وقد اعتمدت في نقل كتاب «مختصر سلجوقنامه» إلى العربية على نسخة المستشرق الهولندي «هوتسما»، والتي نشرها في ليدن سنة ١٩٠٢ م.
غير أني صادفت منذ الوهلة الأولى صعوبات جمّة في التّرجمة، لامتلاء تلك الطّبعة بكلمات وعبارات محّرفة أو مصحّفة غير مستقيمة المعنى ولا واضحة الغرض، يحتاج إصلاحها إلى وقت طويل وفحص في المعاجم غير قليل، وتحوّط من الخطأ، وتفهّم لما يقتضيه السّياق من المعاني والأغراض، ومعرفة بأساليب الكتابة الفارسيّة ومصطلحاتها في ذلك العصر. وبدا لي نقل الكتاب في ظلّ هذا التّحريف والتّصحيف أمرا بعيد المنال،
إلى أن يسّر الله﷿- لي الحصول على نسخة مصوّرة من كتاب «الأوامر العلائية» وهو أصل هذا المختصر، فعمدت إلى مقارنة المختصر بالأصل، وأمكن من خلال المقارنة إصلاح المحرّف والمصحّف من الكلمات، وتكميل النّاقص من الجمل، وتحقيق الأعلام وضبطها، وضبط الملتبس من الألفاظ، وإيضاح الغامض من العبارات. وقد نبّهت على ذلك كلّه في حواشي الترجمة، وأشرت اختصارا إلى كتاب الأوامر العلائية بالحرفين أ. ع.
وأودّ أن أنبه إلى أنّ صاحب هذا المختصر لم يستطع منذ البداية أن يتخلّص من إسار طريقة «ابن البيبي» في الكتابة، وإنما سايره كلّ المسايرة، وحذا حذوه وتابعه فنقل عباراته بنصّها- كما أسلفنا، واقتصر جلّ عمله على حذف الفقرات التي رآها لا تضيف كثيرا إلى توصيف الوقائع وبيان الأحداث التاريخيّة، واكتفى من العبارات بما يعين على أداء المعنى دون إطناب فاستبعد بذلك سائر العبارات التي تؤدي المعنى نفسه. ولم يتدخّل في تغيير ما انتقاه من عبارات
[ ١٥ ]
الأصل إلا لماما، ولم يضف من عنده شيئا، اللهم إلا بعض العبارات الإنشائية في عديد من المواضع (^١)؛ ولذلك ظلّت مسحة من التكلّف والحلية اللفظية عالقة بالأسلوب، ولقد كان ذلك- على كلّ حال- طابع العصر.
ولقد حاولت- ما استطعت- أن أحافظ على أسلوب الكتاب وأن أنقل في التّرجمة كلّ ما يرمي المؤلّف إلى بيانه، لكى تصبح هذه التّرجمة صورة صادقة للنصّ الفارسي. وأثبتّ أرقام صفحات الأصل الفارسي في الهامش الجانبيّ للصفحات لكي يتيسّر بذلك الرّجوع إلى الأصل عند الحاجة.
أما الآيات القرآنية التي وردت في المتن فقد رددتها إلى مواضعها من كتاب الله العزيز، وأشرت في الهوامش إلى ما اشتمل عليه المتن الفارسي من نصوص وأمثال وعبارات عربيّة. أما الأشعار العربيّة فقد استطعت ردّ بعضها إلى قائليها من شعرائنا العرب، من الذين جرت أشعارهم مجرى الأمثال في آداب الأمم الإسلاميّة بعامّة والأدب الفارسي بخاصّة.
ثم عمدت في الحواشي إلى التّعريف بالمجاهيل وبعض الأعلام، وشرح بعض صور التّعبير المألوفة في الفارسية لتقريبها إلى القارئ العربي، وزوّدت المجلّد بخريطة تفصيلية تشتمل على معظم أسماء الأقاليم والمدن الواردة بالتّرجمة، ثم ذيّلته بفهارس للأعلام والأماكن والشعوب والطوائف (١).
وأرجو أن تكون التّرجمة بذلك قد نالت حظّها من العناية.
_________________
(١) أبقيت في الترجمة على الحروف الفارسية الواردة في أسماء الأعلام. وإليك بيان بكيفية نطق هذه الحروف: پ تنطق مثل حرف (P) في الإنجليزية. چ ينطق مثل حرفي (CH) في الإنجليزية. گ ينطق مثل حرف (G) في كلمة Garden الإنجليزية، أو مثل الجيم المصرية في اللهجة العامية.
[ ١٦ ]
وبعد، فإن هذا العمل- الذي يمثّل إضافة حقيقية للمكتبة العربية هي في أمسّ الحاجة إليه لندرة الأعمال التي تعالج موضوعه- ما كان يمكن أن يخرج بهذه الصّورة لولا التّشجيع الذي لقيته من جامعة قطر ممثّلة في مديرها الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الله جمعة الكبيسي، والأستاذ الجليل الدكتور عثمان سيّد أحمد مدير مركز الوثائق والدّراسات الإنسانية، والأستاذ الكريم الدكتور عادل حسن غنيم رئيس وحدة بحوث التّاريخ والوثائق، وسائر الإخوة الأفاضل أعضاء الوحدة، فجزاهم الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
محمد السعيد جمال الدين
القاهرة:
ضحوة الإثنين ٢٤ ربيع الثاني ١٤١٤ هـ ١١ أكتوبر ١٩٩٣ م
[ ١٧ ]