لما انقضت مدة على دولة السلطان علاء الدين كيقباد وسلطنته، واستقرّ على عرش الدّعة ونال الإعزاز، سلك الأمراء الكبار كالأمير «سيف الدين آينه چاشني گير» و«زين الدين بشارة أمير آخور» و«مبارز الدين بهرامشاه» أمير المجلس و«بهاء الدين قتلوجه» طريق البطر والأشر بحكم ما لهم من سبق الخدمة وكمال الثروة وكثرة الأتباع والأشياع، وأخذوا يمارسون على السلطان صنوفا من التحكّم، وبلغ بهم الحدّ/ أن اتّخذت التّرتيبات في مطبخ السلطان أن يعدّ في كل يوم ثلاثون رأسا من الغنم كرواتب للخاصّة والعامّة كما كان للأمير «سيف الدين آينه» راتب مطبخ يومي قدره ثمانين رأسا من الغنم، وأمسك في يده بزمام النّقض والإبرام كليّة، وحين كان يترك حضرة السلطان متّجها إلى منزله لم يكن يدور حول قصر السلطنة [وكان بقية الأمراء وأركان الدولة يعدّونه مقصدا وزعيما مطاعا لهم] (^١) كما لم يكن بالإمكان مخالفة إشارته في حجابة السلطان.
كانت الأحقاد والضّغائن قد ظلت تتراكم من قبل ذلك في القلب المبارك للسلطان، وظل على مداراتهم لأن انتهاز الفرصة لم يتيسّر، لكنه كان ينطق في بعض الأوقات في الخلوات بكلمات مسمومة. وكان كافرو النّعمة من المقرّبين لحضرة السلطان- يبلغون أسراره بأسرها للأمراء (١)، فكانوا بدورهم يسلكون طريق التذلّل والتملّق لكنهم كانوا يتشاورون فيما بينهم خفية بقصد حصد فرع
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٦٥.
[ ١٣٦ ]
السلطنة، وكانوا يراعون الحيطة والحذر.
غير أنهم اتّفقوا سويّا ذات ليلة في نهاية جلسة شربوا فيها الخمر أن يوجّهوا الدّعوة إلى السلطان من الغد لضيافة ببيت الأمير سيف الدين آينه ثم يضعون في قدمه قيدا ثقيلا، ويأتون ب «كي فريدون» الموجود في «قيلوحصار» ويجلسوه على العرش. فخرج أحد الغلمان- وكان موضع سرّهم- وقد بلغ السّكر منه غايته من ذلك المجلس، وذهب وهو ثمل لا يعقل إلى بيت «سيف الدين ابن حقّه باز» والأمير «كمنينوس» وكان كلاهما محرما للسرّ بمنزلة «ثاني اثنين في الغار» (^١). فأجابا بقولهما: إنّ تدبير/ أمرهم سهل ميسور، لكن من الصعب تنفيذه في «أنطالية» باعتبار أن الأمير مبارز الدين ظلّ حاكما لها نافذ الأمر فيها طيلة عشرين عاما مضت، فلو أنّ السلطان يأمر بإرجاء هذا التدّبير لحين النّزول بقيصرية لكان ذلك أكثر صوابا. فاستحسن السلطان هذا الرّأي. فلمّا حلّ موسم الارتحال عن أنطالية عزم على التوجه إلى قيصرية.
وهناك أمر- كمقدّمة أولية لهدم بنيان وجود الأمراء- بأن يضرب «شمس الدين القزويني» أمير الحجّاب خمسين ضربة بالمقارع على باب الدّيوان إذ كيف يسمح لأتباع الأمراء وحواشيهم بدخول الدّيوان بسلاحهم وعتادهم.
والتعليمات هي أنه لا يسمح بعد اليوم بذلك لكلّ أمير إلّا إن كان أميرا ممّن يلبسون «الجرموق» (^٢)، واستمرّت هذه القاعدة، فبدا المجال فسيحا أمام مكر
_________________
(١) إشارة إلى قوله تعالى: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (سورة التوبة: ٤٠).
