم من خلاف.
وكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا، وجاهرته امرأته ففعل بها المؤمن ففعل به مثل ذلك.
وكان الروحاني قد قال له إني رب السماء وأنت رب الأرض قد استخلفتك فيها، فأنت رب كل من سكنها من الخلق، فتجبر وادعى الربوبية وشق الانهار وغرس الأشجار.
فلما كان من امر موسى ﵇ ما كان، فسد ذلك الروحاني وسقطت الطلسمات، وبعض الهياكل والمنارات وخرت الأصنام على وجهها، وعلت
_________________
(١) ١) هكذا في الاصل، والصواب: وليس من السحر أو ما يشبه ذلك. (*)
[ ٢٧٤ ]
آيات موسى، وبطل ما كان من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، فتحول ماؤهم دما، فكانت الاسرائيلية تسقي القبطية من فمها ماء فيعود في فم القبطية دما عبيطا، وتعض على الرغيف لتأكل منه فتعض على الضفدع، واتلف الجراد والقمل جميع ذروعهم، وهدم الماء ابنيتهم، وبعض منازلهم وتبين للناس أنه لا ينفعهم.
وضاق صدر فرعون من ذلك، فرجع إلى مداراة موسى ﵇،
ووعده أن يستخلفه على ملكه، وأشار عليه هامان والكهان ان لا يفعل.
ثم أمر الرعية أن يقتلوا موسى، فخرج جماعة [إلى] (١) الموضع الذي فيه لذلك، فأتت نار فأحرقتهم.
ورأى فرعون كأنه أخذ برجليه، ونكس على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث، ويقول إني لمؤمن بموسى وربه فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له لم يبق بعد هذا شئ، وأريد أن أو من بموسى، فقال له هو الذي عمل لك الرؤيا ليهولك، فتريد أن تكون عبدًا بعد ان كنت ربا! وتستتخف بك رعيتك، وتسلب ملكك! قال فتلطف به وبعد ذلك منعه منه، وكان يبعث اليه سرا ويستنظره، فلما تم الأجل ولم يفعل فرعون شيئًا كثر البلاء عليهم، وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآيات في منازلهم.
وكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرا، فمن آمن به زال عنه الأذى فلما زاد الأمر على فرعون أحضر موسى وقال له إن أحببتك ما لي عندك؟ قال أردد شبابك، وأضعف عمرك، وآمنك من جميع العلل، ومن زوال
_________________
(١) ١) في ب: فخرج جماعة من الموضع. (*)
[ ٢٧٥ ]
ملكك، وأعلي يدك على من ناوأك من الملوك، وأكثر فيك نشاطك، واكلك وشريك.
قال له فرعون إن فعلت ذلك فقد أنصفت فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان فمنعه، وقال له نموت غدا أصلح لنا، قال فلما يئس منه قال فأطلق لي بني إسرائيل قال انما تربد اخراجهم من بلدي لتكون عليهم أميرًا ملكا،
وانا انتفع بخدمتهم، وهذا حسد منك لي.
قال له موسى ﵇ فأنتقل على ان لا تدعي الربوبية، قال اذًا أنقص من أعين الناس، قال فان الله سيهلكك ويهلك قومك، وتصير ارواحكم إلى نار حامية، قال فإني أفعل ذلك معك سرا ولا افعله جهرًا، وأقرب للآلهة (١) القرابين العظام.
قال موسى ﵇ أن إلهي لا يرضيه إلا أن يؤمن به الناس أجمعون، فأما أن تؤمن به وحدك سرا دون الناس، فلا يرضيه ذلك ولا يقبله منك سرا حتى تظهره.
قال وإن لم تفعل ذلك فان الله مهلك واهلك، وعلامة هلاكك أن لا يبقى لك هيكل إلا تهدم ولاصنم إلا خر، وقد خالفت ما دعوتك اليه مرارًا كثيرة، وأنا احذرك الخلاف، وإن الله سيعجل لك العقوبة ولا ينظرك.
ثم إن فرعون طول مطل موسى ﵇ بما وعده في امر بني إسرائيل، ولم ينجزه، ورأى موسى ﵇ أنه لا يرجع إلى خير ولا ينفع فيه وعظ، وخاف أن يفجأ بني إسرائيل بايذاء كثير، فعزم على الخروج عنه ببني إسرائيل.
