هو الأمير ناصر الدين حسين بن علي الجعفري الرّغدي، المعروف بابن البيبي، من أدباء القرن السّابع الهجرى ومؤرّخيه.
وقد عرف المؤلف بابن البيبي نسبة إلى أمّه «بي بي» المنجّمة التي كانت تتمتّع بقدر كبير من النّفوذ في عهد السلطان «علاء الدين كيقباد». ويصل نسبها القريب إلى اثنين من كبار الفقهاء في عصر السّلاجقة في خراسان، فأبوها «كمال الدين السّمناني» رئيس الشّافعية في نيسابور، وجدّها لأبيها الإمام الربّاني «محمد بن يحيى» رئيس الحنفيّة في نيسابور، والذي قتل في فتنة الغزّ بخراسان سنة ٥٤٨ هـ (أوائل سنة ١١٥٤ م).
وفي بلاط السلطان جلال الدين خوارزمشاه، عملت «بي بي» وزوجها مجد الدين، وكان من سادات «جرجان». وحين سافر أحد أمراء السلطان «علاء الدين كيقباد» في سفارة لبلاط السلطان جلال الدين خوارزمشاه وجد
_________________
(١) انظر المقدّمة التركية التي كتبها الأستاذ عدنان إرزي لكتاب الأوامر العلائية، ص ٥.
(٢) راجع الأوامر العلائية، ص ١٠، ٤٤٢، ومختصر سلجوقنامه، ص ١٩٤ وانظر فيما يلي ص ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ١٢ ]
هذه السّيدة مسموعة الكلمة عند جلال الدين لمهارتها في أحكام النجوم، فلمّا عاد الأمير إلى مليكه حكى له حكاية هذه السّيدة على سبيل التندّر.
وكانت «بي بي» فاتحة خير لكلّ من زوجها: مجد الدين محمّد، وابنها ناصر الدين حسين مؤلّف كتاب الأوامر العلائية.
ولم يمرّ وقت طويل حتى قتل السلطان جلال الدين، فدعيت «بي بي» المنجّمة وزوجها للعمل في خدمة «علاء الدين كيقباد». فلما أثبتت مهارتها في علم النجوم وموافقة أحكامها -غالبا- للقضاء والقدر، طلبت إلى السلطان تعيين زوجها «مجد الدين محمّد التّرجمان» رئيسا لديوان الإنشاء الخاصّ بالسلطان، فتحقّق لها ما أرادت وأصبح زوجها من الملازمين الدّائمين للسلطان في الحضّر والسّفر، وبلغ من ثقة السلطان به أنّه لم يكن يرى أحدا أصلح منه لحمل الرّسائل إلى البلاطات الكبرى كبغداد والشّام والخوارزميين، والإسماعيلية، والمغول، ولذلك لقّب مجد الدين بلقب «التّرجمان» وتوفي سنة ٦٧٠ هـ.
أمّا مؤلّف الأوامر العلائيّة (الذي يعدّ هذا المختصر صورة مصغّرة من كتابه) فلا نكاد نعرف عنه إلّا معلومات ضئيلة للغاية، فقد منح لقب الأمير، حين صار أميرا لديوان الإنشاء بعد اعتزال أبيه للعمل، فيما يبدو، وكان يلقّب بأمير ديوان «الطّغرا» حيث كان يتولى كتابة المراسيم والأوامر السلطانية ويمسك أختام السلطنة، وقد تزوّج ناصر الدين حسين من ابنة أمير الأمراء «كمال الدين كاميار» الذي حظي بمكانه بارزة لدى السلطان «علاء الدين كيقباد» بعد أن تيسّر للسلطان- بفضل كفاءته وخبرته- الاستيلاء على أرمينيا وبلاد الكرج وأجزاء من بلاد الشّام، غير أنّ كمال الدين لم يلبث أن قتل في أوائل عهد
[ ١٣ ]
السلطان «غياث الدين كيخسرو» سنة ٦٣٤ هـ.
هذا هو مجمل لما ورد من أخبار المؤلّف، وهو يدلّنا على مدى ما لديه من مؤهّلات تمكّنه من مراقبة الأحداث من كثب، وتسجيلها باعتباره شاهد عيان لها.
على أننا إذا تأمّلنا كتاب «الأوامر العلائيّة» وجدنا مؤلّفه من كبار أدباء الفرس، ومن أصحاب اللّسانين العربي والفارسي، بل ينظم الشعر بكلتا اللغتين، وله اطّلاع واسع عميق بالعربيّة وآدابها.
والحقّ أن «علاء الدين عطاملك الجويني» - وهو المؤرّخ الثّبت وصاحب المدرسة التوثيقية في كتابة التّاريخ عند الفرس- لم يكن ليعهد إلى ابن البيبي بكتابة تأريخ لسلاجقة الرّوم إلا إذا كان قد أنس فيه القدرة وأيقن أنه يمتلك عدّة النّهوض بأعباء هذا العمل الكبير، فهو بحكم منصبه في ديوان سلاجقة الرّوم قادر على الاطلاع على الوثائق التاريخيّة الهامّة، مراقب للأحداث والوقائع، مطّلع على ما يحاك من مؤامرات القصور ويدبّر فيها من دسائس، فضلا عن مكانة أبيه «مجد الدين الترّجمان» وأمّه «بيبي المنجّمة» في بلاط السّلاجقة، مما أتاح له فرصة سماع الكثير من الأحداث التي لم يشهدها بنفسه من أقرب المصادر وأوثقها. لقد عاش ابن البيبي وتربى في كنف هذه الدّولة، وتبوّأ مركزا يقرّبه من سلاطينها «فخط في هذا المجلد ما جرى من الأمور في السّنين والشّهور في بلاد الرّوم مما قد رأى وسمع» (^١). وبفضل هذا التثبّت جاء الكتاب سجلا ناطقا لكل مظاهر الحياة السّياسية، والعسكرية، والاقتصادية والاجتماعية، والثّقافية والمعمارية، والحضارية بعامّة في دولة سلاجقة الرّوم.
_________________
(١) «مما قد شاهد وسمع» هي نفس عبارة عطاملك الجويني في مقدمة جهانكشاي، طبع ليدن سنة ١٩١١، ١: ٣.
[ ١٤ ]