(٢) «سرموزه» ومعرّبها «جرموق»، وهو ما يلبس فوق الخفّ، وقد أثبتها «القلقشندى» في كتابه صبح الأعشى: «سرموزه» هكذا دون تعريب، انظر ٤: ١٠.
[ ١٣٧ ]
السلطان ومكيدته.
ودبّر السلطان أمرا مع «كمنينوس» و«سيف الدين ابن حقّه باز» و«مبارز الدين عيسى» أمير الجاندار (^١) وهو أن الأمراء حين يدخلون دار الحكم في اليوم الفلاني على عادتهم، يأخذ «كمنينوس» في الطّواف خفية وهو مسلّح وبرفقته أعوانه فوق سور حديقة السلطان، ويلبس غلمان الخاصّ السّلاح فيقفون ملازمين [على الرسم المألوف بصفّة القصر] (^٢) وفقا للنّظام المتّبع في الحراسة، ويغلق الحجّاب باب القصر بإحكام بعد دخول الأمراء، ولا يسمحون لأيّ مخلوق بالدّخول أو الخروج، وأن يقف الأمير «مبارز الدين» أمير الجاندارية (٢) بشهامته المعهودة هو وإخوته على باب قاعة الاحتفالات بالعدّة والعتاد، فيلقون القبض على كلّ أمير يقصد التوجّه إلى بيته في أعقاب السّكر، ويضعونه في بعض البيوت، وينتظرون إلى أن يصدر أمر بشأنهم.
فلما حلّ اليوم الموعود، تمّ تنفيذ ما اتّفقوا عليه؛ وسبق الأمير «سيف الدين چاشني گير» غيره راغبا في الانصراف،/ فتقدم «مبارز الدين عيسى» وإخوته وقالوا: الحكم هو أن يدخل الأمير هذا البيت. فأجاب: لابدّ أن هناك خطأ ما. قالوا: بل هو الصواب. فألقى قلنسوته في الحال على الأرض وقال:
من يوم أن قال السلطان في الحديقة بأن الأشجار العجوز ينبغي أن تقلع وتغرس مكانها أشجار غضّه فتيّة قد علمنا أنه سيدبّر مثل هذا الغدر، ولو أنّني كنت قد تداركت الأمر في ذلك الحين لما اعتورني العجز اليوم، قد رضيت
_________________
(١) إمرة الجاندارية: أمير جاندار: «وموضوعها أن صاحبها يستأذن على دخول الأمراء للخدمة ويدخل أمامهم إلى الديوان» (صبح الأعشى ٤: ٢٠).
(٢) زيادة من أ. ع ص ٢٦٧.
[ ١٣٨ ]
بالقضاء، (بيت):
- انتزعت القلب من الجسد والروح والمال والولد، … ورضيت بما هو أسوأ من الموت.
ثم خرج زين الدين بشارة «أمير آخور» (^١)، فاحتجزوه بدوره في بيت آخر، وفعلوا نفس الشّئ مع بهاء الدين قتلوجه، ثم نهض أمير المجلس متأخّرا عنهم جميعا، فأجبر على سلوك ذلك الطّريق، فلمّا أخذوا جميعا، جاء «ابن حقّه باز» إلى حضرة السلطان وقال: ليسعد السلطان، لقد زجّ غلمان السلطان والأمير بالأمراء- الذين كانوا قد جلسوا [بالصفّة]- في السجن ثم فتحوا باب قصر السلطنة، وذهب النوّاب إلى بيوت الأمراء، وسجّلوا ما يملكون من متاع وزينة، وختموا كل البيوتات بالخاتم، واختاروا من الموكّلين من أغاروا على بيوت أقاربهم والمتّصلين بهم جملة.