وحضر لبني إسرائيل عيد كانوا يجتمعون فيه، فأمر موسى ﵇ نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلى نساء القبط، ويأخذن منه ما يقدرن عليه من ثيابهن، ويتزين به في عيدهن، ففعلن ذلك، ثم دعونهن في عيدهن فأكلن معهن وشربن.
_________________
(١) ١) في ب: وأقرب للاهل. (*)
[ ٢٧٦ ]
وكان موسى ﵇ ابعدهم قليلا إلى المشرق، وأمر أن يبعدوا
هنالك، فلما أكلوا وشربوا ألقى الله تعالى على القبطيين رجالا ونساء السبات حتى منعهم من كل شئ.
ثم سار موسى ﵇ بجميع بني إسرائيل من أول الليل، وكان عددهم ستمائة ألف وأربععين ألفا ونيفا.
وأخرجوا تابوت يوسف ﵇ من النيل وحملوه معهم، دلتهم على موضعه عجوز مؤمنة من القبط، ومضت معهم.
فسار ببني إسرائيل إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم، فلما كان من آخر الليل عرف فرعون بخروجهم، وما فعلوه بنساء القبط من إعارة حليهن إلى الاسرائيليات ودعائهن به، فجلس لوقته ونادى في الناس، فلما اجتمعوا أمرهم أن يتأهبوا للركوب في آثارهم وأجلهم ثلاثة أيام.
وخاطب كل من قرب منهم وبعد من جيوشه وحشوده أن لا يتأخروا عن لحاقه طرفة عين، فلما أصبح في اليوم الرابع ركب الناس، وركب معهم يتقدمهم واتبعوا آثار بني إسرائيل، ولم يبق أحد من اولاد الملوك ولا من أتباعهم ولا من فيه فضل إلا سار معه، فيقال إنه كمل عددهم، وزاد على موسى ﵇ ستة آلاف ألف.
فلم يمر موسى ﵇ بعلم من أعلامهم إلا سقط، ولا بصنم إلا سقط لوجهه، وساروا مقربين حتى لحقوهم على ساحل البحر.
فلما أحس موسى ﵇ بهم، قال لأخيه هارون تقدم إلى البحر وكنه بأبي العماس، ومره ان يكف عنا موجه، ويسكن عنا حركته، حتى أصل أنا ومن معي.
فمضى هارون لذلك، وركب موسى ﵇، فلما وقف موسى على البحر ضربه بعصاه، فانشق لوجهه، وظهرت فيه اثنتي عشرة طريقة، فدخل
كل سبط على طريق، وجعل بينهم طاقات رقيقة من الماء ليرى بعضهم بعضا، فدخل القوم، ودخل موسى ﵇ في آخرهم.
[ ٢٧٧ ]
فلما رآهم في البحر هم بتركهم خوفا من البحر، فأقبل جبرئيل ﵇ بفرس بلقاء، فدخل في أثرهم، فلما رآها فرس فرعون اقتحم به في اثرها، فلم يقدر فرعون على إمساكه، لأنه كان حصانا، وقد كان طال عمره.
فلما دخل فرعون اتبعه قومه عن آخرهم، فلم يبق في البر احد منهم فتوسطوا البحر، وقد خرج موسى ﵇ ومن معه من الناس، فامر الله تعالى ﷻ جبريل ﵇ أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل.
فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية.
فلما سمعه جبريل ﵇ رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول.
فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [جملة منهم] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ.
تم وكمل كتاب أخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والأنعام.
على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب
البحر، وقد خرج موسى ﵇ ومن معه من الناس، فامر الله تعالى ﷻ جبريل ﵇ أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل.
فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية.
فلما سمعه جبريل ﵇ رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول.
فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [جملة منهم] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ.
تم وكمل كتاب أخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والأنعام.
على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب في كتابته ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ووافق الفراغ في نسخه يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى أحد شهور سنة اثنين وثمانين وثمانمائة أحسن الله علي بها.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله آمين آمين آمين وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم استغفر الله الكريم.
[ ٢٧٨ ]