حين انتقل السلطان ركن الدين إلى الجنّة دار السلام، أجمع أمراء الدولة- مثل نوح ألب وتوز بيك وكان كلاهما قد قدم من توقات المحروسة للانضمام إلى رايات السلطان فتقلدا المناصب الكبرى وصارا موضع الأسرار الملكية- أجمعوا على إجلاس عز الدين قلج أرسلان ابن السلطان على العرش ولم يكن قد ناهز بعد حدّ البلوغ، فبادروا بأداء النعمة/ التي أجزلها لهم الأب من خلال إمضاء مصالح الابن.
ولقد تيسّر فتح ولاية سپرطه- وكانت من أضخم القلاع على سواحل بحر المغرب- في أيام حكم ذلك الطفل المعصوم، وبايع ملوك الإسلام وقياصرة الروم وتكافرة الدّرج (^١) على الولاء له، وظلت الإتاوات والأحمال ترد إلى الخزانة من الأطراف كما كانت من قبل، وسوف نعرض لانقراض تلك الدولة في موضعه.
أما مظفر الدين محمود وظهير الدين إيلي وبدر الدين يوسف أولاد ياغي بسان (^٢)، فلأنهم كانوا يميلون إلى غياث الدين كيخسرو، فقد أخذوا
_________________
(١) إشارة إلى ملوك الأرمن، راجع ما كتبه هوتسما في هامش ص ٢٤ من الأصل الفارسي.
(٢) هو ياغي بسان نظام الدين بن كمشتكين، من أبناء دانشمند، ممن تولوا إمارة سيواس في ظل حكم سلاجقة الرّوم. وقد توفي سنة ٥٦٢. انظر محمد جواد مشكور، مقدمه، صد وشصت ويك.
[ ٢٨ ]
يسلكون طريق الخلاف ويتنكّبون طريق الوفاق، وكان هؤلاء الإخوة الثلاثة قادة مطاعين لدى جند الأوج، فحملوا أمراء الأطراف على الميل للسلطان، وحلفوا الأيمان، وأخذوا المواثيق والحجج، ووقع اختيارهم على زكريا الحاجب- وكان معروفا بكفاءته العالية ومشارا إليه بالبنان في فرط الّدهاء ومعرفة الألسنة واللغات- ليكون رسولهم إلى السلطان. ووضعوا تلك العهود والمكاتيب في تجويف عصا وأعطوها له، وألبسوه ثوب القساوسة، وسيّروه مزوّدا بالوعود الجميلة.
فلما وصل إلى ملك الملك مفروزم، واستدل على بيت السلطان، أخذ في الطواف حول البيت، ولبث يتحين الفرصة، فرأى عند الظهيرة أن أبناء السلطان قد أخذوا في النزهة مع جماعة من الغلمان، وبدأوا- على عادة الأطفال- في بناء طاحون (^١) هناك على أطراف مرج كانت حوافّه الخضراء قد نمت وربت حول صفحة وجهه كأنها شهود. فصعد زكريا عند الملك عز الدين- وكان في الحسن بغير قرين، لم يبدع مصوّر وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (^٢) مثله في/ معمل الوجود: [شعر].
- كان الزمان قد صنع في إثره شيئا فشيئا ما كان موافقا له من ناحية الحسن واختطف قبلة هي زاد الحياة الأبدية، فأسرع الأمير من فرط الغيظ والحنق
_________________
(١) وشرعوا في اللهو واللعب وبدأوا في إنشاء طاحون أ. ع ٧٨.
(٢) سورة غافر: ٦٤
[ ٢٩ ]
لحضرة السلطان، وحين جاء قال مفروزم ينبغى أن تنزلوا به العقوبة، وخوفا من امتهان الشرف، عمد زكريا الحاجب إلى نهر المعرفة ليفتحه، فأزاح طرف القلنسوة عن جبهته، وعند ذلك عرفه السلطان، غير أنه ضرب صفحا عن استقصاء الأمر في ذلك الحين، وأبدى لمفروزم عذرا مناسبا للحال، وأمر أحد خواصّه باللغة الفارسية أن يحتجزه. فلما خلا القصر من الأغيار طلب السلطان زكريا، فدخل من الباب مسرعا متبخترا كأنّما هو السعادة والإقبال، وقال:
كانت نتيجة هذه الجرأة هذه القربى، قال السلطان: كيف حال أخي؟ أجاب:
هو في أوج العظمة، استولى على مملكة الأبخاز وأذعنت له ولاية الكرج. ثم تبسّم في وسط الكلام. قال السلطان: ولم الضحك؟ فاقترب منه، وأفضى إليه بما حدث برمّته، ووضع أمامه الخطوط والعهود، فلما طالع المكاتبات والعهود، انهمر الدمع من عينيه بالرغم من امتلاء قلبه بالنار بسبب جور أخيه وما رآه من ظلم لا حدّ له، وأظهر الأسف على وفاته.