فلم يقرّ للسلطان قرار من فرط ما تملّكه من ضغن تجاه «جاشني كير»، فأرسل إليه «مجد الدين إسماعيل» والي قيصرية ليسأله: ما الباعث على ما كنت تبديه من تبجّح وتحكّم؟ أجاب بقوله: أنا ربّيتك أنت وأخاك/ على كتفي وفي أحضاني أيّام الغربة، وقصصت شعري الطويل وبعته لنسوة الرّوم من أجلكما برغيف من الخبز لسدّ الرمق (^٢)، وقدّمته لكي تأكله أنت وأخوك، وأتيت بجسد أبيك الطّاهر من الرّوم إلى دار الإسلام، وانتشلتك من الحبس على خلاف رأي الأمراء والوزير، ولم يكن لأحد من مماليك أبيك منزلتي في القدمة،
_________________
(١) راجع فيما سبق، ص ٥١ هامش ١.
(٢) از پي پيوسته كري، وهي في الأصل: از بي …، بالباء المخففة، ولا معنى لها، والتصحيح من أ. ع ص ٢٦٩.
[ ١٣٩ ]
فإن كان ثمّت تجاوز، فهو مبنيّ على هذا، وكانت ثقتي كاملة في العهد والميثاق الذي كنت قد نطقت به يوم السجن، أنا من لا سبيل للسلطان إلى العثور على مملوك مشفق مثله، فإن عجز عنه فلن ينفعه الندم، (بيت):
لتقرعنّ على السنّ من ندم … إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي
فلما أبلغوا هذه الكلمات الرقيقة لمسامع السلطان تضاعف ما في قلبه من قسوة وغلظة (^١)، وأمر بأن يحملوه إلى أحد الأبراج ويفصلوا رأسه عن جسده.
أما «زين الدين بشارة» فجعلوه في بيت وأغلقوا عليه الباب حتى أخذ يتغذّي بأعضائه من فرط الجوع. وأرسل أمير المجلس مع «روزبة» الخادم إلى قلعة «زمندو»، وأجلس بهاء الدين قتلوجه فوق بغل بغير سرج فدفع به إلى «توقات» وهو يبكي وينتحب.
وحين أنجزت الأمور استدعى السلطان الأمراء الذين كانوا قد قاموا على إتمامها، فدخل عليه «كمنينوس» وأمير «جاندار» وإخوته، ومثلوا بين يديه، فأجلسهم جميعا في مجلس الأنس، وأمر في تلك الليلة بأن يعهد بمنصب إمارة الأمراء (^٢) إلى كمنينوس عوضا من «سيف الدين آينه».
وفي اليوم التّالي اتّجه السلطان- على خلاف المعهود- إلى الميدان تصحبه الطّبول والعلم والبوق والمظلّة/، وتنزّه مدة- بكلّ جلال ووقار- في صحراء المشهد، وظلّ يركض بحصانه حتى صلاة المغرب، ويلعب بالكرة.
وفي تلك الأثناء رأى السلطان أن الأمير «كمال الدين كاميار» و«ظهير
_________________
(١) قارن أ. ع، أيضا.
(٢) في الأصل بكلربكي: هي كلمة تركية، وتعني أمير الأمراء.
[ ١٤٠ ]
الدين منصور ابن الكافي» التّرجمان و«شمس الدين ولد قمر خراسان» - وكانوا من أواسط الأمراء- يتخافتون فيما بينهم، فقال: ألم يأن لهذا النفر من الاخسّاء أن يخرجوا ريح الفضول من رؤوسهم؟ وأمر أمير العدل بطرد الثلاثة جميعا من الميدان بالصّولجان، وبأن يتعرّض ما في بيوتهم من متاع وزينة للغارة، وأن ينفوا من بلاد الرّوم. فنزلوا «خرتبرت»، فرحّب بهم ملكها، فتلقّى من جانب السلطان عتابا لصنيعه هذا. فانطلقوا من هناك إلى «أخلاط» فاستضافهم «الملك الأشرف» سنتين، ثم إنهم جاءوا إلى بلاد الرّوم بشفاعته، لكنّهم ظلّوا على حالهم من الذلّة والخذلان فقد تبدّد كل ما كان لدى «كمال الدين كاميار» وذهب هباء منثورا ولم يعد له إلا حصان واحد.
