كان السلطان القاهر ركن الدين سليمان شاه ملكا لم تعل في روضة الدولة دوحة مثمرة (^١) تضاهيه من أولاد السلطان قلج ارسلان بل من أحفاد سلجوق (^٢). إن هو إلا دبوس ثقيل، وحلم بالغ على الرعية، عفّة بلغت الغاية، وورع بغير نهاية، في الحلم ذو وقار كالجبل، وفي الحكم كالقضاء المبرم لخالق الكون:
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت … بقسوة البأس منه رقّة الغزل
هو في أنواع العلوم ريّان، وفي التزود من بضاعتها صاد وعطشان. ومن بين ما أنتجته قريحته هذا الدو بيت الذى قاله في حق أخيه قطب الدين ملكشاه، ملك سيواس وآقسرا، بسبب ما كان بينهما من عداء:
أيها القطب، أنا كقطر الدائرة فلست مشيحا برأسي عنك فطالما أنا كالنقطة فلينسلخ جلد جسدي من الكتف إن أنا لم أنشر علمك من فوق رأسي.
_________________
(١) قارن أ. ع، ٥٧.
(٢) الجدّ الأعلى للسلاجقة، وكان رئيسا لقبيلة من قبائل الأتراك الغزّ.
[ ٢١ ]
حين خرج السلطان غياث الدين من بوّابة قونية، استقبل الأعيان والأشراف السلطان ركن الدين، فاعتذروا عما كان قد بدر منهم من تطاول، فقرأ الآية الكريمة: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (^١)، من مصحف الإغضاء وسورة الإغماض،/ وضرب عن الماضي صفحا، ودخل المدينة بالطالع المسعود في ظل المظلّة الملكية الظليل، وأضفي على العرش الملكي- بعظمة قدومه- رسما وجمالا كسرويا.
وبلغ به السخاء مبلغا جعله يوّزع خراج الجند لخمس سنوات كاملة- وكان قد تجمّع لديه دفعة واحدة- على الخاصّ والعامّ برأس الصولجان في وجود المبعوثين (^٢)، وكان يأخذ بيد الفضلاء والشعراء والفنانين بلطف عنايته من وهدة الفقر والفاقة إلى رياض الدّعة والنّعمة، وحين أرسل إليه إمام الكلام ظهير الدين الفاريابي (^٣) قصيدته المشهورة التي مطلعها:
زلف سرمستش چودر مجلس پريشانى كند … جان اكر جان در نيندازد كران جانى كند
[وترجمتها]:
إذا ما تشوشت ذؤابته السّكرى في المحفل … إن لم يسلم الحبيب الروح، يصاب بالسّقم
_________________
(١) سورة يوسف: ٩٢.
(٢) يعني المبعوثين الذين أتوا إليه بالخراج، قارن أ. ع، ص ٦٠.
(٣) هو أبو الفضل طاهر بن محمد الفاريابي [ت ٥٩٨] من شعراء الفرس الكبار في القرن السادس، مدح الكثيرين من حكام عصره.
[ ٢٢ ]
سّلم مبعوثيه جائزة قدرها ألفي دينار وعشرة من الخيول وخمسة من البغال، وخمسة من الغلمان، وخمسا من الجوارى، وخمسين ثوبا من كل نوع.
ومن عدله البالغ، أنه كان له غلام يسمى إياز، محمود السيرة، وكانت رقعة خاطره بل كان جماع قلبه يميل إلى عشق ذلك القمري الوجه مانع الحبّ، غير أن الغلام كان عائدا ذات يوم من الصيد يحمل على يده صقرا، فالتقى بعجوز كانت تحمل بيدها إناء مملوءا باللبن الخثير، ولشدة تأثير حرارة الشمس واستيلاء العطش عليه وإعواز الماء اختطف الإناء وتناول ما فيه، فركضت العجوز على الأثر إلى المدينة، ووقفت على باب قصر السلطان، وجأرت بالنواح والشكوى صائحة: إن أحد الغلمان أخذ إناء اللبن الذى كنت قد وضعته لإعداد خبز لمن أعولهم من الأيتام، ولم يعطني ثمنا. فأمر السلطان بالتحّري عن أمر تلك/ المظلومة، وهنالك حضر الغلام فقالت العجوز: ها هو ذا الخصم، فأنكر الغلام خوفا من السلطان الذي قال: إن شققنا بطن الغلام ولم يكن قد تناول اللبن فلن يكون جزاؤك إلا القتل؛ فقبلت المرأة.
وفي الحال صدر الأمر إلى الجرّاح بأن يشق بطنه [قالت العجوز؛ لعلكم إن أحضرتم الجّراح فشق بطن الغلام وقلّب أمعاءه ووجدها مملوءة باللبن لزم قتل الغلام أولا وتواترت أحزان السلطان عليه بسبب ذلك، وصدق فيه المثل القائل:
نحن السبب فيما يجري لنا (^١). فأمر السلطان بمعاقبة الغلام في الحال، وأنعم على العجوز بألف دينار] (^٢).
_________________
(١) المثل الفارسي هو: از ماست كه بر ماست، وهو يعني أيضا بسبب اللبن الخاثر ما يجري لنا، وقد أرادت العجوز نفس هذا المعنى.
(٢) اعتمدنا في ترجمة هذه السطور على أ. ع، ص ٦٥ لاضطراب السياق في الأصل.
[ ٢٣ ]
وعلى هذا النحو جرت السلطنة زمنا، ثم انبعث في سويداء قلبه هاجس الغزو، فعقد العزم على غزو الكرج.
وكان سبب ذلك أن تامار ملكة الكرج- وكان لها على مملكة الأبخاز ودار الملك تفليس ما لبلقيس من حكم ونفاذ أمر ونهي- كانت قد سمعت أن للسلطان قلج ارسلان اثني عشر ولدا كل منهم يتمتع بملاحة القمر في السماء وصباحة الملك في الأرض. وكانت هي- مصداقا لقول القائل: أما النساء فميلهنّ إلى الهوى- حيثما وجدت أثر أمير جميل الطلعة فصيح اللسان أخذت تدعوه بلسان التعشّق قائلة: الأذن تعشق قبل العين أحيانا؛ وكانت تجلب الصيد المقصود إلى الشباك إما بالذّهب أو بمعسول الكلام.
وكانت قد بعثت لبلاد الرّوم رسّاما، فرسم صورة كل أمير من الأمراء، فما تحركت جواذب العشق عندها إلا للملك ركن الدين سليمانشاه، فعشقت صورته، وأرسلت من ثمّ مبعوثا تطلب الزواج منه، فطرح قلج ارسلان القضية في الخلوة مع سليمانشاه وعمل على استرضائه وأخذ رأيه، ففتل سليمان حبل العتاب في ذلك الأمر/ الجلل، وقال: كيف يسمح ملك العالم أن يرسلني إلى مملكة الأبخاز- وهي مصطبة الكفر والضّلال- بهذا اليسر لتحصيل مقصد دنيويّ دنيّ، وإني لأرجو أن ينجز الله ما وعد في قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها (^١) بفتح الأبخاز، فأحشد الجند وأذرو تراب تلك الديار في الرياح، ثم آتي بتلك الفاجرة إلى أعتاب السلطان في قيد الإسار والخسار، مأخوذة بالنواصي والأقدام. ولكم أحسّ السلطان من أعماق الروح والقلب بالسرور والارتياح لعلوّ همّة ولده، فأبدى إعجابه بما قال، وطلب إليه المعذرة.
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٠.
[ ٢٤ ]