ومن ثم استدعى الملك مفروزم، وقصّ عليه ما حدث، فأعلن الحداد ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع قال السلطان إنه قد أزمع التوجّه إلى/ الممالك الموروثة.
قال مفروزم: كل ما عندي فداء لك، فلتأخذوا الأهبة للرحيل، ويسير هذا العبد أيضا في ملازمة ركاب المليك. وكان من قبل قد جعل ابنته التى زوّجها للسلطان، وابنه ملازمين للحضرة السلطانية، فبذل السلطان للجميع جميل الوعود، وارتحل.
[ ٣٠ ]
وحين وصل إلى أزنيق حال فاسليوس بين السلطان وبين المسير، وقال إنني قد عاهدت ابن السلطان ركن الدين باليمين المغلّظة فلا يمكن أن أدع السلطان يتجه نحو ملكه، ولبثوا بضعة أيام في هذا القيل والقال، وفي النهاية استقر الأمر على أن يسلّم لنوّاب فاسليوس ما كان السلاجقة قد فتحوه من ولاية الروم حتى حدود قونية مثل: خوناس ولاديق وغيرهما من البقاع وأن يترك السلطان أبناءه مع زكريا كرهينة هناك، ويمّر السلطان بنفسه، فإن جلس على العرش وسلّم المواضع المذكورة لمندوبي فاسليوس انصرف الأبناء من هنا. وعلى هذا الأساس تحرك السلطان ومفروزم وسائر الخواصّ إلى نواحي الأوج.
ولما انقضت بضعة أيام ذهب زكريا إلى فاسليوس وقال: إن أبناء الملوك ذوو حّس مرهف، ينتابهم الملل من الجلوس في البيت. فأذن فاسليوس بأن يركبوا للنزهة مرتين في اليوم، فيتنزهون في مروج أزنيق الأنيقة، [وأمر عددا من خواصه بملازمتهم، فغمرهم زكريا الحاجب بالإنعام والإحسان] (^١)، وأخذ يستدرجهم بالإيهام والكناية إلى حيّز الدعوة، فأقسموا (^٢) بالإنجيل والصليب.
وذات ليلة عند صلاة العشاء ركب الأمراء، وولّوا وجوههم شطر إحدى مناطق الصيد، وفجأة بدا أمامهم خنزير بريّ واتجه نحو ممالك الإسلام خوفا من السيف والسهم، فتفاءلوا بذلك، وقالوا [شعر/]:
_________________
(١) أ. ع. ٨١، والنص مضطرب في الأصل غاية الاضطراب في هذا الموضع.
(٢) في الأصل: فأقسم بالإنجيل والصليب، قارن أ. ع ٨٢.
[ ٣١ ]
غدت الدنيا اليوم وفق مرادنا … وصار مسيّر الفلك عبدا لنا
صار التفويض بملك البلاد من الله باسمنا … دون أن يمتنّ أحد بذلك علينا
ثم مضوا في طريقهم يسابقون الريح الصرصر العاتية مجتازين السهول والبيداء، وحين تبدّلت ظلمة الدّيجور بكسوة النّور كانوا قد وصلوا إلى حدود بلاد الإسلام.
كان السلطان لا يزال منشغلا بتدبير مهمات الأوج وتأليف أهواء الأمراء في تلك الناحية، فأرسل زكريا إلى السلطان رسولا يبلغه بألا يسلّم القلاع والبلاد، فقد تعدّى الأمر ذلك ووصل الأمراء مشمولين بالسلامة إلى التخوم كالنجوم، ولحقوا بحدود ملك الجدود، فقذف السلطان لدى سماعه هذا الخبر قلنسوة الاغتباط والسرور عاليا في هواء التوفيق. ثم فرغ من مهامّ الأوج، وسار متعجّلا نحو قونية.