وذات يوم خرج السلطان وهو في «علائية» إلى الصيد، فركب كمال الدين في خدمته، وعند الرّجوع وأثناء الصعود إلى القلعة سقط حصانه على الأرض فلم يسع كمال الدين كاميار إلا أن حمل السّرج على ظهره ومضى إلى منزله. فلما وصل السلطان سأل: حصان من هذا؟ فتبسم «نور الدين ابن طلاقي الأخلاطي» وكان من ندماء الخاص، قال السلطان: علام تبتسم؟
أجاب: قد بلغت مني الحيرة كل مبلغ للقول المأثور: «إنه لا يعزّ من عاديت ولا يذل من واليت، ولا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» (^١)، ما كان لكمال الدين كاميار من الدنيا بأسرها إلّا هذا الحصان، فجرى عليه- لكبر سنّه- ما جرى.
فلم يجب السلطان حينذاك، ولمّا نزل استدعى «كمال الدين كاميار»، ومنحه تشريفا خاصا، وألف دينار أحمر وخمسة من البغال غير المسرجة/
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٧٢.
[ ١٤١ ]
وعشرة من الخيول المسرجة الملجّمة وخمسة غلمان، وأمر الأمراء بأن يعطوه من أموالهم، وأنعم عليه فأقطعه ولاية «زره»، وكان بها في ذلك الوقت مائة ألف من [الخاصّة وستوّن من مماليك الحواشي] (^١).
لنرجع إلى ما كنّا بصدده؛ حين قدم السلطان من الميدان إلى الإيوان أمر بإنزال العقوبة بكل حواشي الأمراء المقتولين وغلمانهم ومن كانوا على صلة بهم، [وأعطى خاتما «لابن حقّه باز» لتوقيع ذلك الحكم، بحيث إذا حلّ الليل يقضي عليهم جميعا ولا يبقي على أحد منهم] (١). فركب «كمنينوس» في الحال مع غلام وركابّي وجاء إلى الدّيوان، وطلب المثول بين يدي السلطان، ثمّ إنّه دخل ووضع رأسه على الأرض وقال: اليوم، حين ذهب هذا المملوك من قصر السلطنة إلى منزله كان يحيط بي حشد هائل من أتباعي وخدمي وذوي الصّلة بي، أما الآن فقد بقي من أولئك جميعا غلام واحد وركابي [وتفرق الباقون منزعجين] (^٢)، قال السلطان: وما السّبب؟ أجاب: ألم يؤذن لسيف الدين النّائب بالقضاء على ذوي الصلة بالأمراء وغلمانهم؟، إنّ الناس حين سمعوا ذلك استبدّ بهم القنوط، وقالوا: لو صدر منك ذنب يستوجب العقوبة غدا فسوف نعامل نحن نفس المعاملة، فيحسن أن نقوم بتدارك الأمر قبل حلول الواقعة. قال السلطان: الحقّ ما قالوه. وأعطى منديل الأمان بحيث يبطل ذلك الحكم.
ولمّا كان السلطان قد فرغ من جهة قتل الأمراء (^٣)، وامتلأ وعاء الخزائن بالنّقود والجواهر، شرع في فتح البلاد والقلاع المتاخمة لحدود ممالكه.
_________________
(١) قارن أ. ع، ص ٢٧٣، والنص في الأصل في هذا الموضع غير واضح.
(٢) زيادة من أ. ع، أيضا.
(٣) قارن أ. ع، ص ٢٧٤.
[ ١٤٢ ]